الإسلام كـ »كبش فداء«
الخلفيات الإيديولوجية وراء العداء للإسلام في ألمانيا

د آن الأوان للتطلع من منظور سيكولوجي على المناقشات الانفعالية التي تُثار في الغرب حول الإسلام. فربما تحول الإسلام إلى »كبش فداء« لآراء ومشاعر ليست لها علاقة تُذكَر به. ففي كثير من الأحيان يُتهم منتقدو الإسلام بـ »الإسلاموفوبيا« أو رُهاب الإسلام أي الخوف غير العقلاني منه. إن التحفظات التي تُثار ضد الإسلام أحيانا ما تكون مبررة، وتطفو معها في أحيان أخرى مخاوف غير عقلانية، وفي المقال التالي نقتفي أثر الحالتين والسبب وراء استخدام الإسلام كـ »كبش فداء« وأداة لامتصاص للصواعق.


في الوقت الذي تتجه فيه الأوساط السياسية (على الأقل في ألمانيا) إلى تقليص حجم قضية الإسلام لانقسام جميع الأطراف بشأنه، تميل وسائل الإعلام إلى تضخيم هذه القضية وإدراجها ضمن جدول القضايا الملحة كما هي الحال مع تيلو ساراتزين، أنها تسعى إلى نقل الانطباع بأنه لابد للمرء وأن يتخذ موقفا تجاه الإسلام إن كان مهتما ولو جزئيا فقط بمصلحة بلادنا، بل وربما بمصلحة أوروبا والغرب في الوقت نفسه. يصعُب البت في مسألة ما إن كان إضفاء طابع انفعالي على تلك القضية يعكس احتياجا لدى المواطنين، أم إن كان هذا الاحتياج قد أُثير أولا من قبل وسائل الإعلام. ولكنّ الحقيقة هي أن معظم الألمان لا يتصلون بالمسلمين إلى في أضيق الحدود، ربما باستثناء الشراء من آن لآخر من تجار الخضروات الأتراك، أو السفر لقضاء أجازة على شواطئ جنوب البحر المتوسط ذات الطابع الإسلامي، أي أنها تجارب لا يمكن أن ينتج عنها في المجمل أية أحكام سلبية إلا في أضيق الحدود. وبمجرد الاستناد إلى هذه المواجهات ذات الطابع البدائي مع الإسلام والمسلمين، يبدو مرجحا أن تلك الأحكام تحمل في طياتها العديد من الأوهام والإسقاطات.

ولكن وجود الإسلام ضمن الثلاث مراكز الأولى، جنبا إلى جنب مع قضيتي تحول المناخ والأزمة الاقتصادية، على قائمة القضايا العاجلة، هو حقيقة لا تقبل الجدال. كما أن اجتماع تلك المشكلات معا في الثلاث مراكز الأولى لم يكن من قبيل الصدفة، بل إنها تُشكِّل معا ثالوثا يكاد يكون كلاسيكيا: الطبيعة والاقتصاد والثقافة. وإن عمليات التغيير التي تطرأ على تلك المجالات الثلاثة يُنظَر إليها باعتبارها دمارا محتملا ومصدر تهديد للحياة. وعلى الرغم من أن ما يُبدى لنا هو حاجة تلك المجالات الثلاثة إلى التدخل العاجل، إلا أننا نعلم أن معظم تلك المجالات لا تشهد أحداثا تُذكر، أو تخلو تماما من الأحداث. فالحرب على الإسلام تبدو واعدة وتُنفَّذ عسكريا بحماس في العراق وأفغانستان. ولكنها في الوقت نفسه لا تُسفر عن أي تحسن ملحوظ في الوضع السياسي، مما يحث المرء على الافتراض بأن الأمر لا يتعلق في المقام الأول بالرغبة الفعلية في حل المشكلات، بل بإثبات القدرة على التصرف واتخاذ الإجراءات.

مشكلات الإسلام الموضوعية

وينضح الوضع بالمزيد من الإحباط حين يُعزَى الاستياء من الإسلام إلى أسباب موضوعية يمكن ذكرها بكل بساطة، وليس إلى أسباب سيكولوجية فحسب. فتتمثل تلك الأسباب في مخاطر الإرهاب والهجرة الخارجة عن السيطرة وانعدام الاستقرار السياسي في بعض البلدان الإسلامية، فضلا عن اعتمادنا على نفط الشرق الأوسط وأخيرا الحروب في العراق وأفغانستان، والتي تسبب فيها الغرب بطبيعة الحال. ويضاف إلى تلك المشكلات السياسية أخرى ثقافية، منها تراجع الإسلام من الناحية اللاهوتية تراجعا يكاد يكون متفقا عليه، وعجز بعض المفكرين الإصلاحيين البارزين إنقاذه. علاوة على أزمة الهوية التي يعاني منها العديد من المسلمين والتي تؤدي في الكثير من الأحيان إلى التشدد العقائدي إن لم يكن إلى التطرف الديني.

ما ينطوي عليه نقد الإسلام من أوهام

ما من شك أن تلك المشكلات قائمة بالفعل. ولكنها لا ترتبط في الوقت نفسه بالضرورة مع بعضها البعض، فلكل منها طبيعة خاصة بها تختلف عن الأخرى. كما أنه لا يمكن أن تُعزى بهذه البساطة إلى دين الإسلام في حد ذاته. فكون الدين في حد ذاته هو المسؤول عن تلك الأزمة، هو الاحتمال الأقل ترجيحا مقارنة بمسؤولية الأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي عنها وعن تراجع الحياة الدينية أيضا. وبذلك نكون قد ذكرنا أبرز اختلاف بين من يطلق عليهم منتقدو الإسلام ومعارضوهم. فمنتقدو الإسلام يرون أن جميع المشكلات ذات الصلة بالإسلام والمسلمين تُعزَى في الأساس إلى ذلك الدين الذي أرسى محمد قواعده في شبه الجزيرة العربية في الفترة بين عامي ٦١٠ و ٦٣٢ وإلى سوء بنيته الأساسية.

إلا أنه يجوز لنا أن نفترض أن هذا الرأي قد سمح بكل سذاجة لفكرة الإسلام الموحد بأن تضلله. ولا يتعيَّن علينا دراسة العلوم الإسلامية لتوضيح تلك المسألة. فالإسلام كدين لا يقل تنوعا عن المسيحية فنجد على سبيل المثال أن ثمة عدد قليل من القواسم المشتركة يجمع بين الإنجيليين الأمريكيين والكاثوليك الألمان المعتدلين، وهو الحال أيضا بين الوهابية السعودية والإسلام الصوفي المغربي أو الشيعة ومعتقداتهم الدينية. وفي كثير من الأحيان تعظم تلك الفوارق، حتى داخل حدود الدولة الواحدة، بحيث لا يمكن تجاوزها. فنجد أن الكماليّ والعلويّ والكرديّ والسنيّ جميعهم من المسلمين الأتراك، ولكنّ شدة اختلاف أيديولوجياتهم يهدد المنطقة على الدوام بخطر نشوب الصراعات.

وإن الذين ينكرون وجود تلك الفوارق بين المسلمين ينسبون إلى الإسلام قوة سحرية، بأنه هو الدين الأوحد في العالم الذي بقي في جوهره على حاله ولم يتغير عبر المساحات الجغرافية الشاسعة أو خلال التقاءه بشتى الأديان الأخرى أو حتى على مر ١٤٠٠ عام. ولكن الحديث حول الهوية الذاتية للإسلام هو وهم من أوهام منتقدي الإسلام والأصوليين الإسلاميين على حد سواء. فهؤلاء يعتقدون أنه لا يوجد سوى صورة وحيدة صحيحة للإسلام وأنه ينبغي إعادة اكتشافها ونشرها من أجل القضاء على الفساد والشر في العالم الإسلامي. وإن مثل هذا التفكير يختزل الواقع المعقد في العالم الإسلامي في صيغة بسيطة، ويفتح الطريق أمام إسقاط كافة أنواع المشكلات على الإسلام ونسبها إليه بغض النظر عن منبعها ومصدرها. وهذا بالتحديد هو السبب وراء جاذبية هذا التفكير الخادعة وقوة إقناعه السطحية.

ضرورة التدقيق والتمعن

ولكنّ هذه التعميمات لا تساعدنا بكل أسف، ولا تفيدنا بشيء. فإن التعامل مع الإرهاب الإسلامي يتطلب نهجا مختلفا تماما عن تشكيل معازل داخل أحياء المهاجرين وما يصاحبه من تراجع في عملية الاندماج. حيث أن جذور كلا المجالين الإشكاليين لا تعود إلى الإسلام كدين في حد ذاته. لو كان الأمر كذلك، لكان جميع المسلمين إرهابيين محتملين وغير قادرين على الاندماج في المجتمع، وهو من الواضح ليس الحال. إذ أن الإرهاب الإسلامي هو في الواقع مشكلة سياسية في المقام الأول، شأنه في ذلك شأن أي إرهاب آخر؛ أما تراجع الرغبة في الاندماج والتكامل فهو مشكلة اجتماعية. ويتجلى لنا ذلك بوضوح من خلال الأمثلة المضادة: فنجد على سبيل المثال أن الطبيب الإيراني أو المفكر اليساري التركي يندمجان في المجتمع بسهولة، على الرغم من كونهما لا يقلان إسلاما عن آباء أطفال الغيتو في حي نويكولن ممن ينتمون إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو إلى قرى الفلاحين في الأناضول. والأمر نفسه ينطبق على الإرهاب. فنجد أن مهاجمي ١١ سبتمبر كانوا أفضل اندماجا من الناحية الخارجية، مقارنة بمعظم المسلمين ممن يقطنون في أحياء إشكالية بمدننا. فقد كان هؤلاء المهاجمون من المثقفين ودرسوا وتحدثوا اللغتين الألمانية والإنجليزية، كما كانوا ينتمون إلى خلفيات أسرية جيدة. ولم تكن لديهم أية قواسم مشتركة مع تجار المخدرات من اللبنانيين على سبيل المثال. يُضاف إلى ذلك حقيقة اندلاع الإرهاب الإسلامي داخل العالم الإسلامي في المقام الأول في العراق وأفغانستان في الوقت الراهن وفي الجزائر إبان التسعينات على وجه الخصوص. كما أن الغالبية العظمى من ضحايا هذا الإرهاب من المسلمين. فتلك الحقائق توضح أن هذا الإرهاب يتعلق بصراعات سياسية داخل حدود الإسلام، وليس بوضع دين إسلامي موحد، في مواجهة جميع الملحدين، كما يفترض في كثير من الأحيان.

تأثير المرآة

نظرا لهذا الكم الهائل من المشكلات التي تُقرَن بالإسلام، وإن كان من الناحية الظاهرية على الأقل، فإنه ليس من المستغرب أن يوفر هو من جانبه ساحة إسقاط سهلة المنال. ولكن الدوافع الحقيقة وراء مثل هذه الإسقاطات تكمن على الأرجح على جانبنا أكثر منها على جانب الإسلام. وهو ليس أمرا مفاجئا. فنحن لا يسعنا إدراك حدة النقاش العام، إلا إذا ما استوعبنا أنها تتعلق بنا وبمفهومنا الذاتي أولا وقبل أي شيء، حتى وإن تطرق النقاش العام إلى إحدى الثقافات الأجنبية من الناحية الظاهرية.

ولهذا الغرض نحن بحاجة إلى مرآة. فبدونها لا يتسنى لنا أن نرى أنفسنا في السياق الثقافي من جميع الجهات، تماما مثلما يعجز المرء عن رؤية جسده بالكامل دون مرآة. وطالما وُجِدَت مثل هذه المرايا، تلك التي تعكس الذات الثقافية وتساعد على استكشافها، وهو الدور الذي لعبته بالنسبة لألمانيا في الماضي فرنسا وإنجلترا، وهما ألد أعدائها، كما لعبه أيضا اليهود والشيوعيون. وبطبيعة الحال، فإن جميع تلك المرايا تجسد جزءا من ثقافتنا الذاتية ويشوبها بالتالي عيب واحد: إذا ما أردنا على سبيل المثال أن نعرِّف هويتنا بشكل مستقل عن اليهودية، فإنه يتعين علينا أن نحجب حقيقة انتماء اليهودية الدائم ‘إلينا’ عبر العهد القديم وعبر المساهمات اليهودية في الثقافة الألمانية. أما الإسلام، فيبدو لنا بمثابة الطرف الآخر شديد الاختلاف، أو يُجسَّد لنا من قبل منتقدي الإسلام على الأقل باعتباره النقيض المطلق للغرب. وحين نعزل أنفسنا عن هذا الإسلام السلبي الذي يُجَسد إلينا بهذا الأسلوب عمدا، نرى ثقافتنا نظيرا إيجابيا يسهل علينا كثيرا التجانس معه. حيث تتوارى مشكلاتنا في تلك الصورة المنعكسة بشكل مؤقت، تلك المشكلات التي تتجلى لنا عادة بكل وضوح.

مثال "ألمانيا تقضي على نفسها"

ويعد كتاب »ألمانيا تقضي على نفسها« (Deutschland schafft sich ab) لتيلو ساراتزين مثالا بارزا على كيفية سير عملية الإسقاط وصرف التركيز بشكل مفاجئ عن إحدى المجالات الإشكالية ذات الصلة بمفهومنا الذاتي وتوجيهه إلى قضية مختلفة تماما، وهي في هذه الحالة »الإسلام». فمن بين ما أُثير في كتاب ساراتزين من نظريات، هناك جزء كبير لا علاقة له بالإسلام. حيث طرح الكتاب عدة مزاعم رئيسية، تفترض إحداها بأنه في مجتمع مثل المجتمع الألماني، يتسم بالنفاذية الاجتماعية ويوفر للأذكياء والمجتهدين فرصا عديدة للنهوض والتقدُّم، فإن الطبقات السفلى لابد وأن تتشكل تدريجيا من قبل الأغبياء وممن يفتقرون إلى دافعية الإنجاز. واستنادا إلى رأي تيلو ساراتزين الذي يفترض أن الذكاء صفة تُورَّث وأن الطبقات السفلى تتجه إلى إنجاب المزيد من الأطفال لكون الرعاية الاجتماعية تكافئ المواطنين على وفرة الإنجاب، فإن هناك عوامل ستتراجع منطقيا مع مرور الوقت، وهي دافعية الإنجاز والذكاء وكذا قدرة المواطنين على التنافس.

ولكن ما يدعو للتعجب هو كون كتاب ساراتزين قد اتجه بالكاد إلى مناقشة هذا الافتراض الجوهري، وتطرَّق بدلا من ذلك بشكل متزايد إلى الإسلام. وهو ما أثار انطباعا في إطار النقاش العام بأن „قضاء“ ألمانيا على نفسها من عدمه يتعلق في المقام الأول بتعاملنا مع المسلمين، أي مع خمسة بالمائة من السكان. في حين أنه وفقا لما طرحه ساراتزين نفسه، فإن المشكلات المذكورة (نقص الاندماج وارتفاع معدل المواليد والاعتماد على النظم الاجتماعية؛ وليس من بينها نقص الذكاء!) لا تنطبق فعليا سوى على جزء ضئيل للغاية من تلك النسبة المئوية.

حالة من التناسي

إن أولئك الذين لم يقرؤوا الكتاب، لم يكن أمامهم إلا وأن يفترضوا بأنه مساهمة في النقاش الدائر حول الإسلام، في حين أنه يهدف في حقيقة الأمر إلى وضع النموذج القائم لدولة الرفاه موضع تساؤل. يعد هذا الكتاب نموذجا مثاليا على محاولة التناسي، والملفت للنظر كونه يلقى صدى لدى مؤيدي ومعارضي ساراتزين على حد سواء، وذلك لأن خصومه يهاجمونه في الأساس بسبب موقفه من الإسلام، وليس بسبب نظرياته الأبعد تأثيرا حول دولة الرفاه. إن تلك النظريات كانت لتملك ما يتطلبه الأمر لزعزعة مفهومنا الذاتي، بل وزعزعة نمط حياتنا المعتاد بالكامل. وإذا ما اختزلنا الكتاب في مسألة الجدل حول الإسلام، لترتب على ذلك التأثير العكسي التالي (وفقا لتأثير المرآة المذكور أعلاه): تعزيز مفهومنا الذاتي يكمن في المقام الأول في عزل أنفسنا عن الإسلام وعن الوافدين المسلمين. أي أن المخاطر المتأصلة في صورتنا الذاتية تُختَزَل في مشكلات مع الإسلام والمسلمين. ولا يتم التطرق إلى القضية الفعلية المثيرة للجدل، والتي تتمثل في مطالبة ساراتزين بإلغاء إعانة البطالة والإعانة الاجتماعية.

وبالتالي فإنها تسلك طريقا مماثلا لقضيتي تحول المناخ والأزمة المالية. حيث يُصرَف التركيز في النقاش عن تلك القضايا ويوجَّه إلى مشاكل أخرى أكثر إحكاما من الناحية السطحية وأكثر قابلية للحل، وتتمثل في هذه الحالة في تعاملنا مع الإسلام والمسلمين، وذلك لأن إيجاد حلول للمشكلات الفعلية يبدو مستحيلا على المدى القصير. ومن ثم تنصب المخاوف والإحباطات مختلفة المصادر على أقلية اجتماعية وفقا لمبدأ »كبش الفداء« المتعارف عليه. حتى أن بعضا من مراقبي المشهد، من أمثال فولفجانج بينز، الباحث في مجال معاداة السامية، يتحدَّثون في هذا السياق عن نوع جديد من الممارسات العنصرية. ولا شك أن هذا الخطر قائم بالفعل، ولكن ثمة خطر أكبر يلوح في الأفق.

المخاطر المترتبة على الإسقاط


حين يشعر المرء أنه أصبح يكن مشاعر سلبية للإسلام والمسلمين، أيا كانت أسبابها، فإنه ينبغي عليه أن يتجنب إسقاط مشكلات على ثقافة أو مجموعة من البشر، كان ينبغي بالأحرى أن يتم التطرُّق إليهما من منظور مختلف تماما. وبدلا من وضع تصورنا حول العالم وكذا مفهومنا الذاتي موضع تساؤل ومحاولة تصحيح مسارهما كما قد يبدو مناسبا في ظل الأوضاع الراهنة في مجالي الاقتصاد والبيئة، تُبذَل محاولات لإعادة ترسيخ عقليتنا عبر مقارنتها مع عقلية تبدو من الناحية الظاهرية أقل تقدما بفارق كبير، وهي العقلية الإسلامية في هذه الحالة. ولكنَّ هذا لن يساعدنا بأي حال من الأحوال على حل مشكلاتنا، مهما بلغ تقدم الغرب المتفتح في مقارنته مع العالم الإسلامي، الذي يعاني من كساد اقتصادي وثقافي.

وإن ثمة أمر آخر ملفت للنظر في هذا التركيز المفرط على الإسلام: أنه يتم استغلال القضية „الأسهل“ وهي القضية الثقافية في محاولة تناسي القضايا „الأصعب“، وهي القضايا الاقتصادية وقضايا السياسة البيئية. وهذا قد يُعزى لسببين. السبب الأول يتمثَّل في سهولة الحديث عن الثقافة فلا يُشتَرَط معرفة أي شيء عن الإسلام لإبداء الرأي فيه، بل يكفي أن يرى المرء نفسه مختلفا، أو أفضل عادة. أما في القضايا البيئية والاقتصادية، فمن الواضح أن للفرد، شاء أم أبى، دور متواصل في عجلة التشغيل، أيا كانت طبيعة هذا الدور. علاوة على أنه يصعُب على المرء إبداء رأيه في تلك الموضوعات إن كان يفتقر إلى الكفاءة الموضوعية.

من ناحية أخرى، فإن صرف الانتباه عن القضية الأساسية وتوجيهه إلى المجال الثقافي، يعد في الوقت نفسه إشارة إلى إعادة بزوغ تلك القضية التي تبذل المحاولات لكبتها وتناسيها: والتي تتمثل في معرفتنا بأننا بحاجة إلى تحول ثقافي، أي إلى إحداث تغيير في قيمنا وتصورنا عن العالم، ليتسنى لنا التعامل مع مشكلاتنا بعقلانية وبأسلوب سيكولوجي ناهيك عن التغلب عليها وحلها، وعلى رأسها المشكلات الاقتصادية والسياسية البيئية. أي أننا نصرف التركيز في النقاش عن المعطيات الأصعب مراسا ونوجهها إلى المعطيات الأسهل مراسا لعدة أسباب، ليس أقلها لمعرفتنا البديهية بأننا لسنا قادرين في حقيقة الأمر إلا على تغيير: أنفسنا.

ضرورة تغيير العقلية

إزاء هذه الخلفية تبدو المناقشات الساخنة التي تدور حول الإسلام كنوع من المعارك البائسة أو الحروب بالوكالة والتي تهدف في مجالنا السيكولوجي إلى كبت ذلك الإدراك المرير بأنه لا سبيل لإنقاذ البيئة أو الدولة مع استمرار نزعتي جنون الاستهلاك وتعظيم الربح. وأن هذا الإدراك قد ذُكِر شبه صراحة في كتاب تيلو ساراتزين نفسه. حيث استنتج بشكل صحيح أنه كلما ازداد نجاح الشخص بالمعنى التقليدي، أي فيما يتعلق بالمسار المهني وتعظيم الربح، كلما تقلصت دافعيته للإنجاب. ولكن، لوقف هذا التطور لم يعتمد ساراتزين على ضرورة إحداث تحول ثقافي وتغيير في العقليات السائدة كسبل لحل المشكلة. بل اتجه بدلا من ذلك إلى حلها باستخدام وسيلة تعظيم الربح في حد ذاتها، وذلك بأن اقترح تخصيص مكافأة بمقدار ٥٠٫٠٠٠ يورو لكل أم دون الثلاثين من خريجي الجامعات، حتى لا يكون الإنجاب „مجزيا“ فقط للمستفيدين من الرعاية الاجتماعية. إلا أن ثمة حل آخر أكثر عقلانية وأقل تكلفة لهذه النزعة، ويتمثَّل في إحداث تغيير في القيم الثقافية. فهذا التغيير من شأنه أن يُخرِج بمفهومنا الذاتي من المأزق الحالي ويضعنا من الناحية المادية والثقافية والنفسية في وضع يُمكِّنُنا من الاكتفاء بالموارد الآخذة في التضاؤل والشعور بالسعادة في الوقت نفسه. ولكن ثمة أمر مؤكد: صحيح أنه يسهل علينا كثيرا أن نلجأ مرة أخرى إلى إثبات قدرتنا في مواجهة مع دين إسلامي كائن في وضع متأزِّم، إلا أننا في واقع الأمر يمكننا أن نتعلم بعض الأشياء من الإسلام والمسلمين. فتلك القيم، التي نفتقر إليها، لا تزال في كثير من الأحيان قائمة بقوة واستدامة في الثقافة الإسلامية، ليس أقلها التعامل الإيجابي والود تجاه الأطفال، وهو ما يعترف به حتى أشد منتقدي الإسلام.
شتيفان فايدنر كاتب ومترجم ورئيس تحرير مجلة »فكر وفن«.

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...