التحليل النفسي والعالم اللاغربي
محاولة عولمة فرويد

عند تناولنا التضارب الظاهر بين طبيعة البشر المتماثلة مبدئيا في مختلف أرجاء العالم وبين الاختلافات التاريخية الوجودية بين الشرق والغرب، يتضح أكثر فأكثر أن علم النفس التأملي الفرويدي يكتسب صلاحية عالمية، إلا أن المفاهيم المطورة عنه ومناهج التحليل النفسي العلاجية تبقى مقصورة أوروبيا، وبحاجة إلى تطوير حصيف عند تطبيقها على العالم غير الغربي. من المشجع، من الناحية الأخرى، أن موقف فرويد المتشكك الاختزالي تجاه وجود الإله قد أينع في مفاهيم نظرية ذات شمولية أكبر.

نشأ علم التحليل النفسي في غرب أوروبا في مع أول أضواء فجر القرن العشرين. وكان واضع أسسه، سيغموند فرويد (١٨٥٦-١٩٣٩) يهوديا، وهكذا كان معظم تلاميذه الأوائل وأتباعه. وشكل اليهود، والزوار اليهود الدائمون من الخارج، غالبية أعضاء »جمعية الأربعاء للتحليل النفسي»، التي شكلها فرويد في فيينا/ النمسا(حوالي ١٩٠٢)، ومن ثم توسعت بفضل هذه الجماعة المختارة إلى »جمعية فيينا للتحليل النفسي». ولكن ما بدا تجانسا روحيا في البداية سرعان ما صار تنسكا أحادي المذهب يقلق فرويد. شعر فرويد بأن ذلك قد يعرقل قبولا واسعا للجمعية بين المحللين النفسيين. ولهذا فقد رحب بانضمام الأوروبي الشمالي البارز كارل يونغ والويلزي المتمكن ايرنست جونز إلى دائرته. وفتح وعي فرويد أبواب هذا المعبد اليهودي أمام المسيحيين رغم تعثر جهوده لتلميع صورة يونغ كخليفة له. إلا أن العواقب النفسية، والعلاقات الشخصية، والسياسية الاجتماعية لمثل هذا الخليط لم تؤخذ بعين الإعتبار على أية حال. وليس هناك أكثر من إشارات خجولة ظهرت حينا في بعض مراسلات المحللين الشخصية، وفي بعض ما تناقلته الإشاعات، وفي شيء من الاعترافات المرتبكة، عن الانقسام الإثني في العمل والخلاف الصغير في المفاهيم بين صفوف المحللين النفسيين داخل المزيج الثقافي اليهودي ــ المسيحي. زُج المنتمون الجدد في دوامة التحليل النفسي النظرية والتقنية العلاجية التي واصلت تركيزها على القضايا النفسية الضمنية مثل الرغبة والقلق واستثنت، في ذات الوقت، الموروث الاجتماعي الثقافي للفرد. ففرويد أكد مرارا على أن الواقع النفسي هو المقرر في قضايا المعاناة العقلية، وليس الواقع الخارجي.

مواجهة »لواقعة« الواقعي

أدت العواقب النفسية التي شهدها الناجون من فظائع معسكرات الاعتقال النازية، وانتقلت إلى الجيل اللاحق منهم أيضا، إلى يقظة رعب إثنية ـ ثقافية عنيفة بين المحللين النفسين. إذ ظهر واضحا أن العقل الفردي لايوجد بمعزل عن محيطه الاجتماعي ـ السياسي، وأن التركيبة النفسية بحاجة إلى حافز مغذ من المحيط الخارجي كي تحافظ على استقرارها. فضلا عن ذلك، خلق يهود المهجر مابعد المحرقة مواجهة سريرية بين المحلل الأوروبي »المهاجرة«، أي الأوروبي الذي هاجر إلى أميركا وأصبح طبيبا نفسيا، وبين المرضى المختلفين ثقافيا من شمال وجنوب أميركا. واتضح من ذلك أن الأخذ بالاختلافات الإثنية والدينية في التحليل النفسي قد يحفز كامل عملية التحليل النفسي، في حين أن التغاضي عنها قد يعقدها. وهكذا صار التحليل النفسي، فيما هو يركز في الغالب على العالم الداخلي، يمنح انتباها أعظم للواقع الخارجي.

ارتبكت الأمور أكثر مع تغير قوالب التركيبة السكانية على مستوى العالم، وعلى وجه الخصوص مع الرتوش الديموغرافية التي فرضت نفسها على الولايات المتحدة وغرب أوروبا. وبدأ مهاجرون من الشرق إلى الغرب، من مختلف الهويات )هنود وإيرانيون ونيجيريون وأتراك كمثل(، ينضمون إلى عالم التحليل النفسي بصفة مرضى ومتدربين وأطباء محترفين. وبالنتيجة أصبح انطباق نظرية وآليات التحليل النفسي الغربية على هذا التنوع السكاني الإثني ــ الثقافي موضع تساؤل. ووجدت مثل هذه الشكوك حافزا جديدا لها بعد زيادة الاهتمام بالتحليل النفسي في البلدان السائرة قدما على طريق التمدن مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية، وعلى نحو أقل في تركيا. وهنا أصبح إغناء التحليل النفسي بالخصوصيات الإقليمية أمرا لامناص منه.

ومن هذا المنطلق أصبحت قراءة جديدة لـ »عقل الطفلة« عند فرويد أمرا مبررا. وعلى أية حال، لابد للمرء، كي ينهض بهذه المهمة، أو كي تناولها بمعقولية، أن يؤكد على أن المجموعة الكاملة لأعماله )وأعمال تلاميذه( تقع في أربعة أبواب. وهي بالاسم:

  1. علم النفس التأملي
  2. الفرضيات الخاصة بتطور الشخصية وانحرافاتها
  3. طرق علاج الاضطرابات العاطفية
  4. تصورات حول الإبداع والدين والحضارة بالمعنى العام.

وهذه نظرة عامة في هذه الأبواب الأربعة الخاصة بأفكار التحليل النفسي ومدى انطباقها الفعلي على الثقافات المختلفة.

علم النفس التأملي

أطلق فرويد نفسه اسم »علم النفس التأملية« على طريقته في فهم الظاهرة العقلية من المنظور الحركي، والطوبوغرافي والاقتصادي. استخدم المنظار الحركي في تفسير الظاهرة العقلية بمفردات تفاعل القوى. إذ يمكن أن تكون هذه القوى متناقضة أو متكافلة، طفولية أو معاصرة، وتقدمية أو رجعية. ربما تكون متأصلة جسديا ولها أهداف حسية خاصة أو ربما تنطوي على سلوكيات أخلاقية محبوسة في دواخل حياة الفرد الماضية. ويمكن للتفاعل بين هذه القوى أن يقود إلى صراع نفسي داخلي. هذا يفتح باب الاحتمالات على نتائج متنوعة ممكنة، منها تكوينات تساومية، أو إشباع رغبات منحرفة أو مقنعة، أو الوصول إلى طريق مسدود، أو كبت أوشلل نفسي. ويشير المنظور الطوبوغرافي إلى حقيقة وجود جوانب وعي، ووعي مسبق، ولاوعي في كل ما يفكر فيه الإنسان أو يفعله أو يشعر به. الأول معروف للبشر، والثاني يمكن أن يصبح معروفا، في حين يوجد الثالث خارج وعينا تماما ولا يمكن أن يطفو بسهولة على السطح. وإضافة إلى مكانتها النفسية، فللوعي والوعي المسبق واللاوعي خصائص فاعلة مختلفة في إطار الظاهرة العقلية. كان الوسيط الذي يعبر عن نظامي الوعي والوعي المسبق مجازي ومفرداتي، في حين كان وسيط التعبير عن نظام اللاوعي ملموسا وحسيا. فضلا عن ذلك هناك نوع من الرقابة بين الوعي والوعي المسبق وبين الوعي المسبق واللاوعي؛ وعلى مادة اللاوعي أن تغير شكلها من »عرض الأشياءة« إلى »عرض بالكلماة« عندما تكون قد عبرت خلال حاجز الرقابة. ومع الأخذ بالـ »النموذج الثلاثية« للعقل )الـ هو والأنا والأنا العليا( تصبح العمليات الدفاعية للأنا وبعض الأوامر الأخلاقية للأنا العليا ذات أثر محسوس في الطّيات العميقة للاوعي.

تعامل المنظور الاقتصادي مع طاقة القوى التي تقف خلف الظاهرة العقلية. وتفترض أن الطاقة النفسية تقرر طبيعة العمليات الذهنية؛ وهكذا غدت الحركة السهلة وانخفاض عتبة تفريغ التوتر يميزان »عملية أولية»، بينما أصبح الاستقرار وارتفاع عتبة تفريغ التوتر يميزان »عملية ثانويةة«. تبحث الأولى عن خلاص سريع من التوتر، وتسمح باستبدال موضوع بموضوع آخر، وتسمح بانبثاق فكرة مع أخرى، ولاتنثني أمام كوابح الزمن والتناقضات. بينما ترتكز الأخيرة على مزاعم لفظية مخلصة للمنطق الأرسطوطاليسي، تحترم الزمن، وتستجيب للأفكار العقلانية. ومن بين المفاهيم التي أدرجت تحت مفهوم المنظور الاقتصادي هي شدة الدوافع، درجة الإثارة، شحنة التوتر ومقدار المشاعر اللازمة للحيوية النفسية. ثم أضيف منظوران لاحقا لهذا التصور الفرويدي، ويتضمنان المنظور الجيني الذي يفترض أن كافة عواطف الإنسان الناضج وأفكاره وتصرفاته يمكن تقصيها حتى أشكالها البدائية في الطفولة؛ ثم المنظور التكيفي الذي يفترض أن السلوك البشري، بضمنه السلوك غير السوي، يخدم غرضا نافعا للفرد.

كل منظورات علم النفس التأملي هذه (الحركي، الطوبوغرافي، الاقتصادي، الجيني والتكيفي)، وما أضيف لها مؤخرا على قائمة أشكال العمليات العقلية الدفاعية (مثل الاضطهاد، التصورات، التسويغ، التخريب،الإنكار، الانفصام)، تعتبر المحك في نظرية التحليل النفسي، وأهم جوانب ديمومتها وصلاحيتها الكونية. وأثبتت الدراسات التحليلية النفسية في الأدب الروائي، وفي الشعر، وفي كتابة السير الذاتية، من كل أرجاء العلم، كما هي الحال مع العمل السريري مع المرضى المهاجرين من مختلف المنابع القومية والإثنية، بشكل مقنع أن نظرية التحليل النفسي التأملي الفرويدية تفيد في فهم العقل الشرقي كما أفادت في فهم العقل الغربي. ولم تتمتع المساهمات الأخرى في التحليل النفسي بنفس عالمية التحليل النفسي التأملي، كما سيظهر من المعالجات اللاحقة.

تطور الشخصية

وضع فرويد وأتباعه الأوائل (خصوصا كارل ابراهام وشاندور فيرنتشي و اوتو فاينشل) فرضية عالية التخصص حول كيفية تطور رضيع في مستهل تكوينه النفسي إلى إنسان بالغ فعال بحس من الاستقلالية، والاستقرار وقوة الشخصية. ركزوا عملهم، وهم يرفعون قبعاتهم احتراما أمام دور الوراثة، على تأثير التخلّق المتعاقب (نظرية تقول بأن الجنين يتكون بسلسلة من التشكلات المتعاقبة، وهي تناقض نظرية التخلق السبقي القائلة بأن جميع أعضاء الجنين موجودة وجودا سبقيا) على الحاجات الجسدية للطفل (مثل الحاجات الفمية والشرجية والقضيبية) في تشكيل العلاقة مع الوالدين وتكوين أهم معالم فترة الطفولة. كيف تدفع الحاجات الجسدية العقل للبحث عن خلاص وكيف تحكمت الاستجابية البيئية لهذه المحاولات بمستوى الراحة والتأهيل والنشاط وانبثاق الشخصية النفسية. أُرسي عمل العقل على نماذج تطور جسدية أولية (الأنا أولا، وهي أنا جسدية قبل كل شيء). كانت الفوارق الجنسية حاسمة، وكان الطفل الأنثى مغضوبا عليه في نظرية التحليل النفسي البدائية بحكم ولادة الأنثى بـ »عضو متدن« (من هنا »حسد القضيب«). وبداية، لأنها لم تمتلك شيئا كثيرا تخسره، فلديها حاجة ضئيلة لتطوير آلية لكبح عواطفها. بينما نرى أن الرجال الذين يواجهون مخاطر الإخصاء كانوا متفوقين في قضايا الأخلاق وحسن الأحكام العقلية. اعتبر فرويد علم التشريح »مصيريا» واعترف على هذا الأساس بالدور الفاعل لعلاقة الطفل المبكرة مع أمه أو أمها، وحصر اهتمامه في العواقب النفسية للتشكيلة الأوديبية المثلثة للعائلة. اعتبر التعرض للـ »مشهدالأولي« (جماع الوالدين) صدمة بالغة للجنين، وافترض للعامل الأوديبي تأثيرا عميقا على تطور صفات الشخصية اللاحقة.

خضع هذا النمط »الكلاسيكي« من التطور إلى تعديلات كبيرة بفعل التأثير التصحيحي لمنجزات الحركة النسوية والاستدلالات الناجمة عن مراقبة سلوك الأطفال. أبرز محللون نفسيون كبار ظهروا في حقبة ما بعد فرويد (منهم ميلاني كلاين، وجون بولبي، ودونالد وينيكوت، ورونالد فيربيرن ومارغاريت مالر) التأثير العميق للعلاقة المبكرة بين الأم والطفل، مؤكدين على العلاقة الجدلية بين النزعات الطفولية المكتسبة وراثيا والنزعات العاطفية الجسدية المترسخة »المزاج«، واستجابة الأم لوليدها. أضفى هذا اهتماما أكبر على دور الصلة والانفصال بين الأم والطفل بالضد من دور الرغبة الأوديبية والإخصاء في تكوين الشخصية. وفقد الجسد هنا أولويته على المسرح متخليا عن دوره للعلاقاتية، »لرابطة القربى«. أُهملت ورقة اللعب الفرويدية القضيبية، وصار ينظر إلى المرأة كصاحبة أشكال خاصة في التعبير عن الأخلاق والفضائل، لكنها لاتقل شأنا عن الرجل في هذا المضمار. ما عاد »الحسد القضيبي« كليّ الوجود (صالحا لكل مكان)، وصار يظهر فقط في العائلات التي تقلل شأن المرأة، وحيث الأب والأشقاء مؤلهون. التطور المهم الآخر كان افتراض إريك إيركسون القائل بأن التحديات التي تواجهها الأنا المتضخمة، ومعها المنجزات التي تحققها، لاتظهر من خلال علاقة الشخص بعائلته فحسب، وإنما من خلال عالم اجتماعي أوسع (مثل المدرسة وموقع العمل). وما عاد ينظر إلى المجتمع العام كمجرد انعكاس خارجي للتركيبة النفسية الداخلية، بل كعامل له وجود ويفرض تأثيره على نمو الشخصية.

هيمنة نفسية غربية لايرقى إليها الشك لم تمس هذه الفرضيات »التقويمية« الإيجابية صلب نظرية التحليل النفسي المقصورة أوروبيا. فكل المنظرون كانوا بيضا من أصول أوروبية. وكان كل المرضى (والأطفال الذي اخضعوا للرقابة والتحليل)، الذين نشأت على أساسهم هذه الفرضيات المطورة، بيضا ومن أصول أوروبية. نظام مغلق، يمثل الهيمنة الأنجلوسكسونية واليهودية المسيحية، تم تطبيقه بدقة، أو ربما ليس بكثير من الدقة، على التطور العقلي لبشر من ألوان وبقاع القسم الشرقي من العالم. محللون نفسيون بيض من أوروبا، ومن شمال أميركا، مسيحيون ويهود، يعلنون أن »خطوط التطور« الخاصة طبيعية وتنطبق على بشر آخرين، لنقل مثل اليابانيين أو العراقيين، بل وعلى أطفال السودانيين أيضا. ما يؤكد صعوبة تصديق مثل هذا الطرح هو إغفال، أو عدم الاعتراف بتأثير مجموعة كاملة من القرائن القائمة، أو أنه تم الاعتراف بتأثيرها بعد فترة طويلة، وهي العلاقات العائلية المختلفة تماما، واختلاف شروط العيش، والفولكلور المحلي، والتقاليد الثقافية، والمعتقدات الدينية.

للتأكد من ذلك، نلاحظ أن الفرضيتين الأساسيتين في تطور الطفولة، التي أكد عليها المحللون النفسيون (أي نكران الهيمنة الكلية الطفولية ونشوء الحاجز ضد سفاح القربى)، هما فرضيتان مهمتان لتطور الشخصية عبر الحدود المنطقية والعنصرية والدينية، لكن هناك فوارق أساسية (بين الغرب والشرق) مع ذلك. وعلى أية حال هناك فوارق مهمة أخرى تتواجد ما وراء هذه النقطة أيضا. ويهمني الإنجاز البارع الذي حققته جينيفر بونوفيتس، المتخصصة في التحليل النفسي للطفل، حينما اتخذت الخطوة المهمة التي منحت نظرية الانفصال وتكوين شخصية الطفل شكلها، هذه النظرية التي وضعتها أساسا الهنغارية الأصل مارغريت مالر، حينما انتقلت إلى اليابان بدلا من الولايات المتحدة، بعدما خطفت المحارق اليهودية الأنظار في تحليل هذه المفاهيم النفسية. وهو ما أثار جملة من الأسئلة المنوعة حول الموضوع. كم ينبغي أن يكون الفرد منفصلاً نفسيا عن والديه كي يصبح طبيعيا؟ كم درجة من اختلاطات الحالات النفسية تسمح بها الصحة العقلية؟ ما مبلغ الرعاية »الطبيعية« التي يبديها الفرد بالعائلة، وبالأكبر سنا منه، وبالتعيين، بالعناية الاجتماعية بمفهومها العام، عند اتخاذه القرارات المهمة في الحياة؟ هل تعكس »الأشياء العابرة« (مثل دمية الدب أو البطانية الناعمة) التي ينالها الطفل في المرحلة الثالثة من سنة حياته الأولى طورا طبيعيا خاصا أم أنها مجرد وسائل متخصصة في مجتمعات معينة حيث يدفع الطفل مبكرا للاستقلال بشخصيته؟ ما طول الفترة الطبيعية لمرحلة الإرضاع؟ كم يكفي من التلامس الجسدي بين الطفل والوالدين كي يكون صحيا لنمو الطفل؟ هل التركيبة النفسية للعائلة الأحادية (أب وأم وطفل فقط) مماثلة للتركيبة النفسية داخل عائلة كبيرة متعددة الأجيال؟ ما تأثير انفصال غرفة نوم الوالدين في مجتمعات لا تعرف مثل هذا العرف وحيث ينام الأطفال والبالغون في غرفة واحدة؟ هل عقدة أوديب كونية ثابتة؟ ما هو الخط البياني لتخيلات أوديب الجنسية؟ هل يكتسب الخوف الفرويدي من الإخصاء تأثيرا أكبر بين المسلمين الذي يجري ختانهم في أوج المرحلة الأوديبية (أي في سن ٤ - ٥ سنوات)، وهل يبطل مفعوله بين الهندوس الذي لا يختنون أولادهم أبدا؟ أينبغي أن يكون الاضطراب ملازما لمرحلة المراهقة؟ وما إلى ذلك من الأسئلة. المشجع في الموضوع هو أن الأبحاث في هذه الأسئلة تتراكم، وأن كولونيالية الفكر التحليلي النفسي الأولية تتآكل. وانفتح قاموس التحليل النفسي أمام فرضيات شرقية جديدة مثل فرضيتي الـ »اماي« و »تحريم النظر« اليابانيتين (وضعهما تاكيو دوي و أوسامو كيتاياما على التوالي)، وفرضية »الامتثال وطاعة الوالدين« الصينية (وضع خطوطها مينغ دونغ مو) وفرضية »الأسر الأمومي« و »سيتا شاكتي« و »عقدة تيشانكو« الهندية (أكد عليها سودسر كاكار، جازوانت كودر، و شاليش كاباديا على التوالي)، كما صار الاهتمام المتزايد بالتحليل النفسي في تركيا وإيران يكتسب ملامحه النظرية. ورصد كتاب سلمان أختر »الهلال وسرير الطبيب« بعض التيارات المتناقضة بين الإسلام وعلم التحليل النفسي. وأسهمت كتابات عائشة عباسي (محللة نفسية باكستانية أميركية)، وكتابات ياسر الدباغ (المحلل النفسي الوحيد في العالم المولود في المملكة العربية السعودية) في وضع المزيد من اللبنات في هذا البناء النظري المهم أيضا. وعلى أية حال، تم تكريس هذه الكتابات في تطوير نظرية التحليل النفسي والارتقاء بها إلى حالة كونية. التقنيات العلاجية لخص تأكيد فرويد، على أن المصابين بالهيستيريا يعانون من ذكريات ماضية، كامل الافتراض الأساسي لنظرية التحليل النفسي بالعلاقة مع علم النفس. وجرى التعامل مع كافة المعاناة النفسية بمثابة خبرات وتخيلات تنبعث من تناقضات الطفولة. وهكذا كانت معاناة مرحلة البلوغ عبارة عن مفارقات تاريخية تعبر عن نفسها في حالات عقلانية وأخرى مقنعة لعالم الفرد الداخلي، وتؤلفها التناقضات بين الأمنيات المحرمة بالضد من الوصايا الأخلاقية.

علاوة على ذلك نجم معظم علم النفس المرضي عن »التركيز« على عقدة أوديب الطفوليةـ رغم أنه، وبكل أمانة، وجد الاعتراف، القائل بأن بعض الأحداث الآنية قد تفرض تأثيراتها على مرحلة البلوغ، مكانا له ما بين هذه التحليلات. ركز المحللون النفسيون ما بعد فرويد على مرحلة »ما قبل الأوديبية« المتعلقة بتطور الفرد البالغ وأضفوا أهمية أكبر على دور الروابط الاجتماعية الممزقة والتشاؤم اللاحق، وانعدام الثقة، والجوع، والخوف والأنانية في عذابات حياة البالغ. انعكس كلا المنظورين السببيين على الطرق المحسنة المتبعة في علم التحليل النفسي. استندت نظرية فرويد، التي اتبعت بلا نقاش من قبل جيلين من المحللين النفسيين، إلى ثلاثة أعمدة تقنية، وهي الغفلية والامتناع والحياد. وعلى هذا الأساس لا يكشف المحلل النفسي شخصيته ويعمل مثل المرآة تقريبا، يعكس ما يختلج في دواخل مريضه لنفسه (الغفلية). والمحلل لا يلبي طلبات المريض للكشف عن نزعاته الجنسية المعلنة والمستترة طالما أنه بذلك سيوفر بهذه الطريقة ملذات بديلة له، ويعرقل بذلك حل التناقضات داخل المريض بالتأويل (الامتناع). ويتبني المحلل النفسي موقفا »بلا أحكام« ويقف على مسافات متساوية من رغبات المريض ونوازعه الأخلاقية وحقيقته (الحياد).

يسهل فحسب »التدفق الحر« لأفكار المريض (التدفق الحر وبلا رقيب لأفكار وصياغات المريض)، ولا يصرح بما يعارضها، ومن ثم يفسر ما كان يريد المريض أن يفصح عنه، رابطا إياه بمشاعر وتخيلات المحلل النفسي (التحويل) التي هي إحياء لتجارب الطفولة. تعين هذه الطريقة المريض، أو المريضة، على اكتساب »بصيرة«. يستطيع، أو تستطيع، بعدها العيش دون تناقضات ترتبط بالطفولة. تم لاحقا »تلطيف« هذه الطريقة العلاجية في علم النفس من خلال السماح بتدخلات عقلانية أكثر دفئا، واستجابات أكثر عاطفية تسري بالاتجاهين (بين المريض والمحلل). وعلى أية حال ارتكز هذا العمل (في الغالب) على محللين نفسيين غربيين بيض يعالجون (في الغالب) مرضى غربيين بيض. ما مدى انطباق هذه المنهجية على مناطق في العالم حيث لا يمتلك المريض حياة منفصلة ولا رقابة نفسية على الذات، وربما يتمتع بحس لهوية جمعية تتخطى انفصالية الفرد؟ وربما تكون موضوعة ألان رولاند »النفس العائلية» بين الهنود هي المعنية هنا بالأمر. وموضوعة ارمغراد ديتبارنز (محللة نفسية ألمانية عملت لفترة طويلة في الصين) ذات صلة أيضا بالموضوع، لأنها لاحظت من خلال مراقبتها »الجماعية« الآسيوية كيف أن وظيفة كلمة »أنا« في اللغة الصينية لا تشبه وظيفتها في اللغة الهندوجرمانية. وعندما أطلقت ديتبارنز تعبير » ثقافة المنحنيات« فإنها أردات التعبير عن عدم وجود نمط التفاهم المباشر والمفتوح الذي عرف به المريض الغربي بين الصينيين الذين يتحدثون بأسلوب موارب وغير مباشر. ركز موك سوك لي على الدور العميق للتفاهم غير الشفهي في الخلافات داخل الطب النفسي الكوري، وكيف تحول الثقافة الكورية المتمحورة حول العائلة دون وصول العديد من الاعترافات المهمة من المريض إلى المحلل النفسي. ولاحظ سودير كاكار، المحلل النفسي الهندي الرائد، أن اهتمام المحلل النفسي الإنساني وحدسه المحترم في الهند يحتاج إلى المزيد من الرعاية والصراحة. ويضيف كاكار أن على المحلل النفسي الهندي أن يكون أكثر ميلا لإلقاء المواعظ، في المرحلة الأولى من العلاج في الأقل، كي يبعث ويعزز »الاستبطان الجغرافي الحيوي«، الذي هو حاجة أساسية مهمة لعلاج المريض، ولكنه على نحو عام، ليس الصفة المميزة للعقل الهندي الاعتيادي. يبدو إذن، أن تحويرا ضئيلا في التقنية العلاجية، بميل أكبر نحو التناول العلاقاتي والذاتي المشترك، لا مفر منه عند ممارسة التحليل النفسي السريري في العالم اللاـ غربي. ولابد من إضافة: لا توجد معطيات حول الأساليب العلاجية النفسية في أفريقيا والبلدان العربية. ومثل هذه الثغرة الجيوسياسية شيء لا يمكن تصديقها، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن سن علم النفس التحليلي قد تخطت المائة وخمسين سنة. وعندما تتوفر، أو إذا توفرت، مثل هذه المعطيات، سيقع على فطاحلة تقنية العلاج النفسي أن يستجمعوا كل قواهم العقلية كي يتصدوا إلى هذا التحدي الكبير.

الثقافة والحضارة تحظى مساهمات فرويد في موضوع فهم الثقافة بقبول واسع. إذ أكد على العملية التي يتحول فيها الاستعداد الذاتي، بل وحتى أشنع عناصر الذاتية المفرطة، إلى كتابة إبداعية. وسلط الضوء على جدل العلاقة بين الحضارة وفقدان الإنسان لفطرته، وبين الطبيعية الحيوانية الناجمة عن اغترابها في اللاوعي، وبين الثقافة التي يولدها الاضطهاد، والاضطهاد الذي تولده الثقافة. طرح فرويد أيضا تأملاته حول حتمية الحرب، إن لم نقل ضرورتها، وتقفى أثرها في العدوانية التي يرثها الإنسان بطبعه. والأهم من ذلك، أنه تصدى لموضوعة الاعتقاد الديني.

وفرت فلسفة القرن العشرين الوضعية قبولا حسيا لأحكام فرويد حول الإله. إذ أنه عزز الأصوات التي كانت تختمر في عقول الأنتلجنسيا الغربية. وتأكد أن الفظائع الغنية عن التعريف التي ارتكبت باسم القومية الدينية في أوروبا المتمحورة حول القومية، وحول توأمها المفاهيمي متمثلا بالاعتقاد الديني، كانا سلعتين خطرتين. إذ أديا إلى تسمم الوعي العام بالفوقانية وأرسيا الأرضية الخصبة لاضطهاد الآخر وإلى الوحشية والتصفية العرقية. اقتفى المحللون النفسيون الأوائل أثر فرويد قلبيا، وكانوا أنفسهم ضحية هذا الاجحاف، الذي اعتبر الدين مجرد خدعة، وتابعوا الأمل الذي عبر عنه بالقول أن العلم سيؤكد عاجلا أم آجلا هيمنة العقلانية في إدارة الشؤون الشخصية والاجتماعية. وهكذا تعذر الفصل بين التحليل النفسي والإلحاد. اُعتبر الآله بدعة من بدع خيال الإنسان تمليها تبعية تشبه تبعية الطفل للحاجات الخارجية وتحوله إلى عبد بالضد من قدرة التحرر من الوهم داخله، وداخل قدرة الوالد الكلية المفترضة لاحقا. وأصر فرويد على أن الإله وهم ستتبدد الحاجة له مع توصل العلم إلى الإجابات اللازمة لتفسير الظواهر الطبيعية، ومع تشرب الإنسان بالسلاح المادي والمعرفي الكفيل بقهر تبعيته الطفولية. وجرى تبني هذا الموقف من قبل المحللين النفسيين اللاحقين الذين صاروا ينظرون إلى أي اعتقاد ديني، وكل اعتقاد ديني، كنقيض للسلامة العقلية. وبالتدريج بدأت الصدوع تظهر في درع هذه النظرية. استحق إهمال فرويد الكامل لدور الأم في تصوره عن الإله عناية بعض المحللين النفسيين. وتساءل البعض ما إذا كان العقل الذي تحكمه العقلانية بمفردها فقط سيكون سليما حقا. إلا يحتاج الإنسان إلى شيء من الإيمان والاعتقاد وإن كانا خياليين؟ كيف سيتصرف الفرد دون التعايش المشترك للواقعي وغير الواقعي؟ إذا كان الأمر كذلك فان الاعتقاد الديني ينتمي إلى تلك المساحة الغامضة من الحسية البشرية التي تشمل الأدب والألعاب والحب والإبداع عموما. بالنظر إليه من هذ المنظور الضيق يبدو الإله مثل قصيدة رائعة. فضلا عن ذلك ارتكزت تصورات فرويد عن الإله على التضاد مع مسار النموذج الأبوي للديانة اليهودية المسيحية، المخيف والعقابي، المقيم في أعالي السماوات. فإله فرويد، عكس آلهة الهندوس، على سبيل المثل، لايمكن أن يكون صديقا، أو حبيبا، أو إمرأة، أو طفلا، أو حيوانا. وكانت أكثر التصورات بعدا عن مفاهيم فرويد حول الإله تصور الإله كتجسيم مطلق وكلي الوجود والمعرفة والنظام ينتشر في الكون مثل بطانية ناعمة مفروشة على طفل. واقترب المحلل النفسي ويلفريد بيون، المحسوب على فترة ما بعد فرويد، في بعض فرضياته من هذا المنظور حول المعتقدات الدينية. إن الرابطة بين علم النفس الفرويدي والدين مهمة جدا في تطبيق الفكر التحليلي النفسي على مناطق العالم التي ينتشر فيها الاعتقاد بالإله كثيرا. وكان صدور كتاب تقييمي جديد لكتاب فرويد حول الدين، بعنوان »مستقبل وهم»، وساهم فيه عشرة محللين نفسيين بارزين، ناقشوا فيه سخريته من حاجة الإنسان للإله، دليلا على أن التحليل النفسي صار يضع هذه الأحجية الاحتمالية بعين الاعتبار. وأصبح من الواضح أن اهتمام التحليل النفسي بالدين قد انتقل من المنشأ النفسي للاعتقاد بالإله إلى الوظائف النفسية لهذا الإيمان. فضلا عن ذلك، جرى النظر إلى كل من الإيمان والإلحاد كموضوعين منسجمين مع الأمراض النفسية (طالما ينجم الأول عن شكوكية متأصلة، وطالما يخدم الثاني الهدف الروحي لنرجسية جنون العظمة)، ومنسجيمن أيضا مع الصحة النفسية (طالما ارتكز الأول على الفرز المعتاد مع الوالدين المؤمنين، وطالما انغرس الأول في الذهن مثل مشاعر الإذلال والسماحة والعرفان التعويضي بالجميل تجاه العالم). مثل هذا الانضاج لموقف فرويد تجاه الاعتقاد الديني سيشق طريقه بتحويرات حصيفة بين الثقافة الشرقية وعلم النفس المتعمق في الغرب.

الخلاصة طالت هذا المعالجات الواسعة كامل أعمال فرويد (وأعمال المحللين النفسيين العظماء اللاحقين) في أربعة مواضع، وهي بالأسم: علم النفس التأملي، وتطور الشخصية، والتقنيات العلاجية، والتصورات الاجتماعية. وبتبنيها‭ ‬النقاط الفضلى في كل من »داخل النظام« و »خارج النظام« (نظام فرويد) حاولت هذه المعالجات تطوير أفكار علم النفس التحليلي ودفعها إلى الأمام على طريق جعلها صالحة للتطبيق على المستوى العالمي. وتوصلت هذه المقالة، بتناولها للعلاقة بين طبيعة البشر المتماثلة مبدئيا في مختلف أرجاء العالم والاختلافات التاريخية الوجودية بين الشرق والغرب، إلى أن علم النفس التأملي الفرويدي يكتسب صلاحية عالمية، إلا أن المفاهيم المطورة ومناهج التحليل النفسي العلاجية تبقى مقصورة أوروبيا وتبقى بحاجة إلى تطوير حصيف إذا كان المطلوب تطبيقها على العالم غير الغربي. تنظر قطاعات واسعة من شعوب آسيا وأفريقيا إلى تصورات فرويد حول الدين كأفكار غريبة، بل وربما عدوانية. ومن المشجع أن نرى كيف أن موقف فرويد الاختزالي المتشكك تجاه وجود الإله قد أينع في مفاهيم نظرية ذات شمولية أكبر.

باختصار، لدى علم النفس التحليلي الكثير مما يقدمه إلى العالم الشرقي، ويمكن له أن يصبح منارا ينشر ضوءه على براعم الفردانية العقلية هناك. وعلى أية حال، لاينبغي أن ننسى بأن بإمكان العالم الشرقي أن يرفد التحليل النفسي بالكثير من مضامين تقاليده وفلسفته وحكمته، وأن يعزز نظام فرويد الذي ولد في فجر القرن العشرين. ويمكن لكتاب جديد عنوانه »التحليل النفسي في آسيا«، الذي أشرف على تحريره ونشره آلف جيرلاك وماريا تيريزا سافيو هووك وسفيرا فارفين، وساهم في كتابته محللون نفسانيون من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، أن يوفر شهادة مقنعة حول هذا الموضوع.

سلمان أختر: أستاذ علم الأمراض العقلية في كلية جيفرسون الطبية في فيلادلفيا. ومن بين مطبوعاته الكثيرة كتاب »الهلال وسرير الطبيب« الذي يحاول فيه رسم التيارات المتضاربة بين الإسلام وعلم التحليل النفسي..

ترجمه عن الإنجليزية: ماجد الخطيب

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014

مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...