المشاركه و التبادل

"المشروع المصري لمسرح المقهورين"
الخوف حليف الظلم والتغيير حليف الحلم

في عام ١٩٩٧ قابلت المسرحي و البطل الشعبي البرازيلي أوغستو بوال للمرة الأولى فى مصر. كنت قد انتهيت لتوي من ترجمة كتابه «قوس قزح الرغبة»، الذي تم نشره في إصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تحت عنوان «منهج أوغستو بوال المسرحي» (تفاديا طبعا لكلمة "الرغبة").

كنت أعمل وقتها معيدة بأكاديمية الفنون بالقاهرة. وتفتحت عيناي على عالم مختلف من المسرح عندما قمت بترجمة إحدى تقنيات منهج مسرح المقهورين. وحين تحدثت إلى بوال وجها لوجه تفتح ذهني على عالم كامل من الفعل المسرحي في علاقته بالتغيير.

البرازيل قرينة مصر

نشأت بيننا صداقة رائعة. سافرت في عام ٢٠٠٣ إلى البرازيل، بمنحة من اليونسكو لشباب الفنانين للتدرب في مركز مسرح المقهورين بريو دي جانيرو، وعلى يد المعلم أوغستو بوال شخصيا وفريقه. كنت حينئذ قد أسست فرقتي «لاموزيكا المسرحية المستقلة» وقدمت عدة عروض وسافرت إلى مختلف أنحاء العالم. بيد أن زيارة البرازيل بالنسبة لي كانت نقلة نوعية في نظرتي للعالم ولمصر ولكيفية دمج المسرح في عمليات التغيير الاجتماعي والسياسي. لقد رأيت البرازيل قرينة لمصر، رأيت تاريخا من القهر والحكم الديكتاتوري الشمولي، ومن التمرد و الثورة و النصر. رأيت بوال، البطل الشعبي الذي ناضل واعتقل وتعذب في السبعينات، ثم تم نفيه عوضا عن الإعدام، كي يعود ويساهم مع باولو فريري في تحرير ذهنية المواطن المقهور وإعادة تدريبه وتأهيله تربويا من خلال المسرح، كي يتحرر من ذهنية القهر ومنظومته فلا يعيد إنتاج النظام نفسه مرة ثانية.

يقوم منهج مسرح المقهورين على خمس تقنيات أساسية: مسرح الصورة، مسرح الجريدة، المسرح الخفي، مسرح المنتدى، والمسرح التشريعي. و كلها تقنيات تعمل على دمج المتفرج ليصبح فاعلا بدرجة أو بأخرى. ليس هذا فحسب، بل لكي يتحول العرض المسرحي إلى فعل قابل للتحول كل مرة حسب تدخلات المتفرج، حيث يصبح المنبر المسرحي ساحة للنقد ومساحة للتفاعل الحي مع المتفرج. وبهذا المعنى تعتبر التقنيتان الأخيرتان أكثرهم تفاعلية.

لا يتحرر المواطن بعزل النظام أو تغيير رأسه

في تجربة أوغستو بوال لا يتحرر المواطن المقهور، الذي عاش طويلا في منظومة القهر الفكرية، بعزل النظام الديكتاتوري أو بتبديل رأسه. لأن هذا المواطن نفسه كفيل بإعادة إنتاج هذه المنظومة حيث أنه لا يعرف غيرها، ولأنها قد تحولت إلى نمط فكري تلقائي لديه. لذلك ينبغي مد الثورة، ليس من خلال الفعل السياسي وحسب، وإنما من خلال الفعل الثقافي والتعليمي والاجتماعي، أي من خلال ابتكار منظومة تربوية متكاملة تستطيع إنتاج ذهنية جديدة للمواطن تضمن المشاركة الديمقراطية والعدل والمساواة والحرية.

حاولت مرارا و تكرار أن أنفذ ما تعلمته في مصر. قمت بالتدريب في عدة ورش ناجحة للغاية وبالتعاون مع جمعيات أهلية فاعلة، إلا أن حلمي بالنزول للشارع و لقاء الجماهير بحرية وتلقائية لم يتحقق على مدار ثلاث سنوات من ٢٠٠٨ إلى ٢٠١٠. كنت أرى أن مسرح المنتدى لا يكفيه مطلقا الوجود داخل الأبنية بل يجب تحريره ليتخذ موقعه في الشوارع والميادين والحدائق وأفنية المدارس ومراكز الشباب و النوادي الرياضية والاجتماعية.

بوال: المسرح بروفة على الثورة

كنت أرى أننا هكذا سوف ندخل فعليا فى إطار المسرح من أجل التغيير، حيث المنبر المسرحي يتخذ موقعه فى الحقل العام و يتحول منتدى للفعل الديمقراطي وللمشاركة. وكان مهما جدا بالنسبة إلي أن يتم الفعل المسرحي كإعلان و شهادة على أحقية المواطن في التعبير والمشاركة الفعالة في التعامل مع قهره، ولو كانت تلك المشاركة بمثابة تدريب عملي على التغيير الحقيقي. فقد قال بوال إن المسرح ليس هو الثورة الحقيقية، مهما اقترحنا من تغييرات ثورية، إنه فقط بروفة على الثورة.

كان المسرح المصري لعقود عديدة ــ و قبل مبادرات المسرح المستقل والشبابي ــ مسرحا قائما على المنظومة المعرفية والفكرية ذاتها التي يتبناها النظام الحاكم والمجتمع التقليدي. وغالبا ما ظهر المسرح كبوق للسلطة ولإيديولوجية النظام الحاكم و لتمجيد الحاكم الفرد البطل على غرار ثقافتنا الفرعونية. وظهرت مواضعاته الجمالية والفنية لترسي التمييز بين المواطنين: بين منتج للثقافة، صاحب الكلمة العليا، وبين القطيع المتلقي السلبي الصامت. في هذا السياق كانت «المشاركة» تعتبر كسرا للتقاليد البرجوازية العتيقة و خروجا عن شفرة الاتفاق الجمعي و المجتمعي. مع إسهامات جيل التسعينات، ومع نشوء العديد من مؤسسات المجتمع المدني، وبسبب تراكم الممارسات المستبدة وتحولات الفكر الفردي الشبابي بالتزامن مع أحداث مجتمعية وسياسية فادحة، دخلت مصر الألفية الثالثة وهي مستعدة للتغيير. بيد أن النظام السياسي القامع كان المعطل الأول و ليس الشعب ذاته. كانت مصر محكومة بقانون الطوارئ، وكانت عروض الشارع ممنوعة أمنيا و مجرد سراب. و كان ذلك تحديدا هو السراب الذي عشته مع حلمي بمسرح المقهورين المصري وصولا إلى ثورة ٢٥ يناير عام ٢٠١١.

على خطى بوال: حركة مسرحية من أجل التغيير

كان على „المشروع المصري لمسرح المقهورين“ أن ينتظر أعواما كي يولد في خضم الثورة المصرية. لم يكن من المعقول أبدا أن يولد تحت النظام المستبد وأن يجوب الشوارع و الميادين في طول مصر وعرضها. وكانت فكرة المشاركة التفاعلية ووضع المسرح داخل المجال العام المفتوح في حد ذاتها فكرة ثورية معارضة تفتقد إلى لحظة سياسية وثورية وطنية كي تحتضنها و تيسر لها طريقها. وقد كان.

في خريف عام ٢٠١١ قمت بإطلاق «المشروع المصري لمسرح المقهورين»، أي بعد أكثر من عامين على وفاة معلمي أوغستو بوال. لقد استوحيته من تجربة البرازيل، وكان بوال نفسه ملهما لي. بدأت بتدريب مجموعة من الناشطين في مدينة الإسكندرية كي يتحولوا بدورهم ــ و تدريجيا ــ إلى مساعدين لي في التدريب ثم مدربين. كانت خطتي أن أخلق شبكة وطنية كاملة من ممارسي مسرح المنتدى بحيث تكون كل مدينة أو محافظة لديها مجموعة محلية قادرة على تقديم عروض لمسرح المنتدى بل وتدريب أفراد إضافيين للانضمام لها، ومن ثم التواصل مع بقية الوحدات والمجموعات والتجوال بالداخل. هكذا رأيت أنه يمكن خلق حركة مسرحية من أجل التغيير وخارج مركزية القاهرة. كان الشعب المصري قد خرج بكامله وثار وقام بالتغيير. كانت الشوارع والميادين قد عادت إلى المواطنين المصريين بعد أن كانت حكرا على الدولة. كانت جموع المصريين كتلة واحدة منسجمة ومدركة لقوتها. كانت لحظة المواطنة والديمقراطية بامتياز. وكان المواطنون قد استعدوا لجميع أنواع المشاركة ولكسر أنماط الفصل والتمييز والقهر. وأصبح المجال العام مفتوحا للفن وللممارسات التفاعلية من مسرح وغناء وموسيقى وغرافيتي. وكان ذلك هو الميلاد الذي يليق بالحلم.

مسرح المنتدى كفعل لمواجهة القهر

يتميز مسرح المنتدى عن غيره من أنماط المسرح الشعبي ومسرح الشارع، بأنه يتعامل مباشرة وتحديدا مع قضايا القهر، وبأنه معد خصيصا ليس للفرجة ولا للترفيه والتسلية، بل للتأثير على حياتنا وقضايانا اليومية ووعينا وفكرنا بحيث نعيش واقعا أفضل. هو مسرح يعرض مشاهد بسيطة للغاية عن قهر ما، لكنه قهر حقيقي ملموس من واقع المتفرجين، إلا أنه لا يتوقف عند ذلك، فهو يفتح المنبر للمتفرج/ الفاعل كي يسهم و يشارك في العرض من خلال اقتراح تصرفات لمواجهة القهر الحادث.

هكذا يقود «الجوكر» (ميسر الأمسية المسرحية) حوارا و نقاشا مع الجمهور حتى يظهر متفرج متطوع بفكرة. وهنا يصر الجوكر أنه لا يمكن اختبار الفكرة بسردها بل ينبغي اختبارها بتطبيقها عمليا أي بالصعود بين الممثلين وتجريب الفكرة محل الاقتراح داخل المشهد. ثم يختار المتفرج إحدى الشخصيات المقهورة أو الحليفة للمقهور كي يحل محلها حيث يرى أنها أنسب الشخصيات للقيام بتلك الفكرة، ويختار لحظة محددة من الموقف المسرحي. وبالفعل يرتدي اكسسوارات الشخصية و يترك الممثل مكانه لهذا المتفرج. ولا مجال بالطبع لأن يحل المتفرج محل القاهر لأنه من غير المنطقي أن يقوم القاهر بالحل وهو صاحب المصلحة الأولى في القهر. كما يتعين على جميع المشاركين احترام أساسيات المنهج بعدم اقتراح حلول غيبية أو خرافية، أو حلول فاسدة قائمة على التحايل والكذب والرشوة بجميع أنواعها، أو حلول عنيفة عدوانية تستخدم العدوان الجسدي الذي يزيد من دائرة القهر ويحيل حتى المقهور إلى قاهر.

التدريب الذهني على التغيير

وبمجرد أن يحاول المتفرج الارتجال الفوري، يكون قد بدأ تدريبه الذهني على التغيير، فقد كسر نمط اللامبالاة والسلبية والاقتناع باستحالة التغيير، كي يتبنى الذهنية الإيجابية والتفكير الحر والنقد الذاتي والإيمان بالإرادة و بالكرامة الإنسانية. وفوق هذا وذاك، أصبح هذا المتفرج فاعلا ــ و لو فعلا رمزيا مؤقتا ــ بحيث أنه عندما يواجه موقفا مماثلا في المستقبل سيتمكن من تبني ذهنية الفعل مرة أخرى.

ولا ينبغي أن ننسى أن كل ذلك يتم في العلن وأمام الجمهور وفي المجال العام المفتوح، ومن ثم يصبح المتفرج ذاته مساهما في المجال العام بأفكاره الخاصة. و يشهد على ذلك أقرانه من المتفرجين، الذين يدركون تدريجيا تحول الأمسية المسرحية إلى تدريب مفتوح ومشاركة ديمقراطية تعيد لهم أصواتهم و تبني من جديد الحيز العام وعلاقات المواطنة. ربما لا يؤدي ما يقترحه المتفرج إلى الخروج ــ ولو قليلا ــ من موقف القهر، إلا أن المحاولة هي الهدف، ليس الهدف هو حل القهر وإلا لأنتهى العرض سريعا وذهبنا جميعنا إلى بيوتنا. بل الهدف هو الوصول إلى تلك المحاولة مرارا و تكرارا وفتح أفق متعدد ولا نهائي لمقترحات جديدة. وفي هذا الصدد ينبغي أن نعرف أن ممثلي أو ممارسي مسرح المنتدى يتدربون جيدا على تقنيات منهجية محددة، وضعها أوغستو بوال، كي يتمكنوا من الارتجال الفوري مع المتفرج حال اقتراحه لسيناريو مختلف لمسار الأحداث. هي جميعها تقنيات ممنهجة تساعد الممثل على فهم فلسفة القهر و مبادئ منهج مسرح المقهورين بحرفية عالية كي يرتجل من هذا الإطار فلا يكسر المنهج و بالتالي يدفع بالمتفرج إلى عكس الهدف من الحلم.

القاهر مفتاح مسرح المنتدى

يعتبر أصعب الأدوار هو دور القاهر، فهو ذلك الذي لا يجوز استبداله أبدا، وعليه الاستمرار في أداء دوره والارتجال مهما كان عدد مشاركات وتدخلات الجمهور. وربما تصل بعض الأمسيات إلى أربع ساعات مثلا، وتصل التدخلات إلى أربعين متفرجا. كل ذلك لا يعد ذريعة للقاهر كي يقبل سريعا بالأفكار المقترحة. فقبوله السريع ــ وغير المقنع ــ للتغيير يعد تحايلا وخديعة، وكأنه يقنع المتفرج بأن مقترحه سديد بينما هو غير ذلك، وهكذا نفشل في تدريب المتفرج بل ونرسخ سلبيته.

من ناحية أخرى لا يجوز للقاهر أيضا ولحلفائه أن يقاوموا التغيير ويرفضوا الإذعان ولو قليلا عندما يتواجهون بفكرة مقنعة ومبدعة. ففي هذه الحالة يعد الممثل متمسكا بسيادته الشخصية وليس ميسرا للتدريب، ويكون قد تحول بدوره إلى ديكتاتور صغير يغار على سلطته فيحبط التغيير الحقيقي الذي بذل فيه المتفرج الصادق جهدا كبيرا. و نكون للأسف ــ في تلك الحالة ــ قد أصبحنا نلعب لحساب القهر و ليس ضده. يتكون „المشروع المصري لمسرح المقهورين“ من خمسمائة و خمسين ناشطا، ينتمون لحوالي ثلاثين مدينة مصرية تغطي معظم محافظات مصر. وعمل المشروع على مدار أعوام ٢٠١١ و ٢٠١٢ و ٢٠١٣ مع مجموعات غاية في التنوع، ليس جغرافيا فحسب بل على جميع المستويات. كلهم مواطنون يؤمنون بامكانية التغيير، وهو الشرط الوحيد للمشاركة في هذا النوع من المسرح سواء كممارسين أو كمتفرجين.

«حكاية سماح»

من أهم تجاربنا تلك التي حدثت خلال عام ٢٠١٢ أي عندما كانت مصر في حالة حراك سياسي وتحول ضخم على مدار الساعة. تلك التجارب ترصد لنا الكيفية التي تغير بها تفكير المواطن المصري والنقلة النوعية في علاقته بالمجال العام ومن ثم النقلة النوعية نفسها في مفهوم المسرح كفضاء للمقاومة والتغيير والتعبير المتبادل.

في القاهرة، في فبراير ٢٠١٣، أثناء مشاركتنا في «الفن ميدان» (احتفالية شهرية بالفنون داخل ميدان عابدين بوسط مدينة القاهرة وبعض الميادين الأخرى بالمحافظات)، قدمنا «حكاية سماح»، عرض من مسرح المنتدى لمجموعة الإسكندرية. و «سماح» فتاة في السادسة عشر من عمرها يجبرها والدها على المكوث بالمنزل عدا الذهاب إلى المدرسة ويحرمها من أية أنشطة اجتماعية، بل ويبدو أنه يجبرها على ارتداء الحجاب. إنه أب متسلط بكل معنى الكلمة، نموذج لـ «سي السيد» (سيد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ) الذى يأمر فيطاع وينصاع له كل أفراد الأسرة. تذهب «سماح» إلى حفل عيد ميلاد «منى» صديقة طفولتها وجارتها، وهي أيضا إبنة الصديق المتوفي للأب. يتم ذلك دون علم الأب، وبالتعاون مع الأم التي تساند إبنتها في الخفاء.

يكشف الإبن الموضوع بعثوره على سماح أثناء نزولها من بيت منى وهي بدون حجاب. يجرها من شعرها للمنزل حيث ينهال الأب عليها ضربا وسبابا هي وأمها ثم يحرمها من التعليم تماما بل ومن الخروج أصلا من المنزل، فينهي بذلك أية فرصة لها في مستقبل أفضل. تفاعل الجمهور منذ الوهلة الأولى، فقد كان دوما النظام الأبوي هو التوأم التاريخي لأية أنظمة سياسية مستبدة، وكانت المرأة دوما هي من يدفع الثمن. اقترحت إحدى المتفرجات ــ و هي أم في بداية الخمسينات من عمرها ــ أن الحل في تعاون الأسرة لقتل الأب. وبالطبع كان ذلك من محرمات منهجنا، حيث العنف يؤدي إلى العنف وإلى دائرة لا نهائية من الدمار.

هكذا أصبح علينا أن نشرح مجددا للمتفرجة مبادئ المنهج ومبادئ التغيير، وكيف أننا لا نسعى إلى حلول انتقامية وإنما إلى تربية ذهنية جديدة للمواطن. لقد تراءى للمتفرجة وللجميع في تلك اللحظة أن الأب في ذلك العرض هو تمثل للحاكم المستبد، وبالتالي اندفعت المتفرجة في دمج حنقها من السلطة الأبوية مع ثورتها على الحاكم المستبد كي تقودها ذهنية القهر المعتادة إلى الحل الانتقامي. بيد أنها سرعان ما صعدت على خشبة المسرح وأدركت من خلال الممارسة الفورية والتعامل مع الممثلين أن هناك «فرصة» أخرى للتغيير وهي التفاوض واستخدام «جيوب التغيير» المخفية داخل سيناريو تكوين عرض المنتدى. فهناك دوما امكانيات كامنة ينطوي عليها السيناريو في صميم تكوينه بحيث يتيح للمتفرج تغيير الموقف ولو بدرجات متفاوتة.

حرية المتفرج أساس التغيير

نطلق على هذا النوع من الكتابة في المسرح التفاعلي «دراماتورجيا مسرح المنتدى» حيث الهدف الواضح ليس إغلاق اللعبة على صانعيها من فريق العمل، وليس حبك اللغز، وإنما فتح اللعبة لإمكانية المشاركة والتحول. لذلك فعلينا أن نخضع أية قصة وعرض لديناميكيات ذهنية التغيير دون أن نلقن المتفرج ما ينبغي عليه أن يجربه.

ففي هذا النوع من المسرح يتعين على المتفرج ــ قبل كل شيء ــ أن يحافظ على حريته لدرجة أننا نمتنع عن دفع المتفرج نحو تغيير القهر لو كان هو نفسه مؤمنا بضرورته، فلا تغيير حقيقي يمكنه أن يتم لو كان مفروضا على المواطن، بل إننا هكذا نكون نسلبه حريته وإرادته مجددا بدعوى التحرير. في بورسعيد، قدمنا لأول مرة في تلك المدينة الباسلة، عروضا في الشارع. كان ذلك شيئا جديدا تماما على الجمهور. كانت بورسعيد تعج بحركات وتيارات متضادة. كان الشارع كالبحر المتلاطم بين بقايا نظام مبارك (أو «الفلول») ورجال الداخلية والبلطجية والاخوان المسلمين والمواطنين العاديين من أسر تقليدية وشباب مستنير.

«حكاية المواطن والمخبر»

قدمنا عرض «حكاية المواطن و المخبر»، والذي يقدم حكاية شاب بسيط يوقفه أحد المخبرين على الكورنيش مع خطيبته ويقودهما إلى قسم الشرطة دون أدنى ذنب. وهناك نلتقي بشرطي فاسد وضالع في العنف وبشرطي آخر أقل فسادا لكنه عبد المأمور. يقوم ذلك الشرطي الأقل ضراوة بصرف الفتاة القاصر، التي ترتدي زي المدرسة بعد تعنيفها بينما يتحرش بها الضابط الفاسد.

يُلقى بالشاب ظلما داخل زنزانة الحجز حيث يلتقي بأحد الشباب الثوريين الذي يطالبه بالهدوء واتخاذ المسلك القانوني وطلب محام للحفاظ على حقوقه. ثم يظهر المخبر مجددا ــ «أبو السيد» ــ و يهين الشابين بكل استفزاز ودناءة بينما يدخل الضابطان في لحظة شديدة الاحتدام. يواجههما الشاب ويصرخ في وجههما، فيعطي «حازم باشا» أوامره للمخبر بالإجهاز عليه. وعندما ينهال بهراوته على الشاب، يحاول الشاب الآخر الدفاع عنه ويتوقف العرض هنا. كان اختيار العرض في تلك اللحظة هو السبب الأول لكل النجاح الذي حدث. فالتجاوب الجماهيري غلب مساحة الاختلاف الداخلي بين الجمهور وتوتراته السياسية والنفسية. تعرف الجميع على القهر ورأى أنه لا بد من تعديل الموقف. كان هناك بعض رجال المباحث الممتعضين لكنهم كانوا صامتين. الميدان بالكامل كان صعبا للغاية في السيطرة عليه، وهذا جزء أساسي من عملي كمسؤولة عن سلامة الجميع وعن تسيير الأمسية على أفضل وجه. كان هناك عدد بسيط من متعاطي المخدرات داخل حدود الجمهور، وبعض أطفال الشوارع ومعهم «كوله» (مادة صمغية تستخدم كمخدر). 


كان هناك بلطجي بسكينه في غاية الاهتمام وقد نجحنا في تشجيعه للمشاركة. بيد أن المتفرج البلطجي كان عليه أن يتنازل عن سكينه كي يتمكن من المشاركة في العرض والارتجال مع الممثلين. كان ذلك خيارا صعبا للغاية، فسكينه هي هويته وحمايته ومهنته. كان يبدو في مأزق وجودي كبير، فقد فرح أنه أصبح متفرجا معترفا به، وتعامل معه الفريق أمام بقية الجمهور على أنه مساو لهم، أي أنه قد بدا وكأنه يستعيد إحساس المواطنة و المساواة، لكن هل يكون ذلك كافيا كي يتعرى هكذا أمام الجميع؟

لقد نجح المتفرج بالفعل في التخلي عن سكينه وشارك بالفعل في العرض وقدم مداخلة مرتجلة مع الممثلين ليفسح فرصة لذلك الشاب المقهور في العرض كي لا يتعرض للقتل وكي لا يقوم هو نفسه بفعل القتل أو العنف. حاول ذلك المتفرج العبقري أن يعيد ابداع مصيره من خلال معالجة قصة «المواطن و المخبر» في مسرح المنتدى، فكأنه يعود إلى الوراء تخيليا لوهلة على أمل أنه سيتمكن بعد ذلك من مواجهة الحاضر بذهنية مختلفة. لقد نسينا وقتها كل القلق المحيط وبدا الميدان انسيابيا متناغما. لقد تفتحت عيون أطفال «الكوله» لأن زميلهم الكبير أعطاهم إنذارا وفرصة لتفادي مستقبل القهر ولكسر دائرته. ابتسم الرجل وغادر مشهده، وكان على وشك أن ينسى سكينه أو ألا يبحث عنها، لكن خاف واهتز فتذكرها فجأة، ربما لأن الوقت لم يكن قد حان بعد للتخلي عنها تماما وللايمان المطلق بالحلم.
نورا أمين كاتبة روائية ومسرحية مصرية.

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...