مكانة التحليل النفسي في العالم العربي
قيادات الانتفاضات العربية شخصيات رقيقة
مقابلة مع جليل بنّاني

يعتبر المغرب من أكثر البلدان العربية والإفريقية تقبّلا للتحليل النفسي. تحاول مارتينا صبرا في هذه المقابلة مع عالم النفس المغربي جليل بنّاني إضاءة أسباب هذه الظاهرة والمشكلات التي يواجهها التحليل النفسي في العالم العربي


فكر وفن: كيف تقيّم كمحلّل نفسي الانتفاضات الأخيرة التي عصفت بشمال أفريقيا والشرق الأوسط سياسيا واجتماعيا؟

جليل بناني: لقد كانت البداية انتفاضة ضد الإحباط والإهانة والقمع واحتجاجا شديدا وجذريا ومباشرا على النظام القائم وخاصة سلطة حكّامه. وقد استطاع العرب إثبات خطأ الفكرة التي كانت سائدة بأنهم شعوب خانعة وسلبيّة. ومن اللافت للنظر أن الأشخاص الذين لعبوا دورا مركزيا في هذه الانتفاضات لم يكونوا من القيادات الكاريزمية، ولكن من النوعية رقيقة المشاعر والتي تبدو هشّة وضعيفة. ففي تونس مثلا استطاعت الجماهير أن تتماهى مع بائع الخضار المتجوّل محمد بوعزيزي وتعرّفت في آلامه على آلامها هي نفسها. وهذا ما يجبرنا على مراجعة النماذج المعتادة لتفسير حركة الجموع، فهي في هذه الحالة لم تبحث عن بطل ولكن عن فرد يعاني، وتماهت معه.

رغم ذلك فإن البحث عما يمكن تسميته »الرجل القوي« يبدو في هذه الأيام أكثر انتشارا مما كان في الماضي. فكيف تفسّر ذلك؟ كيف اتّفق، برأيك، أن تثور أجزاء كبيرة من المجتمعات الممتدة من المحيط إلى الخليج وأن يبحث الكثير من هؤلاء في الوقت نفسه عن حلول ساذجة وعن هوّيات شديدة البساطة بحيث يقبلون بأن يتبعوا قيادات وسلطات بطريركية بدائية ويخضعون لها بقناعة شديدة؟

إنني أعتبر هذا نوعا من »عودة المكبوت«. فقد أعلن الثائرون الشباب عام ٢٠١١ أنهم يرفضون كل الزعماء. وقد أرادوا تطبيق هذا المبدأ داخل تجمّعاتهم فعلا. لكن أية منظمة بدون قيادة لا تستطيع الاستمرار في الوجود وتحقيق أهدافها طويلا. لقد طُرد الطغاة. لكن ذلك لا يعني أن تمثيلات سلطة »الأب« قد تم محوها تماما أو أن الناس لم تعد تحتاج فعلا إلى قادة وزعماء أو شخصيّات مؤثّرة. لقد كانت عملية الكبت نفسها هي التي ساهمت في عودة الزعماء ولكن بشكل بدائي ومتوحّش. إن طرد الآباء لا يعني آليا التخلّص من البنية الأبوية. لكنّ المرء لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أن ما نراه هناك يفتقر إلى الشخصية التقليدية الذكورية للأب والسلطة الأبوية التي نعرفها. إن العنف الأعمى يمكن تأويله بأنه نوع من »آليّات الدفاع« النفسية أي أنّه اعتراف لاواعٍ بذلك الضعف. يتحدّث المحلّل النفسي فتحي بن سلامة في هذا السياق عن الحنين إلى الأب. ونحن نعرف من الممارسة أن هذا النوع من الحنين أو النوستالجيا يقود إلى إدراك مشوّه للانتماء وللهوية. وهذا ما نلاحظه لدى المهاجرين. فبعد أن يغادر هؤلاء أوطانهم يتوقّفون عن معايشة ومعرفة ما يحدث فيها من تغيّرات اجتماعية، لكنّهم لا يستطيعون الاندماج في المجتمعات الجديدة التي هاجروا إليها. وتصنع النوستالجيا صورة مُتَخيّلة ومثالية للوطن وللتقاليد لا علاقة لها بالواقع الحقيقي. هذا التشويه للإدراك لا يقتصر على جيل واحد، بل قد ينتقل إلى عدة أجيال.

المسار المهني

نعرف أنك بدأت دراسة الطب في عام ١٩٦٧ في المغرب ثم انتقلت إلى فرنسا في السبعينات من أجل التخصّص. لماذا اخترت الطب النفسي وما هي جذور اهتمامك بالتحليل النفسي؟

لم أقرر اختيار التحليل النفسي بل العكس هو الذي حصل. ودعيني أشرح لك ما أعنيه بذلك. إن لاوعينا يلعب دائما دورا في قراراتنا وخياراتنا. فبعد أن اجتزت امتحانات الاختصاص في الطب النفسي في فرنسا وبدأت العمل كان الكثير من مرضاي مهاجرين من شمال إفريقيا.

وقد كانت محاولاتي لتخفيف آلامهم من خلال الأدوية تفشل دائما مما جعلني ألجأ إلى تجريب طريقة التحليل النفسي كحل أخير. فقد كان من الضروري جدا التحدّث إليهم. وكان الكثير منهم يتقنون لغتين. وقد نجحت في الإصغاء إلى ما يقولون وتطوير طريقة علاجية تستند إلى التعامل مع الكلمة المنطوقة وتأثيرها. وهي طريقة تصلح عموما للتطبيق مع كل المرضى النفسيين في العالم بغض النظر عن لغتهم وثقافتهم، لكنّ الكثير من مرضاي المذكورين كانوا يعانون من مشكلة خاصة تميّزهم عن باقي المرضى النفسيين سببها العزلة الاجتماعية واللغوية التي تحيط بهم في فرنسا. كان من الممكن أن نرى عندهم بوضوح كيف يؤدّي السكوت وعدم المقدرة على التعبير عن الرغبات إلى المرض.

يمكن القول من الناحية التاريخية أن عقد الثمانينات قد شهد ازدهارا للتحليل في أوساط الأطباء النفسيين أكبر بكثير مما نشهده الآن. فقد كان من العادي جدا أن يذهب الطبيب الذي يتخصّص بالطب النفسي إلى المحلّل ويستلقي على أريكة التحليل ليجري تحليلا لنفسه. وقد عاينت بنفسي فيما بعد ذلك التأثير الكبير الذي يمارسه التحليل النفسي على العلاقات الاجتماعية والمعايير والقيم. لقد كان سبب اهتمامي بالطب النفسي، بالإضافة إلى فضولي الشخصي، هو الرغبة في فهم أفضل للإنسان. وقد ساعدني التحليل الذي خضعت له في أن أتعمّق أكثر في هذا الطريق وأن أفهم تاريخي وثقافتي ولغتي ورغباتي المكبوته بشكل أفضل.

ما هي المكانة التي كان يحتلّها الطب النفسي وعلم النفس والتحليل في المغرب في تلك الأيام؟ وهل كان الإشتغال بالتحليل هو حالة فردية أم وُجدت مجموعات تحليلية؟ وهل كان لك اتصال بهذه المجموعات؟ هل كنت منتميا لها؟

لم يكن ثمة فرع لعلم النفس في المغرب في تلك الأيام، ولا بالأحرى للتحليل النفسي. وقد كان لذلك أسباب سياسية. فالتحليل يعني نقدا للدين وللخطاب السائد بأنواعه المختلفة ولذلك فقد اعتُبر أمرا هدّاما.

ولم يبدأ تدريس الطب النفسي وتدريب الأخصّائيين به في المغرب إلاّ في الثمانينات. وكان العدد القليل جدا من الأطباء النفسيين المتوفّر في المغرب آنذاك قد تلقّى تعليمه في فرنسا. وعندما عدت من فرنسا إلى المغرب عام ١٩٨٠ أردت إشهار الطريقة التحليلية في العلاج وترسيخها من خلال الممارسة وسلسلة من المحاضرات والمقالات. أخيرا أسّست مع مجموعة من الزملاء أول جمعية للتحليل النفسي في المغرب عام ١٩٨٥ تحت اسم: النص الفرويدي (Le Texte Freudien). في ذلك الوقت لم نكن قد وصلنا إلى المدى الذي يسمح لنا بتدريس هذا الاختصاص. لكننا استطعنا على الأقل أن نُشهر التحليل في المغرب. ثم ما لبثت أن ظهرت مجموعة جديدة من الجمعيّات: فقد أسّسنا عام ١٩٩٢ الجمعية المغربية للعلاج النفسي(de Psychothérapie Association Marocaine)، ثم في عام ٢٠٠١ الجمعية المغربية للتحليل النفسي (Société Psychoanalytique Marocaine). لقد كان الوقت مواتيا وفتح المغرب أبوابه للتحليل أخيرا. كنا نجمع الكثير من الخبرة كما ارتفع الطلب على ضرورة تدريس المادة. وقد أتاح وجود الجمعية لنا ممارسة نشاط أكثر، فكنّا نلتقي بعد إنهاء عملنا في عياداتنا لنتبادل الآراء ونطوّر عملنا النظري، بما فيه العمل الذي يتجاوز الاختصاص الطبي النفسي، وأن ننشر تلك الأعمال. لكن النشاط على الصعيد الفردي لا يكفي لانتشار التحليل، إذ لا بد من عمل واسع على صعيد الرأي العام والفضاء العمومي أيضا، وهذا بالذات يتطلّب حدا أدنى من الديمقراطية والحريات. وقد تطلّب الأمر الانتظار حتى عام ٢٠٠٩ لأقوم مع زملاء آخرين بتأسيس »حلقة التحليل النفسي المغربية (Circle Psychoanalytique Marocain) والتي أصبح اسمها فيما بعد »حلقة التحليل النفسي« (Circle Psychoanalytique) ـ ببساطة لتأكيد سعيها إلى العالمية. وهكذا ترين كم من الوقت احتاج ذلك. إن قصة التحليل النفسي هي سلسلة من الانقسامات والانشقاقات. ولم أستطع أنا نفسي الهروب من ذلك. لكن ذلك كان دائما يتيح لي فرصة البدء من جديد مستفيدا من التجارب الماضية وبانيا عليها.

هل تتذكر احتكاكك الأول بأفكار سيغموند فرويد؟

كنت أعمل في عام ١٩٧٤ كطبيب متدرّب في أقسام الأمراض النفسية والعقلية في فرنسا. كان عليّ إجراء مقابلات مع المرضى ثم كتابة مشاهداتي ووضع التشخيصات وتعليلها. وكان هناك ارتباط ما بين ـ أو باثولوجيا ـ الأعراض النفسية والتي تفسّر العرض وتمنحه نوعا من المعنى وبين الطب النفسي الدينامي والتحليل النفسي.

شكّلت نصوص فرويد بالنسبة لي نوعا من الأساس المرجعي. وقد أثّرت بي بعض كتبه أكثر من غيرها، مثل: »الحلم وتأويله« و »موجز التحليل النفسي« و »التحليل النفسي والحياة اليومية«. وقد تخرّجت على يد توني لينه Tony Lainé، الذي كان هو والفريق الذي يعمل معه يحاولون فهم الأعراض النفسية من خلال منظور التحليل النفسي والبعد الاجتماعي والسياسي. أي أنها مستندة إلى فلسفة كاملة. ولم يكن الاهتمام منصبّا على تخفيف المعاناة وتهدئة المرضى باستخدام الدواء، بل على محاولة شفائهم باستخدام أفضل الطرق المتاحة ودون اللجوء إلى عزلهم وحبسهم. في ذلك الوقت كانت موجة »الطب النفسي الإنساني» رائجة وكانت تشمل الكثير من الاختصاصات في الوقت نفسه. وقد كان للخبرة التي اكتسبتها في ذلك الوقت ولاتصالي بتلك الأوساط تأثير حاسم طبع تطوّري اللاحق وتوجّهاته.

بأية لغة قرأت كتب فرويد، بالفرنسية أم بالعربية؟

لم يكن لدي في البداية إلاّ الترجمات الفرنسية. لكنّني استطعت فيما بعد الحصول على الترجمة العربية التي أنجزها مصطفى صفوان وقرأتها.

بداية التحليل النفسي العربي

تأسست مدرسة التحليل النفسي في أوروبا، ثم تم نقلها بواسطة أطباء غربيين إلى المغرب في سياق الحركة الاستعمارية. ما هو تأثير ذلك على تقبّل التحليل النفسي عموما؟ وماذا يعني ذلك لك شخصيا؟ هل كان التحليل النفسي مفهوما غربيا بالنسبة لك؟ وهل ما زال كذلك؟

وجد التحليل النفسي في مرحلة الاستعمار صدى في شمال إفريقيا وخاصة في المغرب وقد حصل ذلك بشكل خفي وغير واع تقريبا من خلال أطبّاء كانوا يقيمون في البلاد لأوقات قصيرة ولم يكونوا ينوون إدخال التحليل كطريقة علاجية ثابتة. لكنّهم رغم ذلك تركوا أثرا في العيادات والأقسام النفسية في المشافي. أما في المشرق فقد كانت مصر هي البلد الذي شهد بدايات عمل التحليل النفسي من خلال مجموعة صغيرة من المحلّلين الذين يتحدّثون الإنجليزية وعملت هناك في الفترة ما بين الثلاثينات والخمسينات من القرن الماضي إلى أن حلّت نفسها بسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية. ثم تلتها لبنان حيث يُعتبر التحليل مستقرا منذ السبعينات. أما في المغرب فلم يحدث الكثير منذ أن غادر الأطباء الفرنسيّون البلاد بانتهاء الاستعمار عام ١٩٥٦. وقد كان أولئك الأطباء النفسانيون يعالجون المرضى الفرنسيين والمتحدّثين بالفرنسية ولم يكترثوا كثيرا بالثقافة العربية الإسلامية. وقد كان رينيه لافورغ، الذي كان على اتصال مباشر بفرويد في برلين، أحد الاستثناءات القليلة على هذا الصعيد. غير أنه واجه الكثير من النقد في فترة ما بعد الحرب. فأعماله ليست ممنهجة كما أنّه يقوم بتعميمات فجّة وقد كان معزولا في الواقع عما يجري في المجتمع المغربي.

إن أحد القواعد الجوهرية لعملية التحليل النفسي تتمثّل في أن يتم البحث والتحرّي (لفهم الخلفيات العميقة للأعراض وأقوال المريض وأحلامه مثلا) في السياق الثقافي الذي يجري فيه العلاج وأن يجري العمل في إطار لغة وثقافة ذلك البلد ومجتمعه. أما أنا فقد كان عليّ »تفكيك» نظريات المرحلة الاستعمارية بالمعنى الذي قصده دريدا لأستطيع تحليلها بشكل نقدي وموضعتها في سياقها الزماني. هدف هذا العمل برأيي ليس هو التكيّف مع العلم أو الاكتفاء بتطبيقه، بل اكتسابه من جديد. وبهذه الطريقة نُغني ونثري التراث الرمزي العالمي بالعناصر الخاصة والمميّزة لثقافتنا، أي ما تقوله تلك الثقافة كلماتها.

كان سيغموند فرويد يستخدم شخصيات أسطورية وقصصا واستعارات مستقاة من الميثولوجيا الإغريقية والأدب، كشخصية أوديب أو نرسيس ـ. كيف يمكن للتحليل النفسي في المغرب أن يتكيّف أو „يعيد اكتساب“ هذه المعرفة الفرويدية التي تستقي أفكارها المركزية من ثقافة مختلفة تماما عن ثقافته؟

لقد تم تأسيس التحليل النفسي في فيينا قبل أكثر من مئة سنة. رغم ذلك فإن مفهوم »اللاوعي« وفق التصور الذي وضعه التحليل النفسي له قد صمد للاختبار العملي في الممارسة. فنحن نصادف آليات عمله، كآلية »الكبت« أو زلّات اللسان، أو النسيان ..الخ، لدى الأفراد في كل الثقافات. ثمّ إن كل ثقافة لديها أساطيرها وقصصها الخاصة. لنأخذ »ألف ليلة وليلة« على سبيل المثال، حيث نقرأ قصة صيّاد في صراع مع هوامات سفاح القربى مع أمّه وكيف يستطيع النجاة منها. إذن فنحن في هذه الحالة لدينا المواضيع نفسها التي تُعتبر ثيمات ومفاهيم أساسية للتحليل النفسي.

يعالج التحليل النفسي كما صاغه سيغموند فرويد ثلاث ثيمات أو مواضيع أساسيّة هي الفرد كذات مستقلة والجنس والدين. وفرويد نفسه من أسرة يهودية. لكنّه كان ملحدا عن قناعة تامة واعتبر الدين نوعا من العُصاب. ما هو تأثير هذا الموقف النقدي للدين على تقبّل الفرويدية في المغرب ودول المنطقة الأخرى؟

نعم، لا شك أن التحليل النفسي يتوجّه للفرد. وقد قادت التحوّلات الاجتماعية في المغرب إلى أن تزداد النزعة الفردية عند الناس في المغرب لدى التعبير عن أنفسهم وآرائهم وأن يضعوا كل ما كان „بديهيّا“ كالسلطات بأنواعها والتقاليد والمحرّمات موضع سؤال.

كما ارتفعت الأصوات المطالبة بمزيد من الحقوق للمرأة. وقد رافق التحليل النفسي هذه التطوّرات من خلال تأمينه لفضاء يصغي للفرد، ومن خلال طرح خطاب يضع الخطابات الأخرى في موضع السؤال. أما بخصوص الجنس، فقد تستطيع التقاليد قمعه، لكنّ الممنوعات التقليدية يتم انتهاكها في الممارسة في الكثير جدا من الحالات. والسبب في ذلك هو أن الفرد لا يستطيع قمع رغائبه الخاصة. إن الشباب يهزّون أسس الممنوعات من خلال تجاهلهم لها وعبثهم بها. وقد رأينا بأعيننا كيف يتم وضع كل شيء موضع السؤال: قمع المرأة مثلا ووضعها تحت هيمنة الرجل، أو قصر دورها على الإنجاب واستبعادها من الحياة العامة.

أما بخصوص الدين، فصحيح أن فرويد كان قد وصفه بالعُصاب الجماعي، إلاّ أنه عدّل موقفه منه فيما بعد وأقرّ للمقدّس بدوره الخاص. ويمارس اليوم الكثير من المؤمنين في العالم التحليل النفسي، سواء من المسلمين أم من غيرهم. والتحليل نفسه يساعدهم في التفريق ما بين العصاب والإيمان.

إنك تمارس الطب النفسي والتحليل منذ أكثر من ثلاثين عاما في الرباط. كيف تطوّرت آراء وتصوّرات المجتمع المغربي حول مفهوم »الجنون» ومفهوم »العاديّ« أو حول »المرض النفسي« و »الصحة« خلال هذه السنين؟

حدث تغيّر كبير على هذه التصوّرات والآراء وخاصة منذ الثمانينات. وقد مرّت هذه التغيّرات بمراحل متعددة. فقد كان الخطاب التقليدي والطرق العلاجية التقليدية تتواجد جنبا إلى جنب إلى جوار الخطاب العلمي والطرق العلمية في العلاج. وكانت الطرق التقليدية تشمل الأشكال الدينية للعلاج عموما كزيارة الشيخ »المرابط« مثلاُ. لقد كان الناس يؤمنون بكل من التقاليد والعلم في الوقت نفسه وهكذا فقد مزجوا الطرفين. لكن هذين الحقلين ما لبثا أن انفصلا بالتدريج عن بعضهما. رغم أنهما بقيا موجودين في الوقت نفسه. وبمرور الوقت لم تعد الأعراض الذهانية المعقّدة كجنون الملاحقة والهذيان تُفسّر على أنّها نوع من المسّ الشيطاني ولكن باعتبارها مرضا نفسيا. وعندما يواجه المرء في هذه الأيام أعراضا كنوبات الهستيريا والرهابات والسلوكات القهرية والظواهر النفس ـ بدنية فإنه لا يعزوها إلى الأرواح الشريرة ولكنّه يبحث لها عن أسباب شخصية. وهذا لا يعني أن الأشكال التقليدية للعلاج قد اختفت نهائيا، فهي ما زالت موجودة بلاشك، ولكنّ الطرق العلمية تصبح مع الوقت هي السائدة. كما أن إخفاء الأمراض النفسية باعتبارها شيئا محرّما الحديث حوله قد بدأ يقل أيضا وازداد عدد الناس الذين يقصدون الأخصّائي النفسي عندما يواجهون مشاكل ذات طبيعة نفسية.

فيما يتعلّق بالممارسة التخصّصية للعلاج النفسي بأقسامه المختلفة، أي التحليل النفسي والعلاج السلوكي والعلاج العائلي فإن ذلك بدأ يتطوّر أيضا ولكن في المدن الكبرى بشكل خاص. وقد أصبح واضحا للكثير من الناس أن الأدوية وحدها ليست هي الحل وأنه لا بد من الحديث حول المشاكل ومحاولة فهم الأعراض من خلال الكلام. وهذا هو الشرط الأساسي لنمو وتطور العمل بالتحليل النفسي. لكننا مازلنا في البداية.

أهمية اللغة

كيف أثّر عملك في التحليل النفسي على نظرتك الشخصية للعالم والمجتمع ونظرتك لنفسك كمواطن وكإنسان وعلى فهمك لعلاقات السلطة في محيطك؟

لقد جعلني التحليل النفسي أعترف بأهمية اللغة ودورها سواء في العمل أو في الحياة الخاصة. يعلّمنا التحليل النفسي أن نسمّي الأشياء بأسمائها، لكنّه يعلّمنا من ناحية أخرى كيف نصمت أيضا، وذلك عندما لا نجد ما يمكن أن نضيفه إلى الحديث أو عندما يأتي وقت التفكير مثلا، أو عندما يكون علينا أن نصغي للمتكلّم. كما أن التحليل النفسي جعلني أنفتح على الفنّ والأدب. فالتحليل ليس بالإيديولوجيا ولكنّني استطعت بفضله التفريق ما بين الفردي والجمعي. ومعرفة أن ما يحصل على الصعيد الفردي يؤثّر على المجموع. إن التحليل يكتسب الآن أهميّة وراهنيّة أكثر من أي وقت مضى بسبب عودة وتكرّر ظهور الغرائز البدائية لدى الناس وما يتبعها من وحشيّة وكراهية. وهو ما يمكن مشاهدته في الحروب والنزاعات المسلّحة. وتنحصر وظيفة الدكتاتوريات في حصر وتوجيه الكراهية. وهي تخفيها لكنّها تغذّيها في الوقت نفسه. لن يمنع دمار البشرية إلاّ الثقافة والتعليم.

ما هي المكانة التي يحتلها علم النفس والتحليل النفسي اليوم في المغرب في الحقل الأكاديمي وفي النقاشات العامة؟

علم النفس هو أحد الفروع الأكاديمية في جامعات المدن الكبرى الرباط والدار البيضاء ومراكش. أما التحليل النفسي فله جمعياته الخاصة ويُدرّس من خلال دورات خاصة أيضا. لكنّ كلية الطب في جامعة مراكش أدخلت مؤخّرا في منهاجها التعليمي دراسة تكميلية رسمية تمكّن الأطبّاء النفسيين من دراسة التحليل النفسي كتأهيل إضافي. إن التحليل النفسي مُعترف به على كل الأصعدة والمستويات، سواء على صعيد الطب النفسي أو في السجال الاجتماعي، وهو ما يشمل الإعلام طبعا. فهو مشارك في عملية الانفتاح الاجتماعي من خلال إخضاعه أشكال الخطاب الموجودة للسؤال والمراجعة سواء أكانت سياسية أم أيديولوجية أم ثقافية أم دينية. ولكنّنا لا نستطيع بالطبع الحديث عن دخول التحليل النفسي إلى المجتمع المغربي قبل أن يمتزج بالثقافة الموجودة بحيث يصبح لدينا „باثولوجيا نفسية مغربية“ يتم كتابتها بلغة هذا البلد. وهذا هو الطريق الذي تسير عليه الأبحاث الراهنة على كل حال، حتى ولو لم تكن وافرة بما فيه الكفاية.

إذن فقد أصبح التحليل النفسي بمفاهيمه ومصطلحاته جزءا من الخطاب العام في المغرب أيضا. هل ترى تباينا على هذا الصعيد ما بين الأوساط الفرانكوفونية والأوساط التي تستخدم العربية؟

مازال التحليل النفسي في المغرب امتيازا للتجمّعات الفرانكوفونية من السكان. هذه حقيقة. لكنّ هناك شرائح تكتب بالعربية توافق أيضا على الخطاب التحليلي كمرجع لها وتتعامل مع مفاهيمه وطرقه وتستخدمها وتخضعها للسؤال. وينطبق ذلك أيضا على الموضوع الديني، وخاصة عندما يتم تناول الدين بشكل دوغمائي مغلق ويراد اعتباره مفسّرا لكل شيء ومنظّما لكل شيء. إن المغرب يلعب دور الجسر ما بين الغرب والشرق. فالمحلّلون النفسيون الغربيون يبدؤون بمراقبة المغرب عندما يريدون معرفة آليات عمل التقاليد والعادات وما هو مستقبل التحليل في هذا الجزء من العالم. أعتقد أن التحليل النفسي عندنا سيجدّد نفسه باستمرار.

أجرت المقابلة مارتينا صبرا
جليل بنّاني أخصائي ومعالج نفسي يعمل في الرباط. له كتب كثيرة، منها: »التحليل النفسي في أرض الإسلام« بالفرنسية.

ترجمة: حسين شاويش

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...