الكتابة والنشر وتحديات الرقمية

دار نشر «زوركامب» الألمانية
تاريخ عريق في خدمة الكتاب

نحن في المبنى رقم ٧٩/٧٨ في جادة Pappelallee بحي برنسلاور بيرغ البرليني، وهو العنوان الجديد لدار نشر زوركامب Suhrkamp منذ ٢٠١٠. وقد كان هذا البناء، الذي يوحي معماره بالأسلوب الكلاسيكي يُستخدم كمعمل للألبسة الداخلية ثم كمقر لمديرية المالية قبل أن تستأجر طابقين منه دار النشر. ينقل المصعد الزائر إلى الطابق الرابع. ولدى دخول البهو تلفت النظر صورتان لمؤسّسَي الدار، بيتر زوركامب وسيغفريد أونزيلد. أما الممرّات الخالية من النوافذ فهي مكتظّة بالكتب التي أصدرتها الدار والتي تملأ الرفوف المعدنية التي ترتفع حتى السقف. تقودني إحدى الموظّفات إلى مكتب المحرر المشرف على الدار رايموند فيلينغر Raimund Fellinger. وكان هذا الرجل ذو الشاربين المميّزين والشعر المفروق على جانب الرأس يكاد ينتهي من كتابة رسالة إلكترونية، وكان ثمة جبال من المخطوطات أمامه على المكتب. أمّا خلفه فكان يمكن رؤية صورة لبريشت وهو يلعب الشطرنج مع فالتر بنيامين.

فكر وفن: سيد فيلينغر، هل لهذه الصورة قصّة ما؟

رايموند فيلينغر: نعم، فقد حصلت عليها كهديّة من زيغفريد أونزيلد (المسؤول عن دار نشر زوركامب) كذكرى لأمسيات الشطرنج التي كنّا نمضيها معا. فقد كنّا نقضي سهرة في لعب الشطرنج كل أسبوع مرّة تقريبا على مدى سنوات.

ومن منكما كان اللاعب الأفضل؟

هو بلا شك. كيف جرى لقاؤك الأول مع زيغفريد أونزيلد؟ وماهو الانطباع الأول الذي تركه فيك؟

محرّر صغير، وناشر كبير.

ما الذي جعله ناشرا كبيرا؟

الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى كتاب كامل. لكنّني أستطيع القول باختصار إنّه كان يطوّر أفكاره بسرعة يصعب توقّعها. كانت لديه دائما فكرة جديدة لا تلبث أن تتلوها فكرة أخرى وكان يطبق أفكاره بحذافيرها وإلى النهاية. وقد كانت غالبا أفكارا ومشاريع ناجحة. ولا شك أن أحد أكثر تلك المشاريع ثورية كان مشروع كتاب الجيب. فقد وقف الجميع ضدّه في ذلك الوقت.

هل رفض أحيانا نشر إحدى المخطوطات التي ما لبثت أن لاقت نجاحا عند دار نشر أخرى؟

نعم. لكنّ ذلك يحصل مع أي دار نشر أخرى. فقد رفض مثلا نشر مخطوطة رواية أمبرتو أيكو «اسم الوردة». والواقع أننا نحن من كان ينشر لإيكو قبل ذلك، إذ نشر عندنا الكثير من كتبه العلمية كبروفيسور في الأدب. لكنّنا تفاجأنا عندما جاءنا يقول: لقد ألّفت رواية. يا له من موقف، فما العمل؟ قال لي أونزيلد: حاول تتفاوض معه. لكن لا تعطه أكثر من عشرة آلاف مارك. ولأن معرض الكتب كان على الأبواب فقد عرضنا عليه خمسة عشر ألفا. لكنّ ميشائيل كروغر من دار نشر هانزر عرض عليه ثمانية عشر ألفا، كما أظن، فوافق. وهكذا فقد أضعنا أمبرتو إيكو الذي أصبح أحد مؤلّفي الكتب الأكثر مبيعا في العالم.

وما هي الحالات التي أسأت أنت تقديرها؟

حالتان مؤخّرا. إحداهما تتعلّق بمقال لشتيفان هسل „فلتسخطوا!“ والذي حقّق نجاحا مدوّيا، إذ كان انطباعي عنه أنه ليس تحليليّا بما فيه الكفاية، كما أننا لم نكن ننشر أعمالا صغيرة بهذا الحجم. والأخرى هي عمل أندريه غورتس «رسالة إلى د.» إذ لم تواتني الجرأة لنشره. لقد كانت زوجته مصابة بمرض عضال وقد تعاهدا على الانتحار معا. وكان قد كتب حول ذلك من قبل. من المزعج أنني لم أنشر له عمله.

تعمل كمحرّر (Lektor) في دار نشر زوركامب منذ ١٩٧٩. كيف حدث ذلك؟

مهنتنا هذه لا تُدرّس في الجامعات. فأنا درست العلوم السياسية واللغويات والأدب الألماني. وحتّى الآن لا تنشر الدار إعلانات عن وظائف شاغرة للعمل كمحرّر فيها. أنا مثلا تمّت تزكيتي من قبل أحدهم. ثم كان عليّ اجتياز مجموعة من المقابلات ثم طلبوا منّي كتابة تقييم لأحد كتب بيير بورديو. ويبدو أنني أنجزت ذلك بطريقة ليست سيّئة.

ما هي مهامّ المحرر في دار النشر؟

عليه أن يطّلع على المخطوطات الجديدة، فأغلبها لا يصلح للنشر. كما أنّ من مهامّه أن يصحّح النصوص ويحرّرها. والجميل في عملي لدى زوركامب هو طبيعته الأدبيّة والعلمية النظرية في الوقت نفسه. على المرء أن يكتشف المؤلّفين وأن يتحدّث معهم وأن يستطيع التعامل معهم بحساسية. كما أنّ على المرء أن يعرف أصول إبرام العقود وصناعة الكتب وإخراجها. أضف إلى ذلك أن من مهام المحرّر القيام بالدعاية للدار وكتابة النصوص اللازمة لذلك.

ما هي الخلافات التي قد تقع بين المحرّر والمؤلّفين؟

إنها خلافات متنوّعة جدا، فقد لا يرضى المؤلّف عن عنوان روايته، وقد يُغضبه رفض الدار لأعمال كتّاب آخرين قام هو بتزكيتهم، أو رفض بعض أفكاره الخاصة، أو التأخّر في نشر أعماله أو قد لا تعجبه الدعاية للكتاب، أو قد يجد مكافأته أقل من اللازم، وأمور أخرى من هذا القبيل مما يتعلّق بالعلاقة ما بين الناشر والمؤلّف. إنها بضاعتنا اليومية.

هل لك أن تخبرنا عن اكتشافك الأكبر؟

كل كتّاب الدار. من يدري؟ قد يقرأ بعضهم هذه المقابلة. وعندما أذكر بعض الأسماء سيشعر الآخرون بالظلم.

ما هو عدد المخطوطات التي تُرسل إلى دار نشركم دون طلب مسبق في العام؟ ومن يقوم بقراءتها حقّا؟

ثلاثة آلاف تقريباُ. أما ما يتعلّق بالقراءة، فنحن نعرف بعد جملتين تقريبا إن كان المؤلّف قادرا على الكتابة أم لا، وبعد الفقرة الثانية يصبح واضحا إن كان الكتاب يمكن ترشيحه للنشر أم لا.

ما هي صفات المحرّر الجيّد؟

كثيرة. ولنبدأ بالصفات العامة اللازمة لنجاح أي عمل كالالتزام والانضباط ..الخ. أمّا ما يخصّ العمل على النصوص فهناك قاعدة عامة وهي أن كل ما نقرؤه قد يكون خطأ من حيث المبدأ. خذ الحكم التالي: إنه كتاب جميل. وهو لا يعني الكثير لنا. فمن الأفضل التحديد، كأن تقول: إنه كتاب متعدّد الألوان، أو أنّه يخاطب المثقّفين، أو كلاهما. ووفق قاعدة أن كل جملة قد تكون خطأ، علينا مراجعة الكتاب كاملا. ومن أجل ذلك يحتاج المحرّر الى ذخيرة كبيرة من المعلومات الأساسية. وبالمناسبة فقد نصح مرّة أحد الزملاء كاتبا بما يلي: „إذهب إلى من شئت ما عدا فيلينغر. فهو سيعيد صياغة حتى نص تكاليف السفر التي ستقدّمها له“.

يُقال أن كتابات بعض المؤلّفين كرايموند كارفر تأثّرت كثيرا جدا بمراجعاتك لأعمالهم. فإلى أي مدى انطبعت أعمال المؤلّفين الذين راجعت كتاباتهم بأسلوبك؟

ليس هذا أكثر من أسطورة. وهي معلومة خاطئة تماما وتضخيم غير مقبول لدور المحرّر. وأنا لا أتحمّل المحرّر الذي يعتقد بذلك. إنه الغرور بذاته. فلماذا لا يكتب هو بنفسه كتبا أو روايات إن كان يعزو لنفسه أسلوب الكتاب الذي حرّره؟ أنا أقول لك: لأنه لا يستطيع الكتابة. لست موجودا في أي كتاب حرّرته. قد أضطرّ من خلال العمل التحريري على النص لإجراء تغييرات معيّنة ولكن فقط إلى ذلك الحد الذي يحافظ على أسلوب المؤلّف. وحتّى عندما أرجو من هاندكه أو بيرنهارد أن يغيّرا شيئا هنا أو شيئا هناك، فإن ما سينتج عن ذلك لن يكون فيلينغر وإنما المؤلف نفسه. من الممكن أن أقول له مثلا: „سيد بيرنهارد لا يمكن أن تصف الغرفة الصغيرة في الصفحة ٢٠ بأن علوّ سقفها متران، ثم تجعل فيها في الصفحة ١٢٠ خزانة طولها أربعة أمتار.“ وهذه هي نتيجة القراءة المركّزة حيث تكتشف أخطاء من هذا النوع.

لقد حرّرت أعمال كلّ من توماس بيرنهارد وبيتر هاندكه في الوقت نفسه. ومن المعروف أنهما كانا يناصبان بعضهما العداء. ألم تتورّط في ذلك النوع من «صراع المصالح»؟

قال بيرنهارد مرة في سورة غضب: يجب أن أذهب إلى هذا الأحمق الذي يحرّر أعمال هاندكه. وهي طريقة نمساوية في التعبير، فهم يستمتعون في أن يظهروا كشرّيرين. لكنّ على المحرّر أن يكشف ذلك وبكل دقّة. وأن يحافظ على موقعه وألا يسمح لنفسه بأن يتأثّر أكثر من اللزوم بشاعرية كاتب ما مثلا. عليه أن يلتزم بأسلوب بيرنهارد عندما يحرّر أعماله وبأسلوب هاندكه عندما يحرّر أعماله. فقط بهذه الطريقة يستطيع تحرير أعمالهما كليهما.

هل كنت صديقا شخصيا لكليهما؟

لم يكن لدى بيرنهارد أصدقاء. لم يكن يشجّع الآخرين على بناء علاقة شخصية وثيقة معه. كان منعزلا، رغم أنّه كان يبحث دائما عن المجتمع بل ويستطيع التألّق فيه. كان يتمتع بحس الفكاهة ويتقن النكتة المعتمدة أحيانا على اللعب بالألفاظ. كما كان يستطيع أحيانا أن يكتب رسائل عدوانية أو يُجري محادثة غاضبة على الهاتف. أوصلت له مرّة ولأسباب معيّنة إشارة بأنني „ألغيه“ تماما من برنامجي. فاقتصر ردّه على هذه الجملة السطحية تماما: „حبيبي الباحث عن الأخطاء“.

وعلاقتك بهاندكه؟

صداقة قوية جدّا. وبالمناسبة فقد كان هاندكه هو الانعزالي الحقيقي وليس بيرنهارد. وذلك رغم أصدقائه والكثير من الانتهازيّين الذين كانوا يتملّقونه ويمدحونه لأنهم كانوا يريدون استغلاله لمصالحهم. والكثير من الخصوم أيضا. لكنّه كان وحيدا. لقد كانت الكتابة عنده مرتبطة بالوجود كإنسان، وبطريقة لم أعرفها عند أحد غيره. وأنا لم أذكر إنعزاليّته كصفة سلبية فيه، بل بالضبط بالعكس.

هل تقرأ كتبا إلكترونية؟

طبعاُ. عملي يحتّم عليّ أن أقرأها.

هل مازالت كتبكم الإلكترونية نسخة طبق الأصل عن كتبكم الورقية؟

نعم، مازالت كذلك. لكن هذا قد يتغيّر.

هل يكفي أن تجعلوا سعر الكتاب الإلكتروني أرخص من مثيله الورقي بإثنين إلى ثلاثة يورو مثلا؟ ألا يجب توسيع الكتاب الإلكتروني ليصبح متعدّد الوسائط، بإضافة فيديو عن الكاتب مثلا، أو شيء من الموسيقى، أو روابط توصل إلى مواضيع ذات صلة، أو إمكانيات لدمج النصوص بمكوّنات أخرى؟ ألا ينبغي على دار النشر زوركامب أن تعود إلى الريادة هنا أيضا كما كانت الرائدة في تطبيق الأفكار الجديدة في عالم الطباعة وتصميم الكتب، كفكرة كتب الجيب و سلسلة Insel مثلا؟

أنت تلمّح إلى موضوع «الكتاب الإلكتروني الموسّع». وهو مجال تجريبي، لكن الواقع يدلّ على أن القارئ يريد كتابا الكترونيا أرخص من كتاب الجيب.

هل تشعر بالخوف من متجر الكتب الإلكتروني «أمازون»؟

لنقل أنني لست سعيدا بالوضع الحالي.

لنفترض أن بعض الشباب ممّن يعمل في عالم النشر الإلكتروني ووسائل الإعلام الرقمية سيتّهم دار نشر زوركامب بأنّها أصبحت مؤسّسة هرمة وبالية ومنقطعة عن التطورات الحديثة. كيف ستردّ على هؤلاء؟

لا أعرف كيف يخطر في بال هؤلاء أننا غير قادرين على زيادة خبراتنا وتطويرها. علينا أن نسير خطوة خطوة. لدينا الآن مدوّنة زوركامب وهي تسمى: Logbuch، أي: كتاب المدونة. بالإضافة إلى موقعنا الخاص في الإنترنت والذي يحتوي على مقابلات مصوّرة مع المؤلّفين وغير ذلك كثير. وهذا يعني أننا ناشطون هنا أيضا. عندما نقوم بعمليّة تحوّل علينا أن نرى ما يمكن المحافظة عليه من القديم وما لم يعد صالحا وغير قابل للحياة والتطوير، وما هو المفيد للقيام به. وضعنا جيّد على هذا الصعيد كما أرى.

هل يمكن أن نعيش ثانية الآن في هذا العصر الرقمي ما كان يُدعى بـ «ثقافة زوركامب» والتي كانت توجّه الحياة الفكرية في ألمانيا ذات يوم؟

لم لا؟ ثمة الكثير من الدلائل على ذلك. لم تضع الكتب الإلكترونية معايير جديدة بعد. هذه المعايير الجديدة غير موجودة. فكل شيء ممكن.
عالم غرابوفاتس كاتب وصحفي يقيم في برلين.

ترجمة: حسين شاويش

ترجمة: حسين الموزاني

حزيران / يونيو 2015

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...