رائحة الغربة
الهجرة والطرد من الطفولة

كتبت إحدى المختصات بالتحليل النفسي عن تجربتها في عيادتها مع المرضى القادمين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وكان كثير منهم قد جاؤوا إلى ألمانيا أطفالا صغارا، أو كانوا أبناء مهاجرين ترعرعوا هنا. وقد خلّف هذا الوضع ضغوطا نفسية نوعية على هؤلاء الأطفال تركت بدورها آثارها على معايشات البالغين أيضا. وإدراك هذه الحالة عبر المعالجة النفسية يساعدنا على فهم هذه القضية.

منذ سنوات طويلة يزور عيادتي الخاصة بالتحليل النفسي أشخاص ينحدرون من شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط. ومنهم لاجئو حروب وعمّال مهاجرون، وأشخاص هاجروا إلى هنا ليعيشوا مع زوجاتهم (القادمات من الثقافة نفسها التي ينتمي لها أزواجهن أو اللواتي تعود جذورهن إلى ألمانيا نفسها). فيأتي إلى العيادة شباب بالغون هاجروا إلى ألمانيا أطفالا مع آبائهم أو التحقوا بهم بعد أن حقق الآباء بعض الاستقرار، وكذلك شباب جاؤوا إلى ألمانيا لغرض الدراسة. ومما يسهل على هؤلاء مراجعة عيادات الطبّ النفسي هو النظام الصحيّ الألماني الذي يوفر التأمين الصحي للجميع بغض النظر عن حجم عائداتهم المالية.

تحديات تواجه المهاجرين

هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى مغادرة الوطن، ويقف في مقدمتها الحلم في حياة أفضل والرغبة في التحرر من البؤس والأوضاع التي لا تطاق. وتؤدي الهجرة عموما إلى زعزعة الثقة بالنفس، ويمكن ملاحظة ذلك بعد سنوات عديدة. ويتطلّب تلمّس الطريق نحو الحياة اليومية لهذا العالم ذي اللغة المختلفة، أو نحو اللغة الأجنبية على وجه الإطلاق ـ الكثير من الأجانب يحتكون باللغة الألمانية هنا للمرّة الأوّلى في حياتهم ـ، ذلك كلّه يتطلب جهودا نفسية إضافية ومتواصلة لفترة زمنية طويلة. وكذلك التراتب الاجتماعي غير المتأصل هنا، والذي يظهر بشكل مغاير لظهوره في بلدان المغرب أو الشرق الأوسط مثلا، يجعلهم يشعرون بالقلق. وتطرح الهجرة بحدّ ذاتها أسئلة اجتماعية على الدوام أيضا. ويتضح الانحدار الاجتماعي عادة في بلد الهجرة. فأبناء الأثرياء أو الطبقة المتعلمة يمتلكون وسائل مختلفة للالتحاق بعالم الحياة الجديدة مقارنة بأبناء الأرياف القادمين من منطقة »جبال الريف« المغربية أو جبال شرق الأناضول. بيد أنّ هناك علاقات تنشأ بين أبناء الطبقات الاجتماعية في بلد الهجرة، الأمر الذي يكون مستهجنا في بلدانهم. ويتوجب على الكثير من البالغين تحمّل عملية الحطّ من منزلتهم، فلا يعترف بشهاداتهم المدرسية والمهنية، كما أنهم يشهدون تحطّم علاقاتهم الاجتماعية التي كانت تجلب لهم الاحترام في بلدانهم، فتصبح هنا على الأقل بلا أهمية. وتترك الفروق الثقافية بين البلد الأصلي وبلد الهجرة الذي يستقبلهم تأثيرها البالغ على الشعور بالانتماء إلى البلد الجديد. وفضلا عن ذلك فإن التصورات حول مكان الإقامة الجديد للقادمين وتصورات أبناء بلد الهجرة عن المكان الذي جاء منه هؤلاء المهاجرون تغلب على تفكير القادمين والسكّان الأصليين على السواء.

تأثيرات الهجرة على الأطفال

أوّد أن أتعرّض هنا إلى جانب مهم من وجهة نظري وهو السؤال عن مدى التأثّر الكبير التي يشهده تطوّر الطفولة في بلد الهجرة: فأيّ تأثير تمارسه مغادرة البلد والهجرة إلى بلد آخر أثناء مرحلة الطفولة على علاقة الأطفال بآبائهم وثقتهم بأنفسهم واكتساب القابلية اللازمة لتقييم قدراتهم الذاتية فالأطفال الذين لا يُسألون عما إذا كانوا يودّون البقاء أو الرحيل هم المتضررون على أية حال. وهذا ما يتقاسمه جميع الأطفال الذين يفقدون عالمهم الاجتماعي الأليف بسبب انتقال عوائلهم. بيد أنّ هناك فروقا واضحة بين الانتقال من ولاية »هسن» إلى ولاية »بافاريا» والانتقال من قرية في جبال الريف إلى مدينة ميونخ. ويتعرّض الآباء إلى صدمة بفعل عالم الحياة اليومية الجديد وبأشكال مختلفة، ويوثّر ذلك على الاستقرار والأمن اللذين يقدمونها للطفل الذي يعيش في العالم الجديد. فأنا أعالج في الواقع الكبار البالغين، لكن الشيء المميز في هذا الأمر هو أنّهم يشهدون تجارب سلبية خارجية في مرحلة ما من مراحل حياتهم، ثمّ يتراكم تأثيرها عليهم، فيشكّل الإنسان الصغير إدراكه المؤقت للعالم في أفضل الأحوال اعتمادا على ما هو مألوف وعبر تغيرات تدريجية فحسب. وتهتز ثقة هؤلاء الأطفال مبكرا بالإيمان الطفوليّ بأمن العالم، فيخرجون مبكرا نسبيا من مرحلة الطفولة، ويتعرضون للصدمة النفسية في أسوأ الأحوال. ويتّبع الفتيان استراتيجيات مختلفة عن استراتيجيات الفتيات للتعامل مع هذا الواقع، ويأتي ذلك مصحوبا بقلق الأمّ والأب معا.

الانفصال المبّكر عن الأمّ

سيّدة متخصصة في العلوم السياسية وفي التاسعة والعشرين من السنّ ومتزوجة جاءت للعلاج من مشاكل تتعلق بتناول الطعام. وكانت يائسة من مهنتها ولم تكن متأكدة من حبّ زوجها لها. وسألتني فيما إذا كانت ستجرؤ على إنجاب طفل منه، أو أن تصبح أمّا أصلا أو أنّ الضغط العائلي الذي يزداد بمرور السنوات هو الذي يتطلّب ذلك. وكانت أمّها قد تركتها لدى جدّيها وعمرها لم يتجاوز عاما واحدا. وكان والداها معلمين في شرق تركيا. وجاءت أمّها إلى ألمانيا في منتصف السبعينات بناء على طلب خاص بالقوى العاملة النسوية. ثمّ لحق بها الأب. وبعدما بلغت ابنتهما سنّ الثالثة جلبها الوالدان إلى ألمانيا. وذكرت بأن والديها كانوا يرسلون لها أشرطة مسجّلة بصوتيهما ورسائل أثناء فترة الانفصال عنهما. وروت لي حكاية أيضا، وهي أنها كانت ترسم بالقلم على الجدران البيضاء لمنزل جديّها إبّان فترة الفراق عن أبويها. وعندما سألتها جدتها عن ذلك أجابت بأنها تكتب رسالة إلى أمّها. فبكت الجدّة تعاطفا مع ألم الفراق الذي شعرت به الحفيدة، ولم تقرّع البنت على الخربشة فوق الجدران. وحالما بلغت البنت سنا مناسبة تعهدت لها الأم بأنّها ستتكفل بكل ما يحتاج إليه الطفل الأول لابنتها خلال سنواته الثلاث الأولى. وأثناء مراجعة المريضة لعيادة العلاج النفسي كانت حبلى بطفلها البكر، وأخذت تناقش عرض والدتها بتركيز. فاستيقظت مشاعرها التي رقدت في أعماقها فترة طويلة وأثقلت عليها سنوات عديدة دون أن تفهمها: ومنها غضبها على أمّها وحزنها على تركها وحيدة ورغبتها في الاستقلال المطلق. فكانت نتيجة ذلك الموافقة على عرض الأمّ.

ضحية العودة

المثل الثاني يتعلّق بامرأة في سنّ الخامسة والأربعين وهي متزوجة وتعمل في وظيفة وأمّ لثلاثة أبناء، فجاءت تبحث عن علاج نفسيّ لمشكلة النوم المضطرب والآلام الجسدية المبرحة التي لم تكن لها أعراض جسدية في الواقع، فضلا عن حالة الكآبة التي تسيطر عليها. فتحدثت عن طفولتها وقالت إنّ أباها الذي يعيش في ألمانيا عاملا في مصنع ترك زوجته وولديها، وهي منهما، لدى الأمّ في قرية جبلية تقع شرق تركيا. ثمّ وجد الأب نفسه قادرا على جلب الأم وطفليها، وكانت الفتاة في سنّ الخامسة آنذاك. وبعد ذلك بفترة قصيرة وبعدما بات من الصعب للجدّة أن تعيش بمفردها أعربت الفتاة ذات الأعوام الثمانية عن رغبتها في الانتقال إلى بيت الجدّة، لكي تبقى الأم مع ولديها الآخرين وزوجها في ألمانيا. فتوجب على البنت الصغيرة أن ترعى الأغنام والماعز وتدخل إلى مدرسة القرية وهي في عهدة الجدّة التي كانت تعيش في ظروف ضنك. وقد زارها والداها مرّة واحدة بعد خمس سنوات من انتقالها إلى الجّدة. وبعدما بدأت أعراض النحول والهزال تظهر على الفتاة ذات الثالثة عشر عاما ذهبت إلى إحدى الطبيبات. فأصرت الطبيبة على أن يعيد الأبّ ابنته إلى ألمانيا، لأنّ حياتها باتت في خطر.

وبعد عودتها إلى أسرتها أخذت تشعر بالغربة إزاء الأم والأب وأخويها. وكانت قد نسيت اللغة الألمانية. ثمّ قررت بعد فترة من العناد أن تتحمل جزءا من مسؤولية رعاية شقيقيها الأصغر سنّا وأمّها أيضا. و بالإضافة إلى ذلك بذلت جهدا كبيرا في المدرسة، لدرجة أن أحد المعلمين لاحظ مقدار ما تبذله من جهد، فساعدها على الانتقال من مدرسة للصفوف التأهيلية إلى مدرسة عادية. ومن ثمّ انتقلت إلى مدرسة أخرى أتاحت لها الحصول على شهادة الثانوية. ومازالت متمسكة إلى اليوم بأنموذج تحمّل المسؤولية إلى أن تدهورت صحتها النفسية والجسدية.

الهروب في سنّ الطفولة المبكرة

المثل الثالث يتعلّق بامرأة شابة هربت مع والديها من أحد بلدان شرق آسيا وكانت تبلغ عاما ونصف العام. وجاءت إلى عيادتي أثناء مساعيها للتخرّج من الجامعة. لكنها لم تكن قادرة على ذلك، لأنّها لم تستطع أن تتصور بأنها قادرة على العمل في مكتب جميل وكبير، في حين كان أبوها يعمل في قبو المبنى نفسه وفقا لنظام الورديات الليلية، وكان قد رسم لها هذه الصورة بهدف ملؤه الأمل وشعرت لحظتها بألم شديد. وبعدما أنهت دراستها وحصلت على الدبلوم ومن ثمّ على وظيفة متناسبة مع شهادة تخرجها ـ ولم تكن وظيفة بدوام كامل، بل مجرد مهنة تجعلها في غنى عن ممارسة أعمال إضافية أخرى ـ دخلت في عالم من الخيال مرتبط بكلّ ما لا علاقة بأبيها وأمّها. وفي الوقت نفسه بدا لها والداها وكأنهما دعيّان، بل وكاذبان كلّما تكلّما عن الأرض التي ملكهما في بلدهم السابق. فكان أبواها ينحدران عائلة ثرية ومتعلمة. وباتت الصورة الذاتية للمرأة الشابة تتأرجح بين ما أسمته »بفتاة الغيتو المغلق» وأخيلتها بأنها أميرة، لأنّ أمّ جدتها كانت تعيش على الأقل في منزل نبلاء. وخلال مرحلة طويلة من العلاج المرّكز تمكنت شيئا فشيئا من دمج صور عالمها الداخلي المختلفة بتصوراتها عن الحياة وتحملّ حالات التوتر عندما يكون التناقض بين خيالها والواقع على أشدّه. بل تمكنت حتى من تحمّل الإحساس بالذنب إزاء الأمّ والأب، وذلك بعدما نجحت أخيرا في تحسين واقعها الحياتي بشكل واضح.

الضغط الداخلي والخارجي


لعلّ هذه الأمثلة تولد انطباعا عن المشاعر والتوترات والتصرفات التي يتوجب على الأطفال الذين تطغي الهجرة على أسلوب حياتهم التغلّب عليها، وهي المشاعر المرتبطة بالعزلة والانفصال عن الأمّ والأبّ بشكل خاص، وتقديم التضحيات بأبعادها النبيلة المترفة والمؤلمة. وينشأ لدى الآباء أيضا إحساس بالذنب، يأتي مشفوعا أحيانا بالرغبة في إصلاح الأمور مجددا أو يتم نكران هذا الإحساس أو تجاهله عبر طرح المزيد من المطالب. والأطفال يحملون شعورا مرهفا ولا إراديّاَ بقلق آبائهم.

ونادرا ما يتم إدراك التشابك بين العامل النفسي الداخلي والخارجي وفهمه على نحو كاف. وكذلك نادرا ما يفهم التسليم الداخلي بالأدوار الاجتماعية المختلفة والمرتقبة من الآخرين والتي تشكّل مخزونا احتياطيا كبيرا من التوتر الداخلي. ولم يبق الأطفال والشبّان في عزلة فقط، بل إنّ ردود فعل المحيط الألماني والأجنبي يضاعف من حدّة هذا التوتر الداخلي أحيانا. وسأعرض هنا شواهد مستفيضة أخرى تكشف عن هذه التوترات خلال مراحل حياة هؤلاء.

رائحة الغربة

المرأة القادمة من شمال إفريقيا والتي بلغت منتصف الثلاثين لجأت إلى عيادتي بسبب الشعور بحالة الكآبة التي تزداد على الدوام. فشكت لي عن فشل علاقتها برجل وأشارت إلى رغبتها في إنجاب أطفال. ثمّ إنّ جدتها قد توفيت في بلدها بشمال أفريقيا قبل وفترة وجيزة، وكانت آخر امرأة من جيل الأجداد. وتحدثت بفخر عن عملها في دار للأطفال والشبيبة باعتبارها مربية أطفال، وهي مهنة موقوفة عادة على خريجيّ الجامعات. والآن تخشى أن تفقد كلّ ما حققه عبر عملها بسبب انعدام الرغبة والإهمال. وسمعت عن حدوث خلافات كبيرة مع العائلة في الماضي، بما في ذلك الهرب من منزل الوالدين وهي فيّ سن الخامسة عشرة. وعلى الرغم من شكواها وتوجيه اللوم إلى نفسها بشكل دائم ـ بمعنى أنّها ليست جيّدة بما يكفي (ولم تستطع تنظيم شؤونها) ـ لكنني واثقة من أنني أجلس أمام امرأة منتبهة وتتمتع بقوّة كبيرة. وكان التفاهم بيننا جيّدا، لدرجة أنني لم أتردد في أن أعرض عليها اقتراح العلاج عبر التحليل النفسي، والذي وافقت عليه وإن كان حضورها لجلسات العلاج كان يتم بشكل متباعد زمنيا.

فهي الأكبر سنّا من بين ستة أبناء، وكان أبوها يعمل في ألمانيا أثناء زواجه ثم بدأ يمارس فيما بعد مختلف المهن البسيطة، وقد عمل في موقع عمل مضمون حتى سنّ التقاعد. وفي سنّ الحادية عشرة غادرت مع أمّها وأخويها الصغيرين منزل جديها لأبيها والتحقوا بالأب في ألمانيا حيث أنجبت أمّها ثلاثة أبناء آخرين.

الصورة التي قدمتها هذه المرأة التي خضعت للعلاج النفسي عن محيط حياتها كانت شديدة الاستقطاب:

فأسبغت على العالم الأفريقي الشمالي صفات التخلف والأنانية والنفاق والتشويه والسيطرة الاجتماعية. في حين بدا لها العالم الألماني منفتحا ومثيرا ومرغوبا. واستخدمت أثناء حديثها وبمتعة عبارات باللهجة العامية وأمثلة باللغة الألمانية. وكانت تشعر بالارتياح لإيقاع اللغة الألمانية، وذلك منذ أن كانت صغيرة السنّ وتسمع أبناء عمّها يتحدثون مع بعضهم البعض بهذه اللغة عندما كانوا يمضون العطل في بلدهم الأمّ. ولم تتعرض هذه الصورة التي رسمتها بالأبيض والأسود إلى الاختلال حتى بفعل تجاربها الشخصية هنا. وترتب عن ذلك تعكّر في المزاج متى ما تغلّب عليها شعورها بأنها ليست جيّدة بما يكفي. ثم أخذت تبذل جهدا أكبر في عملها ولم تجرؤ على رفض الطلبات المبالغ فيها. واتضح فيما بعد بأن هذه المطالب لم يطرحها زملاؤها في العمل، بل كانت تصدر من أعماقها. وبغيّة وضع حدّ لهذه الآلية التي تأصلت في نفسها وتحولت إلى قيود صلدة، كان من المهم جعل هذا الوضع محسوسا ومدركا. وكان من الضروري في الوقت نفسه فتح الطريق مجددا أمام الذكريات الإيجابية المتراكمة والمطمورة. فتشّكلت بمرور الوقت صورة غنية بالألوان لخطط حياتها ونشأت إمكانية التشخيص الدقيق للخلافات المتعددة الأوجه والتي لم تعثر على حلّ ناجع وكذلك لحالة الكبت أو تقسيم العالم إلى أسود وأبيض.

أميرة في ظلّ الأبوّة

ذكريات أولى سنوات طفولتها انتعشت مجددا وكشفت عن صورة أخرى لفتاة مرحة وصاخبة كانت تتمتع بمكانة خاصة لدى جدّها من طرف أبيها، فترافقه في الصباح الباكر إلى الحقل، وكان يسمح لها بالجلوس في حضنه ويجلب لها الحلوى بانتظام من السوق الأسبوعي. فأدركت منذ أيام طفولتها تلك بأنّها قادرة على انتزاع ما تريده من أمّها، لأنّها كانت واثقة تماما من حماية جدّها لها. فالجميع كانوا يهابون الجدّ الذي سيطر على أبنائه وبناته عبر تربية قاسية، باستثناء البنت الصغيرة التي كانت تشعر بحبّ الجدّ وحمايته. وبسبب ثقتها هذه فقد تجرأت على رفض الأب وهداياه التي يجلبها لها أثناء زيارته لبلده. وبدلا من شعور افتقاد الأب حوّلت أباها في خيالها إلى عامل منغّص للحياة المشتركة في منزل الجدّ. وتذكرت باستياء عقوبة وجهها أبوها لها بسبب مشاكستها ورفضها له، فأخذها إلى شجرة في الحديقة وأجبرها على الجلوس تحتها مدّة طويلة قبل أن يسمح لها بالعودة إلى الدار.

مشهد الأبّ الغائب ورائحة الغربة

ومع ذلك فإنها لم تتخلص تماما من الشعور المؤلم إزاء أبيها الذي بقي بعيدا دائما. وعدم اهتمامها الظاهر بأبيها كان محاولة لعدم الإحساس بالألم الذي سببه شعورها بأنها ليست مهمة بما يكفي بالنسبة لوالدها وعدم بقائه معها. واعتبرت غيابه الطويل والوقت الذي كان يمضيه خارج الدار حتى أثناء إجازاته التي يمضيها في بلده، اعتبرته عندما كانت طفلة صغيرة بأنه إشارة إلى عدم الاهتمام بها. وأدركت لأوّل مرّة بعدما بلغت سنّ السادسة بأنّ هناك العديد من الآباء الغائبين ـ بل إنّ كلّ عائلة تقريبا في القرية لديها على الأقل ابن يقيم في بلد أوروبي. وفهمت بأنّ هناك أنواعا مختلفة من الغربة كانت تشخّصها عبر رائحة الهدايا القادمة من هناك. فألمانيا „تحمل رائحة حلوى الجلاتين، وبلجيكا لها رائحة حلوة كالبسكويت الرقيق“.

وثمّة اكتشاف آخر حققته في هذه الفترة الزمنية، فقد زارت مع أمّها امرأة من أقربائها البعيدين كانت تقيم مع ابنتها في بيت قديم وفقير وبشكل واضح حتى بالنسبة لطفلة صغيرة. فخاطبت بعفوية البنت التي في سنّها بأنّ نعلها مثقوب. فتلقت على الفور ردّا غاضبا „أنتِ لك أبّ يريد أن يجلبكم إليه“. فجعلها ردّ فعل الفتاة الصغيرة تشعر بالقلق. وأخيرا أدركت بأنّ والد البنت قد أسس أسرة جديدة في بلاد الغربة ولم يعد مهتما بمن تركهم في القرية. ولم يرسل لهم مالا ولا هدايا. فصارت تشعر بالخجل من عبارتها التي جرحت بها مشاعر الآخرين دون قصد، قبل أن تدرك مغزاها.

مشهد: خرق النظام

الفتاة الصغيرة اعتبرت الذهاب إلى مدرسة القرية واجبا كريها. وأصبحت هذه البنت الواثقة من نفسها تخشى الدخول إلى الصفّ بل أصبحت تتبول على نفسها. ففضحها المعلمون وضربوها. وبدأ التلاميذ ينتزعون منها أقلامها الجميلة ودفاترها التي جلبها لها الأب من ألمانيا. ثمّ بدأت ترفض الذهاب إلى المدرسة. وذات صباح رفضت في الأخير ارتداء الحذاء بالربّاط الذي أهداه لها الوالد من أجل المدرسة بالذات، ولم تعد راغبة في مواصلة التعليم. وفي تلك المرّة تدخّل الجدّ، وصرخ في وجهها وضربها. ولم تكن الفتاة قد رأت جدّها غاضبا بهذا الشكل من قبل. فاعتراها خوف كبير ـ حتى حين تذكرت هذه الحادثة المنسية منذ زمن بعيد وهي تحت العلاج النفسي ـ فانصاعت لسلطة الجدّ.

بعد ذلك عثرت على وسائل أخرى للمحافظة على ذاتها العنيدة، فأخذت تجلس في الشمس كلّما أرادت حلّ واجباتها المدرسية وتنام عادة. ولم تنفع معها جميع النصائح. على العكس من ألمانيا، حيث كانت تذهب إلى المدرسة بكل سرور، وبدأت تتعلم الحساب بسرعة، وبدا لها كلّ شيء مثيرا للاهتمام. واقترحت المعلمة نقلها إلى صف متقدم يتناسب مع سنّها. وعلى الرغم من أن لغتها الألمانية لم تكن على مايرام، لكنّها كانت قادرة على متابعة الدروس بشكل جيّد. وتمسكت بحالة الفضول هذه في جميع مراحل التعليم المدرسي والمهني. وساهمت أيضا في إنجاح عملية التحليل النفسي.

مشهد: „كلّ شيء كان حراما“ مقابل المرأة التي تلعب دور الوساطة في العالم الألماني الرسمي

روت لي عن الضوابط المتعلقة بارتداء الملابس والتي كانت تزداد تشددا باستمرار وضربها بسبب أخطاء ضئيلة الأهمية وسوء التفاهم الذي عانت منه وشمل أخويها الأصغر منّها سنّا، فتحوّل بيتها إلى سجن. وكان عليها القيام بواجبات منزلية عديدة وكانت فرص اللقاء بصديقاتها خارج الدار محدودة. بينما كانت المدرسة تثير إعجابها في ألمانيا فرغبت في مواصلة تعليمها والحصول على شهادة الثانوية العامة لكي تدرس في الجامعة. لكن والديها حملا تصورا آخر، فأرادا أن تصبح ربّة بيت وأمّ، وذلك على الرغم من أن والديها يعتبرون التعليم ضروريا في وطنها الأم، حيث درست عمّاتها أيضا. بعد تصاعد حدّة الخلاف العائلي هربت الفتاة ذات الخمسة عشر عاما. وتمخّض الحديث الذي جرى بين ممثلة »مكتب شؤون الشباب« في ألمانيا وأبويها عن قضيتين هما عودتها إلى الأسرة ومواصلة تعليمها. وبذلك اهتزت سلطة الأبّ، خوفا من أن يستقبل أحد ممثلي مكتب الشباب في بيته من جديد، ويُحاسب على أسلوب إدارته لشؤون الأسرة، الأمر الذي يعتبره عارا.

فشهدت الفتاة نقلة معلوماتية في هذا النزاع، مفادها أنّ الأطفال والشبّان لا يجوز ضربهم في ألمانيا وأنّ المدرسة إلزامية حتى سنّ السادسة عشرة، وأنّ الأطفال لهم حقّ الاتصال بمكتب شؤون الشبّان. واستعانت ذات مرّة بتدخل هذا المكتب في إحدى الحالات الحرجة. وصار والدها يطلبان منها في العديد من الحالات القيام بالوساطة بينهم وبين الألمان. فتسلمت مهمات يقوم بها الآباء عادة، وأخذت تنجز المعاملات الرسمية مع المكاتب ووكالات التأمين وترافق أمّها إلى عيادات الأطباء. فانقلب مبدأ السلطة في هذه الحالة منتقلا من الآباء إلى الأطفال. هذا التحوّل بدأ بعد انتقالها إلى ألمانيا مباشرة.

مشهد: أبناء الآباء „الألمان“ و „المغاربة“

ولادة الطفل للأسرة في ألمانيا أصبح مصدر ألم مستمر، فعانت البنت ذات الإثني عشر عاما من أسلوب التعامل الرقيق الذي أظهره الأب إزاء المولودة الجديدة والتي كان الأب يحملها على ذراعه ويمنحها اسما محببا. وكانت الفتاة الحديثة الولادة تحظى بالحبّ اللامحدود من لدن أبيها وجعلته يشعر بالسعادة. وجميع الجهود التي بذلتها البنت الكبرى في تدبير شؤون المنزل لم تجلب لها ما تلقته الطفلة الرضيعة من حنان بكلّ بساطة.

هذه المعايشات أخذت تذكرها بفقدان الحماية التي كان يوفرها الجدّان اللذان رحلا دون أن تحزن كثيرا على فراقهما وضياع عالمها الأليف الذي كان يقدم لها العزاء وإغراءات اللعب مع صاحباتها والبالغين على السواء، والسير بين الأزقّة والمنازل والحقول والحيوانات والروائح والضياء، بسبب الهجرة إلى ألمانيا. هذا الانتقال جلب معه انفصالا داخليا عميقا في مجرى حياتها اللاحقة.

استقرار العائلة في ألمانيا بعد أكثر من عشر سنوات من زواج الوالدين بدأت عملية التغيير المتعددة الجوانب، فولادة أوّل طفل في ألمانيا أدى إلى تأسيس العائلة من جديد. بيد أنّ وضع الأمّ طيلة حياتها المشتركة مع زوجها بقيّ شبيها لوضعها إثر ولادة أوّل طفل في الكثير من الحالات: فهي ومثل ابنتها، لم تكن تعرف شيئا عن عالمها الجديد، ولا كيفية التفاهم باللغة الجديدة، فعاشت مثل ابنتها أيضا خارج الأسرة الكبيرة للمرّة الأولى. لكنها احتلت شيئا فشيئا موقع ربّة البيت بعد حملها وولادتها لأوّل طفل في ألمانيا، وصار الأبّ يبحث عن دور جديد له في العائلة بعد القدوم إلى هنا. فعثر على طمأنينته عبر الاهتمام العميق بالإيمان الديني، فتخلّى مليّا عن العادات التي كان يمارسها مثل التدخين واحتساء الخمر وبدأ يصلّي بانتظام.

فأخضعت البنت للتصورات الأخلاقية الموروثة التي تخضع لها كلّ فتاة في طريق التحوّل إلى امرأة، فتم تنبيهها مرارا بضرورة الحفاظ على عذريتها. وكان عليها، هي نفسها، أن تتغلب على غرائزها في فترة المراهقة وترتدي ملابس عصرية وتكون لها تسريحة شعر حديثة مثل بنات جيلها. وأخفقت محاولة إقناعها بارتداء الحجاب بغية تحقيق علاقة خالية من التوتر مع والديها، فنزعت الحجاب بعد مدّة قصيرة. ثم أقامت علاقة وثيقة بإحدى صديقاتها وعائلتها وصارت تبحث لديهم عن توجه حياتي بل ولجأت إليهم كمهرب من عائلتها.

الجميع بما في ذلك الأب قبلوا بوساطة إحدى ساكنات البناية الألمانيات. وكانت هي من نظمت مع سكان آخرين في الماضي حفل استقبال للأم وأطفالها وصبغوا سلم البناية زينوه بالبالونات.

التمرّد والمسؤولية وتقبّل مساعدة الآخرين

إحدى المعلمات الخبيرات اكتشفت خوف الفتاة الشابة من الامتحان النهائي. وبعدما سألتها مرات عديدة عن موعد تقديم عملها أجابت الفتاة بأنها لم تبدأ بالكتابة بعد، رغم أن موعد تقديم العمل كان وشيكا. فاقترحت عليها معلمة التدريب أن تتحدث لها عمّا ستكتبه. فأصغت لها يوما بعد آخر وأخذت تعلّق على ما سمعته، حتى اتضحت أفكار الفتاة الشابة وباتت قادرة على الكتابة. وحصلت على تقدير خاص على فهمها التربوي السليم، لدرجة جلبت عليها حسد التلاميذ، ومع ذلك فإنها لم تكن واثقة من قدرتها على الاحتفال بنجاحها. وكم تمنت أن تلتحق بالجامعة، لكن فرصة الحياة المستقلة في بيت خاص باتت بعيدة للغاية. واليوم وبعدما خفّ توتر العلاقات العائلية أسرّت الأمّ لابنتها الكبرى بشكل مفاجئ: „كان مجيئنا المتأخر إلى ألمانيا سيئا بالنسبة لك، وإلا فكنت ستدرسين هنا“. ومن بين الأبناء الثلاثة الذين ولدوا في ألمانيا أنهت ابنة دراستها بينما دخل الابن الآخر إلى الجامعة ومازالت البنت الأصغر في المدرسة الثانوية.

تركيبة الصراعات

في استعراض المشاهد هنا تتجسد القضايا وتركيبات الصراعات بشكل نموذجي، والتي تعتبر نمطية بالنسبة لأبناء المهاجرين من شمال أفريقيا والشرق الأدنى وهي:

  • اللغز الكبير المتعلق بانعدام الحياة المشتركة للأسرة،
  • تي لا يشعر ها الأبناء المعنيين باعتبارها حياة إشكالية وقابلة للتغيير،
  • حياة الاستقطاب الداخلية التي يعجزون عن إدراكها،
  • الصراع مع الآباء الذين يزدادون تشددا سبب حالة القلق، فيولدون لدى الأبناء حوافز نقيضة تقاوم التشدد، وتتضمن بالإضافة إلى ذلك الرغبة في حماية الوالدين،
  • المسؤولية المبكرة لرعاية العائلة والتي لا تستند إلى مثل أعلى أو نموذج، وتولّد أخيلة واسعة من ناحية والخوف من ارتكاب الأخطاء من ناحية ثانية. وهذه التركيبة تشبه حالة الإقصاء من مرحلة الطفولة،
  • الوضع المختلف للأبناء الذين يولدون في البلد الجديد والذي يشجّع المنافسة بين الأشقاء، ويطغي عليه القيام مبكرا بدور الأمّ.
فمن يأتي من ثقافة يهمين فيها الرجال بشكل سافر وتقمع فيها الغريزة عبر التعفف وتحجيب المرأة في الأماكن العامة فإنّ هذا القادم الجديد سيخضع إلى ضغط غريزي أكبر في بلد يمتلك ثقافة حرّة ويقمع الغرائز بطريقة أخرى، الأمر الذي يجعله غير واثق من نفسه. فيتضاعف خوفه من أن يتحرر أبناؤه، وبناته بشكل خاص من القيود الاجتماعية. هذا الإحساس يقود إلى اتخاذ إجراءات مضادة قد تنتج نموذجا متشددا للتصرف والعلاقة الاجتماعبة. وهناك أسر تتخذ فيها حالة القلق الحادة والصراعات والعنف والتمرد أشكالا لا تطاق تصل إلى أقصى حالات العنف. وتخف حدّة هذه الصراعات المحتمة إذا ما كان الأبوان يحبّان ويحترمان بعضهما البعض، وإذا ما كان الأبناء يعيشون حالة استقرار وانسجام حياتي في سنواتهم الأولى، متأكدين من أنهم ينعمون بحبّ الوالدين. ومن العوامل المساعدة على ذلك هو أن يكون الأبناء مزودين بطاقة إبداعية وفضول فيحافظون على ذلك في جميع الأزمات. وبهذه الحالة ستتغلب الفرصة الواسعة التي يتيحها بلد الهجرة على الصدمات النفسية.

النتائج

  1. الأطفال يعتمدون على رعاية آبائهم وحمايتهم ومحيط العائلة عبر سنوات طويلة. وشيئا فشيئا يتشكّل الوعي والمعرفة المستقلة عن المعايشات المباشرة والتي يمكن التعبير عنها لغويا (سيغموند فرويد يطلق على هذه المرحلة مصطلح »التعامل بالتجربة«). ولم يستطع أيّ طفل أن يقرر ترك عالمه الأليف أو أن يقدر أهمية ترك الوطن ـ وحتى الكبار يجهلون التغيّر العميق الذي ينطوي عليه ترك الوطن الأمّ. والأهمّ من ذلك هو التحدث مع الأطفال ومنذ سنّ الرضاعة حول التغيّرات والقضايا الجوهرية الأخرى. ليس لغرض إدراك التغيّرات ذهنيا، بل منحهم شعورا بأنهم يعيشون بأمان في كنف الوالدين. ومن شأن ذلك أن يقلل من القسوة الحتمية على المصائر الحياتية مثل هجرة العائلة كلّها أو أحد الأبوين أو كلاهما، وما تحمله الهجرة من حالات انفصال ومشاعر القلق والعزلة. وفي أفضل الأحوال فإنّ الطفل يتطوّر بدون أن تظهر عليه أعراض ملفتة للنظر، ويكون قادرا على تحويل التحديات المستمرة القادمة من العالم الخارجي والداخلي على نحو إبداعيّ خلاّق. والجدير بالملاحظة هنا هو العدد الكبير من الكتّاب والسينمائيين والفنّانين والموسيقيين والعلماء الذين لا ينحدرون من أصول ألمانية. وفي أسوأ الأحوال فإنّ هذا الطفل سيصاب بالصدمة التي تترتب عنها نتائج وخيمة على التطوّر النفسي والجسدي
  2. تطوّر غرائز الطفل وميوله يتأثر كذلك بفعل التخلي عن الألغاز والأحجية، هذا التخلّي الذي تفرضه الهجرة. فالقلق القادم من الداخل والمقترن دائما بالشهوة الجنسية يعزز التوتر أثناء مواجهة العالم الخارجي، وغالبا ما يعجز الطفل أو الفتى اليافع عن التفريق بين الحالتين. فتتمخض عن ذلك أنماط سلوك مختلفة يعرقل البعض منها غريزة الشهوة، بينما يدفع البعض الآخر منها إلى البحث المضني عن إشباع لها دون أن يكون هذا الإشباع قائما على علاقة عاطفية.
  3. الطفل يكتسب خلال فترة طفولته القدرة على إدراك وتحمل حقيقة أنّ الذين يحبهم يحملون جوانب سيئة في الوقت نفسه، وأنه لا يحبّ دائما الأمّ والأب، بل إنّه يكرههما أحيانا. فازدواجية الأشخاص المحبوبين وقدرة المشاعر الشخصية على تحمل ذلك والتسامح مع هذه الازدواجية هي علامات على قطع مرحلة متقدمة من التطور إزاء حالة الانقسام بين الشرّ والخير قبل كلّ شيء. وغياب أحد الأبوين المحبوبين، أو كلاهما بفعل الهجرة، يؤثر لا محالة على هذه العملية، تماما مثلما العيش في بلد جديد مع والدين قلقين ومواجهة الكثير من الانطباعات الجديدة دفعة واحدة. فيحدث انقسام مؤثّر بين بلد الأهل حيث الألفة والروائح والأصوات واللغة والألوان والضوء والأمان وبين بلد الهجرة حيث المجهول والذي يبعث على الإثارة والخوف والفضول. هذه القضايا تحدد طبيعة العلاقات الآنية والمستقبلية مع الناس الآخرين ومع الذات أيضا والنشاط الشخصي. والنتيجة هي الانقسام الذي يمكن أن يُحلّ في أفضل الحالات أو أن يؤدي إلى صراع يحتاج إلى حلّ مقبول لاحقا. وفي أسوأ الأحوال يمكن أن يكون الانقسام غير قابل للاختراق، بل متصلبا جامدا، فيُنكر ويولّد عواقب وخيمة على الفرد وعلاقاته الاجتماعية.
  4. الحياة المشتركة في الوطن الجديد تضع الأطفال والشبّان في مواجهة مع الآباء، الذين يبدون لهم ضعفاء، لأنهم لا يعرفون الكثير عن بلد المهجر فيؤدي ذلك إلى الرفع من القيمة الشخصية والحطّ من قيمة الأبوين من ناحية والخوف من ارتكاب الأخطاء والذي يقود إلى نتائج عميقة الأثر ولا يمكن الإحاطة بها. ويحتاج تطوّر الأطفال والشبّان ونموّهم الداخلي إلى التصور المستند إلى آباء أقوياء واكتشاف مكامن الضعف شيئا فشيئا. وإذا ما تكشّفت حالات الضعف  فإنها ستتغلب على طريقة تعامل الأبناء والآباء الذين يخجلون من إظهار ضعفهم أمام أبنائهم فيحاولون التستّر عليه ربّما عبر ممارسة أساليب شديدة القسوة، في حين يحتج الأبناء على ذلك ويتمنون بشكل لا واع أن يجعلوا الآباء أكثر ضعفا. فيحدث أن يتجاهل الشبّان فرص النجاح ويهملوا قابلياتهم الذهنية دون إدراك منهم، لأنهم لا يتحملون التقدم إلى الأمام أكثر من آبائهم الذين يعانون من وطأة الهجرة أو المنفى أو التهميش أو الذين بذلوا جهودا مضنية بغية الحصول على موقع متواضع في المجتمع الجديد. وثمّة شعور لا واع بالذنب ينشأ هنا ويعرقل التطوّر الحرّ للعلاقات الشخصية بالواقع اليوميّ ومكان العمل. وغالبا ما يساهم هذا الواقع في سقوط الأطفال والشباب في أجواء استغلالية يستهلكون فيها قواهم الروحية والجسدية دون التمتع بثمرة هذه الجهود.
  5. كثيرا ما يستخلص من ذلك نتائج إشكالية ونادرا ما تُفهم إشكاليتها: إذ أنّ الأطفال المهاجرين أو أطفال المهاجرين ينظرون إلى الصراعات الحتمية بين اليافعين وآبائهم من زاوية التخلّف المزعوم للآباء. مع أنّهم في الواقع جزء من المجتمعات المتغيرة (الثقافات الساخنة على حدّ تعبير ليفي ـ شتراوس) التي يواجه فيها اليافعون على العموم آبائهم. ويقترن الإحساس بسعة الخيال المصاحب لفترة المراهقة بدور الوساطة المبّكر الذي يؤديه الأطفال في محيطهم الجديد فيولّد صورة تستهين بالقدرة الأبوية. وإذا ما تعرّضت هذه الصورة إلى النقاش من ناحية التحليل النفسي فإنّ هذا الأمر غالبا ما يصطدم بمقاومة ما، لكنه يمارس تأثيرا محررا: فيتكشّف صراع مألوف تماما بين اليافعين، بدلا من الحطّ من أهمية الوطن الأصلي للآباء. وبذلك تنشأ نظرة جديدة أيضا إلى قدرة الآباء على جلب أنفسهم وعوائلهم إلى بلد الهجرة.

الخلاصة

التحليل النفسي يمكن أن يساهم في إطلاق القوى الشهوانية والإبداعية للأطفال والكبار فيما بعد. فعبر »المجال التحليلي» ومثلما أشرت من قبل، يمكن أن يصبّ التوتر الشديد والاستقطاب خلال الظروف الحياتية في جوّ هادئ وخال من الضغط والنظر إليهما بهذه الصورة. وبذلك تتاح الفرصة لإعادة النظر مجددا في الرغبات والمخاوف والحلول الموروثة للصراعات والتعامل مع ألم الفراق والفقدان وجعل أعماق النفس حرّة أثناء البحث عن الحلول التي تتوافق مع نمط الحياة الراهنة. وتحدّث عالم النفس الإنجليزي وينكوت D.W.Winnicott عن »مجال الإمكانات الكامنة« potential space الذي يتمتع بأهمية جوهرية فيما يتعلّق بتفتح الطاقة الإبداعية الإنسانية. وبلا شكّ أن المجتمع يمكن أن يقدم مساهمة في هذا السياق وذلك عندما يوفّر المجالات الثقافية للأطفال والشبّان حيث يتمرنون عليها، ويحيل دون اشتداد قوّة الاستقطابات المشبعة بالتوتر. وإذا ما نجح الانفتاح الداخلي وتخفيف حدّة التوتر في الوطن الأصلي والجديد فإن القدوم إلى البلد الجديد سيحافظ على صلة الارتباط بالوطن السابق، وبهذا المعنى فإنّ الهجرة تقدم فرصة كبيرة لتجاوز الضغط الخارجي، وتلبية رغبة حبّ الاستطلاع والسير وراء الأحلام. فالعوالم المتغايرة تفسح المجال واسعا أمام الجميع، بما في ذلك أفراد المجتمع من المواطنين المحليين. وتوضّح لنا النظرة المجردة للجوائز الأدبية والتقديرية الفنية والعلمية بأنّ الناس الذين لا ينحدرون من أصول ألمانية جعلوا الثقافة في ألمانيا الاتحادية أشدّ غنى وثراء. وإنني لأدين بالفضل إلى عملي في مجال التحليل النفسي مع الأجانب الذي أتاح لي لقاءات ونقاشات مثيرة.
زيغريد شايفله تحمل شهادة الدكتوراة في العلوم اللغوية ودبلوم علم الاجتماع وتعمل في مجال العلاج النفسي بمدينة فرانكفورت، حيث تعالج الكثير من المرضى القادمين من العالم العربي- الإسلامي.

ترجمة: حسين الموزاني

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...