الحنين إلى الوطن
حين يصبح الوطن غربة والغربة لا وطنٌ

في زمن العولمة والتشابكات الكثيفة عبر الحدود، الذي يتطلب المزيد من المرونة في التنقل والحراك الذهني والجسدي، يبدو الكلام عن الوطن والحنين إليه مخالفا للفطرة أو على الأقل بحاجة إلى التعليل والتوضيح. لهذا تحديدا نود هنا التطرق إلى الفائدة والضرورة، التي لا تزال، للعمل على سؤال الحنين إلى الوطن على كافة الصعد المعرفية، فلسفيا، نفسيا، اجتماعيا وسياسيا على حد سواء. هنا سيتم الربط بين آخر معارف علم النفس وتساؤلات أبحاث الهجرة وكذلك عرض نتائج بحث تطبيقي أجريته على المهاجرين من أصول تركية في ألمانيا.

زعم الشاعر الألماني الرومانسي فريدريش فون هاردنبرغ، المشهور باسم نوفاليس، ذات مرة أن الفلسفة هي الحنين إلى الوطن، ثم أضاف بحدة أقل أنها البحث الدائم لاستيلاد الشعور بالوجود في الوطن أينما كنت.

إن مواضيع الوطن والحنين إلى الوطن، لكن الحنين إلى الغربة أيضا، والسعي الدؤوب للبحث عن السعادة خارج المكان الضيق، مواضيع رئيسية في أدب الرومانسية. بيد أن الحديث عن الحنين إلى الوطن في العصر الراهن يبدو شيئا عفا عليه الزمان، فواجب الإنسان الحديث المرن، خاصة في النمط الرأسمالي الحالي للنشاط الاقتصادي، هو كما وصفه ريشارد سونيت وصفا جميلا ودقيقا، يكمن في عدم وجود وطن بالمعنى الدقيق، عدم التعلق بمكان معين، بأهل وأصدقاء، إنما يكمن في أن يكون مرنا دائما وقابلا للتنقل، لا تعرقل إرادته في النجاح أي قيود جغرافية أو اجتماعية. إننا اليوم قد نبرر لتلاميذ المدارس الحنين إلى الوطن حين يريدون العودة بعد رحلة مدرسية إلى حضن الأم، إلى حضن الوطن والمكان المألوف. لكن ماذا يحدث إذا „كانت الروح مشردة“؟ إذا شل الحنينُ إلى الوطن الإنسانَ؟ ثم كيف ينجح المرء في العثور على موئل جديد؟

هل نبالغ في التبسيط ونحن نتسرع في عرض الحنين إلى الوطن كحالة عاطفية مشروعة لدى الإنسان البالغ؟ من الناحية الأنثروبولوجية تشخصن كارين جوستين الإنسان بأنه „الدرب إلى الوطن“، حيث يتضمن المفهوم الحاجة إلى وطن، إلى الدفء والأمان، وكذلك صيرورة „في الطريق نحو الذات“. فقد كان الإنسان طوال تاريخه متنقلا، وهو من الناحية الأنثروبولوجية كائن عرف الاجتماع متنقلا. إذن فالتنقل سمة الإنسان الأولى وليس العقل.

الوطن مكاناً اجتماعياً

إن الحنين إلى الوطن يعبر تحديدا عن هذا الشعور بالدفء، بالثقة والأمن الوجودي المنبعثين من مكان بعينه. إلا أن اختزال الحنين إلى الوطن بالحنين إلى المكان لا يفي الظاهرة حقها. فالوطن ليس مجرد رقعة اقليمية بل أيضا حيز اجتماعي. لهذا يفهم الحنين إلى الوطن بأنه توق إلى الوراء، شوق إلى البيت، إلى الأمكنة والأشياء المألوفة وبالدرجة الأولى إلى الناس وربما يزداد هذا حاضرا في ظل العولمة والتشابك الاجتماعي الكثيف أو نظرا للتشرد المعولم. 
 إذن يتم الإحساس بالحنين إلى الوطن غالبا حين نشعر بالخسارة، بفقدان الأشياء المحبوبة والمألوفة والناس والأمكنة، وخاصة في المهجر، في المنافي، في المؤقت، هذه مثلا تجارب يعانيها حاليا الملايين نظرا إلى الوضع القائم في الشرق الأوسط. الإحساس بالحنين إلى الوطن يخفي دائما تبخيسا للواقع المعاش وتعظيما متخيلا للماضي. كلما ابتعد الإنسان عن الوطن، كلما ازدادت الصور والمتخيلات التي ينسجها عن الوطن تنميقا وتضببا. في عملية الحنين إلى الوطن يتم تحوير الرضا من الحاضر والمستقبل إلى الماضي. „قديما، لما كنت في البلد وكان كل شيء رائعا“، بمثل هذه العبارة يتم تقديم الحكايات للذات.

الحنين إلى الوطن في التاريخ والفلسفة

يقال عن أوفيد إن الوطن بالنسبة له كان ذلك المكان حيث يتحدث الناس لغته. الوطن إذا هو ذلك المكان، حيث نُفهَم شعوريا، حيث نَفهم العالم لأنه مألوف.

إن الدراسات عن الحنين إلى الوطن من أقدم مواضيع الصحة النفسية للغرباء. فهو معروف منذ القرن السابع عشر تحت وصف »رد الفعل الحنيني« الذي يتضمن تجاور الماضي والألم.

يعتبر الطبيب السويسري يوهانس هوفر من رواد »المكتشفين الحديثين« للحنين إلى الوطن، أو على الأقل من يشرح أهم أعراض رد الفعل الحنيني. فــ »جوهر المرض«، الذي يسميه »أضغاث الوطن«، يكمن لديه في خيال مضطرب يُحدِث انحرافا لأرواح الحياة، فلا تعود تتحرك في كامل رأس الإنسان وتفي بوظائفها الحيوية، إنما تتمحور حول „الهضاب التي تمثل فكرة الوطن“ والتي تحجب عن الإنسان حالات حسية أخرى ولا تني توقظ فيه فكرة الوطن. وهو يعتقد أنه اكتشف هذا المرض عام ١٦٨٨ في ردود فعل الجنود السويسريين في الخارج حين يتذكرون سويسرا حالما سمعوا رنين أجراس الأبقار.

الطفولة: الفردوس المفقود

في فلسفة القرن العشرين كان إرنست بلوخ، الواقع تحت تأثير التحليل النفسي والتحليل الماركسي للتاريخ على حد سواء، من تطرق في نهاية عمله الضخم »مبدأ الأمل« إلى فكرة الحنين إلى الوطن وطرح يوتوبيا الوطن المشترك للبشرية جمعاء: سيجد الإنسان، الذي مازال يعيش في ما قبل التاريخ، الطريق إلى نفسه بعد أن يكسر قيود الاقتصاد الرأسمالي التي تجعله غريبا ويخلق عالما „يتبدى للجميع في الطفولة ولكن لم يعشه أحد حتى الآن“، إنه الوطن.

يفسر التحليل النفسي الحنين إلى الوطن اصطلاحا بالتوق إلى الفردوس المفقود منذ الطفولة. هنا يتخيل من يعاني الحنين إلى الوطن ذلك العالم المألوف والمفقود، ويسمي وطنا موئل الطفولة السعيدة وكذلك الشعور بالأمان والعيش الرخو آنذاك. وبشكل أكثر حدية، كمتخيل ذهاني، قد يكون الحنين إلى الوطن في الآن ذاته تعبيرا عن ميل ارتجاعي مطبوع وحماية من الذهان، من انهيار الأنا أو حتى الانتحار.

السياقات النفسية

إن مسألة الصلات المحتملة بين الهجرة والاضطراب العقلي مطروحة منذ أكثر من مائة عام. فمنذ عشرينات القرن الماضي أجريت دراسات عن الاضطرابات النفسية في „بيئة تتكلم لغة أجنبية“ ودراسات عن الاقتلاع من الجذور والحنين إلى الوطن.


وإلى العلاقة بين هذا الحنين والجنوح أشار الفيلسوف كارل ياسبر في أطروحة دكتوراة عام ١٩٠٩ بعنوان »الحنين إلى الوطن«، محاولا تفسير كيف يدفع الاغتراب الصبايا الصغيرات في يأسهن إلى سلوك إجرامي كقتل الأطفال وتعمد إشعال الحرائق. كانت النسب العالية للانتحار والأمراض النفسية لأسباب ذاتية هي الدافع الرئيسي للدراسات المبكرة عن الحنين إلى الوطن. في المرحلة الأولى كانت الأبحاث عن الهجرة تركز على اتجاهين متعارضين: من ناحية ما يسمى »فرضية الاختيار«، أي أن من تظهر عليهم عوارض نفسية في الغربة كانوا في أوطانهم يحملون ميزات قبل ذهانية، يعانون القلق والتوتر ويردون على المواقف العصيبة ردود فعل مرضية وليست الغربة سوى بحث عن محاولة للعلاج. على النقيض يمثل فارس ودونهام منذ نهاية الثلاثينات أطروحة أن العزلة الثقافية والمحيط الاجتماعي غير الملائم في المدن الكبيرة خاصة يعرضان الغرباء لخطر الإصابة بأمراض نفسية.



وبالتركيز على الحنين إلى الوطن يمكن القول: إن جوانب الحنين إلى الوطن تلمس مجموعة عريضة من المسائل النفسية كالوحدة والخسارة والاغتراب الخ، فالحنين إلى الوطن يظل أيضا تعبيرا عن فقدان السيطرة، فيجب أولا استيعاب البيئة الجديدة وتقعيدها في أنماط مألوفة قبلا. وربما كان الحنين إلى الوطن شكلا من أشكال الهروب من الواقع، الفرار من متطلبات الحياة اليومية، شكلا من أشكال الانتصار العاطفي على المشاكل اليومية العملية.

الحنين إلى الوطن ليس مرضا

رغم أن الحنين إلى الوطن يترابط مع بعض الأعراض النفسية مثل التأمل الدائم في الماضي والخوف والقنوط الشديد، ينبغي التأكيد أيضا على أن الحنين إلى الوطن ليس متلازمة سريرية. بل يرجح أن يقع تفسيره في مجال تغير الحيوية والمزاج.

في دراساتها على الطلاب الويلزيين في انجلترا وجدت شيرلي فيشر أن من يعانون الحنين إلى الوطن لديهم غلبة للمخيال، بينما يميل من لا يعانونه إلى تركيز أفكارهم على المشاكل العملية وأن هناك اختلافات حادة في النشاط العقلي لدى الطرفين. ربما كان الحنين إلى الوطن شكلا من أشكال الهروب من الواقع لأن أحلام اليقظة والتفكير في ملذات الماضي يساعدان على تجنب المشاكل اليومية العالقة. علاوة على ذلك ظهر أن الحنين إلى الوطن مستقل كليا عن العوامل الخارجية مثل العمر والجنس، أن مشاعر الحنين إلى الوطن تظهر أكثر في الصباح والمساء، أي أن النشاط اليومي، العمل البدني الفعلي، يخفف عوارضه. وأخيرا يضاف إلى كل هذا أن مشاعر الحنين إلى الوطن تتكرر أكثر في مراحل الخمول الذهني.

حسب علم النفس المدرسي يمكن التكهن بالحنين إلى الوطن من خلال تبين التناقض بين البيئة المحلية والجديدة )الاختلال بين حيزي الحياة القديم والجديد). بحيث يمكن الافتراض بأن الذين يهاجرون من سياقات زراعية ريفية إلى سياقات حضرية، يبدون حنينا أعمق ممن كانوا يعيشون قبلا في بيئات مدنية.

صعوبات التكيف والإرهاق

من ترعرع في بيئة ريفية محدودة، متواضعة، معزولة وبسيطة، وبالتالي لديه إيقاع عمل مختلف، علاقة مختلفة مع الزمن وإدراك مختلف للمساحات الإنسانية والاجتماعية، أي من يقلل خلقه الاجتماعي والثقافي من فرص تكيفه مع ظروف جديدة، اُعتبِر منذ القدم ميالا إلى حنين إلى الوطن مترافق بصعوبات شديدة في التأقلم مع ثقافة أخرى. هذا الجانب مهم جدا بالنسبة للمهاجرين من أصول تركية إلى ألمانيا. يفترض الباحثان كورسال آلرز وآلرز أن ثلثي المهاجرين من الجيل الأول قادمين من قرى الأناضول.

في هذا السياق تتجلى أهمية كبرى لطريقة ودواعي الهجرة، أكانت الهجرة طوعية أو قسرية نتيجة مواقف/ضغوطات عائلية أو اقتصادية. فالهجرة الطوعية، بخلاف القسرية، تخفف كثيرا وطء قبول المساحات الجديدة كوطن جديد. من يهاجر طوعا يفترض أن يكون أكثر استعدادا للانخراط في الواقع الجديد ويتقبله وطنا جديدا. ما صعب الأمر على كثير من المهاجرين بهدف العمل هو أن هذا التغير لم يكن بقصد الديمومة وتحول مع الزمن إلى حل دائم.

علاوة على هذا توجد نتائج متطابقة تبين أن من يهاجرون مع العائلة قادرون على التعامل بشكل أفضل مع الوضع الجديد من الأفراد الوحيدين أو المطلقين. كما أن من لديهم خبرة سابقة في التنقل في وطنه الأصلي يتعودون أسرع على الوطن الجديد.

تبدو نظريات الإرهاق فعالة لتفسير الحنين إلى الوطن: يشعر المهاجر بحالة الإرهاق في الغربة حين يواجه بمتطلبات تنظيم الحياة اليومية في مجتمع حديث، الاندماج في مجتمع الأكثرية دون التنازل عن قناعاته الثقافية الذاتية، التغلب على العجز الحداثي للثقافة الأصلية والإحساس بدونية قدراته. حينئد يتنحى تحدي بناء الحياة في الغربة، في الوطن الجديد، لصالح الشعور بالعجز. حسب أبرز المنظرين للإرهاق، لازاروس وفولكمان، يتعرض الإنسان للإرهاق إذا لم تكن لديه طاقة كافية للتعامل مع متطلبات الحياة في المجالات الشخصية الهامة مثل العائلة، العمل أو العلاقات الاجتماعية.


في هذا السياق يظهر الإرهاق عملية متعددة المستويات، مبتدؤها إدراك متطلبات الموقف وتقدير الطاقات المتاحة. وهذه تقرر إذا كان الموقف المعين أو الحدث المعين تحديا، تهديدا، خسارة أو ربحا. وعليه تنشأ محاولات مواجهة الموقف وتغييره إيجابيا وإلى تحسين الوضع العاطفي من ناحية أخرى. درجة الإرهاق، وبذلك الحنين إلى الوطن، قد تخفَّف عن طريق القدرات الذاتية والاجتماعية. القدرات الذاتية قد تكون سمات فردية مثل الفعالية الذاتية، الثقة بالنفس، أو مستوى التعليم الرسمي. أما الطاقات الاجتماعية فهي شبكة العلاقات الاجتماعية كالأهل والأصدقاء ومدى توافرها وقوتها. هذه جميعا عوامل تساعد على التخفيف من العواقب الوخيمة للمتطلبات الخطيرة. مقارنة المتطلبات والقدرات المتوافرة تؤدي، حال عدم توازنها، إلى الإرهاق، أي الخوف من العجز.



الأبعاد الاجتماعية والسياسية للحنين إلى الوطن

بعد هذه الإحاطة النظرية القصيرة بالموضوع، سيتم هنا معالجة ظاهرة الحنين إلى الوطن لدى المهاجرين الأتراك في ألمانيا. ولكن لماذا هذه المجموعة بالضبط؟ هل يشعر الأتراك فقط بالحنين إلى الوطن؟
من المهم التذكير أولا أن قيمة الوطن والحنين إلى الوطن تستشعر في الغربة لهذا تترادف مفاهيم الهجرة والمنفى مع الحنين إلى الوطن. ثم أن المهاجرين الأتراك الذين يعدون حوالي ثلاثة ملايين يشكلون أكبر مجموعة مهاجرة في ألمانيا. ولكن هناك أيضا مبرر أقوى للتركيز على الأتراك، فحسب معطياتهم الذاتية يبرز الحنين إلى الوطن كأثر للأعراض النفسية لديهم، خاصة لدى الكبار في السن منهم. علما أنه لا دور غالبا للفترة التي قضاها هؤلاء في ألمانيا، أي أن الحنين إلى الوطن ليس عرضا حادا آنيا نتيجة الانتقال قبل برهة وجيزة، إنما هو قرين روحهم، تماما كما يصفه الصوفي والإنساني التركي يونس إمره في القرن الرابع عشر: „لست أنا الغريب، الغربة فيّ“.

لهذا يجوز هنا إبداء الشك في بعض نتائج فرضية الصدمة الحضارية أيضا. خلافا لهذه توجد منذ التسعينات دراسات كثيرة تدل على أن معدل الأمراض النفسية لا يزداد خلال الأشهر الثلاثة إلى الثمانية عشرة الأولى، بل مع الاستمرار الطويل في الإقامة.

علاوة على النواحي الصحية للاشتغال على الحنين إلى الوطن له أيضا آثار سياسية واجتماعية. وهو يتعلق أيضا بالقدرة على والرغبة في الاندماج لدى المهاجرين في ألمانيا. قد يفهم الحنين إلى الوطن كعقبة حاسمة في وجه التأقلم الناجح واعتماد التوجهات الثقافية الجديدة، فمن مازال ارتباطه النفسي قويا مع الوطن، مع الأصل، سيجد صعوبة أكثر في الانخراط في الحياة الجديدة، في الانفتاح وضرب جذور جديدة وتحمل مسؤولياته عن المسكن الجديد والحياة الجديدة. قد يؤدي الحنين إلى الوطن الأصل إلى ضعف الالتزام بالوطن الجديد، إلى التردد في التواصل مع الجيران الجدد والمحيط الجديد، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى المزيد من الشعور بالغربة والشوق إلى الأمكنة المألوفة وأبناء منطقة الأصل.

ولا يتنافى هذا مع كون جزء من المهاجرين ذوي الأصول التركية قد نال الجنسية الألمانية ويعتبرون ألمانا. فتغيير جواز السفر لا يعني تغيير الوطن، كما قد يزعم بعض الواقعيين العقلانيين. وهذا ما يظهر جليا على الأتراك المسنين من الجيل الأول للمهاجرين. الملاحظ أيضا أن الدفء المتخيل والراحة التامة في الوطن الأصل يتجليان ضربا من الوهم، كما يعرف بعض من عاد إلى ألمانيا. فهم يشعرون بضياع الأمن الإنشائي في الوطن، فجأة يغدو الوطن مكانا عاديا متحررا من قيمته الأحيائية الموهومة، مكانا كئيبا كغيره من الأمكنة. هكذا لا يندر أن يتحول الوطن لدى بعض المهاجرين الأتراك إلى غربة دون أن تتحول الغربة إلى وطن.

استنتجنا من دراسة أجريناها أن المهاجرين الأتراك من مستويات تعليم متدنية أكثر شعورا بالحنين إلى الوطن. نعتقد أن الحياة المعقدة والمبهمة في المدن الكبيرة ترهقهم أكثر وتسحقهم، فيتقد فيهم الشوق إلى الأمكنة والأشخاص والسياقات المألوفة أكثر فأكثر. وربما يتولد فيهم، وهم في مجتمع يعطي مكانة اجتماعية عليا لمستوى التعليم الرسمي، شعور أقوى بالدونية، لأن ميزاتهم الأخرى كالمهارات الاجتماعية، الأمانة، الإخلاص في العلاقات الشخصية، لا تجد هنا في ألمانيا الكثير من التقبل.

الدين عاملا مساعدا

علاوة عليه لاحظنا أن المتدينين أو الأشد تدينا أقل حنينا إلى الوطن. كيف يمكن تفسير هذا؟ المتوقع أن يكون حنين هؤلاء إلى الوطن أقوى نظرا للمسافة الأوسع من الناحية الحضارية والدينية. قد يعود هذا إلى عاملين:
  1. الملتزمون دينيا بشكل أقوى يبنون مع جماعتهم »وطنا رمزيا«، في الغربة يشعرون بأنفسهم „في أيد أمينة“ هي يد الإيمان، لديهم غالبا شبكة علاقات اجتماعية قوية ضمن الجماعة الدينية ولهذا تكون معاناتهم أضعف. إذن فالتدين هنا يكون مصدر قوة ذاتية.
  2. كثير من المسلمين المتدينين، الذين يعتبرون القيام بواجباتهم الدينية علامة مميزة لهويتهم ومشروعهم عن »الحياة السعيدة»، قد يمارسون شعائرهم بحرية أكثر مما في تركيا مثلا. لهذا قد تكون الرغبة في العودة إلى الوطن أضعف لديهم أيضا.

وهنا يطرح السؤال: كيف يمكن لألمانيا أن تصبح الوطن الجديد للمهاجرين؟ علينا أولا أن ندرك ونقدر أن على المهاجرين القيام بواجبات أكثر بكثير وأصعب من واجبات المواطن الأصلي، ولكن أيضا أكثر من واجبات أبناء بلدهم الذين لم يهاجروا. فعليهم أن يجدوا هوية ثنائية أو متعددة الثقافات، عليهم إعادة صياغة علاقاتهم العائلية، عليهم لعب أدوار مهنية واجتماعية جديدة، كما عليهم تجاوز كل الخسارات التي خلفوها في أوطانهم الأصلية، أجزاء من العائلة، العلاقات الاجتماعية. علاوة على المساهمة الصحيحة في تقوية مساواة فرصهم في المجتمع الجديد، قد يكون الموقف الشعوري للمجتمع المضيف مفيدا حيث يمنحهم أيضا تلك المساحات الارتجاعية دون أن يذكرهم على الدوام بـ „القيمة الاندماجية المضافة لعملهم“.
حاجي خليل أوسلوجان باحث من أصل تركي، يقيم في ألمانيا منذ ١٩٧٣. يعمل منذ آب/ أغسطس ٢٠١٠ مديرا علميا لمركز الدراسات التركية وأبحاث الاندماج في جامعة دويسبورغ ـ إيسن.

ترجمة: كاميران حوج

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
تشرين الأول / نوفمبر 2014
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...