المزاوجة بين العلم الغربي والثقافات المحلية
الجالية المسلمة في ألمانيا وعلم النفس

ولدت مريم شولرـ أوجاك عام ١٩٦٢ في تركيا، وفي السابعة من العمر جاءت إلى ألمانيا. شولر ــ أوجاك مسؤولة عن قسم الأمراض النفسية والعقلية، في مستشفى سانت هيدفيغ (St.-Hedwig( التابع إلى مستشفى «شاريتيه» الجامعي في برلين. بالإضافة إلى هذا، فإنها رئيسة الجمعية الألمانية ــ التركية للأمراض النفسية والعلاج النفسي والصحة النفسية الاجتماعية.
عليم غرابوفاج أجرى هذه المقابلة لـ «فكر وفن» مع شولر أوجاك:


فكر وفن: سيدة شولر أوجاك إلى أي مدى يحصل المسلمون، الذين ينحدرون من أصول أجنبية، ويقيمون في ألمانيا، على العلاج النفسي عند حاجتهم لعلاج من هذا القبيل؟

شولر أوجاك: الملاحظ هو أن عدد المختصين بالعلاج النفسي محدود جدا مقارنة بحاجة هؤلاء الأفراد للرعاية والعلاج. ففي بعض الأحيان، تمضي سنوات متعددة، إلى أن يعثر الواحد منهم بسبب الاختلافات الثقافية واللغوية وربما الدينية أيضا على الطبيب النفسي المناسب. إننا لا نبالغ إذا قلنا أنه يوجد نقص عظيم جدا مقارنة بعدد المسلمين المحتاجين، في برلين، للعلاج النفسي.

بالنسبة للأطباء العرب أو الأتراك، هل لديك فكرة عن عدد المتخصصين منهم بالأمراض النفسية والعقلية في ألمانيا؟

أعرف عددا من العاملين في هذا الحقل في برلين فقط. ومع هذا، فإن هذا العدد له دلالة مهمة فعلا. ففي برلين يتراوح عدد الأطباء الأتراك المختصين بالأمراض النفسية وبمسائل العلاج النفسي بين عشرة أطباء إلى اثني عشر طبيبا. ومن هؤلاء الأطباء يدير ثلاثة أطباء مختصين بالأمراض النفسية عيادات خاصة بهم. علما أن عدد الأفراد، المنحدرين من أصول تركية، يبلغ في هذه المدينة ١٨٠ ألف نسمة. وانطلاقا من هذه الأرقام، فإن المرء لا يكلف نفسه مشقة ذات بال، إذا أراد التعرف على الخلل الذي نحن بصدد الحديث عنه. وملخص القول، هو أن المدينة تعاني من نقص عظيم بكل تأكيد. وإذا أمعنت النظر في هذه الأرقام، انطلاقا من الجندر، من الخصائص الجنسية أعني انطلاقا من وضع المرأة (المسلمة)، المنحدرة من أصول أجنبية، والراغبة بمراجعة طبيبة نفسية فما من شك في أن فرصة هذه المرأة، في العثور على الطبيبة المختصة، بمسائل العلاج النفسي، ستتراجع بشكل كبير.

هل يجوز للمسلمة مراجعة طبيب نفسي غير مسلم؟

إن الأمر يتوقف على فهم المرء للدين، على مدى التزامه بتطبيق شعائر عقيدته الدينية، وعلى وجهة نظره الشخصية بخصوص هذه العقيدة. إلا أن الأمر الذي تتعين ملاحظته، هو أنه لا يوجد، في المنظور العام، حظر على مراجعة الطبيب، غير المسلم. علما أن المرأة المسلمة المتزمتة، لا تراجع أي طبيب نفسي، سواء أكان ألمانيا أو من أصول أجنبية.

ولكن، كيف يتم علاج هذه النسوة؟

تلعب هاهنا عوامل مختلفة. فالمعارف والأصدقاء، والمحيط الاجتماعي، والأسرة والديانة من جملة الأمور، التي تلعب دورا مهما هاهنا. فكثير من الأفراد، يجدون في الدين، المتكأ الذي يستندون إليه، إنهم لا يجدون في الدين، هوية ودرعا واقية فحسب، بل ربما، يجدون فيها أيضا، مغزى الحياة أصلا. إن هؤلاء الناس، يفضلون مراجعة عالِم من علماء الدين.

هل توجد في طب الأمراض النفسية، إمكانية لاستخدام أساليب تقليدية في علاج المرضى؟

إني أسأل، دائما وأبدا، المرضى الذين أشرف على علاجهم، عما إذا كانوا يرغبون في الخضوع لأساليب العلاج التقليدية، الدارجة في الأوساط الشعبية. فإذا كان أحدهم يرغب في قراءة هذا النص أو ذاك، من نصوص القرآن، وإذا كانت هذه القراءة، تترك أثرا إيجابيا عليه، فما من شك، في أننا إزاء أمر رائع فعلا. فإذا كان المرء يرغب بإتباع الشعائر والطقوس، فما المانع من ذلك، إننا هاهنا إزاء رغبة مشروعة، وذات تأثير إيجابي. بيد أن هذه الرغبة لا يجوز لها أن تتخطى حدود معينة. فحالما ألاحظ أن هذا الشخص أو ذاك، من الأفراد الذين يستعينون، بالمعارف الدارجة، في الطب الشعبي، قد بات يتدخل في المناحي العلاجية، أو في اختيار العقاقير الطبية، فإني أُنهي الأمر فورا.

هل يرى المسلمون، الذين ينحدرون من أصول أجنبية، أن الأمراض النفسية والعقلية من الحُرُمات؟

إنهم، بلا ريب، أكثر من الألمان، تسترا على أمراضهم النفسية والعقلية. ويكمن العامل المهم في سياق ما نحن بصدد الحديث عنه، في المحيط الاجتماعية، الذي ينحدر منه هذا المريض أو ذاك. فمن مسلمات الأمور أن ثمة اختلافات، بين أن ينحدر المرء من قرية أناضولية، لم تحتك كثيرا، بمعطيات التعليم الحديثة، أو من عائلة منفتحة على التعليم، ترعرعت في مدينة كبيرة، وتربت على مبادئ أتاتورك. والملاحظ في ألمانيا، هو أن نسبة كبيرة من الأفراد المنحدرين من أصول تركية، يتوزعون على محيطين اجتماعيين: ففي حين ينتمي البعض منهم إلى محيط شديد التمسك بالعقيدة الدينية وموغل في إتباع تراث الآباء والأجداد، ومحافظ، متدين، متمسك، بكل إصرار، بالتصورات التراثية الصارمة، المتحجرة، ومهتم اهتماما شديدا بالمحافظة على الهوية الثقافية، وشرف العائلة، وأداء الواجبات الدينية، والقواعد الأخلاقية، وبقواعد الآداب وحسن السلوك، ينتمي البعض الآخر منهم، إلى المحيط المتطلع لنيل المتعة والتنعم بالملذات الدنيوية أعني ينتمي إلى المحيط الثقافي الهامشي، الذي يعكس صورة الجيل الثاني غير المتكيف مع محيطه بالكامل، والقاصر عن تحديد هويته، ومعرفة كنه مستقبله، والراغب في جني المتع والملذات والرافض بكل قوة الخضوع لما يتوقعه منه مجتمع الأكثرية. إن الأمر يدور هاهنا، حول قيم من قبيل مشاركة الآخرين في حياتهم، واستحسان أساليبهم، والتطلع إلى الحصول على اعترافهم، وجني المال والثورة، والحصول على السلع الاستهلاكية والكمالية، واللهو وفعل المستغرب من التصرفات، والتمتع بأوقات الفراغ، ومشاركة المحتفلين في احتفالاتهم، واحتفالات الجماعات، المماثلة لهم بالعمر والتصورات الاجتماعية (Peer Groups)، بنحو مخصوص. وخلافا للمحيط المتدين، المتمسك بتقاليد الآباء والأجداد، يلاحظ المرء أن هذه المجموعة، أعني الجيل الثاني، أكثر انفتاحا وتقبلا للمعارف السائدة في العلاج النفسي الحديث.

ما هي العبارات، التي يستخدمها الأفراد، الذين ينحدرون من أصول تركية أو عربية، في وصفهم لأمراضهم النفسية والعقلية؟

الكثير منهم يعانون من وهن بدني وأمراض جسدية. فآلام العمود الفقري، والصداع، والشقيقة، وما سوى ذلك من أمراض جسدية، تنتشر في صفوف المنحدرين من أصول أجنبية، بكثافة أكبر من انتشارها في صفوف المواطنين الألمان. إني أعتقد أن تفسير هذه الظاهرة، يكمن في أن المرء يتقبل الآلام الجسدية، بتسامح يفوق التسامح الذي يبديه إزاء العلل النفسية. فحينما يكون المرء مريضا جسديا، فإنه يحصل على العون والرأفة، بنحو أسهل من الحالة التي يكون فيها المرء مريضا نفسيا، أي حينما يردد أنه على وشك فقدان الرشد. فالمرء المريض جسديا، يُعتبر عادة، إنسان تجب مساعدته والرأفة به؛ أما المريض نفسيا، فإنه، وباعتباره، „مجنونا“، لا يحصل على المساعدة في كثير من الحالات. أضف إلى هذا أن الناس، كثيرا ما يستخدمون، صورا ولغة رمزية، للتعبير عن أمراضهم. فعلى سبيل المثال، يقول بعض المرضى: لقد أصيب رأسي بالبرد، قاصدين بذلك أنهم يخشون أن يكونوا على وشك فقدان الرشد. أو يتصرفون بنحو مسرحي ويذرفون دموعا ساخنة. إن هذا كله ليس سوى تعبير عن آلام وأحاسيس مضنية. إن هذا الوصف والاستعراض للآلام، يختلف بنحو بين، عما هو دارج في صفوف المواطنين الألمان.

الأمر يتعلق إذا بإدراك مغزى الشفرات أو الإشارات الخاصة بحالة الجسد.

بالنسبة للحالة التركية، يقول المرء مثلا: إن رئتي تكاد أن تنفجر. ومعنى هذا: ما عدت قادرا على احتمال الضغط، ما عدت قادرا على التنفس، وصدري ما عاد يتسع لأي شيء.

فن التفسير والاستدلال

هل بمقدور الأطباء النفسانيين الألمان، تفسير الأمراض النفسية والعقلية، تفسيرا صحيحا، حينما ينحدر المرضى من أصول أجنبية؟ ألا تظهر هنا أخطاء تشخيصية أو علاجية، إذا ما أخذنا بالاعتبار عمق الاختلافات الثقافية؟

ما من شك في أن أعراض المرض، وشرح أسباب العلة، والنتائج المتوقعة من العلاج، تختلف، من ثقافات إلى أخرى، اختلافا كبيرا. فانطلاقا من المحيط الثقافي، الذي أعيش في كنفه، من المحتمل جدا، ألا أستطيع، فهم الآخرين، والتواصل معهم، أبدا. ولعل المثال التالي يوضح مغزى ما أرمي إليه. لنفترض إن إحدى المريضات، راحت تقص علي، أنها تعلق على عنقها، تمائم وأحجية كثيرة، وذلك لأن أحد الأشخاص، كان قد سحرها، وأصابها بشر العين والحسد. إني لا أشط كثيرا، إذا قلت، إن الطبيب أو العالم النفسي، أو الطبيب الغربي المختص، بالأمراض النفسية والعقلية، يمكن أن يخطأ ويوعز الأمر إلى نوبة، من نوبات الوهم. أو حين يروي المرضى أنهم يسمعون أصوات الأسلاف. فمن مسلمات الأمور، أن هذا المريض، يروي علينا، ما هو من بواطن الثقافة، التي جُبل عليها؛ إن علي، بصفتي طبيبة مختصة بالأمراض النفسية والعقلية، أن أكون على علم ودراية بالموضوع، وإلا فإني لن أستطيع أن أصنف وأشخص مرضه، بالنحو الصحيح. في مثل هذه الحالة، يمكن أن أخطأ في تشخيص المرض، وأقرر بأن المريض يعاني من الفصام العقلي. من هنا، ولتفادي التقييم الزائف، لا مندوحة لي، بصفتي طبيبة الأمراض النفسية والعقلية، من أن أكون على معرفة جيدة، بمناحي الاختلافات الثقافية. أي أن الواجب يفرض علي، أن أحيط علما، بالأمور، التي تعتبر في الثقافة الأخرى، مظاهر مألوفة، أو أحوال مستغربة إلى حد ما أو عوارض لأمراض معينة.

طب الأمراض النفسية والعقلية، المراعي للتعدد والتنوع الثقافي. ما هو المقصود بهذا الطب؟

في سابق الزمن، حاول المرء سحب نتائج المعارف الغربية على ثقافات العالم المختلفة. إننا نحبذ استخدام عبارة طب الأمراض النفسية والعقلية، المتفاعل مع التنوع الثقافي، قاصدين بذلك الطب، الذي يأخذ في الاعتبار، الفوارق الملحوظة بين ثقافات العالم المختلفة. إننا، في الواقع، ومن حيث المبدأ، إزاء طب لا مندوحة له، من أن يأخذ في الاعتبار، السياقات الثقافية المختلفة.

أين يكمن الاختلاف بين هذا الطب الحديث وطب الأمراض العقلية التقليدي؟

إن طب الأمراض العقلية الآخذ بالاعتبار الفوارق القائمة بين ثقافات العالم، ينطلق من أهمية التواصل وضرورة التفاعل بين الثقافات المختلفة. وكمثال معبر، يمكننا أن نسوق هاهنا، العلم المتخصص بالأمراض العقلية، الدارجة في صفوف المهاجرين. فالأفراد من ذوي الأصول الأجنبية، يعانون من مشاكل مختلفة، وبالتالي، يجب أن يخضعوا بناء على أصولهم الثقافية إلى أساليب علاجية مختلفة. فهناك تصنيفات ونظم للتبويب معترف بها دوليا. بيد أن بعض صنوف الخلل النفسي والاضطرابات العقلية، الممكن حدوثها في بعض المناطق والأقاليم، لا تظهر في هذه التصنيفات ونظم التبويب. فعلى سبيل المثال، يخاف الرجال، في بعض مناطق جنوب شرق آسيا، خوفا عظيما، من أن يتراجع قضيبهم ويختفي في بطونهم، الأمر الذي يسبب وفاتهم في نهاية المطاف. ولذا، فإنهم يقبضون على قضيبهم بشدة، وذلك للحيلولة دون اختفائه، بلا رجعة. ومن هنا، لا بد لنا من أن نسأل، عن موقف علم الأمراض العقلية، السائد في الغرب من هذا الخلل النفسي، والاضطراب العقلي؟ هل نحن إزاء خلل ناجم من الخوف؟ إن تصنيف هذا الخلل، أو تبويب هذا الاضطراب، ليس من السهولة بمكان أبدا. على صعيد آخر، ينتشر في جنوب أمريكا، خوف من أن تغادر الروح الجسد. ولذا، ومن خلال شعائر وطقوس مختلفة، يحاول المرء حفز الروح على العودة إلى الجسد والاستقرار فيه ثانية. من ناحية أخرى، يخيم على بعض سكان الشرق الأوسط، مثلا، تصور لا يتفق مع تصور الغرب بانفصال الثنوية الروح ــ الجسد. ففي الشرق الأوسط، يمرض المرء كلية أي روحا وجسدا.

ما هي التبعات الناتجة عن هذا الأمر بالنسبة للأساليب العلاجية؟

إن الطب الغربي طب يقوم على الدليل والبرهان. فالعالم الغربي يرى أن المرء يجب أن يكون قادرا على إثبات زيف الطب، أو التدليل على صوابه ونجاح فاعليته. وبالمقابل، هناك طب، أيضا، يعكس خصائص ثقافية معينة. وتلعب عوامل، مختلفة كلية، دورا لا يستهان به هاهنا. وتأسيسا على هذا، يمكن أن تختلف، اختلافا جوهريا، توقعات المريض، مثلا، بشأن العلاج الذي يخضع له. من ناحية أخرى، يهتم طب الأمراض النفسية، بإرشاد الأفراد، إلى الثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، والاستقلالية، فكرا وسلوكا. فعلى المريض أن يأخذ زمام المبادرة، ويذلل سبل حياته بنفسه. وينجح هذا المسعى نجاحا باهرا، في المجتمع الغربي، القائم على مبدأ الفردانية. بيد أن هذا النهج، لا يمكن تطبيقه، على فرد ينحدر من البيئة الشرقية، الخاضعة لمبادئ الجماعية. فالفتاة، التي يجري انتزاعها من محيطها العائلي، وجذورها الثقافية، وذلك من خلال إخضاعها إلى مبادئ الفردانية مثلا، نعم إن هذه الفتاة، ستتعرض إلى مشاكل أكثر، إذا ما فقدت سبل التواصل مع مجتمعها وعائلتها. إن على المرء، أن يكون حذرا جدا، بقدر تعلق الأمر فيما نحن بصدد الحديث عنه. فمسعاه يمكن أن يؤدي إلى عكس الهدف المقصود.

هل يعني ذلك أن الطبيب النفسي الألماني سيرى في الإسلام مشكلة؟

نعم، هذا أمر محتمل فعلا. وبهذا المعنى، فبدلا من تعقيد الأمر، عليك أن تأخذ في الاعتبار البيئة والأطر الثقافية، والتصورات المعيارية والدينية أيضا.

لقد سبق لمارغريت ميتشرلش أن قالت في لقاء صحفي: „إني أعتقد أن الإسلام التقليدي والتحليل النفسي، كالنار والماء. إن تحليلا نفسيا، يشكك المرء فيه بكل شيء، ويستجلي دوافع كافة الأمور إن هذا المسعى لا يمكن أن ينجح من غير عملية تنوير“.

إني على اتفاق تام مع وجهة النظر هذه. فالدين يفرض قواعد، ليس بوسع المرء مناقشتها واختبار صلاحيتها. ومع هذا، ما من شك أن بوسع المرء الوصول إلى هؤلاء الأفراد والتفاعل معهم. فالتحليل شيء يختلف، بعض الشيء، عن العلاج النفسي أو العقلي. ففي علاج نفسي معين، توجد، مثلا، بنيات، تبين للمرء، بنحو جلي، السبل العملية الواجب عليه انتهاجها، من أجل مساعدة المرضى، في التغلب على مشاكلهم. والمبدأ العام هاهنا، هو أنه مثلما يتعلم المرء السلوكيات الفاسدة، فإنه يستطيع نسيانها والبعد عنها أيضا. وبهذا المعنى، فالواجب يحتم هاهنا، بذل الجهد اللازم، لمساعدة المريض على تعلم سلوكيات وطرائق تفكير أكثر قبولا. وهكذا، وبقدر تعلق الأمر بالوسائل العلاجية، لا توجد ضرورة حتمية لعملية التنوير. إلا أن الأفراد، المنحدرين من أصول إسلامية، ولا يفهمون القرآن بنحو متعصب علما أن أكثرية المسلمين على هذه الشاكلة يستطيعون، طبعا، عرض أنفسهم على الطبيب النفسي، وجني المنافع، أيضا، الكامنة في العلاج النفسي.

المعضلة اللغوية

من مسلمات الأمور، هو أن كل شيء، في العلاج النفسي أو في علاج الصدمات النفسية، يرتبط ارتباطا وثيقا باللغة. ما هي السبل المتاحة، لضمان الحصول على النجاح المتوخى هنا؟

ات، لا مندوحة لهم، من امتلاك القدرة على العمل برفقة مترجم يتوافر على المهنية المطلوبة. إن دخول المترجم على الخط أمر يتطلب معرفة جيدة بالمهمة المطلوب من المترجم النهوض بها. فالطبيب المعني، مطالب بإجراء حديث أولي مع المترجم، وذلك من أجل تحديد إطار مهمته: واجب كتمان ما يبوح به المريض من معلومات خاصة، ومكان جلوسه، والأسلوب الذي يتعين عليه انتهاجه، عند شروعه بالترجمة. كما يتعين إبلاغه بعبارات لا تقبل الالتباس، أن واجبه هو أن يقوم بترجمة كافة ما يطلب منه ترجمته، وأنه لا يجوز له، حذف شيء من الحوار، أو شرح أو تأويل الموضوعات. كما يحتاج الطبيب إلى حديث ختامي، للبت فيما إذا كان لهذه القصة، بعد أو مغزى ثقافي. كما يتعين إعطاء المترجم، الفرصة المناسبة، للتخفيف عن انفعالاته، لا سيما حينما يدور الأمر، حول موضوعات، هي من صنف الأوهام. كما يتعين على الطبيب، وهذا موضوع، أعتبره غاية في الأهمية، أن يعمل، دائما وأبدا، بمعية مترجم يتقن المهنة حقا وحقيقة. ويستحسن استبعاد الأطفال والأقارب والجيران والشركاء والأصدقاء، من غرفة العلاج. فأنت لا تعرف شيئا دقيقا، عن ماهية العلاقة القائمة بين المريض والمترجم غير المتخصص، وعن الانفعالات النفسية، المعقدة، الناشرة ظلالها على العلاقة بين الطرفين. أضف إلى هذا وذاك، أنك تجهل كلية، ما إذا كان السؤال، الذي طرحته في لحظة معينة، قد وصل إلى ذهن المريض فعلا، وما إذا كان جوابه سيصل إلى سمعك فعلا.

إن المعالجين القادرين على التفاعل بين الثقاف

الدين، والأعراف والتقاليد، والعائلة: هي، من ناحية، الملاذ الواقي من الإصابة بالأمراض النفسية، ومن ناحية أخرى، أحد أسباب هذه الأمراض.

إننا نعلم أن العقيدة الدينية والعائلة من جملة العوامل الواقية. إلا أن العائلة يمكن، أيضا، أن تكون من جملة العوامل المسببة للأمراض النفسية. وتخطر على ذهني هاهنا، تلك الفتيات على وجه الخصوص، اللواتي يخضعن لعادات وتقاليد معينة، وتصورات معيارية صارمة، في حضرة العائلة، لكنهن يتبعن، حينما يكن خارج إطار العائلة، أي حينما يكن بمعية من هم بعمرهن، وبصحبة الأصدقاء والمعارف، قيما أخرى بالكامل. والكثير منهن لا يفلحن في ردم الهوة الفاصلة بين كلا النمطين. وحدثتني بعض الفتيات، أنهن يشعرن، في المنزل، كما لو كن دمى تحركها يد خفية، وأنهن مجبرات على تقمص شخصية أخرى، غير شخصيتهن الحقيقية. من هنا، لا غرو أن تبدأ المشاكل والظواهر التي نحن في صدى الحديث عنها.

هل ثمة اختلاف بين ردود فعل النساء والرجال على الأمراض النفسية؟

نفسي، وصمة عار. ولذا، فإنهم نادرا ما يتحدثون عن الموضوع، ويتأخرون، أكثر من النساء، في مراجعة الطبيب الأخصائي، ويتقبلون، أقل من النساء، الخضوع للعلاج النفسي. فالرجال، في عالم الشرق الأوسط، لا يزالون يتصرفون كما لو كانوا باشوات آخر زمن. والحديث عن الأداء الجنسي غالبا ما يكون من محرمات الأمور أيضا. إن حديثهم عن مشاكلهم الجنسية أقل ندرة من حديث النساء. لا سيما حينما تقف قبالتهم طبيبة. إن النساء أكثر جرأة هاهنا، لا بل إنهن يتحدثن، عن مشاكلهن الجنسية، بطلاقة غير معهودة، حتى بين المواطنات الألمانيات.

بالنسبة للرجال، يعتبر المرض ال

وبالنسبة لانتشار الأمراض النفسية ما هي الاختلافات السائدة بين الرجال والنساء؟

تصاب النساء المنحدرات من أصول أجنبية، ومن أصول إسلامية أيضا، بالكآبة، بنسبة تبلغ الضعف. كما يزيد معدل الانتحار في صفوفهن على معدل الانتحار في صفوف الرجال بنحو ملحوظ. وتكمن أسباب هذه الظاهرة في عوامل كثيرة في أغلب الأحيان، بتفاقم أزمات أفرزها المحيط العائلي الثقافي.

هل يختلف المهاجرون هنا، أم أنهم أكثر عرضة للكآبة وما سوى ذلك من أمراض نفسية؟

كلا الأمرين. فهم معرضون، أكثر من المواطنين الألمان، للإصابة، أيضا، باضطرابات جسدية، ناتجة عن اضطرابات عقلية أو عاطفية (psychosomatic). فالمشاكل المترتبة على الهجرة، أعني مشاكل من قبيل فراق العائلة، والمعضلات المادية والمالية، وعدم تطور الأطفال، بالنحو الذي تمناه المرء، ومعايشة صنوف التمييز، إن هذه كلها أمور، لا عهد للمواطنين الألمان بها، وبالتالي فإنها يمكن أن تكون عوامل سلبية، إضافية، تفرز، في صفوف المهاجرين، الكآبة وما سوى ذلك من مشاكل نفسية.

هل لديك إحصائيات؟

هذه البيانات غير متوفرة. ففي ألمانيا لا توجد إحصاءات خاصة بالأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة. فعلى مدى عقود كثيرة من الزمن، يُجرى الاستقصاء الوبائي الوطني بشكل منتظم على ٢٠٠ ألف شخص، وذلك للتعرف على مدى تعرضهم لأمراض نفسية وجسدية. والآن، هل تريد التعرف على مناحي القصور، في هذا الاستطلاع؟ لقد استُبعد مهاجرون لأنهم لا يجيدون الألمانية، كما استبعد مهاجرون أيضا، ربما لأنهم أميين، لقد استبعد هؤلاء، بحجة أن استطلاع واقع هذه الفئات، يزيد التكاليف بنحو غير مناسب. فتصور! ينفق المرء الملايين على هذه الدارسة، ولكن، وعندما يتعلق الأمر بأفراد من ذوي الأصول الأجنبية، لا تتوفر الأموال. إن الأمر فضيحة ما من بعدها فضيحة، حسبما أرى. لقد ضاعت فرصة عظيمة فعلا.

في الوقت الراهن، يوجد في ألمانيا، ١٥ مليون شخص من أصول أجنبية.

ولهذا السبب بالضبط، أنشأنا، نحن العاملين في مستشفى الشاريتيه، تمرينا إلزاميا، لطلبة الفصل الثاني، يدور حول التواصل مع المهاجرين بلا حواجز، وخصصنا مادة تدريسية تدور حول المهاجرين والأمراض النفسية والعقلية. وبهذا المعنى، فقد صار كل طالب ملزما بالمشاركة في التمرين المذكور. إن الواجب يفرض علينا أن نكون أكثر إدراكا بالاختلافات الثقافية. ومهما كانت الحال، دعنا نمعن النظر بماهية المعضلات الثقافية، التي يعاني منها أولئك الأفراد، الذين ينحدرون من أصول أجنبية؟ أين يتعرضون للتمييز؟ كيف ينجح المرء في زيادة فرصهم للدخول إلى المحيط الجامعي؟ ولا يفوتنا أن نشير هنا، إلى أن هذه الموضوعات لا تزال اختيارية في الجامعات الأخرى. هذا أمر مؤسف فعلا.

ما هي الأمور، التي يجب انجازها مستقبلا بحسب تصوراتك؟

الكثير من المؤسسات تؤيد الانفتاح على الثقافات الأخرى وتدعوا إلى التواصل مع هذه الثقافات. بيد أن هذا التأييد لا يزيد على كونه إعلانا شفويا عقيما. فهو تنقصه الشروط العملية. فالعاملون غير مدربين على الانفتاح على الثقافات الأخرى. فهؤلاء تنقصهم المعارف الضرورية، والاستعداد اللازم، وربما السلوك المناسب أيضا. إن التمييز يلعب، دورا جوهريا، في القطاع الصحي أيضا. أضف إلى هذا، أن الكراسات التوجيهية مكتوبة بلغات معدودة؛ وبالتالي فإن أكثر لغات العالم لا توجد بها هذه الكراسات أصلا. ومجمل القول، هو أن الموقف الرافض للمهاجرين، المنحدرين من أصول تركية وعربية مثلا، يلاحظه المرء في القطاع الصحي أيضا. والعديد من الزملاء يعبرون عن هذا الرفض بصريح العبارة، وبلا لف ودوران. ففي واقع الحال، فإنهم لا يريدون التعامل مع الأتراك أصلا.

المرأة بصفتها إنسان مسموع الكلمة

وكيف هو الحال مع المرضى الألمان؟

إن بعض المرضى يقولون بصريح العبارة، هذه المرأة ذات الاسم التركي، لا أريد مراجعتها. وعلى الصعيد نفسه، فإن بعض الرجال المنحدرين من أصول تركية، يرفضون، أيضا، مراجعتي والسماح لي بفحصهم، لا لشيء إلا لأني امرأة. وكان بعض هؤلاء المرضى، المنحدرين من أصول تركية، قد خاطبوني، خلال فحصي لهم، قائلين السيد دكتورة شولر أوجاك. فالمرأة يتلاشى وجودها خلف الشخصية ذات السلطان والكلمة المسموعة، وأمست السيد دكتورة شولر أوجاك، وعندئذ أمست الدكتورة طبيبة تحظى بالقبول لديهم.

ما هو السلوك العملي الدارج في تعامل المستشفى مع أفراد ينحدرون من أصول إسلامية؟

ثمة قصور كبير في هذا الشأن. فلا توجد أماكن مناسبة، يمكن للمسلمين فيها أداء الصلاة. في الكثير من الردهات هناك نسخة من الكتاب المقدس. فلماذا لا توجد نسخة من القرآن أيضا في هذه الردهات؟ لماذا لا يوجد سهم يشير باتجاه مكة؟ من ناحية أخرى، يُستحسن أن لا تحضر النساء المختصات برعاية المعتلين، عند غسل المرضى المنحدرين أصول إسلامية. ماذا عن اللحظات الأخيرة في حياة المريض؟ ومن الأهمية بمكان أن يستعين المرء هاهنا، بخدمات أئمة الجوامع أيضا. وهناك، من ثم، معضلة الحجاب. من ناحية أخرى، فإن التسرع والاعتقاد بأن هذا المنديل يشير إلى مغزى ديني أو يجسد رمزا للقهر والاضطهاد، حكم لا يعكس الحقيقة، كل الحقيقة، دائما وأبدا، بحسب ما أرى. ومع أني لا أرتدي هذا المنديل، إلا أني أرى أن بمستطاع المرء أن يكون أكثر تسامحا مع هذا الزي. هذا ولا يزال يوجد الكثير من مؤسسات غير مستعدة لتوظيف نساء يضعن هذا الحجاب على رؤوسهن.

حينما ينظر المرء من خلال نافذة مكتبك إلى المحيط الخارجي فإنه يشاهد صليبا مسيحيا. أضف إلى هذا، أنك تعملين في مؤسسة يشترك في تسييرها طرف كاثوليكي والمستشفى الجامعي، الشاريتيه. هل القرآن موجود في مؤسستكم؟ وهل يجوز لكم وضعه في متناول المرضى؟

هذا سؤال لم نطرحه لحد الآن. إلا أننا ننبه مرضانا إلى العقاقير الطبية المستخلصة من الخنازير. ونهتم بتقديم وجبات غذائية خالية من لحم الخنزير. ونبين لهم، أنهم غير مطالبين بالصيام، إذا مرضوا في شهر رمضان. إن هذا كله، من جملة الأمور، التي على المستشفى المنفتح على الثقافات الأخرى، الانتباه إليها والتقيد بها. وعلى ذكر العقاقير الطبية: إن جرعات قليلة من الأدوية، تسبب للمرضى من الأصول التركية، أعراض جانبية لا يستهان بها. بهذا المعنى، توجد، فعلا، عوامل وراثية، تؤثر على تحلل المادة المستخلصة منها العقاقير. فانطلاقا من الخصائص الوراثية التي يحملها الإنسان، يمكن أن تتم عملية الاستقلاب، ببطء في بعض الحالات، وبسرعة كبيرة، نسبيا، في حالات أخرى. ولهذا السبب، وبالنسبة لبعض الشعوب، لا مندوحة للمرء من إعطاء بعض العقاقير بجرعات قليلة، وإعطاء جرعات أكبر بقدر تعلق الأمر بشعوب أخرى. فثلث الأثيوبيين، مثلا، يتصفون بأن عملية الاستقلاب تتم عندهم بسرعة فائقة جدا.

إلى أي قدر ينفتح الطب النفسي والعقلي في تركيا على الثقافات الأخرى؟ وما مدى تواصل هذا الطب مع ثقافة اللاجئين السوريين، مثلا؟

مع أن تركيا بلد يستقطب كثير من النازحين، إلا أن الملاحظ هو أن تركيا تفتقر إلى خدمات الترجمة، ولا تدرك، بنحو كاف، أهمية الطب النفسي والعقلي المتفاعل مع الثقافات الأخرى. هذا أمر يؤسف له طبعا. ولكن، ربما أسفر المستقبل المنظور عن التحول المتوخى.
عليم غرابوفاج كاتب وصحفي ألماني من أصول كرواتية وبوسنية.

ترجمة: عدنان عباس علي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...