المشاركه و التبادل

الاقتصاد المالي الإسلامي
تطلعات مثالية وتقييمات زائفة ونجاحات بينة

حقق النظام المالي الإسلامي انتشارا معتبرا في الكثير من البلدان الإسلامية. ونال الاعتراف في العديد من الدول الأخرى بما فيها بعض الدول الأوربية، باعتباره بديلا محتملا للنظام المالي التقليدي. والملاحظ هو أن تصورات الجمهور بشأن النظام المالي الإسلامي غالبا ما تنطلق من تصورات مثالية، تنم عن وجود سوء تقدير للحقيقة ما يسهم في إنشاء تقييمات زائفة.

إن القرآن يُحرم الربا والميسر وبيع الغرر (أي عقود البيع والشراء غير المعلومة والمجهولة العاقبة). كما يفرض على المسلم، اجتناب الرجس، فالخَمْرُ ولحم الخنزير والمواد الإباحية، محرم على المسلم تعاطيها وإنتاجها والمتاجرة بها أو تمويل صفقاتها. وبهذا المعنى، فإن الاقتصاد المالي الإسلامي ملزمٌ بأن يأخذ الاعتبار كافة الأفعال، التي حرمها القرآن ونهَى عنها. ومهما كانت الحال، فخلال حوالي نصف قرن من السنين، تطورت أفكار ومناهج، تسعى إلى تطبق التصورات الإسلامية في اقتصاديات حديثة، أي تحاول التوفيق بين وجهات النظر الاقتصادية الإسلامية ومتطلبات الاقتصاديات الحديثة. بيد أن الأمر، الذي لا تفوتنا الإشارة إليه، هو أن التقدم الحاصل في النظام المالي الإسلامي، غالبا ما يتم تقييمه انطلاقا من معايير غير مناسبة.

١ تطلعات مثالية

عموما، يمكن القول إن تطور النظام المالي الإسلامي، قد تحدد من خلال الهدفين المثاليين التاليين: من ناحية، التطلع لتحسين المستوى المعاشي لفئات السكان الفقيرة، ومن ناحية ثانية، الرغبة في تحقيق نظام مالي فريد، واكثر تفوقا، برغم التزامه بتحريم الفائدة على رأس المال.

١. ١ (الرغبة في مراعاة الصالح العام

إن رحلة الحج فرض مكتوب على كل مسلم. ولأداء فريضة الحج وتدبير تكاليفها الباهظة، بالنسبة للفقراء المسلمين بنحو مخصوص، لا مندوحة للمرء من أن يدخر شيئا من المال، على مدى حقبة طويلة من الزمن. وكان الكثير منهم لا يستودعون مدخراتهم في هذا المصرف أو ذاك، بل يفضلون اكتنازها تحت الوسادة، أو ما شابه ذلك من المواضع المأمونة من وجهة نظرهم، رغبة منهم في ألا تتعرض مدخراتهم للرِجْس، الناجم عن أخذ الربا. وبتحفظهم هذا، كانت مدخراتهم عرضة لخسارة بعض قيمتها الحقيقية جراء الارتفاع المستمر الحاصل فيمستويات الأسعار. ودرج آخرون على اللجوء إلى مُقْرِضين يفرضون عليهم شروطا مُجْحِفَة، ويتقاضون منهم معدلات فائدة عالية جدا نسبيا، أو من خلال بيع مساكنهم، ودوابهم وما سوى ذلك من ثرواتهم البسيطة، وذلك لتمويل رحلة الحج. وإذا عادوا إلى ديارهم بعد قضاء حجهم، وقعوا في حرج بالغ، حيث يجدون أنفسهم وقد تراكمت عليهم الديون والفوائد الفاحشة، التي فُرضت عليهم، أو أنهم خسروا مصادر رزقهم بعدما باعوا هذه المصادر. وهنا، رأى أونكو عبد العزيز، أن غياب الفرص الادخارية، المدرة للفائدة، عامل جوهري لنشأة السلوكيات الضارة، من وجهة النظر الاقتصادية، الفردية والكلية.

وانطلاقا من هذا التصور، عرض أونكو عبد العزيز على حكومة ماليزيا في العام ١٩٥٩، „خطة لتدارك الوضع الاقتصادي الخاص لمن يروم الحج مستقبلا“، علما أن هذه الخطة كانت قد غدت الأساس، الذي أسفر، في عام ١٩٦٣، عن نشأة «شركة مدخرات الحجاج (Pilgrims Savings Corporation) » .

وتطورت هذه الشركة فنشأ عنها تابونغ حاجي (Tabung Haji)، أي «صندوق الادخار للحج» (Pilgrims Fund Board)، الذي هو مؤسسة مالية، تهدف إلى استقطاب المدخرات، العائدة للأفراد الراغبين في أداء مناسك الحج، مستقبلا، والمتطلعين لاستثمار هذه المدخرات، بالأسلوب الحلال، وفي مشاريع غير محرمة شرعا. إن هذا الإجراء يمنح المدخرين ليس الثقة فحسب، بل ويتيح لهم، أيضا، تحقيق ارتفاع لاربوي في حساباتهم الادخارية. وإذا كان هذا الصندوق، قد بدا في أول نشأته، برنامجا متواضعا، مخصصا لمساعدة الفقراء، من سكان الأرياف في المقام الأول، إلا أنه تطور فيما بعدُ، وارتقى إلى إحدى كبرى المؤسسات الإسلامية المكلفة بإدارة الأصول في ماليزيا.

على صعيد آخر، كان أحمد النجار، قد صمم للمدينة المصرية ميت غمر، في العام ١٩٦٣، مشروعا متميز الأهمية، يهدف إلى تمويل مشاريع صغيرة، ومتوسطة الحجم، بلا فرض فوائد على الرأسمال المقترض. وكانت ركيزة انطلاقته، تنبع من ملاحظته، أن فقراء القرويين، يدخرون أيضا، شيئا من مداخيلهم، وذلك لمواجهة النفقات الناجمة مستقبلا (على سبيل المثال، المدخرات المخصصة لتغطية نفقات زواج الأبناء والبنات، أو لتغطية النفقات المحتملة، التي قد تنشأ، مستقبلا، جراء التعرض للأمراض، أو الإصابة بالعجز عند بلوغ سن الشيخوخة). بيد أن هؤلاء السكان كانوا قدر درجوا على الادخار بأسلوب لا نفع فيه، لا بالنسبة لمصلحتهم الخاصة، ولا بالنسبة لمصلحة الاقتصاد الوطني: فالمدخرون لا يكونون ثروة مالية (عن طريق إيداعهم مدخراتهم في دفاتر التوفير مثلا)، بل هم يفضلون الادخار في الثروات العينية، في ثروات من قبيل الذهب، والحلي أو في السلع الاستهلاكية المعمرة.

ومعنى هذا، هو أنهم مجبرون على مراجعة التجار، من ناحية، لشراء هذه الأصول العينية منهم، ومن ناحية أخرى، لبيعهم إياها لهم حينما تستجد الحاجة إلى النقود السائلة. وهكذا يجني التجار منهم ربحا مضاعفا: عند البيع وعند الشراء. وكانت المعاملات المتعلقة بهذا الصنف من الادخار تكبد ليس المدخرين فحسب، بل والاقتصاد الوطني أيضا، تكاليف باهظة: فالنقد يجسد قوة شرائية، يجسد وسيلة لاقتناء مختلف السلع. وحينما تنتقل هذه القوة الشرائية (بواسطة المؤسسات المالية) من المدخرين إلى المشاريع، فإن هذه المشاريع ستكون قادرة على استثمارها في المجالات المنتجة، وتحقيق قدر معين من فائض قيمة. أما إذا استخدم المدخرون القوة الشرائية، لاقتناء «سلع ادخارية»، فإنها تنفد، ولا يعود لها مفعول بالنسبة للاستثمارات الإنتاجية. فمن وجهة النظر الاقتصادية، فإن تخصيص المدخرات لاقتناء السلع العينية، لا يجسد ادخارا بأي حال من الأحوال، إنه استهلاك ليس إلا. وهكذا، فلو غير المدخرون سلوكهم في تخصيص مدخراتهم، وفضلوا الثروة المالية (بهيئة دفاتر التوفير مثلا) على السلع العينية، لكان بالإمكان توجيه القوة الشرائية صوب استثمارات إنتاجية، ولكانوا قد ساهموا في تحقيق زيادة كبيرة في تراكم رأس المال الوطني، من غير الحاجة لتحقيق خفض حقيقي، في المستوى الراهن لاستهلاك المدخرين (الذين قد يجنون نفعا إضافيا، إذا ما انخفضت تكاليف المعاملات).

إلا أن إجراءَ تغييرٍ في أساليب الادخار، يفترض وجود مؤسسات مالية، من صفاتها، أنها، من ناحية، في متناول السكان الريفيين، أي أنها منتشرة، بنحو ما، في محيط هذه الفئات، وأنها، من ناحية ثانية، تحظي بثقتهم أيضا. وإحدى شروط الثقة هو أن يرى المدخرون، بأم عيونهم، أن نقودهم مستثمرة بنحو جيد وسليم. وتماشيا مع هذا الشرط، تم تخصيص جزء معتبر، من النقد المُدخر، لتمويل المشاريع المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم. وكان الشرط الآخر، لكسب الثقة، يكمن في ألا تنتهك المؤسسات المالية المشاعر الدينية. وهكذا، وعلى خلفية هذا الشرط، تعين إهمال الفوائد على رأس المال كلية. وانطلاقا من كل ما سبق ذكره، وتأسيسا من الشرطين المذكورين، نجح النجار، من خلال فكرته المستندة على صناديق ادخار لا تتعامل بالفائدة، في أن يُحدث تغييرا ملموسا في سلوك المدخرين الريفيين، وفي أن يُجند مقادير معتبرة من القوة شرائية، لاستثمارها في إصلاح الظروف الاقتصادية السائدة في بلدية ميت غمر.

٢. ١) تغيير النظام الاقتصادي القائم

تعود جذور المخططات النظرية، الساعية إلى تحقيق نظام اقتصادي إسلامي بحت، أي نظام اقتصادي قائم بحد ذاته، إلى أربعينيات القرن العشرين، أي حينما تشكلت بنحو ملموس، فكرة تأسيس دولة إسلامية، عقب انسحاب المستعمر البريطاني من الهند. وكان الهدف هو تأسيس نظام اقتصادي، يختلف اختلافا جذريا، عن الأنظمة التي كانت معروفة وقتذاك: رأسمالية البريطانيين الاستعمارية والشيوعية السوفيتية، المعادية للأديان. وكانت دعائم هذا النظام تقوم، من ناحية، على المِلكية الخاصة وعلى القطاع الإنتاجي الخاص، ومن ناحية أخرى، على أن يعمل القطاع المصرفي بلا فائدة، وذلك انسجاما مع الأوامر والمبادئ الواردة في القرآن والسنة النبوية. والأمر الذي تجدر ملاحظته، هو أنه في العام ١٩٤٧، أي في زمن تأسيس باكستان، كانت مؤسسات هذه الدولة الإسلامية، بما في ذلك مؤسساتها الاقتصادية، دنيوية الطابع إلى حد كبير. من هنا، استمر الجدل حول النظام الاقتصادي المناسب.

واكتسبت تأييدا واسعا، الخطة المقدمة من قبل محمد نجاة الله صدّيقي بنحو مخصوص، والقائمة على المشاركة في الربح والخسارة (Profit and Loss Sharing, PLS). وكانت فكرته ــ الرامية إلى استبدال التمويل القائم على الفائدة، بتمويل يعتمد على المشاركة، باعتبار أن المشاركة تجسد نوعا من أنواع التمويل من خلال الرأسمال الخاص ــ قد تكفل اقتصاديون مسلمون بتطويرها إلى نماذج منهجية، في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم. وشاعت شهرة هذه النماذج باسم «نماذج مضاربة ثنائية»، وذلك لأن عقود المشاركة بالربح والخسارة، المقترحة لمعاملات التمويل والودائع المصرفية، تأتلف مع مضاربة المشاركة المرخص بها في الشريعة الإسلامية. وتطلق الأدبيات المتخصصة على هذه المؤسسات المالية لقب: مصارف إسلامية، علما أن هذه المصارف الإسلامية، العاملة وفق المشاركة بالربح والخسارة، تعتبر، في التحليل النظري، أكثر عدالة وكفاءة واستقرارا من النظام القائم على الفائدة. أضف إلى هذا، أنها يمكن أن تشكل دفعة قوة للتطور الاقتصادي، ولتخفيض مستوى الفقر. إلا أن نظاما من هذا القبيل، لم ير النور بعدُ ولا حتى في بلد واحد، وأن الممارسات العملية، الدارجة في المصارف الإسلامية تبتعد ابتعادا شاسعا عن هذا النظام المثالي.

٣. ١) المشاريع التجارية

في السنوات الأخيرة من سبعينات القرن العشرين، وفي مطلع ثمانينات القرن المنصرم، بدأ في مختلف البلدان الإسلامية، العملُ بنظام المصارف الإسلامية. وكان الكثير من المصارف الإسلامية الجيدة، قد رأى النور بفضل رجال أعمال، كانوا يعملون، من قبلُ، في المجالات التجارية أو في القطاع الإنشائي. ولا مندوحة لنا هاهنا، من أن نشير، بنحو مخصوص، إلى رواد من قبيل سعيد بن أحمد لوتاه، الذي أسس في عام ١٩٧٥، مصرف دبي الإسلامي (Dubai Islamic Bank)، وصلاح عبد الله كمال، الذي أخذ، ابتداء من عام ١٩٧٨، يؤسس العديد من مؤسسات مالية إسلامية في مختلف البلدان. إلا أن آفاق هذه المؤسسات المالية، تختلف اختلافا جوهريا عن آفاق الاقتصاديات الإسلامية. فبصفتهم تجارا ورجال أعمال ناشطين في القطاع الإنشائي، حصل هؤلاء على منافع كثيرة من الخدمات المالية الغزيرة، التي قدمتها لهم المصارف التقليدية. من هنا، لا غرو في أن يتطلع هؤلاء إلى أن يحصلوا على هذه الخدمات من مصارفهم الجديدة أيضا، ولكن انطلاقا من تحريم التعامل بالربا.

إن تطوير بضائع مالية لا تتعامل بالربا، بغية اعتمادها بديلا إسلاميا عن البضائع المالية التقليدية، كان من جملة المهمات، التي وقع عبؤها على عاتق بعض رجال القانون المسلمين. وركز هؤلاء جهودهم، على بدائل لا تتعامل بالفوائد، وذلك بغية اعتمادها في المؤسسات المالية الإسلامية، والتخلي كلية عن استخدام وسائل التمويل القائمة على الاقتراض بمعدل فائدة معلوم، متجاهلين موضوع المشاركة في الربح والخسارة (Profit and Loss Sharing, PLS)، وذلك لأن هذا الموضوع لم يكن ذا أهمية في المصارف التقليدية. وأضاف أو عدل خبراء الشريعة، عقود شراء وإيجار تقليدية، لا تُحَرِم اعتماد أساليب تمويل معينة (التمويل عن طريق البيع الآجل، أي البيع بالتقسيط على سبيل المثال) وأقروا حزمة أدوات تمويلية تتفق مع منطوق الشريعة الإسلامية، أعني حزمة تمويل تأخذ بالاعتبار مبدأ المشاركة في الربح والخسارة (سندات الدين)، وتراعي رغبة زبائن المصارف الإسلامية، بضرورة التعامل بتكاليف معلومة، وتستجيب لاهتمام المصارف بالحصول على عوائد ثابتة ومعلومة. حقا تبدو تكاليف وعوائد التمويل، في المنظور الاقتصادي، كما لو كانت فوائد على رأس المال، بيد أنها ــ وهذا هو الأمر المهم هاهنا ــ لا تبدو كذلك، من الناحية القانونية، بل هي تندرج في خانة أرباح تحققت على خلفية عقود تجارية أو عقود إيجار. إن عقود التمويل السائدة في المصارف الإسلامية هي: بيع المرابحة للآمر بالشراء والسَلَم الموازي والهجين، والاستصناع الموازي والإجارة المنتهية بالتمليك، والتورق والمرابحة في شراء وبيع السلع (commodity murabahah). والملاحظ هو أن هيمنة الأدوات القائمة على سندات الدين، في عمل المصارف الإسلامية، قد أهملها، ردحا من الزمن، أنصارُ النماذج التجريدية، المصممة لاقتصاد يعمل وفق المشاركة في الربح والخسارة. فلا تزال ثمة مساحة شاسعة من الاختلافات، بين النماذج القائمة على وجود رأسمال خاص يشارك بالربح والخسارة، ونماذج تعمل بسندات الدين، في الواقع العملي.

2 تقييمات زائفة

وكيفما كانت الحال، ما من شك في أن الفزع السائد في الغرب من الإسلام في تزايد مستمر، وأن مصطلح «النظام المالي ــ الإسلامي» مشحون بتصورات سلبية كثيرة في صفوف الكثير من المواطنين الغربيين.

فالجهل والتحيز ضد الإسلام والمناخ العام المعادي للإسلام والتحريض السياسي المعادي، أسفر عن تزايد تصورات باطلة، متطرفة في تقييمها السلبي للنظام المالي الإسلامي (أعني تصورات، ترى، مثلا، أن النظام المالي الإسلامي ليس سوى غش، ودعاية دينية مبطنة، وطفرة عظيمة إلى الوراء، وجهاد إسلامي مالي، أو نظام مخصص لتمويل الإرهاب). وغني عن البيان، أننا لا نستطيع تخصيص مقالة واحدة، لمناقشة كافة هذه التقييمات الزائفة، من كل الوجوه. من هنا، فإننا سنركز حديثنا على أربعة تصورات اقتصادية باطلة يرددها بعض المسلمين، ويتداولها مراقبون غير مسلمين يهتمون بالنظام المالي الإسلامي، ويذيعها زبائن يتعاملون مع مصارف إسلامية.

١. ٢) تقاسم المخاطر؟

يرى البعض إن قوة النظام المالي الإسلامي، تكمن في مشاركة أرباب رأس المال في تحمل المخاطر، التي قد يتعرض لها المقترضون، من أصحاب المشاريع، وذلك بحكم تعاقدهم، على المشاركة بالربح والخسارة. بيد أن واقع الحال، يشهد على أن المشاركة بتحمل المخاطر، أمرٌ نادر التحقق في المجالات التطبيقية، الدارجة في النظام المصرفي الإسلامي. فبقدر تعلق الأمر بتمويل المستهلكين، فإن من مسلمات الأمر، هو أنه لا يوجد، هاهنا، ربح، يستطيع المصرف، المشاركة به. أما بخصوص تمويل المشاريع، فإن المصارف ترى أن مشاركتها بالربح والخسارة أمر ينطوي على مخاطر كبيرة، وأنه، أي التمويل، يسبب، علاوة على هذا، تكاليف باهظة بالنسبة لكثير من المشاريع. من هنا، يفضل الطرفان، تمويلا يقوم على عقود شراء واستئجار. إن تجاهل التمويل القائم على المشاركة بالربح والخسارة، لا يكمن سببه، في الجهل، أو في نوايا شريرة، يكنها بعض العاملين في المصارف. إن الأمر المحتمل هاهنا، هو أن سببه قد يكمن في أن تقاسم المخاطر، لا قيمة متميزة له، بالنسبة للمصارف التجارية الإسلامية، المتطلعة إلى تحقيق الأرباح، والعاملة في إطار أنظمة تتعامل بالفوائد. وتبقى هذه الحقيقة قائمة، حتى إن أخذنا بالاعتبار أن المنظرين من أصحاب الرؤى الكبيرة، لم يألوا جهدا في الإشادة بفضائل المشاركة بالربح والخسارة.

عندما يتعلق الأمر بالمصارف الإسلامية، فإن صيغ التمويل المتعاملة بسندات الدين، والبعيدة كل البعد عن تقاسم المخاطر، أكثر جاذبية من الناحية التجارية المحضة. إن إعادة النظر بالبضائع والتقنيات التقليدية المتداولة، وإصلاح حالها، بنحو يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، كان، في الواقع، رد فعل عقلاني، على التحولات المتحققة في الأسواق: فعموما يمكن القول، إن عدم اتسام التمويل القائم على المشاركة بالربح والخسارة، بجاذبية ذات بال، بالنسبة للمصارف، يكمن في أسباب مختلفة، من جملتها الافتقار إلى نظم محاسبية، يُعتد بها، أعني عدم وجود نظم متطورة لمسك الدفاتر في الكثير من البلدان النامية، وعدم التنسيق بين الآجال المختلفة؛ فالمبالغ النقدية، التي يستودعها زبائن المصارف لآجال قصيرة، تقابلها قروض طويلة الأجل، منحتها المصارف للمشاريع المختلفة، وفق أسلوب المشاركة بالربح والخسارة. على صعيد آخر، لاحظ أصحاب الخبرات العملية، بيسر، أن النظرية تعزو إلى النظام المالي الإسلامي (القائم على المشاركة بالربح والخسارة)، خصائص كثيرة تتسم بالجاذبية، (العدالة والاستقرار وتشجيع التنمية وما سوى ذلك من خصائص أخرى)، وأن هذه الخصائص، تصلح لأن تُستخدم للدعاية والإعلان، وتزويق الصورة أمام وسائل الإعلام أو لتزيين الكراسات المنوهة بخصائص المصرف المعني. وبهذا النحو، أخذ البعض يمزج الخصائص المثلى، التي يتسم بها نموذج معين، بالأوضاع السائدة في عمل المصارف الإسلامية، خالقين بذلك تصورات زائفة، وتقييمات باطلة، يصعب على المراقبين غير المطلعين على بواطن الأمر، فهمها والإحاطة بمكنونها.

٢. ٢) هل ثمة أمر يستوجب ربط عمليات التمويل بالممتلكات العينية؟

يؤكد مناصرو النظام المالي الإسلامي، أن العقود الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية، تستوجب، ضمنيا، ربط عمليات التمويل بالممتلكات (أو بحقوق المنفعة). فهذا الربط يمنع المضاربة، ويؤدي، بالتالي، إلى تمتع النظام المالي الإسلامي، باستقرار أكبر، مقارنة بالاستقرار السائد في النظام المالي التقليدي. إلا أن هذه الاستنتاجات لا تدعمها الحقائق السائدة على أرض الواقع.

إن الحقيقية الأكيدة، هي أن المؤسسات المالية الإسلامية غير مسموح لها المشاركة في عمليات المضاربات الدراجة في المتاجرة بالأوراق المالية، أي أنه محظور عليها المشاركة في مضاربات تسفر، في النظام التقليدي، عن مخاطر واضطرابات يصعب السيطرة عليها. إلا أن هذه الحقيقة لا تمنعنا، طبعا، من القول، بأن فقاعات المضاربة لا تقتصر، أبدا، على القطاع المالي فقط. فالمضاربات وفقاعات المضاربة تنشأ في أسواق المواد الخام وفي أسواق العقارات بنحو يكاد أن يكون دوريا، أي تنشأ في أسواق تنشط فيها مصارف إسلامية أيضا. وثمة تحفظ ثان، يكمن أصله، في حقيقة أن كل عقد يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، يمكن أن يكون، بحد ذاته، على ارتباط متين بأصل معين، بيد أن الأمر الذي تجدر ملاحظته في هذا السياق، هو أن الأصل، يمكن أن يُستبعد، بنحو أو آخر، من محور المعاملات، في حالة وجود عقدين (أو أكثر)، كما هو موضح في المثال التالي: ففي مثل هذه الاتفاقيات، ليس لأي طرف مشارك اهتمام „حقيقي“ بالأصل مدار التعاقد. ففي نهاية سلسلة المعاملات المتشابكة، يمكن أن يكون الأصل المعني في حوزة مالكه الأصلي ثانية، ويمكن أن يظل، من الناحية الحقيقية، في حوزته حتى نهاية سلسلة المعاملات. والتورق، هو واحد من أشهر الأمثلة على مثل هذه الاتفاقيات، التي يمكن شرحها من خلال المثال البسيط التالي:

الطرف (أ) بحاجة ماسة، في هذا اليوم، إلى مبلغ نقدي، وأنه، ولهذا السبب، يوافق على التنازل، مستقبلا، عن مبلغ تزيد قيمته النقدية على قيمة المبلغ الذي هو بحاجة له. وهكذا، نراه يقتني من المصرف (ب) أصلا، تبلغ قيمته السوقية الراهنة ١٠٠ يورو، ويجري تسليمه له يدا بيد، أي حاضرا بحاضر، بشرط أن يدفع مقابله بعد مضي عام واحد مبلغا قدره ١١ يورو. بحكم عقد مبرم بين الطرفين (أ و ب). ويقوم الطرف (أ)، من جانبه، ببيع الأصل للطرف (ج) مقابل مبلغ نقدي هو أدنى من قيمة الأصل في السوق، أو لنقل أنه يبيعه للطرف (ج) بسعر يبلغ ٩٥ يورو، وبشرط أن يسلمه حاضرا بحاضر، بحسب منطوق العقد المبرم بينهما (بين أ و ج). ومن ثم، يقوم الطرف (ج) بدوره، ببيع الأصل للمصرف (ب) بسعر السوق، أي بسعر يبلغ ١٠٠ يورو، وبشرط أن يسلمه للمصرف يدا بيد، أي فورا، بحسب منطوق العقد المبرم بين الطرفين ( ج و ب).

ولو افترضنا أن الأصل مدار الحديث هاهنا هو من معدن البلاتين، فلا مراء في أن المتاجرة به ستتم في بورصة لندن للمعادن (London Metal Exchange)، أي أن الصفقات المذكورة ستُنجز بالسرعة الإلكترونية، أي خلال ثوان معدودة، وستسفر عن النتائج التالية:

• الطرف (أ) يمتلك ٩٥ يورو، إلا أنه لا يمتلك، أصلا، وملزم بتسديد مبلغ، في المستقبل، للطرف (ب) لقاء عقد شراء بسعر آجل يبلغ ١١٠ يورو؛ من ناحية أخرى، صار الطرف (أ) ملزما بتسديد مبلغ تساوي قيمته الكلية ١٥ يورو (٥ يورو فورا و ١٠ يورو مستقبلا). • للمصرف (ب) دَّينٌ بذمة (أ) يبلغ ١١٠ يورو، ويمتلك ذات الأصل، الذي كان يمتلكه في بداية الصفقات ــ أعني البلاتين، الذي باعه (أ) بسعر بلغ ١١٠ يورو والذي استعاد الطرف (ج) شراءه بسعر بلغ ١٠٠ يورو ــ؛ على صعيد آخر، بلغ الربح التجاري، المتحقق من خلال عقود الشراء المتشابكة، ١٠ يورو. • السمسار (ج) لا يمتلك أصلا، لكنه حقق من خلال صفقة الشراء، التي نفذها (أ) وصفقة البيع إلى الطرف (ب) ــ أي من خلال الصفقتين اللتين تمتا بنحو مباشر وبالتعاقب ــ ربحا بلغت قيمته ٥ يورو.

إن صفقات من هذا القبيل كانت محل نقد شديد، وذلك لأنها تنطوي على ما هو شبيه بالفائدة، بالربا، المحرم بحسب أحكام الشريعة الإسلامية، علما أن هذا النوع من الصفقات، كان، في بادئ الأمر، مجرد تدبير استثنائي (مخصص، في المقام الأول، لتسوية الحسابات بين المصارف الإسلامية). وبرغم هذه الحقيقة، درج بعض المصارف الإسلامية على استخدام التورق وتركيبات مشابهة من قبيل المرابحة في شراء وبيع السلع، أو البيع بثمن آجل ــ في ماليزيا ــ، في معاملات مصرفية عادية أيضا. وعموما، يمكن القول، إن التطبيق العملي للتورق، مثالٌ جيد للوقوف على مغزى ما نحن بصدد الحديث عنه، فمن خلال هذا المثال، يستطيع المرء، بيسر، وبنحو جيد، تسليط الضور على الجدل الدائر بشأن «صيغة ومحتوى» عقود البيع والشراء. فمن الناحية الشكلية، حقا، لا علاقة للتورق بـالربا قطعا، فأساسه يكمن أصلا في عقود شراء سلعة ما. وبهذا المعنى، فلا المصرف ولا السمسار، يتقاضيان، بالمعنى القانوني، فوائد، بل هما يجنيان أرباحا تدرها عليهما صفقات تجارية. بيد أن واقع الحال يشهد أيضا، على أن محتوى وهدف مجمل الصفقة، هو القيام، في اليوم الراهن، بتقديم سيولة نقدية لقاء سعر ثابت، يتم دفعه مستقبلا، أي لقاء سعر، يبدو، من حيث جوهره الاقتصادي، كما لو كان فائدة تستوفى من المقترضين. إن صيغة العقود التجارية، كانت أمرا ضروريا، من ناحية، لمحاكاة الجوهر المميز للقروض الممنوحة بفائدة معينة، ومن ناحية ثانية، لتقليد خصائص هذه القروض، بنحو يتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية. فلو كانت المعاملة برمتها، قد عُرضت من قبل مصرف معين، كحزمة واحدة، في سياق النشاط المصرفي المعتاد، لكانت بصفتها „تورق منظم“، معاملة غير مجازة شرعا، بحسب وجهة نظر بعض أعلام الفقهاء المسلمين. ولكن، وطالما تمت الصفقة، فعلا، من خلال عقدين تجاريين منفصلين عن بعضهما ــ كما هي الحال في المثال ــ وما دام الأمر يشترط وجود رغبة شخصية لدى عميل المصرف، ويقتضي دخول السمسار (ج) على الخط بنحو مخصوص، يظل التورق، عندئذ، أمرا مجازا، ولكن مكروها.

٣. ٢) هل الاستقرار خاصية من خصائص النظام المالي الإسلامي فعلا؟

إن ممارسات، من قبيل تنفيذ معاملات واسعة في أسواق العقارات، أي في أسواق تميل إلى نشأة فقاعات مضاربة، وعلى شاكلة صفقات تتكفل بتخصيص سيولة في سياق معاملات، هي شبيهة بقروض تُسدد عنها فوائدة معينة، لا تصلح، في المنظور العام، لتأكيد الزعم، أن النظام المالي الإسلامي ــ بفضل خصائصه الذاتية ــ أكثر استقرارا من الأنظمة التقليدية. إلا أن الأمر الملفت للنظر هاهنا، هو أن مؤيدي هذا الزعم، يستشهدون بالتجارب المستخلصة من الأزمة المالية العالمية العائدة إلى الحقبة الواقعة بين عام ٢٠٠٧ وعام ٢٠٠٩. ففيما انهار، في سياق هذه الأزمة، بعض أكبر وأشهر اللاعبين في النظام المالي الغربي، اجتازت المصارف الإسلامية، للوهلة الأولى، تداعيات هذه الأزمة بسلام. وإذا قلنا إنها اجتازت الأزمة بسلام في الوهلة الأولى، فما ذلك إلا للإشارة إلى أن الأزمة قد نشرت ظلالها على المصارف الإسلامية، في وقت لاحق، أي بعدما خيم الركود على الاقتصاد العالمي. وغني عن البيان، أننا هاهنا إزاء برهان، من ناحية، جدير بالملاحظة، ومن ناحية ثانية، لا يصلح بأي حال من الأحوال، للتدليل على اتصاف النظام المالي الإسلامي، بالاستقرار المزعوم: ففي الكثير من الاقتصاديات الناشئة، لم تجتاز المصارف الإسلامية فقط، التداعيات المباشرة للأزمة المالية العالمية، بل والمصارف التقليدية أيضا ــ وذلك لأن تكامل هذه البلدان مع الاقتصاد المالي الدولي، ما كان قد قطع شوطا كبيرا.

وحتى في بعض البلدان الغربية نفسها، أعني بلدانا من قبيل ألمانيا، التي تتوافر على حوالي ١٨٠٠ مصرف، يتمتع بالاستقلالية، من الناحية القانونية، نعم حتى في هذه البلدان، اجتاز العدد الأكبر من المصارف، الجولة الأولى من الأزمة، بسلام، وبلا أضرار ذات بال، في المنظور النسبي. وهكذا، فبقدر تعلق الأمر بحجومها وتحفظها واحتراسها من المشاركة في المضاربات الدائرة رحاها في أسواق المال الدولية،، والتركيز على الاقتصاد المحلي أو الإقليمي، وعلى تقديم الخدمات المصرفية النمطية للعملاء الدائمين، كانت ثمة أوجه شبه كثيرة بين العديد من المصارف الإسلامية وبيوت المال التقليدية. من هنا، فإن من حق المرء أن يقول، إن المتانة النسبية، التي اتصفت بها المجموعتان، ما كانت تعود إلى التزام المصارف الإسلامية بأحكام الشريعة الإسلامية، عند إبرام العقود، بل كانت تكمن، في انتهاج المجموعتين نموذجا اقتصاديا متشابها، فيما تنفذان من صفقات يومية.

٤. ٢) هل يحتل النظام المالي الإسلامي موقع الريادة في الاقتصاد المالي الآخذ بالمبادئ الأخلاقية؟

ثمة تصور زائف جملة وتفصيلا، مفاده أن بيوت المال الإسلامية، مخصصة للمسلمين لا غير. وتكفل دعاة الاقتصاد المالي الإسلامي، في تصحيح هذا التصور، مشيرين إلى أن النظام المالي الإسلامي لا يفتح ذراعية لاستقبال كل فرد فحسب، بل هو ينطوي على معاني مغرية، حتى لغير المسلمين أيضا، أي حتى لغير المسلمين المهتمين بالتعامل مع مؤسسات مالية تراعي المبادئ الأخلاقية، والراغبين في توظيف ودائعهم بنحو يلبي متطلبات المحافظة على سلامة البيئة. لا بل أن بعض هؤلاء الدعاة ذهب إلى أبعد من هذا، ذهب إلى الزعم، بأن الاقتصاد المالي الإسلامي هو، اقتصاد مالي أخلاقي بطبيعته، وذلك لأنه يستند على القرآن والسنة، أي يستند على أساس ديني. وأُشير، بنحو مخصوص، في هذا السياق، إلى أن الإسلام يُحرم أشياء معينة وممارسات محددة. وتندرج في قائمة الحرمات، الربا بنحو مخصوص، ولحم الخنزير والخمر والأدب الداعر والصور الخلاعية، والميسر، وكذلك مشتقات التبغ وأسلحة الدمار الشامل في حالات معينة. وبهذا المعنى، كان التصور العام، هو أن عملاء المصارف الإسلامية يعصمون أنفسهم من هذه المحرمات. كما لا تُستخدم أموالهم في مضاربات مالية، وأنها، بالتالي، تلبي متطلبات المبادئ الأخلاقية. وكان أصحاب الشأن يتوقعون، أن تساهم هذه المزية في النظام المالي الإسلامي، في استقطاب زبائن غير مسلمين، استخلصوا من الأزمة المالية، نتيجة مفادها، أن العديد من المصارف الغربية، غامرت بأموال زبائنها في «صالة القمار» العالمية مكبدة إياهم خسائر فادحة.

حقا، لا يجافي هذا التصور حقائق الأمور، إلا أنه، مع هذا، يعمم رسالة متحيزة: رسالة تطالب الأفراد غير المسلمين، باللجوء إلى النظام المالي الإسلامي لإشباع رغبتهم في العثور على مصارف أخلاقية واستثمارات لا حرج من تحمل مسئوليتها. وفي هذا كله، ينسى متبنو هذا التصور، أن في الغرب، ثمة اقتصادا ماليا لم يلتزم بمراعاة المسائل الأخلاقية فحسب، بل وارتقى، أيضا، إلى مستويات متطورة جدا، وأنه، بالإضافة إلى ما سبق، قائم بحد ذاته، قائم كقطاع اقتصادي مستقل بنفسه، وقطع شوطا كبيرا في التخصص باستثمار الأموال بنحو مستديم وبقدر كبير من المسئولية. علما أن حجم هذا القطاع أكبر من حجم الاقتصاد المالي الإسلامي بأربعة أضعاف على أدنى تقدير (راجع بهذا الشأن الرسم البياني)، وأنه ينمو بمعدلات، لا تقل روعة عن معدلات النمو المتحققة في النظام المصرفي الإسلامي. على صعيد آخر، لا مندوحة من الإشارة، إلى أن الأساليب المطبقة في النظام المالي الغربي، أكثر تهذيبا وشفافية، مقارنة بما هو دراج حاليا في النظام المالي الإسلامي، هذا النظام، الذي يتحدد سلوكه من خلال قوائم سلبية طويلة تتضمن سلعا وصفقات محرمة شرعا، وعلامات تُرشد المرء إلى ماهية المشاريع والأصول الاقتصادية، الملوثة أرباحها بالربا بنحو أو آخر، أي التي هي كسب حرام بحسب أحكام الشريعة الإسلامية.

وهكذا نلاحظ أن الخيارات المتبقية، المجازة شرعا، يتم انتخابها على ضوء معايير تجارية بحتة. وبالمقارنة، نلاحظ أن في الكثير من بيوت المال الغربية المنضوية تحت راية النظام المالي الأخلاقي، توجد، بالإضافة إلى ما سبق، قوائم إيجابية، مخصصة لتوجيه الاستثمارات صوب مجالات مفضلة، مجالات من قبيل المحافظة على الأوساط البيئية، وتحقيق جدارة أكبر في استخدام الطاقة أو تحقيق التطور المنشود في البلديات المختلفة. علاوة على هذا وذاك، يجري استخدام معايير أخلاقية مختلفة، عند تقويم وانتقاء مشروعات معينة، وعند محاولة التعرف على الشركات المدارة بنحو رشيد (الحوكمة (corporate (governance)، والناشطة بنجاح في مجالات اجتماعية محددة، ومسؤوليات مختلفة تتعلق بموضوع المحافظة على سلامة البيئية (corporate social responsibility). وينطلق الانتقاء النهائي للمشاريع الاستثمارية (القادرة على تحقيق حد أدنى من الربحية)، من معايير الاستدامة مثلا، أو من معايير بيئية ومن آثارها الاجتماعية أو أهميتها بالنسبة لعملية النمو. إن الاقتصاد المالي الإسلامي، لا يزال بعيدا عن بلوغ هذا التنوع في المعايير المستخدمة. إن المسافة الفاصلة بين النظام المالي الإسلامي والمعايير المتطورة الدارجة في الغرب، لا تزال كبيرة. وحتى إشعار آخر، فإن الأمر الأكثر احتمالا، هو أن يتعلم الاقتصاد المالي الإسلامي، من التقنيات والأساليب الغربية الدارجة في الاقتصاد المالي الأخلاقي، وليس العكس. ومما لا شك فيه، هو أنه يوجد في صفوف المستثمرين، الراغبين بمراعاة الجوانب الأخلاقية، الكثير من الزبائن المحتملين من غير المسلمين. بيد أن الانفتاح على هؤلاء الأفراد يتطلب بذل المزيد من الجهود.

3 تطور نحو الأفضل

إن الملخص أدناه لأهم البيانات الخاصة بالنظام المالي الإسلامي وأهميته النسبية على المستوى العالمي والهيكل، الذي بات عليه هذا النظام، يزيح الستار عما حقق الاقتصاد المالي الإسلامي من نمو رائع وتنوع معتبر. بيد أن هذا الاستنتاج مستخلص من صورة خاطفة لقطاع يتصف بدينامية معتبرة. إن العرض التالي، للخطوط العريضة لمبادرة متبناة من قبل الحكومة والمصرف المركزي في بلد إسلامي، يمكن أن تكون مثالا جيدا على هذه الدينامية، التي من خلالها بات ممكنا أن يقترب أداء الاقتصاد المالي الإسلامي من التطلعات المثالية المتبناة من قبل الرواد والاقتصاديين المسلمين، المهتمين بالمسائل التنموية.

١. ٣) الأهمية النسبية والهيكل

بفضل ما حقق من نمو متواصل، ومعدلات نمو تربو على العشرة في المئة، تطور الاقتصاد المالي الإسلامي، خلال العقود الأربعة الأخيرة من السنين، إلى قطاع متنوع تبلغ قيمة أصوله حوالي ١٧٠٠ مليار دولار أمريكي. إلا أن هذه التطورات المحمودة، لا يجوز أن تحجب عن ناظرينا، أن هذا الاقتصاد المالي، لا يزال في مهده، مقارنة بالمستويات السائدة عالميا. فمقارنة بالصناعة المالية التقليدية، العالمية، والتي زادت قيمة أصولها على ١٠٠٫٠٠٠ مليار دولار أمريكي، بكثير، لا يزال القطاع الإسلامي، متواضع الحجم. فقيمة أصوله تشكل حوالي ١٫٥ بالمائة فقط من أصول مصارف العالم. على صعيد آخر، يجدر بنا أن نشير، إلى أن مقارنة من هذا القبيل، تحجب عن ناظرينا الأهمية، التي اكتسبها الاقتصاد المالي الإسلامي في هذا البلد الإسلامي أو ذاك. وبصرف النظر عن إيران والسودان ــ الدولتان اللتان حولتا مجمل نظامهما المالي، إلى نظام يقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية بالكامل ــ بلغت حصة المصارف الإسلامية في كل من الكويت وبروناي واليمن وقطر وماليزيا أكثر من ٢٠ بالمائة، وأنها، أي هذه الحصة، اقتربت (وبخطوات متسارعة إلى حد ما) من هذه النسبة في الإمارات العربية المتحدة وفي بنغلادش.

ويوضح الرسم البياني عرضا سريعا لهيكل الاقتصاد المالي الإسلامي، ولأقسامه: مصارف، صكوك (أوراق مالية ذات عوائد ثابتة)، صناديق، وتكافل (تأمينات). ويشكل القسم «مصارف»، أكبر قسم على الإطلاق؛ علما أن القسم المسمى صكوك، كان قد سجل أعلى معدلات نمو في السنوات الأخيرة. كما يوضح الرسم البياني «البنية التحتية» المتنوعة السائدة في الصناعة المالية الإسلامية، هذه الصناعة، التي تشتمل، من بين ما تشتمل عليه، على خدمات متخصصة بتقديم المعلومات، ومراكز بحثية، وشركات استشارية ووكالات للتصنيف الائتماني، تساهم الشركات الغربية فيها بقسط كبير.

1٢. ٣) دليل تهتدي به الأسواق

لقد بدأ النظام المصرفي في ماليزيا أعماله في عام ١٩٨٣. وابتداء من هذا التاريخ، مضت البلاد قدما في إنشاء نظام مالي إسلامي شامل ومتكامل (وموازٍ لما في البلاد من قطاع مالي تقليدي). ومن حق ماليزيا أن تفتخر بسجلها الرائع بما حققت في إطار النظام المالي الإسلامي، من تجديدات ومبادرات رائدة. ويمكننا، في هذا السياق، أن نشير إلى الموضوعات التالية، كمثال على ما حققته ماليزيا في المجال المعني هاهنا:

ــ تأسيس «تابونغ حاجي» وما حقق هذا الصندوق من نمو باهر، ــ إنشاء هيئات وطنية مختصة بتقديم الإرشادات المتعلقة بالشريعة الإسلامية (Shari’ah Advisory Councils)، بصفتها أعلى هيئة يحق لها البت ــ بعد الاستئناس بتصورات المصرف المركزي، وبأفكار سلطة الرقابة على الأوراق المالية ــ في المسائل المتعلقة بالنظام المالي، إجازة فتح «نوافذ إسلامية» في المصارف التقليدية، والعمل، بعد مضي حوالي عشرين عاما، على ممارسة الضغط على المصارف، لتطوير النوافذ المتعاملة مع الشركات التابعة، أي مع مصارف إسلامية قائمة بحد ذاتها.

ــ إنشاء سوق للمعاملات المصرفية البينية، يتماشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية، والعمل على تطوير أدوات نقدية مجازة شرعا،

ــ تأسيس أول جامعة إسلامية متخصصة بمسائل النظام المالي الإسلامي (International Centre for Education in Islamic Finance, INCEIF)، وتقديم عون قوي ومساعدة فعالة، عند تأسيس مجلس الخدمات المالية الإسلامية (Islamic Finance Services Board, IFSB)، باعتباره مؤسسة عالمية مكلفة بصياغة المعايير الضرورية لتوجيه الاقتصاد المالي الإسلامي، ــ تنظيم وتطوير سوق الصكوك نحو الأفضل.

وبرغم كافة هذه المبادرات، لا يزال أسلوب عمل النظام المالي الإسلامي في ماليزيا، بعيدا جدا، عن بلوغ التصورات المثالية، التي دعا إليها الاقتصاديون المسلمون، أعني التصورات القائمة على مبدأ المشاركة بالربح والخسارة. وربما تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن العجز عن تحقيق هذه التصورات بالكامل، كثيرا ما يسفر عن نقد شديد في صفوف جمهور المواطنين. وعلى ما يبدو، أمسى هذا النقد يستحوذ على مسامع الحكومة والمصرف المركزي الماليزي، (بنك نيجارا، ماليزيا). فقانون الخدمات المالية الإسلامية (Islamic Financial Services Act)، العائد إلى العام ٢٠١٣، يضع حدا فاصلا بين الودائع الإسلامية، والحسابات المصرفية الإسلامية المتعلقة بالنشاط الاستثماري، فالمصرف المركزي الماليزي يوضح بنحو لا لبس فيه أن: الودائع الإسلامية هي نقود، استلمها المصرف المعني، في إطار عقود قرض أو وديعة. وبهذا المعنى، فإن المصرف المعني ملزم، بدفع هذه النقود إلى أصحابها بالكامل، وبلا نقصان، أي أن هذه الودائع يجب أن تبقى بمنأى عن المخاطر والمجازفات.

وأن تكاليف الاستثمار الإسلامي، يمكن أن تنشأ في إطار عقود المرابحة و المشاركة أو الوكالة. من هنا، فإن الأموال، التي تُسدد من خلال حساب مصرفي مخصص للاستثمار، تظل عرضة للمخاطر والمجازفات. من ناحية أخرى، وفيما تستثمر المصارف الإسلامية أموال أصحاب الحسابات المصرفية الاستثمارية، فإن خسائر الاستثمار يجب أن يتحمل تغطيتها أصحاب الحسابات المصرفية. فالمصارف ملزمة بتسديد صافي قيمة الأموال، التي استلمتها، بعد طرح خسائر الاستثمار منها. وفي هذا السياق، صارت المصارف ملزمة، مستقبلا، بالإشارة، بلا لف ودوران، إلى المخاطر المحتملة، والتحذير بصريح العبارة، من مغبة تكبد خسائر معينة (أي أن المصارف صارت ملزمة بتنفيذ ما كانت تحاول تجاهله عن قصد سابقا). بالإضافة إلى هذا وذاك، تعين على المصارف، أن تفصح أمام العملاء، عن أهدافها الاستثمارية، واستراتيجياتها، ومكامن المخاطر المختلفة، وعن البيانات المستخلصة من السنوات المنصرمة، وعن تقديرات واقعية للوقائع المحتملة مستقبلا، وعن دقائق الأسلوب المنتهج في حساب وتوزيع الأرباح، التي تحققت من خلال الاستثمار. علما أن المصرف المركزي الماليزي، يمنع، بصريح العبارة، قيام المصارف الإسلامية بإدارة الأرباح والتلاعب بها، والتسوية بين الربح والخسارة، وذلك لأن إدارة الأرباح، كانت قد جعلت عملاء المصرف المعني، فيما مضى من الزمن، لا يشعرون بوجود اختلاف يُذكر، بين الحسابات المصرفية الإسلامية والحسابات الادخارية وحسابات الوديعة لأجل. لقد صارت المصارف الإسلامية مجبرة، الآن، على التحقق من ظروف كل واحد من عملائها، للتعرف على مدى صلاحية الحساب الاستثماري لأهداف هذا العميل أو ذاك، ومدى قدرة الواحد منهم على تحمل الخسارة المحتملة. والأمر الذي لا شك فيه، هو أن حسابات الاستثمار الماليزية، ستكون، عمليا، وبناء على شكلها الظاهر، وجوهرها الكامن، بضائع مصرفية تقوم على المشاركة بالمخاطر.

بيد أن هذا التطور، ما هو في الواقع، إلا خطوة أولى، على درب الوصول إلى النشاط المصرفي القائم على المشاركة بالربح والخسارة، أي أنه خطوة أولى على الاقتراب من الوضع المثالي، الذي تجسده المشاركة بالربح والخسارة. وهكذا، فإن كل ما في الأمر، هو أن يجري استكمال هذه الخطوة الأولى، بعمليات تمويل متزايدة، قائمة على المشاركة بالربح والخسارة. ولهذا الغرض، أعلن المصرف المركزي الماليزي في ربيع العام ٢٠١٥، عن إنشاء برنامج حساب استثمار (Investment Account Platform, IAP) مشيرا إلى أن هذا البرنامج يحظى بتأييد الرأي العام. والمطلوب من هذا البرنامج هو أن يكون وسيلة ناجعة، وأداة مناسبة، لتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم ، من الدخول إلى موارد صندوق مشترك، من خلال السيولة، التي يحصل عليها، مما تدفعه المصارف الإسلامية من الأموال المتراكمة لديها في حسابات الاستثمار، ومن عمليات التمويل القائمة على المشاركة بالربح والخسارة.

وغني عن البيان، أن صندوقا من هذا القبيل، يستطيع النهوض بعمليات تمويل، لا قدرة لمصرف واحد على النهوض بها، ويتوافر على قدرات تمكنه، أيضا، من تشغيل كادر متخصص بتقييم المشروعات، لا قدرة لمصرف واحد على تشغيله، وذلك بسبب كلفته الباهظة. علاوة على هذا وذاك، تنشأ، والحالة هذه، فرصٌ أفضل، لتوزيع وإدارة المخاطر المرتبطة بعمليات التمويل القائمة على المشاركة بالربح والخسارة، والتغلب على المعضلات، العسيرة على الحل حتى الآن، الناشئة عن عدم تعادل المعلومات والمؤشرات السلبية. وإذا كُتب النجاح لهذا المبادرة، فعلا، فما من شك، في أن الأداء المالي الإسلامي، سيقترب كثيرا، من التصورات المثالية، التي جادت بها قريحة أصحاب التصورات الخيالية، وتصورات الاقتصاديين المسلمين. ولسنا بحاجة للتأكيد، على أن الاقتصاد المالي الإسلامي، سيغدو عندئذ، قطاعا أكثر استقلالية وأعظم أداء ــ في ماليزيا على أدنى تقدير.
فولكر نينهاوس كان أستاذا للعلوم الاقتصادية في جامعة ترير وجامعة بوخوم، ورئيسا لجامعة ماربورغ في ألمانيا. نشر العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة بمسائل الاقتصاد والمالية والإسلامية.

ترجمة: عدنان عباس علي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...