المشاركه و التبادل

الإسلام والاقتصاد
بين النظرية والتطبيق، سوريا مثالا

هناك من بين العلماء في الغرب الذين لا يخفون عداءهم للإسلام من يعتقد، من أنه هو الذي أدى بأتباعه إلى مستنقع التخلف والركود، عندما خنق لديهم كل مبادرة اقتصادية، بعكس ما حدث في المجتمعات الغربية بفضل الثورة الرأسمالية، والليبرالية الديمقراطية. قلائلٌ هم من بينهم، من يتعرضْ لإشكالية التقدم والتخلف لدينا على نحو من الإنصاف، واعتمادِ مقاييسَ أكثرَ علمية حول العلاقة القائمة بين العقائدِ في مجتمعاتنا من جهة، وواقعنا الاجتماعي من جهة أخرى.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو لماذا إذن ازدهرت الرأسمالية، كعنوان للحداثة والتقدم في الأزمنة الحديثة في أوروبا، وفي غيرها من البلدان كاليابان مثلا، ولم يحدث الشيء نفسُه في بلدان الشرق الأوسط العربية، ومنها سوريا؟

سأسرد فيما يلي بعضا من ملاحظاتي حول الموضوع، بدءا من عصر الحملات الصليبية، أو كما يسمها العرب حروب الفرنجة على سوريا التي تزامنت مع تباشير ولادةِ الميركانتيلية في الغرب التي أسست لاحقا للرأسمالية، مرورا بتاريخ سوريا العثماني، وانتهاء بدولة سوريا الحديثة التي نشأت في ظل الانتداب الفرنسي، واستقلالِها فيما بعد. يشير بعض علماء الاجتماع الغربيين من أمثال ماكس فيبر، وسومبارت، وماركس أيضا، إلى أن الرأسمالية الحديثة، عنوانُ الازدهار والتقدم، وُلِدت من رحمي رأس المال التجاري، وقطاع التبادل المالي، في العصر الوسيط الأوروبي المتأخر.

من المشاهد في هذه المرحلة، نشوءُ قطاعات مالية مماثلة بل رائدة في العالم الإسلامي القروسطي، مما يثبت أن الإسلام لم يشكل يومها عائقا للتطور في هذا الاتجاه. أما في بلاد الشام خلال فترة الحملات الصليبية، فيلاحظ تواجدَ قطاعات رأسمالية واضحة المعالم فيها، من تجارية ومالية، أي مباشرة خلال الفترة الميركانتيلية ما قبل الرأسمالية في الغرب. من جهة أخرى، ما زال الاعتقاد سائدا، من أن المرحلة الإقطاعية في التطور الاجتماعي، شكلت مؤشرا ضروريا على قرب الانتقال إلى المرحلة الرأسمالية، بل وأسست لها. هنا، يستدعي نشوء الدولة الإسلامية في تاريخ المنطقة، والشكل الذي اتخذته بشكل خاص في بلاد الشام خلال عصر الحملات الصليبية، الملاحظات التالية: يختلف الإقطاع الإسلامي عموما عن مثيله في الغرب، فيما يلي: بينما، عكس نشوء الإقطاع في الغرب بدء العودة لظهور نوع ما من التنظيم السياسي، والإداري في الأقاليم الأوروبية المختلفة، بعد انهيار الامبراطورية الرومانية الموحِّدة، جاء ظهور الإقطاع في الدولة الإسلامية، كمؤشر على بدء انحسار السلطة المركزية للدولة، وإلى تراجع إدارتها المالية، ونظامها الضريبي.

لم يتمْ هذا التطور نحو النظام الإقطاعي في الدولة الإسلامية، في مرحلة انحسار سيطرة الاقتصاد الريفي الذي يغلب عليه طابع الاستهلاك الذاتي، ويعيق تدفقا أوسع للسلع نحو السوق خارج الريف، كما كان حال مثيله الإقطاع الغربي. إذ بدأ الإقطاع في الظهور أيام الخلافة العباسية في القرن العاشر ميلادي، إبان مرحلة تاريخية شهدت نهضة تجارية كبرى في بلاد الرافدين، شكلت أكبر ثورة تجارية في التاريخ الإسلامي. في بلاد الشام، تم هذا التحول التدريجي نحو النظام الإقطاعي في العصور اللاحقة، خلال مرحلة من الضعف الاقتصادي النسبي، وانحسار للتجارة السورية في الأبيض المتوسط، بسبب حصار السواحل السورية المتواصل من قبل الأسطول البيزنطي أولا، ومن بعده بسبب احتلال المرافئِ البحرية على امتداد هذا الساحل من قبل الصليبيين، خلال قرنين من الزمن، وشبه انقطاع لسبل التجارة البرية في البلاد الشامية نتيجة الاحتلالات، والحروب.

تعمق الإقطاع لاحقا، في بلاد الشام في ظل دولة المماليك فيها، عن طريق منح إقطاعيات غير وراثية لأمراءِ العسكر، تماما كما حصل في بدء النظام الإقطاعي في الغرب الذي تحولت فيه إلى إقطاعيات وراثية لاحقا بعد انهيار الامبراطورية الرومانية. في بلاد الشام، مُنحت الاقطاعيات، من أراض زراعية، ومن مرافق اقتصادية أخرى غيرِها، لأمراء العسكر مقابل خدماتهم للدولة، لكن أيضا، لضمان إمداد خزينة الدولة بعوائدَ ماليةٍ ثابتة من الفائض المالي لهذه الاقطاعيات، في ظل رقابة مشددة للإدارة المملوكية المركزية، في كل من دمشق والقاهرة. بكلمات أخرى، بينما ظهر الإقطاع في الغرب زمن ضعف السلطة المركزية، وسيطرةِ الاقتصاد الريفي هناك، كمصدر شبه وحيد للثروة، نرى هذا التحول يتم في دار الإسلام خلال سيطرة دولة مركزية قوية في بغداد، في ظل نشاط اقتصادي متعدد الألوان من زراعة، وتجارة، وحرف صناعية رائجة، ليصل في مرحلة لاحقة إلى نظام الإقطاعيات العسكرية في بلاد الشام، في ظل دولة المماليك المركزية القوية، لكن مع بدء أفول الأنشطة الاقتصادية المتعددة فيها، لأسباب تقع خارج العلاقة بعقيدة ما.

جرى عموما هذا التحرك في الدولة الإسلامية للأخذ بالنظام الإقطاعي، لأسباب مغايرة إذن لتلك التي تم بموجبها هذا التحول في أوروبا. في بلاد الشام، لم تعد موارد الدولة الإقليمية المالية اللازمة تكفي لمجابهة الأعباء المالية المتزايدة، الناتجة عن الغزو الصليبي، والهجمة المغولية المدمرة، بعد تراجع الإمكانات المادية للحكومة المركزية في بغداد. هكذا نرى، أنه بينما تحرك الأمراء الإقطاعيون في الغرب من الريف، حيث كانوا يتمركزون، نحو المدن للاستيلاء على موارد مالية إضافية لهم على حساب أهل المدن الأوروبية، بعد أن عجز الاقتصاد الريفي عن تغطية احتياجاتهم المالية المتزايدة، نرى أن الدولة في بلاد الشام تتحرك انطلاقا من الحواضر الإقليمية فيها، حيث تتمركز السلطة السياسية، باتجاه الريف، والمدن على حد سواء، لسد العجز الناشئ عن قصور النظام الضريبي السابق في تأمين الموارد المالية اللازمة للدولة، لدعم المجهود الحربي المتعاظم لها، بسبب خروج مرافئ حيوية اقتصاديا، من دائرة سيطرتها بفعل الاحتلال الصليبي، والغزو المغولي، وما نتج عن ذلك من تدمير، وتشريد، ونهب للموارد العينية، والمالية، على حد سواء.

من المشاهد خلال هذه الفترة أيضا، أن كبار التجار، وملاك الأراضي في المدن الشامية، أي ما سمي لاحقا بالطبقة البرجوازية، لم تشارك في الحكم والسلطة، بينما نرى أقرانهم في المدن الإيطالية في ذلك الحين، بل وفي المدن الشامية تحت السيطرة الصليبية، يشاركون الأمراء الإقطاعيين في إدارة شؤون الإمارات الصليبية، السياسية، والاقتصادية، على حد سواء.

لن أتطرقَ في هذا الموضع إلى تفاصيل أكثر بهذا الشأن. لكني، أكتفي بالقول بأن نمو سلطة برجوازيي المدن الإيطالية الاقتصادية والسياسية في ذلك الحين مثلا، لم يؤدِ هو الآخر إلى التحول نحو النظام الرأسمالي المشاهد في مدن الشمال الأوروبي في العصر الوسيط المتأخر. كما، لم يحدث تحول مشابه في الدولة البيزنطية التي كانت تسيطر على الملاحة في الأبيض المتوسط قبل الفتح العثماني، ولا في المملكة الإسبانية بعد اكتشاف أمريكا ونهب ذهبها. أي، أن عدم التحول إلى النمط الرأسمالي شمال ــ أوروبي، لم يحدث في حوض البحر الأبيض المتوسط خلال تلك الحقبة التاريخية، بسبب عقيدة دينية بعينها. كما أن القول بأن أسباب التحول نحو الرأسمالية في الشمال الأوروبي جاءت حصرا، كما يظن البعض، نتيجة للمجابهة التي حصلت هناك بين نظام الإنتاج الإقطاعي المتأخر، والطبقة البرجوازية الناهضة في المدن الأوروبية، فما زال ذلك قيد البحث والتمحيص، ولم يجد بعد الجوابَ الشافي عليه. بكلمات قليلة أخرى: لم تلعب العقيدة، ولا حتى وجود طبقة برجوازية بمواجهة إقطاع من نوع معين أو عدمها، المحرك الكافي، والوافي، في نشوء الرأسمالية، وما تولد عنها من تقدم وازدهار لمجتمعاتها في الغرب.

إضافة إلى ما تقدم، يمكن القول أيضا دون إيراد تفاصيل هنا أيضا لذلك، إن تأثير العقيدة الدينية على مجريات الحياة الاقتصادية في بلاد الشام خلال الحملات الصليبية بقي محدودا، وإنه عندما كان ينشأ هناك تضارب بين النظرية والتطبيق، كانت الغلبة لتلبية متطلبات المجتمع أولا، على ما عداها في مواجهة التحديات يومها. كما أن بنية العالم الإسلامي الاجتماعية يومها، كانت مماثلة إلى حد كبير لمثيلاتها في أوروبا، وكذلك أيضا لمثيلاتها في الصين، واليابان، والهند، قبل حدوث الصدمة الاستعمارية الأوروبية. أما، ما جرى بعد ذلك في الأزمنة الحديثة، من تطور اقتصادي في العالم الإسلامي مغاير لما تم في أوروبا، فمرد ذلك، هو أيضا، لأسباب قبل كل شيء دنيوية، سنتكلم عن بعضها فيما يلي: شكلت الدولة العثمانية حتى مطلع القرن التاسع عشر، الملاذ وخط الدفاع الأخير لغالبية من بقي من الشعوب الإسلامية خارج السيطرة الاستعمارية الأوروبية. كما، أنها كانت السباقة في اتخاذ الخطوات الأولى نحو التحديث، مخالفة أحيانا في ذلك أحكام الشريعة الإسلامية نفسها.

حاول العثمانيون بعد معاهدة صلح كارلوفيتز مع الإمبراطورية النمساوية، خلال الفترة من ١٧٠٠ إلى ١٩١٤، تقوية السلطة المركزية للدولة في مواجهة الضغط الأوروبي، السياسي، والعسكري المتزايد، تماما كما حصل سابقا في بلاد الشام أيام الحملات الصليبية. صاحب هذا التوجه على الصعيد الاقتصادي للدولة، ظهور تدريجي لما يمكن دعوته بِـ «رأسمالية الأطراف»، مقابل ما اصطلح على تسميته برأسمالية المركز الأوروبي. كان الدافع لذلك، هنا أيضا، حاجة الدولة العثمانية لاستنهاض عائدات مالية إضافية. فلجأت بدءا من القرن السابع عشر، إلى تحويل الإقطاعيات الزراعية المدعوة بأراضي التمار، والمكافئة من حيث المبدأ إلى شبيهاتها زمن المماليك، إلى إقطاعيات وراثية. كما منحت الدولة ملتزمي الأراضي الأميرية حق التصرف بها، من بيع وتوريث، للهدف نفسه. بمعنى آخر، جاءت حركة الخصخصة هذه، ونمو الملكية الخاصة في ولايات الدولة العثمانية، كمؤشر أوّلي نحو الاتجاه إلى اقتصاد السوق الرأسمالية، قبل مرحلة سيطرة الاستعمار الأوروبي المباشرة على بلادنا، وادعائه بأنه هو من أحضر معه تباشير النهضة والتحديث.

مع ذلك، شاهد منتصف القرن التاسع عشر نقطة تحول أكيدة على صعيد السلطة، والمجتمع المدني في الإمبراطورية العثمانية. إذ دفع بحث الدولة عن مصادر مالية إضافية، وتراكم ديونها الخارجية لمصلحة الدائنين الأوروبيين،.إلى إتباع أنظمة ضريبية جديدة. كما ضغط هؤلاء الرأسماليون الأوروبيون، في إطار سياسة تسربهم إلى جسم الرجل المريض، كما كانوا يدعون الدولة العثمانية، باتجاه الاستمرار في خصخصة الزراعة، وزيادة سقف الحيازات الزراعية، لمصلحة قلة من كبار الملاك على حساب الفلاحين مالكي الأرض الحقيقيين. هدف الدائنون الأوروبيون من وراء ذلك، حث الحكومة العثمانية من جهة، على توسيع الصحن الضريبي، لكي يضمنوا قبل كل شيء حصولهم على ديونهم من عائدات الخزينة الإضافية. لكن، أيضا لدعم نشوء طبقة من كبار الملاك يستطيعون هم التأثير عليهم، عن طريق إلحاقهم مباشرة بالسوق الرأسمالية العالمية التي يسيطرون عليهم خارج رقابة الدولة، بواسطة دفعهم، أولا، إلى تعميم زراعة المنتجات اللازمة للسوق الأوروبية، كالقطن والحرير، ومدهم بالقروض اللازمة لذلك، وبالتالي زيادة مديونيتهم، ومديونية الدولة نفسها المتراكمة أصلا عبر الاستدانة من السوق المالية الدولية.

أما في الولايات العثمانية السورية، فكان استملاك الفائض الزراعي من قبل الدولة فيها، أكثر تعقيدا وتشعبا. فقد تولت الولايات السورية بنفسها اتخاذ قرارات أساسية، مثل ترشيد التعرفة الجمركية على حركة البضائع، وإرساء قواعد ناظمة للتجارة. حدث ذلك أيضا، قبل قدوم المستعمر إلينا. فقد كان على الولايات السورية دفع مبالغ متزايدة لخزينة الدولة المركزية في اسطنبول، لمجابهة تكاليف حروب القرم، والبلقان، وتدفق اللاجئين بالملايين من الذين أجلوا عن ديارهم في البلقان، والقفقاس، إلى قلب الإمبراطورية في الأناضول، وعشرات الآلاف غيرهم من الذين قدموا إلى الولايات السورية، كالشركس، والأرناؤوط، والبشناق. كما شكلت الأرباح المدورة للشركات الأجنبية العاملة في الولايات السورية، والاحتياجات المالية المتزايدة لكبار الملاك، والتجار، في المدن ضغوطا إضافية، مما لم يترك في نهاية الأمر سوى قسم ضئيل من الفائض الزراعي، لكي يتراكم على شكل استثمارات مجدية اقتصاديا لهذه الولايات، ولباقي المواطنين فيها الذين كانوا يعانون ضنك العيش والحاجة.

يوضح ما تقدم، أن عملية التحديث الرأسمالي في الدولة العثمانية تمت في مرحلة أولى بمجهودها الخاص، عندما حاولت تنشيط القطاعات الرأسمالية التقليدية في اقتصادها. وما أن حل القرن التاسع عشر، وأصبح باديا كم هو مهم اللحاقُ بالثورة الصناعية، والاستمرار في عملية الإصلاحات الحيوية، كان الوقت قد فات. فقد أعاق عندها التفوق العسكري، والاقتصادي للإمبرياليين الأوروبيين، الدولة العثمانية عن الاستمرار في هذا المجال على نهج ما قام به محمد علي في مصر، بل قاموا أيضا بتحطيم التجربة المصرية نفسها، ومنعوا إبراهيم باشا من عملية تحديث الدولة العثمانية، عندما زحف بجيوشه عبر سوريا باتجاه اسطنبول عاصمة الإمبراطورية، من أجل ذلك.

لم تكن إذن، عقيدة الدولة الدينية في العهد العثماني، هي التي عرقلت تطورها. بل حدث ذلك بفعل سياسات، وأحداث دنيوية مستجدة، نتيجة المجابهة مع الامبريالية الأوروبية، وحاملها نظام الرأسمالية العالمية. مع ذلك، تجب الإشارة إلى أن الإسلام كما فهم في القرن العاشر ميلادي، لم يكن هو نفس الإسلام الذي عرَفته الفتوحات، أو إسلام الدولة العثمانية. كما أنه ليس هو ما نشاهده الآن في القرن الحادي والعشرين، من خلال الإسلام الجهادي، أو من خلال اجتهادات بعض المنظرين حاليا، كالدكتور محمد شحرور، والشيخ القرضاوي، وغيرهما كثر. كما، أنه عندما نود أن نفهم ما حدث في الإسلام حتى الآن من تطور على الصعيد النظري، علينا أن لا نغفل بالمقابل ما زامن ذلك من تطورات اجتماعية، ومن تحولات طرأت على صعيد الجغرافيا السياسية، والعلاقة الجدلية القائمة بين النظرية والتطبيق. نشأت الدولة السورية «العلمانية» الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية، وعلى جزء من بلاد الشام، وضع كما هو معلوم، تحت الانتداب الفرنسي. فأين أصبحت النظرية بعد ذلك من التطبيق؟

حضرت فرنسا إلى سوريا في إطار صك الانتداب الذي كلفتها بتنفيذه «عصبة الأمم»، بهدف قيادة المجتمع السوري نحو الاستقلال، وإنشاء دولة حديثة. صحيح، أن دستور عام ١٩٢٠ للمملكة السورية العربية أيام الملك فيصل، ومن بعدها الدساتير التي صدرت أيام الانتداب الفرنسي، كانت الروح العلمانية فيها واضحة المعالم. مع ذلك، نصت كلها على أن الدولة السورية دين رئيسها الاسلام. كما التزمت دولة الانتداب الفرنسي أمام عصبة الأمم بالحفاظ على روح التشريعات التي كانت قائمة أيام الدولة العثمانية، وآخر خلافة اسلامية. هكذا، استمر العمل زمن الانتداب بضرائب الأعشار المفروضة وفق الشريعة الاسلامية، على إجمالي عائدات الأرض في سوريا التي اعتبرها المشرع العثماني قبل ذلك، أراضي فتح تخضع كلها دون استثناء إلى ضريبة العشر. كما أن الإجراءات التي اتخذتها سلطة الانتداب في مجال منح القروض الزراعية مثلا، جاء في مصلحة كبار ملاك الأراضي المقيمين أصلا في المدن، وفي مصلحة أحلافهم من أصحاب الصناعات الناشئة، وعلى حساب سكان الريف.

هؤلاء، الذين تُركوا تحت رحمة المرابين الذين كانوا يتقاضون من المرابعين فوائد بلغت في بعض الأحيان ١٥٠٪، على الديون المقدمة لهم، من أموال القروض التي حصل عليها المرابون أصلا من البنوك الزراعية الحكومية بفوائد ميسرة، لم يمنعهم من ذلك لا دين يحرم التعامل بالربى كالدين الاسلامي، ولا دنيا. كما استمر العمل بقانون التجارة العثماني. هنا يمكن القول أيضا، من أن التركيبة الاجتماعية في سوريا، لم تتغير زمن الفرنسيين كثيرا عما كانت عليه في أواخرِ عهد العثمانيين. جاء الاستقلال وصدر دستور عام ١٩٥٠، ومن بعده دساتير أخرى، كان آخرها دستور عام ١٩٧٣، التي نصت كلها على أن دين رئيس الجمهورية الاسلام، ومن أن الفقه الاسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. كان هذا يعني أيضا، أن هناك أكثر من مصدر تشريعي، مما فتح الباب لإمكانية إصدار تشريعات مدنية لا تتفق تماما مع الشريعة. ربما، ساعد في ذلك يومها نزعة مجتمعية تراثية دينية عامة غير متزمتة، وغير واضحة المعالم في مفهومها للعدالة الاجتماعية في سوريا.

من جهة أخرى، يجري الحديث منذ مدة عما يدعى بالاقتصاد الاسلامي المعاصر بشقيه، الانتاجي، والمالي. في رأيي، أن الاقتصاد الاسلامي المعاصر، بالرغم من بعض الاعتبارات، والقيم الأخلاقية الخاصة به التي تستلهم الشريعة، إلا أنه كغيره من الاقتصادات الأخرى التي ظهرت في القرن العشرين، من اشتراكية، وشيوعية، وفاشية، بقيت تدور كلها في فلك النظام الرأسمالي الأم، شاءت أم أبت، خاصة في عصر العولمة، دون أن تشكل له بديلا آخر مقنعا. أي، أنها ما انفكت تابعة للنظام الرأسمالي، عبر هيمنته المطلقة على التجارة العالمية، وعلى السوق المالية الدولية، مما يجعلها تأتمر في نهاية الأمر بشروط اللعبة التي يمليها عليها هذا النظام، إلا في بعض البنى الفرعية، وليس على مستوى البنى الأهم فيه.

فالقوى المحركة في الحياة الاقتصادية في عصر العولمة، هي التي تجبر في نهاية الأمر العقائد، دينية كانت أم سياسية، على التكيف مع متطلبات واقع الشعوب الاجتماعي في القرن الواحد والعشرين، وليس العكس. نكتفي هنا، بإشارة سريعة لبعض المرتكزات التي يعتمدها الاقتصاد الاسلامي المعاصر:

• في نظره، لا تلد النقود في حد ذاتها نقودا. بمعنى، أن النقود تزيد نتيجة الربح، أو تنقص بسبب الخسارة، عن طريق الاشتراك المباشر في النشاط الاقتصادي الحقيقي.

• كما أن الأصل في النقود، أن تستعمل إذن كأداة في النشاط الاقتصادي، وأن لا يتاجر بها كسلعة. بمعنى، أن الآلية الحقيقية هي «الربح»، وليس سعر «الفائدة».

ويؤكد عدد ليس بالقليل من الاقتصاديين المعاصرين، أن سعر الفائدة يعد من أهم عوامل «عدم الاستقرار» في الاقتصاديات المعاصرة. فمثلا، تساءل «فريدمان»، أبو الاقتصاد النقدي المعاصر، في الثمانينات من القرن الماضي، عن „أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل للاقتصاد الأمريكي“، ويرد على تساؤله بالقول بـِ „إن الإجابة التي تخطر على البال هي السلوك الطائش المساوي له في أسعار الفائدة”. فالتقلبات في سعر الفائدة تؤثر مباشرة في الأسواق المالية، فيسودها قدر كبير من الشكوك، مما ينعكس أثره في تقلبات حادة، وغير محسوبة في النشاط الاقتصادي الحقيقي. وهذا ما يؤكده أيضا بدورهم أتباع الاقتصاد الإسلامي، وقام عليه النظام المصرفي الإسلامي المعاصر.

سارعت الكثير من البنوك الغربية في الدول النامية المتقدمة، إلى إنشاء فروع لها للمعاملات الإسلامية، أو «نوافذ» للتعامل الإسلامي. بل، إن بعضها أنشأ بنوكا إسلامية كاملة مستقلة عنها كسيتي بنك، وتشيس بنك. وهناك، ما لا يقل عن ٠٤ بنكا إسلاميا ومؤسسة نقدية إسلامية في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. كما أن هناك بنوكا إسلامية، وفروعا ونوافذ للمعاملات الإسلامية في المملكة المتحدة، والدنمارك، وألمانيا، والنمسا، وفرنسا. قطعا، لم يتم ذلك نتيجة إيمان عقائدي بالفكرة، وإنما جاء استغلالا لجدواها المصرفية والاقتصادية.

ختاما، لا بد أيضا من الإشارة هنا إلى تجربة الاسلام الجهادي الاقتصادية حاليا، في ما يدعى بِـ «الدولة الاسلامية في العراق والشام»، أي (داعش)، وإلى موقعها من النظرية والتطبيق لها، على الرغم من قصر المدة للحكم على ذلك، من خلال الوضع المأساوي والكارثي الذي يمر به البلدان الممزقان. مع إعلان تنظيم «الدولة الاسلامية» قيام دولة «الخلافة» في صيف ٢٠١٤، بدأ التنظيم بالقيام بالمهام الرسمية للدولة. تمثل أولها، بتحصيل وجباية الضرائب، وفرض الغرامات، دون أن يتحمل في البدء أعباء الدولة، من تأمين فرص العمل لرعاياه، وتقديم الخدمات الصحية لهم، أو بناء المستشفيات، والتعليم، أو تعبيد الطرق، وتشييد الجسور. لكن، تطبيق الشريعة شيء، وإقامة دولة للرعاية الاجتماعية يعني شيئا آخر.

صحيح، أن أتباع التنظيم ربما لا يكترثون حاليا، من زاوية فلسفتهم الشمولية للأمور، بالرأي العام في المناطق التابعة لسيطرتهم التي تضم ثمانية ملايين من البشر. إلا، أن إدارة مجهودهم الحربي يتطلب في حد ذاته، جهدا ماليا متعاظما. كذلك، تلبية الاحتياجات البشرية لرعاياهم، تتطلب ولو في حدودها الدنيا إدارة اقتصادية فاعلة. كما، أن إقامة جهاز أمني متضخم في مناطق تنظيم «الدولة الاسلامية»، من أجل منع تسلل غير المرغوب فيهم، وزيادة حواجز التفتيش لمنع الهجرة المعاكسة لمناصريهم، نتيجة سوء الاحوال الاقتصادية المستجدة في مناطقهم، بسبب الحصار الاقتصادي، الاقليمي، والدولي لهم، يزيد كل ذلك من تكاليف مشروعهم. عام ٢٠١٤، ذكرت بعض التقارير أن تنظيم «الدولة الاسلامية»، كان يبيع برميل النفط المستخرج من الحقول تحت سيطرته، بثلاثين إلى أربعين دولارا. في وقت، كان سعره في السوق العالمية مئة دولار.

حاليا، يبلغ سعر البرميل في السوق العالمية نفسها الأربعين دولارا، بعد تدهور أسعاره، إضافة إلى ازدياد خسائر التنظيم لفقدانه بعض آبار النفط نتيجة العمليات الحربية التي جرت مؤخرا. مجابهة كل هذه الأعباء، تدفع في أحيان كثيرة لأن يتجاوز التنظيم أحكام الشريعة، بالرغم من كل التزمت، والتحجر المذهبي الذي يبديه. فتنظيم «الدولة الاسلامية» يمنع التدخين، لكنه يسمح بتهريب الدخان عبر مناطقه، للحصول على عائدات إضافية بالدولارات. كما أنه فرض في مرحلة أولى، على سارقي ومهربي الآثار الذين يقومون بالحفر الجائر بحثا عنها، رسما يبلغ ٢٠٪ من قيمة الآثار المباعة، قبل أن يقوم هو بنفسه بمتابعة عملية التنقيب وبيع الآثار المنهوبة. كما زاد التنظيم من الضرائب المفروضة على السكان في الموصل، والرقة، في زمن تدهورت فيه الخدمات، وارتفعت أسعار الوقود، واضطر الناس لشراء المولدات، لإنتاج الكهرباء التي يحتاجونها بأنفسهم. كما أجبر آلاف الموظفين في الموصل الذين ما يزالون يحصلون على رواتبهم من الحكومة المركزية في بغداد، على تسليمه قسم من مستحقاتهم له. كما، لجأ التنظيم في آذار عام ٢٠١٥، إلى خصخصة مستشفى الموصل لتأمين عائدات مالية إضافية له.

ليس، في كل ما تقدم ذكره علاقة بالشريعة، بل إن أغلبه يدخل تحت بند المكوس، أي تحت بند جباية الرسوم غير الشرعية المحرمة أصلا في الدين الاسلامي. لم يقف التنظيم عند هذا الحد في خرقه لقواعد الدين الذي يعتقد بأنه يمثله، بل تعدى تصرفه حتى إلى امتهان أخلاقياته، وجوهر روحه، ورسالته. حافظ الاسلام طوال أربعة عشر قرنا على الذاكرة الحضارية لسوريا ما قبل الاسلام، قبل أن يحضر التنظيم ليدمر متعمدا أوابد تُدمُر التي هي جزء مشترك من التراث الحضاري للإنسانية جمعاء خلاصة القول، لا يمكن تغيير واقع مجتمع ما بمحاولة تغيير وعيه، وثقافته من خارجه، ودون مراعاة لقوانينه الخاصة به، ودون احترام لقواعده الناظمة له.

أي، أن ذلك لن يتم فقط بمشيئة من يأتون من خارجه، وبدون أي احترام لخصوصيته، حتى في عصر العولمة، والتكتلات الجغراسية الكبيرة، وعصر الأمميات سياسية كانت، أم دينية. عموما، لا يتكون مجتمع ما، حول حزمة من التأويلات والرموز، والأهواء والظنون. بل يتشكل حول واقع محسوس، ومهام وواجبات، محلية ودولية، من غير الممكن له بدونها، الاستمرار والبقاء. تتصدرها علاقات الإنتاج، مادية كانت أم حسية، لأنها لسبب بسيط هي التي تشكل، وتحدد الوظائف الأساسية في المجتمع. بينما تكون الحوافز، والدوافع الفكرية، والإيديولوجيات، والأديان، والمذاهب الفلسفية، الخ، من أدوات الفكر، والتأطير الثقافي، وسيلة المجتمع للتعبير، ولتفسير كيفية إنتاج، وربما إعادة إنتاج المنظومة التي يعيش في كنفها، وكذلك لفهم بنيتها.

أدوات الفكر هذه، „تعقل“ المجتمع كما تعقل أشياءَ غيره كثيرة، لكن لا تنتجه، هي تفلسفه. مع ذلك، لا يعني هذا القول نفيا كليا لتأثير العقائدِ، دينية كانت، أم سياسية، في الظواهرِ الاجتماعيةِ، ومنها الاقتصادية. إلا، أن هذه الأخيرة هي التي تجبر العقائدَ في نهاية الأمر خاصة في عصر العولمة، على التكيف مع المتطلبات الاجتماعية لواقع الشعوب، وليس العكس.
علي الصالح اقتصادي، باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO في دمشق، حتى العام ٢٠١١. يتواجد حاليا في ألمانيا.

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...