المشاركه و التبادل

النظام العالمي الجديد للملابس
صنع في كينيا ــ مسرحية «ميتومبا» لشتيفاني تيرش

هل يمكننا إنشاء علاقة واقعية بين الرقص من جهة وبين الاقتصاد أو السياسة أوالنقد من جهة أخرى دون أن نقع في مصيدة الخيال كما يفعل فنّان طليعي عادة؟ هذا بالضبط ما تثبته المسرحية الراقصة "ميتومبا" Mitumba للفريق الألماني ـــ العالمي "موفوار" ‬ .Mouvoir الناقد أرند فيزيمان يعرفنا على هذه المسرحية.

من المشاهد المعتادة في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، تلك الحاويات المعدنية الضخمة، التي قد يصل ارتفاعها حتى المترين وتنتصب على جوانب الطرق بحوافّها الحادّة بانتظار أكياس الثياب والأحذية المستعملة. وتخصص هذه الحاويات للتبرع، إذ عادة ما يحشر الناس الثياب والأحذية فيها للمحتاجين. فإذا أغلقوا فاها الحديدي الثقيل أصدر صريرا حادّا مما يبعث الإحساس بأن المرء يغلق خزانة تحتوي على أشياء ثمينة يجب حفظها بحرص كبير. ولا شك أن من نسي محفظة نقوده في جيب سرواله قبل أن يلقي به فيها فقد فقدها إلى الأبد. ويكاد لا يعرف أحد على وجه الدقّة مصير هذه الثياب والأحذية. وقد كانت سابقا تحمل عبارات من نوع: «تبرّعات خيريّة» أي لأبناء السبيل واللاجئين وغيرهم من المحتاجين. أما الآن فإن الكثير منها لم يعد يحمل إلاّ هذه العبارة شديدة الحيادية التي تدل على الغرض الأصلي لحاوية من هذا النوع: «حاوية لإعادة التدوير».

تجديد القديم

غالبا ما يتم إرسال هذه الملابس إلى شرق أفريقيا لتوزيعها كتبرعّات في سياق الأعمال الخيرية. وقد استطاعت منظمة الصليب الأحمر الألماني وحدها أن تجمع حوالي ١٢ مليون يورو من هذا العمل في العام الماضي. هذه الميتومبا Mitumba ــ الثياب القديمة باللغة المحلية ــ تُعرض في الأسواق الكبرى في ممباسا ونيروبي. بيد أن هذه الثياب التي تُعرض هناك بالذات تثير اهتمام صناعات النسيج العالمية لأنّه قد تم العمل عليها تكبيرا أو تصغيرا أو تجميلا من قبل المئات من الخيّاطين المهرة مجموعات وأفرادا. وهؤلاء تودّ مصانع النسيج استخدامهم في المستقبل لينتجوا ثيابا جديدة في تنزانيا وكينيا وإثيوبيا تنافس في أسعارها الرخيصة تلك التي تأتي إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من بنغلادش وفييتنام، رغم الرخص المعروف لمنتجات هذين البلدين.

إذن فقد كان «سوق الرجل الصغير» هو الذي ألهم خبيرة الرقص شتيفاني تيرش (تعلّمته بالإضافة إلى دراستها لآداب اللغات اللاتينية والإعلام) فكرة هذه المسرحية التي استبدلت عمليّا خشبة المسرح بسوق للملابس حيث يساوم الراقصون بحيوية زبائنهم حول أسعار البضاعة، ويقوم هؤلاء بتجريب قطع الثياب التي يريدون شراءها. أي تماما كما هو الأمر في أسواق نيروبي الكبيرة غيكومبا ونغارا أو غيتوراي. قبل سنوات وصفت السيّدة تيرش هذه الأسواق على النحو التالي: „متاهات حقيقية تمتد عددا من الكيلومترات، حيث استطاع كلّ من البائعين أن يختصّ بنوع معيّن من الثياب. فهذا لا يبيع إلاّ السراويل البيض وذلك مختصّ بثياب الرضّع مثلا، والكل مستفيد لأنّهم وجدوا عملا على الأقل.

ولا مشكلة في أن يرتدي الواحد ما كان آخرون قد ارتدوه من قبل. أشتري هناك بلوزة صغيرة من موديلات السبعينات بعشرين سنتا وأعود بها إلى المانيا لأبيعها هنا من جديد في أحد المتاجر الجيّدة للثياب المستعملة. ربّما استطعنا تمويل مشروعنا بهذه الطريقة“. وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا السوق أشبه بورشة صناعية كبيرة في أفريقيا لم يبق من هذا النوع من الأسواق في المانيا إلّا الشكل المصغّر لسوق الملابس المستعملة (سوق البالة أو سوق البراغيث). هذا السوق تنقله شتيفاني تيرش مرّة إلى متحف ما ومرّة أخرى إلى بهو مسرح دون أن تنسى تفصيلا من قبيل إعداد حجرة ارتجالية لتبديل الملابس مثلا. ويشارك الزوّار والجمهور في المساومة حول أسعار الثياب وفحصها لأن البعض قد لا تُعجبه القطع المعروضة إلى أن يبزغ فجأة من بين هؤلاء التجار الأفارقة والجمهور الأوروبي أحد عشر راقصا. شخصيّات تمثيلية ولكن في حدث حقيقي ينفتح كسؤال كبير حول العقليّات التي تكمن في أساس عملية إعادة القيمة إلى الأشياء المُهمَلة.

أزياء الرقص التي تصنعها الصدفة

ليست الملابس التي تتم „المساومة“ عليها في هذا العرض مجهولة الأصل، فهي تبرّعات من الجيران كانت في خزائن ملابسهم. تتقصّى شتيفاني تيرش بلياقة عن الأسباب التي جعلت صاحبة هذه البلوزة تضحّي بها أو صاحب هذه البدلة يتخلى عنها. وهذه الثياب تذهب بعد ذلك إلى صندوق أزياء المسرح لينتقي منها كل راقص ما يحلو له بالصدفة المحضة. هذا التحوّل بحد ذاته يذكّرنا بما يحدث في مومباسا حيث تأتي يوميا أطنان من الثياب المستعملة لتطوف في المدينة والبلد لتحوّل عالم الناس إلى ما يشبه «سوق البالة»، حيث يأتي السوّاح والأوربيّون أيضا ليشتروا ما سيملؤون به متاجر الموضة التي يديرونها في بلدانهم. وهنا تبدو أفريقيا وكأنّ مهمّتها هي الغوص في هذه «النفايات» ــ وهو الوصف الحقيقي لها بأحد المعاني ــ لتصطاد ما فيها من «لؤلؤ» وتعيدها إلى الحياة. عملية «القيامة» هذه يتم «تكريمها» من خلال رقصة المومياء أو «الزومبي» بطريقة ملائمة وموحية. حيث تختال «البضاعة» التي تُعرض للمرة الثالثة للبيع على منصّة عرض أزياء مبدية حبا خاصّا للتشكيلات اللونيّة شديدة التنوّع. وثمة مزاد علني على قطع صغيرة جدا يجعل المرء ولو للحظات يتذكّر أسواق النخاسة القديمة، حتى ولو كانت البضاعة هي الثياب وليس من يلبسها.

تشتري كينيا ــ وفق الرواية التي تنقلها شتيفاني تيرش عن أحد المتسوّقين ــ حزما ضخمة من الثياب المستعملة والمشحونة في حاويات كبيرة ثم تبيعها لتجار وسطاء يقومون بالإشراف على عمليّات فرزها وتصنيفها وإجراء ما يلزم من عمل عليها لإعدادها للتوزيع من جديد. وهكذا تنشأ سلسلة مترابطة وطويلة من العمل الذي يخلق قيمة جديدة لتلك الثياب تمتد حتى القرى البعيدة في البلاد. في الوقت الذي تدور فيه إحدى الراقصات مدفوعة من الآخرين بلا حب أو رغبة وإن كانت تلعب في الواقع دور المحرّك لهذه الثقافة التجارية ذات البنية الشوفينية. إنها تمثّل المرأة الجائعة للموضة. فهذه المرأة تصبح هنا «حاملة للموضة» بالمعنى الحرفي. بل ويستمر تحميلها بثياب إضافية بشكل متكرّر بحيث «تتحجّر» كإيقونة ترمز إلى «بزنس الموضة» الذي يبدو بدائيا تماما.

تعاون مع معهد غوته

تم إنتاج مسرحية «ميتومبا» بالتعاون مع معهد غوته في نيروبي ومع وزارة الخارجية الألمانية في العام ١٣/٢٠١٢. وهي بمعالجة موضوع تجارة المواد المُستعملة تثير تداعيات تنتمي إلى المجال نفسه منها التجارة بقطع غيار السيارات بدلا من «قبرها»، بل وحتّى التجارة بالأعضاء البشرية مثلا. لقد شهدت حركة التدوير (Recycling) ازدهارا خاصّا منذ ثمانينات القرن الماضي في أوروبا باعتبارها تمدّ من عمر الأشياء وتساهم في حماية البيئة. لكنّ السيّدة تيرش تضيء الجوانب المعتّمة من هذه القضيّة في القارة الأفريقية الغنيّة بالثروات الطبيعية وإن كانت في الواقع لا تكاد تمتلكها فعلا، لكنّها تعود إلى استقبالها كنفايات آتية عبر أوروبا.

أما الحركة البيئية في أوروبا فهي تهلّل لهذه الظاهرة باعتبارها نموذجا ناجحا لما تدعو له ولمبدأ سوق ــ لعالم ــ واحد. لاسيّما وأن البضاعة القادمة من أفريقيا تشبع في البيض شعورا أو رغبة في عودة الماضي الضائع. إن رؤية السيارات الألمانية القديمة التي سُحبت من شوارع ألمانيا منذ زمن بعيد وهي تسير في الشوارع الأفريقية يثير في السوّاح الحنين نفسه الذي تثيره الأسواق المكتظّة والتي تمور بالضجيج والحركة. إنّها تبعث شيئا من الحياة في ذكريات طفولة قديمة، أي قبل أن تحوّل أوروبا أسواقها إلى مراكز تسوّق حديثة التصميم ومكيّفة وخالية من التدخين لاستقبال الملابس التي يصنعها عمّال محلّيون في بنغلادش والصين وتركيا. ثم لتبدأ رحلتها الأخيرة ــ ربّما ــ إلى نيروبي لتصبح «ميتومبا»، أو إلى هناك حيث تستطيع الشركات المهيمنة على السوق كشركة «أتش أند إم» أو «زارا» أو «بريمارك» في المستقبل القريب إعادتها إلى فضاء هذا العالم، وإن بأسعار الملابس المستعملة.
علي الصالح اقتصادي، باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO في دمشق، حتى العام ٢٠١١. يتواجد حاليا في ألمانيا.

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...