المشاركه و التبادل

التشاركية والتكافل
العدالة الاقتصادية والاجتماعية في الفكر الإسلامي

انطوى الفكر الاقتصادي الإسلامي، منذ بزوغ فجره، على عناصر كثيرة، تصلح، في يومنا الحاضر أيضا، لمعالجة المسائل الراهنة وموضوعات الساعة. وبحسب تصورات الفكر الإسلامي، فإن السعي لجني الربح يتفق اتفاقا جيدا، وينسجم بنحو كلي، مع الرأفة بالآخرين والرحمة بالمحتاجين. وفي مقالته هذه، يحاول سهيل ثابتي تبيان ماهية الأسباب الموجبة للعطف على الآخرين، ويشرح ماهية السبل، المتاحة للناشطين اقتصاديا، لأن ينسجم كدهم لتحقيق الربح مع ضرورة رأفتهم بالمحتاجين.

إن التصور السائد حاليا، بخصوص السوق الحرة، السوق التي تتماهى مع تصورات النظرية الليبرالية المحدثة، يجيز للشخص الطبيعي أن يمتلك كافة السلع الاقتصادية تقريبا، بما في ذلك الموارد الطبيعية؛ ويمنحه، بالتالي، فرص الحد من حيازة الآخرين لهذه الموارد والسلع. وتتجلى لنا هذه الحقيقية بأسطع ما يكون، ويبان ما ينشأ عنها من تداعيات وخيمة، حينما نستعين بالنفط، كمثال صارخ، على تحكم فئة اجتماعية معينة، بالموارد الطبيعية. فحفنة عوائل وشركات، تتمتع، بحكم القانون، بحق الاستحواذ على هذه المادة الأولية، ويجوز لها أن تحجب عن الآخرين ــ أي عن باقي المجتمع ــ العوائد والأرباح التي يدرها هذا المورد.

إن هذا المنهج رسم بنحو مأساوي، ملامح عالم المستقبل، وصاغ خصائص المجتمعات القادمة. فبحسب دراسة معدة من قبل المنظمة الخيرية أوكسفام، حول توزيع الثروة على المستوى العالمي، فإن واحد بالمائة من سكان العالم، سيكون قد راكم، حتى العام ٢٠١٦، ثروة تزيد على مجموع الثروة، التي يمتلكها ٩٩ بالمائة من بني البشر. على صعيد آخر، فإن من المتوقع، أن تنمو الثروات، بمعدلات لم يكن لها مثيل في سابق الزمن قط. إذ، وبحسب كل الاحتمالات، سترتفع قيمة الثروات الخاصة، إلى ما يزيد على ١٦٠ بليون دولار أمريكي. علما أن الإنتاج العالمي للمواد الغذائية وصل إلى مستويات قادرة على سد حاجات كافة سكان المعمورة. وبرغم هذه الحقائق، أكد التقرير الصادر عام ٢٠١٤ عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن ١٫٥ مليار من بني البشر يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، أي يعيشون في وضع قوامه الحرمان المزمن من الموارد والإمكانيات والخيارات والأمن ومن التغذية المناسبة والتعليم والمستوى المعيشي اللائق لكرامة الإنسان. ومعنى هذا، هو أن إعادة التوزيع لا تتم من الأغنياء إلى الفقراء، بل من الفقراء إلى الأغنياء.

مثل بني البشر في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد

إن الواجب يحتم علينا هاهنا، أن نطرح السؤال الأساسي التالي: هل نحن، بني البشر، نريد أن نرى أنفسنا كالجسد الواحد، الذي ينمو ويتطور بالصحة والعافية، في المنظور العام، أو أن كل واحد منا يريد أن يعيش منعزلا عن الآخرين، راضيا عن الأضرار، التي يلحقها بالآخرين، منظما حياته وفق تصورات أنانية؟

للوقوف على مغزى هذا السؤال وماهية المشكلة التي يسفر عنها، نود الاستعانة بالمثال الذهني التالي: لنفترض أن أعضاءنا وأطرافنا ــ أي كل مكون من مكونات أجسادنا ــ قد أمست تتمتع بحرية، تجيز لها، أن تقرر بنفسها، ما هي فاعلة، وأنها قد أمست تتصرف، كما يحلو لها. ولنفترض، أيضا، أن الساق اليسرى قد قررت أن تسير باتجاه اليسار، وأن الساق اليمنى سارت بالاتجاه المعاكس، أي نحو اليمين. وعني عن البيان، أن السؤال عن الاتجاه، الذي سيسلكه جسمنا، غاية في البساطة: إنه لن يتحرك البتة، لا في هذا الاتجاه، ولا في الاتجاه المعاكس. وكمثال آخر، دعنا نفترض أن المخ، صار، بسبب تعرضه لجُرْح معين، بحاجة ماسة إلى المزيد من الدم والأوكْسِيجِين، إلا أن الأعضاء الأخرى، أي القلب والرئتين، ترفض تزويده بما يحتاج، أو أنها تعرب عن استعدادها لتلبية حاجة المخ المتهالك، المخ صفر اليدين، فقط، في حالة تقديمه خدمة مقابلة، خدمة لا قدرة له، حاليا، على الوفاء بها، في ظل وضعه الحرج. في لحظة من هذا القبيل، يدور السؤال، طبعا، حول إنقاذ حياة الجسد كله، وليس حياة عضو معين. والملاحظ، على المستوى العالمي، هو أن مئات، لا بل آلاف، وعما قريب ملايين من مواطني الأقاليم المنكوبة بالأزمات والحروب، يلجؤون إلى أوروبا، يحدوهم الأمل بحياة أفضل. وغني عن البيان، أننا هاهنا إزاء مشكلة تواجه أوروبا برمتها، بغض النظر، عما إذا كان من واجب أوروبا أن تستقبل أعدادا أقل، أو ما إذا كان من واجبها استقبال هؤلاء اللاجئين أصلا، وبصرف النظر عن ردود فعل مواطنيها.

فإذا كان بعض المواطنين يتظاهرون ضد استقبال اللاجئين، فإن مواطنين آخرين، يجودن بالبركة على اللاجئين، ويواسونهم ويقدمون لهم العون والمساعدة. علما أن المتطوعين هاهنا، ليسوا، بالضرورة، ميسوري الحال، أو أنهم أناسٌ لديهم من المال ما يكفي لمساعدة الآخرين. إن الأحداث الأخيرة، التي طفت على السطح في جزيرة كوس اليونانية، برهان قاطع، على أن المساعدات قُدمت حتى من قبل أفراد، يئنون هم أنفسهم تحت وطأة ظروف حرجة. بهذا المعنى، فحتى المعوزون أنفسهم مدوا يد العون، لمن هم أكثر عوزا منهم. وعلى ما يبدو، فإن الرغبة بالمساعدة، والقدرة على مد يد العون، سجية طبيعية، غريزة بشرية، غريزة ينسبها الإسلام إلى الغرائر الفطرية، التي جُبل عليها الإنسان، ويعتبرها ركنا أصيلا في الأخلاقية والاستدامة، اللتين تلعبان دورا جوهريا في الفكر الاقتصادي الإسلامي. إن هذا الميل الطبيعي، للكرم والسخاء، و «لعمل الخير»، ينشأ عن استعداد داخلي.

التبرع والمبادلة والتعاون

إن التبرع واحدٌ من ثلاث علاقات بينية (اقتصادية). فالمستفيد، أعني الشخص، الذي يمد له الآخرون يد المساعدة هو، من حيث المبدأ، شخص معوز، شخص محروم، شخص يتوقف قوته على إرادة المحسن. وهكذا، فالمعوز، المحتاج للعون والمساعدة، يظل معوزا، طالما ظل المقتدر يحجم عن الرأفة به والإحسان إليه. إنه لا قدرة له على التخلص، بقواه الذاتية، من إسار الفقر والإملاق. وربما سأل المرء نفسه، ابتداء من أي وضع أو ظرف، يكون طالب العون، معوزا، فقيرا فعلا؟ وغني عن البيان، أننا هاهنا إزاء مسألة اجتماعية وشخصية، أيضا، مسألة يتعين النظر إليها وشرحها، انطلاقا من مقارنتها بحالة الفئات الاجتماعية الأخرى. ولعل الطفل الرضيع والطفل الناشئ، خير مثال على ما نحن في صدى الحديث عنه. فهؤلاء الأطفال، لا قدرة لهم على تدبير حالهم بأنفسهم، وبالتالي، فإنهم بأمسّ الحاجة لعون وعطف آبائهم، ليس لتغطية حاجاتهم المادية، أعني حاجات من قبيل الجوع، والعطش فحسب، بل، وفي المقام الأول، لتلبية حاجتهم إلى المحبة والحنان والشعور بالأمان والاستقرار، وذلك لكي يكسبوا ثقة بأنفسهم، ومن أجل أن يكونوا قادرين على التحلي بالقوة، التي سيحتاجون إليها لبناء شخصيتهم، ولكي يكونوا، مستقبلا، قادرين على فعل الخير في المجتمع.

إن التبرع لمساعدة المحتاجين، الذين تخطوا سن الفتوة، الذين ما عدوا من الناشئة، يمكن أن يتم بنحو بارد فعلا، أعني يمكن أن يتم من خلال التبرع بشيء من النقود بلا ابتسامة، بلا انفعال إيجابي، وبلا عطف واهتمام. وعلى صعيد آخر، يمكن أن يتم هذا التبرع، بنحو يسبغ القوة والثقة بالنفس، وبمعاني تنم عن عزيمة أكيدة على تقديم المساعدة من القلب للقلب، والرغبة في المواساة بكل المشاعر الإنسانية، وذلك على أمل، أن يمنح هذا كله المحتاج الأمل والقوة على تدبير الحال. وبقدر تعلق الأمر بالإسلام، فإن الزكاة هي المنهج الهادف إلى حشد التبرعات النقدية، لسد حاجة الفئات الاجتماعية المحتاجة. ويتم إشباع هذه الحاجات، إما بناء على حاجة الشخص المعني، لمبلغ نقدي معين، يعادل متوسط الدخول السنوية، أو يساوي الدخل الذي يحتاج إليه، دائما، أو الذي هو بأمس الحاجة إليه، طيلة الفترة، التي يكون فيها، عاطلا عن العمل.

وتتصف الصيغة الثانية، للعلاقة الاقتصادية بين الأفراد، بتبادل متناظر يسوده التكافؤ وقيم السلع، التي تتم مبادلتها. إن تبادل السلع المختلفة، في سوق حرة، لا يعني أن العلاقة بين الناشطين في هذه السوق، هي علاقة تابع ومتبوع، فالواحد منهم حر، يستطيع اختيار ناشط آخر يرغب بمبادلة سلعته. إن صيغة العلاقة هذه، تهدف إلى تحقيق أكبر ربح ممكن. فالناشطون اقتصاديا يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، ولا يرون، أن ثمة علاقة تابع ومتبوع، تربط بينهم، فحاجاتهم يمكن أن تُشبع من خلال الموارد الاقتصادية، المتاحة لهم، أو من خلال ما لديهم من وسائل مالية. وتتسم العلاقة الثالثة بخاصية التعاون.

وبنحو أو آخر، تجسد هذه العلاقة أعلى مرحلة من وجهة النظر التجديدية، وفيما يتصل بالتكاتف بين بني البشر ــ راجع بهذا الشأن مقالة مارك تيركيسيديس Mark Terkessidis، أيضا، المنشورة في هذا العدد من مجلة فكر وفن. فهذا المستوى من العلاقة، يمكن، حقا، أن تسيطر عليه الرغبة في جني الأرباح، بيد أن هذه الرغبة، ليست ضرورة حتمية. فهي، أي هذه العلاقة، يمكن أن تكون خليطا، يجمع بين كلا البعدين المذكورين أعلاه، يمكن أن تجمع، بين الرغبة في التعاون، والسعي لتحقيق الربح.

فعنصر التعاون، العنصر المعاكس، يشكل في هذا السياق خاصية متميزة. إن الإسلام يُجيز، في هذا السياق، صيغ تعاقد عديدة، تسمح لأصحاب رؤوس الأموال، ولرجال الأعمال، المحتاجين للمال، أن يتكاتفوا، ويؤسسوا مشاريع إنتاجية مشتركة، تحقق لهم الربح المتوخي، وتراعي الصالح العام، تراعي متطلبات التعاون والتكاتف: أعني، مثلا وليس حصرا، أن الإسلام أباح عقد المرابحة، وعقد المشاركة، الشبيه بما يسمى Joint Venture (شركة محاصة).

كما أباح الفقه الإسلامي شركة الوجوه، وهو نوع من الشركات يقوم على ثقة التجار بالشركاء. وفي سياق كل واحدة من هذه العلاقات الثلاث، يجري، في نظامنا الاقتصادي السائد حاليا، فرض فائدة معينة على القروض، المراد منها إشباع مختلف الحاجات الضرورية. وبهذا المعنى، فإذا تعامل بعضنا مع البعض الآخر، بحسب المفهوم الاقتصادي، القائم على تعظيم الربح، لا مراء في أنه سيتعين علينا، دائما وأبدا، تعظيم منفعتنا، في كافة العلاقات الثلاث المذكورة، علما أن منفعتنا هذه، يمكن تحديد قيمتها ماديا ونقديا، ويمكن تعظيمها من خلال تحقيق نفس القدر من المنفعة، بأقل كلفة ممكنة. وعند اقتراض المال، يجري، بنحو حتمي، الحديث عن الفائدة.

علاوة على هذا، فإن القرض مضمون من خلال ثروة المقترض. وبهذا المعنى، ليس ثمة جواب شافٍ على السؤال المتعلق، بما ينبغي أن يفعله بنو البشر، لكسر الطوق، الذي تفرضه عليهم بالأخص العلاقة الأولى، من العلاقات الثلاث المذكورة، أعني ماهية السبيل المتاح، للحصول على رأس المال، حينما لا تكون لدى الإنسان، الضمانات المطلوبة للحصول على القرض المطلوب. فبنو البشر، لا يستطيعون، دائما وأبدا، مساعدة أنفسهم بأنفسهم، ولا تدبير حالهم من تلقاء أنفسهم. وفي حالات من هذا القبيل، من المستحسن، طبعا، مد العون لهم ومساعدتهم، على أن ينفضوا عن كاهلهم، الأعباء التي لا قدرة لهم على تحملها. وفي هذا كله، لا يجوز لنا، أن ننسى، أن تقديم هذه المساعدة، أمر بديهي، واضح بحد ذاته. إن هذه هي وجهة نظر الإسلام، فهو، ولهذا السبب بالذات، يرى أن المجتمع مثله مثل الجسد الواحد، ينمو نموا سليما، ويكون مفعما بالصحة والعافية، فقط، حين يتعاضد سائر أعضائه ويتكاتفون لنجدة بعضهم بعضا. وأن الاستهانة بعضو من أعضاء الجسد الواحد، أو تجاهل حاجته للعون والمساعدة، تتنافى مع التصور السليم للنمو الصحيح، والتطور المستدام.

تحريم الفائدة

ليس ثمة شك في أن تحريم الفائدة على الأموال المقترضة، هي خاصية من أشهر خصائص الاقتصاد المالي الإسلامي. وفي السياق نفسه، يُحرم الإسلام على المسلم دفع الفائدة أيضا. إن المتاجرة فقط هي الأمر المباح هاهنا. علما أن الإسلام يُشير، في هذا السياق، إلى أهمية مبدأ الجهد المبذول، باعتبار أن هذا المبدأ، يُبرر الحصول على هامش من الربح. أما بالنسبة للفائدة، فإن الأمر الواضح، هو أن أخذ الفائدة، يتنافى مع مبدأ الجهد المبذول، ويحرض صاحب المال، على ترك أمواله تعمل عوضا عنه، أي يحرضه على زيادة ثروته من خلال فوائد، يحصل عليها من المقترض، بلا أي مخاطر ذات بال، لا سيما إذا ما قارنا مخاطره بالمخاطر التي يتحملها التاجر العادي ــ أي رجل الأعمال، الذي يحصل على هامش ربح معين، لقاء تحمله المخاطر الكثيرة، الحافة بمشروعه، علما أن هامش الربح هذا، يتوقف، في نهاية المطاف، على قيمة السلعة المباعة.

وعلى خلفية الإشكالية الكامنة في موضوع الفائدة، من حق المرء، أن يسأل، عن ماهية النقد ووظيفته. ومن خلال مناقشته لمبادلة سلعة بأخرى تختلف عنها، وفي سياق تسليطه الضوء على الحق، الذي يسمح للمرء، أن يقارن بين شيئين لا خاصية تجمع بينها، يتوصل الفقيه الكبير أبو حامد الغزالي، في مؤلفه الموسوم «إحياء علوم الدين»، إلى فكرة مهمة، مفادها أن هذه المقارنة أمر ممكن، فقط، في حالة مقارنة الشيئين، بشيء ثالث، بشيء لا خاصية له.

وبالنسبة للغزالي، فإن النقد هو، في الواقع، هذا الشيء الثالث. ولهذا السبب بنحو مخصوص، يمارس النقد دور القاسم المشترك، بحسب تصورات الغزالي، يمارس دور الوسيلة، القادرة على قياس قيم كافة السلع الأخرى، على مستوى العالم. ولكن، وحينما تتحول وسيلة قياس القيم ذاتها، إلى سلعة، إلى بضاعة، حالها في ذلك، حال باقي البضائع، لا مراء، في أن هذا التحول، سيُعرض ليس النظام النقدي فحسب، بل وأسعار السلع أيضا، إلى تشوهات وخيمة. إن المتاجرة بالنقد، تعني في نهاية المطاف، المتاجرة بالدَيْن، تعني أن هذا الدين ذاته، قد تحول إلى بضاعة يمكن أن تباع وتشترى في الأسواق. وهكذا، وإن عاجلا أو آجلا، تختفي عرى الترابط القائم، بين القروض الممنوحة لقاء معدل فائدة معلوم، والاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد المنتج، وتتحول، من ثم، سوق القروض، سوق التمويل نفسها، إلى قطاع اقتصادي قائمٍ بحد ذاته، إلى اقتصادٍ مالي، إلى اقتصاد يستطيع، من الآن فصاعدا، ومن خلال المتاجرة بالقروض، وعلى خلفية نظام الفائدة والفائدة المركبة، أن ينمو ويتسع بمعدلات متزايدة، وبنحو مستقل عن الاقتصاد الحقيقي. إن الأزمات الناشئة عن اختفاء عرى الترابط، بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي ــ هذه الأزمات، التي يمكن، لا بل يجب، أن تنشأ بنحو محتوم ــ تخلف وراءها نتائج مدمرة على الاقتصاد الحقيقي، وبالتالي على الوضع المالي الخاص بكثير من بني البشر، كما لاحظنا ذلك في الأزمة المالية والاقتصادية الدولية الأخيرة. في الظرف الاقتصادي الراهن، من غير الممكن، تقريبا، الحصول على قروض، من غير تقديم ضمانات، تقلل من مخاطر العجز عن استرجاع قيمة القروض الممنوحة. ويسفر هذا الوضع، أي مطالبة المقترض بتقديم الضمانات المناسبة، عن ظهور ورطتين غاية في السلبية: من ناحية يترسخ أكثر فأكثر، تصورٌ مفاده أن المَدِينين أناسٌ لا يسددون ما بذمتهم من ديون بالموعد المتفق عليه، إذا ما أعفاهم المرء من تقديم الضمانات الوافية. وغني عن البيان، أن هذا التصور يرسخ الاعتقاد بأن المَدِين شخص لا يتصف بالأخلاق الحميدة، ولا ينفذ الالتزامات، التي وعد بتنفيذها.

ومن ناحية أخرى، وعلى خلفية هذه التصورات، يصبح اقتراضُ رأس المال، شأنا صعب المنال، بالنسبة لِمَن لا ضمانات لديه، لا بل قد يحرم هذا الشخص، كلية من الحصول على ما يحتاج إليه من قرض. ولا غرو أن وضعا من هذا القبيل يحرم الشخص المعني من إمكانية المشاركة في النشاط الاقتصادي، ومن فرص التحرر من التبعية المالية، للدولة على سبيل المثال.

التشاركية والتكافل

إن الفكرة الأساسية، التي يقوم عليها الاقتصاد التشاركي (Sharing Economy)، المتزايد الانتشار حاليا، لا تصنف بني البشر إلى مستهلكين ومنتجين، بل تجعل من الصنفين صنفا واحدا تطلق عليه اسم المنتج ــ المستهلك. وغني عن البيان أن جذور هذه الفكرة الأساسية، تضرب في العديد من المصادر الإسلامية، وفي القرآن والأحاديث النبوية في المقام الأول. بيد أن الأمر، الذي تتعين ملاحظته، هو أن النصوص الإسلامية، تتناول هذه الفكرة، باعتبارها الأساس، الذي تُبنى عليه دعائم مجتمع التكافل الاجتماعي والاقتصادي (Caring Society)، أي تُبنى عليه دعائم مجتمع، لا تقع فيه مسئولية تأمين الحاجات الضرورية، لجمهور المحتاجين، لا على عاتق الدولة ولا على عاتق مشاريع معينة فقط، بل وعلى عاتق كل فرد أيضا، لديه المؤهلات الضرورية والكفاءة المناسبة. ففي صدر السورة الثانية، سورة البقرة، يصف القرآن المؤمنين بأنهم هم أولئك „الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالّغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوات ومما رَزَقْناهم يُنفِقُون“. والأمر الواضح من سياق هذه الآية، هو أننا هاهنا إزاء مفهوم يختلف كلية عن مفهومنا، الدارج، للمِلكية الخاصة، فنحن هاهنا إزاء مفهوم يعني، في معناه الدقيق، أن السلع، التي يستحوذ عليها الإنسان، هي ليست مُلكه في واقع الحال، بل هي مُلك الله تعالى.

وتترتب على وجهة النظر هذه، نتائج بعيدة المدى، وذات أهمية كبيرة بالنسبة لمفهوم وتطور الاقتصاد التشاركي. ومما لا شك فيه هو أن التفكر بمغزى الحديث النبوي القائل بأن „طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية“، يساعدنا بكل تأكيد، على الوقوف على مغزى الاقتصاد التشاركي، على مغزاه، بأن الأشياء ــ السلع الاستهلاكية ــ المستحوذ عليها من قبل شخص ما، تظل مخصصة لإشباع حاجات هذا الشخص. أما ما يزيد على حاجته، فإن ملكيته تظل في حوزته، إلا منفعته تصبح من حق أفراد آخرين، ليس لديهم شيء، يستطيعون من خلاله، إشباع حاجاتهم، أو أن ما لديهم، لا يكفي، لإشباع حاجاتهم الضرورية بالكامل. ويمكننا أن نستشهد في هذا السياق، بالمطاعم ومتاجر المواد الغذائية، التي تفضل رمي، المواد الغذائية، التي لم تستطع تصريفها، أو التي لا يجوز لها بيعها، في اليوم التالي، في المزابل، بدلا من أن تتبرع بها للجياع والمحرومين.

إن هذا التعامل مع المواد الغذائية، يبين لنا حقيقة المعايير الدارجة. فالمحك القويم لتقييم السلوك، لا يكمن في مدى انسجام سلوك هذا الفرد أو ذاك، مع مستلزمات التكاتف الاجتماعي، ومتطلبات الاستدامة، بل في نتائجه الاقتصادية، في مقدار الربح الناتج عنه. وبهذا المعنى، فإن الجدارة، تحتم، في مثل هذه الحالة، انتهاج سلوك، قليلا ما يأتلف، مع متطلبات التكافل الاجتماعي، وقواعد الأخلاق الحميدة.

بؤرة الاهتمام، هو الإنسان وليس الربح

حقا، يسترشد، المنهج الإسلامي أيضا، بمبدأ السلوك الاقتصادي الرشيد، أي بالمبدأ، الذي يطالبنا، بتحقيق أكبر قدر من المنفعة، بأدنى كلفة، بيد أن هذا المبدأ، يفقد صلاحيته، حيثما تنشأ عنه أضرارٌ اجتماعية. فعندما تنشأ عنه تكاليف اجتماعية، أي سلبيات اجتماعية، لا تبقى الأولوية، عندئذ، للتكاليف الاقتصادية. بهذا المعنى، فإن مبدأ تحقيق أكبر منفعة ممكنة بأدنى كلفة، يفقد صلاحيته، قطعا، حينما يسفر عن ظلم اجتماعي، وحيف اقتصادي، تقع تبعاته على كاهل طرف ثالث، أي حينما يحابي فئة على حساب فئة أخرى، من فئات المجتمع. وهكذا، فبالنسبة لمنظور الاقتصاد الإسلامي، يشكل الإنسان وليس الربح بؤرة الاهتمام.

وفي هذه الإشكالية، تلعب السوق، والناشطون فيها، دورا غاية في الأهمية. فحينما هاجر محمد من مكة إلى المدينة، فإنه لم يُعلن عن تأسيس دولة، ولم يجعل من نفسه حاكم دولة، بل شيد مؤسستين، كان لهما، وقتذاك، الفضل في تمتع المؤمنين بازدهار اقتصادي باهر: المسجد والسوق. المسجد بصفته المكان المناسب للتفكر وبلوغ السمو الروحي، وبصفته ذلك المكان، أيضا، المخصص، للتعبد وأداء شعائر الدين الإسلامي. علما أن طقوس العبادة هذه، كانت تنطوي على ترسيخ التصورات الأخلاقية الإسلامية، الكفيلة بتحقيق نظام اقتصادي إنساني، عادل. ولا بد لنا، من الإشارة، إلى أن المبادئ الأخلاقية الإسلامية كان قد جرى النظر إليها، على أنها مبادئ كونية، لا سيما أن الإسلام يؤكد على أنه رسالة سماوية تراعي، من كل الوجوه، الطبيعة البشرية. وبدلا من المنظور المادي ــ النقدي، الذي تسترشد به السوق، يأخذ الإسلام بالاعتبار جوهر الناشطين في السوق (أي جوهر الإنسان)، بنفس القدر، لا بل بقدر أكبر، من القدر، الذي يأخذ به المنظور المادي ــ النقدي، مقرا بذلك، أن السوق هي المكان المناسب لتحقيق الربح والصالح العام في آن واحد.

على صعيد آخر، يكتسب المسجد، دور المكان المركزي، لتعلم أسس النشاط الاقتصادي العادل. ففي هذا المكان، تُصاغ الشروط الأساسية، للسلوك الأخلاقي، والمعايير المختلفة، الواجب الالتزام بها، في المسائل والمعاملات الاقتصادية. وبهذا المعنى، يتوقف تطبيق الأفكار الاقتصادية، على وجود تربية روحية، تلهم الأفراد، الشروط الأخلاقية، والمتطلبات الضرورية لانتهاج السلوك الحميد. ولهذا السبب، ومن وجهة النظر الإسلامية البحتة، فإنه ليس بكافٍ، أن يلبي هذا الاقتصاد أو ذاك، المتطلبات الناشئة عن الحتميات الاقتصادية فقط، بل عليه أيضا، وبنفس القدر، أن يلبي العناصر الروحية، الواجب توافرها في الحياة الاقتصادية العملية. وهكذا، وإلى جانب تدخلات السياسة في عمل الأسواق، أعني التدخلات المراد من خلالها توجيه الأسواق، لا مندوحة من الاهتمام، بتحقق قدر معقول من الروحية، لدي الفرد الواحد.

فبهذا النحو، يكون بالإمكان اتخاذ التدابير الضرورية لأن تظل الخلفيات الدينية، حية في المعاملات، والنشاطات الاقتصادية المختلفة. إن هذه الخلفيات تترسخ أكثر فأكثر، من خلال صيغ تعبدية، وتأملات روحية، تتم مزاولتها مرات متعددة في اليوم الواحد. وهكذا، تتسع دائرة الاهتمام بالذات، فتشمل الاهتمام بالمجتمع وبسلامة النظام البيئي. إن القدرة على تبني الأحاسيس المسيطرة على الآخر، أعني القدرة على وضع الذات في موضع الشخص الآخر، وتبادل الأدوار بينك وبين الشخص الآخر، ينبغي تعزيزها، وذلك لأنها، أعني هذه القدرة، هي الضمانة الأكيدة، لأن يضع المرء نفسه موضع الشخص الآخر، في نهاية المطاف. وكما هو شائع، فإن من الصعوبة بمكان، أن يتحدث المرء عن العدالة، وكأنها شأن واضح المعالم، وكأنها موضوع لا مجال للاختلاف على مضمونه. أضف إلى هذا، أنه لا يوجد سبيل واضح المعالم، لتحقيق العدالة.

ولهذا السبب، بنحو مخصوص، تُمارس بعض الشعائر الدينية مرات متعددة في اليوم الواحد، وتُؤدى بعض المناسك الدينية الإسلامية، من حين لآخر في العام، باعتبار أن تأدية هذه الفرائض والمناسك، رياضة روحية، تساعد على تربية الفرد الواحد روحيا، وتحضه على عمل الخير. فهذا الفرض التجريدي، أعني عمل الخير، يكتسب في الحياة الاقتصادية، أهمية عظيمة، ويلعب فيها دورا حاسما. ففي نهاية المطاف، فإن الحياة الاقتصادية، ما هي في الواقع، إلا علاقات بين بني البشر، علاقات هي من ناحية، استغاثة يصرخ بها طالب العون والمساعدة، ومن ناحية ثانية، القدرة على تقديم العون وإغاثة المحتاج، إغاثته، من خلال مده بالمساعدة النقدية. وإذا ما اعتبرنا أن حياتنا الاقتصادية صيغة من صيغ التضافر المشترك، والتكافل المتبادل (مقايضة سلعة ما مقابل تعوض نقدي)، والقدرة على أن يضع كل واحد منا نفسه، في موضع الشخص الآخر، عندئذ ينشا الانسجام بين المصالح الخاصة، ويتراجع الاستغلال ويفقد قدرته على الانتفاع بالمعلومات غير الموزعة بنحو متكافئ، من غير أن يؤدي هذا كله إلى تضحية الفرد الواحد بحقه في جني الربح.
سهيل ثابتي باحث مهتم بمبادىء الأخلاق الاقتصادية الإسلامية ومستشار مجلس الطلبة والجامعيين المسلمين.

ترجمة عدنان عباس علي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...