المشاركه و التبادل

حول إيتيقا التعاون
الأشكال الجديدة للمشاركة الاجتماعية

نشهد في كل مكان حضورا لبيروقراطية سلطوية متغولة، ومحاولات حثيثة لإقصاء الناس عن المشاركة المجتمعية. لكن وعلى الرغم من ذلك تنبعث في كل مكان من العالم حركات، لا تحتج فقط على تكبر من يملك السلطة، بل تجرب أشكالا جديدة للتعاون. مارك تيركيسيديس يرصد هنا أسباب ورؤى الأشكال التشاركية الجديدة.

إن كلمة Kollaboration في الألمانية كما في لغات أخرى تملك جرسا غريبا. فالكلمة تحيل في اللغات الأوروبية إلى أولئك المتعاونين مع الرايخ الثالث. وحتى المجتمعات العربية والآسيوية عاشت تجارب كثيرة في علاقتها مع الأنظمة الثيوقراطية، بشكل يكفي لأن تمنح هذا المفهوم معنى مشابها. لكن، وحتى نكون صرحاء، من منا لم يضطر في حياته للتعاون مع علاقات القوة القائمة؟ فقليلون من يتمتعون بالنعمة الكاملة للحرية الفردية. إن العجز الذي يشعر به المرء إزاء الظروف السياسية، الإكراهات الاقتصادية وتقلبات السوق العالمية، هو عجز واقعي ويتطلب في الغالب نوعا من التعاون بالمعنى السيء للكلمة.

المخدوعون من التاريخ

نقف في منطقة حوض المتوسط الذي شهدت بلدانه مؤخرا أزمات كبيرة، على نوع من الزهد القدري في السياسة. تحدث الأنثروبولوجي الاجتماعي كريستيان جيوردانو عن أولئك الذين يشعرون بأنفسهم كما لو أن "التاريخ غدر بهم" (هذا تقريبا عنوان كتابه الصادر عام 1992).

إن ذهنيتهم تقوم على الفرضية التالية: إن أهم القرارات لا تتخذ في البلد الأصلي، بل من طرف الحاكمين على المستوى العالمي، وأن العمل الشريف وحده لا يكفي للصعود الاجتماعي، بل يحتاج المرء إلى علاقات مع النافذين أو إلى ثروة.

فالسياسيون هم بالأصل عصابة من المفسدين في الأرض، لا تفكر إلا في مصالحها، والتغيير يظل أمرا مستحيلا. لكن على الرغم من ذلك شهدنا موجة من الاحتجاجات شملت كل منطقة المتوسط مؤخرا, ورغم أن „الطبقة السياسية“ استعادت سلطتها في بعض الدول، لكن السؤال يظل قائما حول ما إذا كان ممكنا استعادة التجارب المعيشة خلال الاحتجاجات. لقد لمس المحتجون والناشطون ما يمكنهم تحقيقه، إذا ما تعاونوا بالمعنى الإيجابي للكلمة.

المشاركة بدلا من التملك

لا تملك كلمة Collaboration في اللغة الانجليزية معنى سلبيا، فالكلمة تعني بالضبط العمل المشترك. وقد عرفت الكلمة نجاحا كبيرا في السنوات الأخيرة، وخصوصا في الميدان الاقتصادي والفني. إذ أن الاقتصاد الذي يعتمد على المعرفة يتطلب ثقافة عمل مختلفة. والبنى التراتبية التي تقوم عليها السلطة، والتي تعمد إلى حماية تقدمها العلمي من العالم الخارجي، أثبتت أنها لا تعمل بشكل جيد. ومن أجل تحقيق التقدم، يتوجب اقتسام المسؤوليات والمعارف مع الآخرين، بدلا من تركيزها في يد فئة معينة. وكثير من الناس يعملون من أجل „ثقافة للقسمة“، والتي تعبر عنها كلمات انجليزية مثل: Share Economy; Collaborative Economy, Wikinomics, Mesch.

وكنموذج على ذلك، الاقتسام غير المادي للرموز الأصلية، أي المعرفة والموسيقى وأمور أخرى عبر الإنترنت. إنه لأمر مثير كيف نعود كل مرة إلى ويكيبيديا، إلى هذا القاموس الذي يعمل عبره الأشخاص على اقتسام معارفهم على مستوى العالم والذين يملكون حرية كبيرة في استعماله. إن الأمثلة على ذلك كثيرة: من اقتسام استعمال السيارات وحتى التعاون المالي. فكثير من الناس لا يطلبون تملك الأشياء بأي ثمن، وبكفيهم أن يتوفروا على وسيلة آمنة للوصول إلى استعمال بعض البضائع. أما في الفن، فيلعب التعاون دورا مضطردا، لأن ذات الفن التي تنتج انطلاقا من نفسها المنعزلة ومن ألمها، اختفت وإلى الأبد، لتحل محلها مجموعة من الفنانين الشباب، تفهم عملها كإسهام ملتزم لبحث ونقد أو حتى تحسين الصيرورات الاجتماعية.

سياسة فاشلة

غير أن مجال السياسة لم يشهد بعد مثل هذه التطورات، ومازالت السياسة القائمة وبسبب الضعف الذي يمس رؤيتها إلى المستقبل سجينة صيرورات بيروقراطية، تنتمي إجراءاتها المتعلقة بالتخطيط إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. إن الموظفين يحددون بمساعدة متخصصين متملقين „خير“ المجتمع ويطبقون تصوراتهم بشكل سلطوي. ففي مصر قامت حكومة السيسي بتبني مشروع لتجديد قناة السويس وبناء عاصمة جديدة. ورغم أن التوقعات الاقتصادية غير واضحة، فإن مثل هذه المشاريع تهب السياسة الإحساس بالقوة والهيبة. ورغم بعض الاحتجاجات، فإن المواطنين لا يلعبون أي دور في مثل هذه المخططات. "إن الأمر أشبه بعلاقة الأب مع أبناءه"، يكتب الاقتصادي السياسي عمرو عدلي في مقال نشرته صحيفة" برلينر تاغستسايتونغ" بتاريخ ٧ أغسطس 2015.

إن الدولة الأب المصرية تريد الأفضل لأبناءها، بدون أن تتشاور معهم“. لكن مثل هذا النوع من البيروقراطية، وحتى في الدول الغربية، أبعد ما يكون عن القوة. ففي العقود الأخيرة، أدى انسحاب الدولة إلى إضعاف كبير لإمكانيات التخطيط، والأحلام الأبوية تنتهي في الغالب إلى خليط جهنمي من تضخم هيكلي وغياب للفعالية.

لقد رافقت مشاكل افتتاح مطار جديد في العاصمة الألمانية برلين العديد من التعليقات المتهكمة. فسنة 2010 اضطر المسؤولون إلى تأجيل الافتتاح إلى أجل غير مسمى، لأنه تم دائما اكتشاف عيوب في البناء، وبدت مشاكل المطار كتعبير عن بؤس التخطيط البيروقراطي. فعديد من المسؤولين عن البناء والسلطات تقدموا باقتراحات جديدة خلال فترة البناء، ولم يكن بالإمكان تنفيدها على الأرض ولكن إضافتها فقط إلى ما هو قائم. وهكذا ثم تغيير المخططات القائمة باستمرار.

ولما ظهرت الصعوبات الأولى، انهار المشروع كله كهرم من تراب، إذ مع كل اكتشاف لعيب جديد، ستظهر فجأة عيوب أخرى. إن التغيير المستمر في المخططات يكشف النقاب عن طريقة عمل تعدمها الرؤية الواضحة وينتجها ذلك الزواج العقيم بين السياسة والبيروقراطية والذي يفتقد إلى جهد عقلاني من أجل الاصلاح. إن تصنَع المراقبة يفضي فقط إلى مزيد من الفوضى.

في ما وراء الديمقراطية

إن كل الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة في ألمانيا، وتركيا والعالم العربي والبرازيل وتشيلي ...إلخ، كانت موجهة ضد التخطيط التسلطي، المؤسسات التي تعمل بشكل سيء، وضد ضعف المشاركة المجتمعية وغياب „حكامة جيدة“. إن الديمقراطية تعيش أزمة تمثيلية متصاعدة. فالمواطنون لايعتقدون بأن طبقة سياسية متعالية يمكنها أن تمثلهم. تحدث كولين كروش، عالم السياسة والاجتماع البريطاني عن ما بعد الديمقراطية في كتاب يحمل العنوان نفسه، من أجل انتقاد شكل جديد من سلطة التقنوقراط التي يبدو ظاهريا أن لا بديل لها.

لكن بدلا من استعمال كلمة ما بعد الديمقراطية، يمكن الحديث مع بيير روزنفالون أيضا عن معنى جديد لـ "الديمقراطية المضادة" (وهوعنوان كتابه أيضا). فالمؤرخ الفرنسي لا يعني بذلك نقيض الديمقراطية، ولكن الميكانيزمات التي تعمل عبرها الشعوب على تعويض التصحر الذي يمس الثقة في السياسة. فالرأي العام اليقظ والمنتقد والقادر على تقدير الأمور يملك حسب روزنفالون «حق الفيتو». أجل، وفي شكل الإحتجاج يملك أيضا ما يمكن تسميته بـ"السيادة السلبية".

ما أن الشعوب يمكنها أن تصل بالصراعات السياسية إلى المحكمة، وهو ما يحدث بشكل مضطرد في ألمانيا. ففي العديد من الحالات يمسك المواطنون بزمام الأمور. وهناك من حيث تنسحب الدولة أو حيث لا تعمل، يحلون محلها. وفي العالم العربي تساهم تحويلات العمال الأجانب في بناء البنى التحتية وتوفير الرعاية الاجتماعية لأهاليهم. بل إن نجاح الأحزاب الدينية يعود أيضا إلى «أنشطتها الاجتماعية». فالاسلام السياسي يستفيد من عمله الاجتماعي، ومن سمعته كتيار غير فاسد يقدم يد العون في مجالات عديدة.

وفي الأنظمة النيوليبرالية كان المواطنون خلال العقود الأخيرة مدعوون باستمرار لتحمل المسؤولية أو مضطرون للقيام بذلك. فالدولة أعلنت نفسها غير مسؤولة عن شيء مثل العمل الخيري العام، فمهمتها تنحصر في الحفاظ على الأمن بالمعنى الذي يقدمه علم الإجرام للأمن. وقد تحمل المواطنون هذه المسؤولية بطريقة أو بأخرى وصارو أكثر اهتماما بقضاياهم الجمعية. لكن الدولة لا تريد أن تقدم مقابلا لانسحابها عبر التنازل عن بعض سلطاتها. ومازالت تمارس بيروقراطيتها بشكل تسلطي يذكر بالعهد الذي كانت فيه مؤسساتها مسؤولة عن «الخير» الاجتماعي العام. لكن هذا الخير العام يتوجب اليوم مناقشته بشكل مشترك.

غير أن المجتمع لا يتكون فقط من أفراد مسؤولين، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء الأفراد يملكون تصورات قيمية مختلفة. إن المجتمع يتكون أيضا من تلك الهجرات وما يرتبط بها من علاقات دولية مستمرة. إن هذا يعني أن الحياة في أماكن مختلفة صبغ المجتمع بتنوع، يضع الإطار الوطني موضع سؤال. وهذا التنوع عبر عن نفسه أيضا في المظاهرات الأخيرة. والتأثيرات بعيدة المدى لما عاشه الناس في ميدان التحرير وميدان تقسيم وسانتاغما لا يمكن التقليل من قيمتها، مثلها في ذلك مثل تجربة سقوط نظام ديكتاتوري مثل نظام بن علي خلال بضعة أيام وواقع أنه كان مجرد ديكور.

الهوية ضد الصيرورة

لقد تمت مناقشة أشكال جديدة للتعاون بالمعنى الإيجابي منذ الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. مثلا حاول المهندس المصري الشهير حسن فتحي اقتراح طرق عمل تعاونية. وكان حينها برفقة مهندسين ومتخصصين في التخطيط الحضري كانوا ضد التعقيد التحديثي للساكنة في التخطيط، وطالبوا بإشراك الناس المنخرطين في جماعات في العمل المعماري والأخذ بعين الاعتبار الاختلافات القائمة. وبهذا المعنى فإنه تم الاهتمام خصوصا فيما يتعلق بمحاربة الفقر بأشكال التنظيم الذاتي القائمة، وحتى تلك التي نجدها في أحزمة الفقر. لقد اقترح فتحي مشاريع في المناطق الريفية المصرية يرى مبدأها المحرك ليس البناء للفقراء ولكن مساعدة الفقراء عبر المعارف القائمة والمواد المحلية على مباشرة عملية البناء بأنفسهم.

ولم ينطلق فتحي من فكرة أن سكان القرى يقدرون المواد القديمة أو أنهم يمتلكون ناصية منهاج البناء التقليدية أو أنه بإمكانهم وبشكل طبيعي بناء أجمل المنازل. بل عليهم أن يمتلكوا المعرفة والعلم من خلال صيرورة البناء ذاتها، ويلعب المهندس خلال ذلك دور المستشار أو المدرب، كما أوضح ذلك في كتابه «هندسة من أجل الفقراء» الصادر عام ١٩٧٣. إن الإيجابي في هذا النوع من البناء، يؤكد فتحي، هو أنه يسمح للساكنة بإصلاح بيوتها بنفسها. وكثير من مشاريع البناء التي أرادت لنفسها أن تكون تحديثية وجدت نفسها في تلك المرحلة في حالة تصدع، لأن المتخصصين غادروا المكان دون أن يتركوا للناس في عين المكان المعرفة والمواد التي يحتاجونها للصيانة.

إن العودة إلى المعارف المحلية والمواد التقليدية لا يتعلق بنوع من البحث عن هوية ما. في كتابه «البناء حياة» يتحدث جورج كانديليس عن لقاء عاشه خلال وجوده في المغرب. فخلال حقبة الاستعمارالفرنسي، شغل كانديليس منصب مدير لمكتب بناء كان مدعوما من طرف المعماري الشهير لوكوربيزييه، في الدار البيضاء. فالمغرب كان يحتاج حينها وفي كل مكان إلى بناء بيوت كثيرة ورخيصة. وقد حصل كانديليس على إمكانية التخطيط وبناء عديد من المشاريع العمرانية، والتي اعتمد فيها على أبحاثه حول الشروط الحياتية للسكان. لقد حاول أن يأخذ بعين الاعتبار أصلهم ووضعهم الاجتماعي وتوجهاتهم الدينية، وهو ما يتناقض في وضوح مع المنطق التحديثي. وقد جذبت بناياته انتباه حركة الاستقلال المغربية، وهكذا تمت دعوته للقاء من طرف نشطاء سياسيين مغاربة. لكنه لم يتلق المديح الذي كان ينتظره بل واجهوه بسؤال لماذا لم يبن المنازل نفسها للمغاربة التي يبنيها للأوروبيين. "حاولت أن أجد هويتكم" أجاب كانديليس في سذاجة، واستحق بذلك فعلا صفة النيوكولونيالية.

لقد تحدث عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي عن الفكر العربي وكتب يقول أنه يعيش انقساما مؤلما. إنه ينتقد، في لحظة، الغرب من وجهة نظر الشرق، وبعيد ذلك مباشرة يستعمل الغرب ضد الشرق. إن هذه الصعوبة في العثور على نقطة مرجعية تطبع تعبيرات المهمشين ومن „تأخر بهم الزمن“، منذ بداية الحداثة. فالصورة السيئة للغرب تتمتع بجاذبية شأنها شأن العودة المزعومة إلى التقاليد والهوية. وكلما فشلت محاولات العودة إلى الماضي „العظيم“، أو بدت أنها اعتباطية أو قمعية أيضا وإلا ازدادت كاريكاتورية هذه الحركات الهوياتية التي تظل متأثرة وفي عمق بالتصورات الغربية، كما هي الحال مع الحركات الإسلامية.

لقد اختلطت المواقف كلها اليوم، وأضحت مدنسة، ودخلت من "عين إبرة الآخر" كما كتب ستيوارت هال. وكان حسن فتحي قد اقترح أن لا يسلم المرء قياده للثنائيات الخاطئة، بل تدشين صيرورة مفاوضات تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات والثروات المتوفرة في ارتباط مع الهدف المنشود. إن أفكار فتحي ترتبط بريف مصر، لكن صيرورات التعاون أثبتت نجاعتها أيضا فيما يتعلق بتخطيط المدن.

إن المسؤولين من الأفراد يتوفرون على معارف كبيرة ويعملون على إفادة بيئتهم المحيطة بها ، كما أنه يمكنهم الاستفادة منها في استعمال أموال الضرائب. وكما نلحظ ذلك في النموذج الذي يقدمه فتحي، لا يتوجب فهم التعاون كإجماع ديمقراطي يتحقق على مستوى القاعدة، تقود إليه نقاشات لانهائية، يشارك فيها كل فرد. فالتعاون الجيد يتوجب عليه تحديد منهجية عقلانية لكل مجال من المجالات، يتم عبرها تحديد أهداف مفهومة والاهتمام بتطور المعارف (مثلا لكل واحد من المهندسين).

ويتوجب تحقيق إمكانية الوصول إلى اتخاذ قرارات بدءا من مرحلة زمنية محددة. إن التعاون لا يتخلى عن السلطة، لكنه يربطها بسياق تطوير مشروع مشترك. علاوة على ذلك يسمح التعاون بارتكاب أخطاء. ففي الوقت الذي يتم فيه العمل على المشاريع الكبرى بشكل نخبوي ومن طرف أفراد منعزلين، يتضمن التعاون إمكانية النقد البناء ويسمح بمراقبة دائمة.

النظام السلوكي ضد التعاون

ليس التعاون بمفهوم ثوري. إنه يتموقع في المناطق الحرة داخل المجتمعي. إن سلطة الشعب داخل الديمقراطية ظلت دائما مرتبطة بتقنيات للسلطة محددة للسلوك، تعوق حرية الأفراد في عمل ما يريدونه. لقد وصف ميشيل فوكو نوعا من التدريب الاجتماعي، يتعلم وفقه الأفراد طريقة التحكم الذاتي. إن المبدأ الأساسي في هذا السياق هو ما يعرف بالنظام السلوكي. إنها تقنية يتم بمساعدتها تقريبا تدجين الأفراد في تجمعات من قبيل الأسرة والمدرسة والجيش والمصنع والمكتب والسجن إلخ ... وذلك عبر تمارين جسدية مستمرة ومراقبة فردية.

طبع عالم الصناعة العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فكانت حياة الناس خاضعة لمبدأ الانتاج في عمومها العمل، التقدم المهني، والتنافس والإنتاج والملكية الفردية والأسرة والبيت المستقل عن الآخرين. لكن الاستهلاك الجماهيري جلب معه قيما اجتماعية جديدة. الإنفاق بدلا من الاقتصاد في النفقات، الأسلوب بدلا من القناعة، التخلص من الأشياء القديمة بدلا من المحافظة عليها، الإشباع السريع بدلا من الإعلاء المستمر. إن النظام التربوي للقرن التاسع عشر يعيش أزمة كبيرة. ومنذ ذلك الوقت ارتخت قبضة النظام السلوكي، لكنها لم تختف. ولم يظهر بدلا منها مبدأ مركزي آخر.

يتحدث نقاد النيوليبرالية والدولة الأمنية عن مجتمع المراقبة، لا تتم فيه كما سابقا مراقبة سلوكيات الأفراد بشكل مركزي ولكن عبر اعتماد تقنيات جديدة، تعتمد مراقبة من طرف الخبراء وتحقيقات وتنظيما لتلك السلوكيات عبر التدخل فيها بشكل فاضح. لكن من شأن ذلك أن يجعل الأوضاع الاجتماعية تظهر كما لو أنها أكثر ارتباطا ببعضها البعض مماعليه الحال في واقع الأمر. كما أن هؤلاء النقاد يغفلون مجالات الحرية التي تم تحقيقها في العقود الأخيرة وأشكال التنظيم الذاتي التي وصفناها أعلاه. إن بإمكان التعاون أن يصبح هذا المبدأ الرائد الجديد. ففيما يتعلق بالتربية والتعليم، فإن المفاهيم القديمة أثبتت في اضطراد فشلها ، وهي التي تعمد فيها سلطة مطلقة المعرفة والسلطة بزرع «المعلومات» في رؤوس الأطفال وتقييمهم انطلاقا من موقعها المركزي.

إن أفضل المدراس تشرك اليوم الثلاميذ في مخطط الدرس والأهداف المتوخاة منه وتحلحل البنية الواضحة للفصل الدراسي وتعتمد على طاقات تدريسية متعددة كـ «مدربين». إن هذا التوجه الجديد يتطلب أيضا التخلي عن المثال التعليمي الكلاسيكي والذي يرى أننا عبره نطور استعدادتنا الداخلية أي أن نحقق ذاتنا الأصلية. وعوضا عن ذلك فإنه يتم تطوير قدراتنا بشكل تعاوني، كقدرة موجهة إلى الخارج، تمتحن نفسها في علاقات التبادل مع الآخرين، من أجل تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية وحرية الفعل. إن ذلك يتناقض مع التصورات الموروثة عن الهوية التي تتحدث عن وجود نواة «أصلية» في كل واحد منا.

وفي العدد الأخير من مجلة فكر وفن (103 ) كتب المصري سعد القرش بأن الأيام السلمية الأولى للثورة المصرية أطلقت من عقالها «نواة من المدنية»، التي اختفت تقريبا طيلة حكم نظام مبارك. إننا متعاونون بالمعنى الإيجابي للكلمة.

قد يبدو اقتراح التعاون بالمعنى الايجابي لكلمة التعاون أمرا ساذجا، وخصوصا بالنظر إلى أعداء هذا العمل التعاوني الذي يقوم على العدل.

لم يتمكن حسن فتحي من تحقيق أي من مشاريعه، لأن بيروقراطية غير متفهمة قطعت صيرورة عمله في مرحلة من المراحل. لم يتغير الشيء الكثير من ذلك حتى اليوم، لكن البيروقراطية لاحظت بأنه أمر أقل كلفة أن تدخل في نقاش مع الساكنة حول المخططات الحضرية الجديدة بدل مواجهة احتجاجاتهم بعد ذلك. لكن من أعداء التعاون أيضا الحركات الهوياتية، كالحركات القومية الشعبوية في أوروبا، التي تتهرب في كل بساطة من النقاش. إنها مجموعات يتوجب وفي كل بساطة محاربتها.

يمتلك التعاون ايجابية التركيز على التطورات الصغيرة والتي لا تنتبه إليها هذه الحركات الرجعية. إن التعاون يتحقق في كل النطاقات الحرة وهو بإمكانه رغم العقابيل القائمة أن يمارس تأثيرا إيجابيا هناك، حيث يشترك الناس في روح البحث الجماعي عن حلول للمشاكل القائمة.
مارك تيركيسيديس باحث في قضايا الهجرة، يقيم في برلين.

ترجمة: رشيد بوطيب

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...