المشاركه و التبادل

كل إنسان فنان
الأنتروبوصوفيا التشاركية لدى يوزف بويز

توج يوزف بويز مفهومه للفن في عبارة "كل إنسان فنان"، مكثفاُ في هذه الجملة جميع التيارات الرومانسية والأنتروبوصوفية في فلسفة حياة شاملة عنصرها الأساسي المشاركة. فماذا يمكن لفكرة المشاركة أن تقدمه للفن والعالم في سياق إشكاليات الاقتصاد العالمي الحالية؟

صاغ يوزف بويز مفهوما جديدا للفن، ينطوي أساسا على فهم قديم للإبداع الفني، لا يختزل في بعض العبقريات الفردية والفنون البصرية، حيث تتضمن رؤيته للفن كل البشر والحيوانات والعالمين المادي والميتافيزيقي كما يعبران عن نفسيهما على المستويين العلمي والروحاني. يقر بويز إذن أن "كل إنسان فنان“"
كان الشاعر الرومانسي نوفاليس قد طرح هذه الفكرة في كتابه «الأمثال» ١٧٩٨: „على كل إنسان أن يكون فنانا“. وجعل بويز من الموعظة ذاتها عملا فنيا بأن رفعها، بعد تجيير حاد، مرتبة أعلى بمعنى: أنت فنان سيرتك الذاتية (فليقم سلوكك على هذا الأساس).

كل الأشياء مقترنة في تواشج

اطلع بويز (١٩٢١ ــ ١٩٨٦) قبل الحرب العالمية الأولى على أفكار المصلح الاجتماعي والبيئي ومؤسس مذهب الأنتروبوصوفيا (الحكمة الإنسانية) رودولف شتاينر، بعد دراسة معمقة للعلوم الطبيعية ومنهجيتها، خاصة علم النبات وعلم الحيوان والجغرافيا. وبدأ منذ العام ١٩٤٦ بدراسة النحت في أكاديمية دوسلدورف للفنون، وعلى يدي أوارد ماتاريه منذ العام ١٩٤٧، حيث غدا تلميذه المفضل منذ ١٩٥١. قادته شكوكه في المفهوم التقليدي للفن وخطابه المقولب خلال الخمسينات إلى أزمة نفسية عميقة، تجاوزها بالعمل المرهق في الحقول والرسومات تحت رعاية عائلة فلاحين أنتروبوصوفية على نهر الراين السفلي. في هذه المرحلة من المعاناة والشك بالهوية اتضح له أنه خليق بتوسيع مفهوم الفن: لا بد من صياغة جميع مصالح المجتمع المشتركة انطلاقا من الفن كسلوك. الخلاق هو الإنسان الذي يتدبر أموره معتمدا على الحي والجامد، على الظاهر والباطن، على الداخل والخارج. ولاحظ كيف يتحقق هذا يوميا في التلوث البيئي مثلا أو من خلال الكوارث الطبيعية، في أزمة الرأسمالية أو في المعتقدات الدينية المتناقضة، وكذلك في منظور الحرية والكرامة والعدالة. لم يعد ثمة شيء يشكل „قضية خاصة“ بعد، كل ما يحدث، يحدث مقترنا أي في تواشج مع الأشياء الأخرى.

بهذا المعنى حمل بويز بمفهمومه «النحت الاجتماعي» الفرد والجماعة على السواء واجبا إبداعيا. وشرع أبواب الفن والإبداع الفردي على كلانية مفهومة بيئيا. قال في مقابلة أجريت معه عام ١٩٧٣ إن البيئة „لا تهمني مباشرة بالمعنى التنويري، لنقل «التلوث البيئي». أنا أهتم جدا بالبيئة لكن ليس فقط ببيئة المحيط الخارجي، بل أيضا بالبيئة الداخلية ــ الأفكار، المشاعر والقوى الدافعة ــ الطاقات الحقيقية للإنسان، التي لا نستطيع دونها تغيير المحيط المفروض علينا فرضا.“، ماتحدث به شتاينر قبل خمسين عاما في كتابه «فلسفة الحرية» عن الفردانية الأخلاقية الداعية إلى السمو الروحي بالأفكار والمشاعر والرغبات. قد يجوز أيضا تأويل هذا العرفان على النحو التالي: في كل إنسان يعيش شيء لا يعيش في آخر. الحياة الناجحة تعني تفعيل هذا الشيء الفردي الاستثنائي بشكل يفيد الجميع، ولتحقيق ذلك أحتاج إلى الجدل مع الآخرين لأكتشف من خلال الحوار قدراتي الذاتية. يحتاج التطور إلى هذه الخطوة وأن نتداعى إليها سوية، ما فيه شفاء من القلق والخوف مثلا. نحن كبشر قرائن في تواشج قبل اندماج البويضة والحيوانات المنوية إلى ما بعد وفاتنا، حيث يستمر فعل ما تنتجه حيواتنا ونخلفه من قوى وإنجازات مكتملة ومشاريع غير مكتملة.

تتكشف لنا يوما بعد يوم أهداف ونضع على عاتقنا واجبات نسعى لتحقيقها وحلها مستقبلا، بذا نثري حاضرنا بالثقة ونجد لاحقا، وبأثر رجعي تفسيرات لماضينا تتجدد دائما. يتجاوز التشكيل الإبداعي بذلك الفن بالمعنى التقليدي، كما هي الحال في الموسيقى، في الأدب والموسيقى والعمارة الفن التشكيلي ويدفع كل فرد لخلق سيرته الذاتية، هو المنخرط بمجتمعه وأدواره، بقناعاته، حقائقه وأباطيله. وسّع بويز مهمة الفن هنا نحو التوجيه: دون الوعي بانخراطنا في قوى وظروف كونية يصعب علينا التقدم. وفي الآن ذاته يقوم سلوكنا (في أحسن الأحوال( بناء على بواعث باطنية ومعارف ذاتية ونصحح بعضنا البعض.

تشجير المدينة لا إدارتها

كان أول معرض فني كبير أحضره هو معرض دوكومنتا ٧ في كاسل. وأنا ابن الحادية والعشرين وصلت وأصدقائي ساحة فريدريش لنرى من فورنا أمام مبنى المعرض الرئيسي ٧ آلاف صخرة بازلتية متراكمة لا تخطئها العين، كانت أشبه بسور عملاق. بالعودة للصور أعرف اليوم أن تلك الصخور شكلت اسفينا يعلوه مثلث حاد. بلغ طول أعمدة البازلت، بوزن ٥٠ ــ ١٠٠ كغ للواحدة، بين متر ونصف إلى المترين لتتخذ أبعاداُ إنسانية حقيقية. حين أعود إليها بالذاكرة أراها تولد بتشابهها في الشكل والمادة، وفرادتها في الوقت ذاته، إحساسا باحتمالات فكرية صُفت فوق بعضها بعضا. كتلة صخرية تشع بقوة بصرية هائلة، أمرٌ يتعلق بالكمون والأثر المتبادل بين المادة وشكلها الأسمى، بالأحرى تحولاتها. تأثيرها العفوي علي، قدراتها القاهرة مبرمة وتسلب اللب، كغضب كلي غلبني داخليا فأذهلني. مازلت أشعر إلى اليوم بهذه القوة ماديا ومعنويا، وتكاد تكلفني ما لا طاقة لي به.

كجزء من عمله الفني طالب بويز بنقل قطع الحجارة البالغ عددها سبعة آلاف من مركزها الرئيسي ونصبها في أنحاء المدينة. ارتكزت فكرته على زرع شجرة جديدة جانب كل نصب بقصد إتمام التفاعل بين المادة العضوية والطبيعة حتى موعد المعرض التالي، أي بعد خمس سنوات. إذن كانت رغبته مضاعفة عدد الأشجار في مدينة كاسل. بسبعة آلاف شجرة بلوط شغل بويز معرضي دوكومنتا ٧ و ٨ والزمن بينهما. كان شعار الفن الاجتماعي حينها: «تشجير المدينة لا إدارتها» ما كلفه احتجاج بل وهياج الكثيرين عليه وعلى عمله.

اعتبر بويز عمله هذا فنا اجتماعيا وبيئيا بين الناس، وكإشارة على البدء نُصب في الساحة الرئيسية أول حجر منحوت من البازلت وزُرعت بجانبه أول شجرة. آنذاك بدت لي هذه المخاطرة عديمة الجدوى، ميؤوسا منها، مثيرة للشفقة وفي الآن ذاته جريئة، صارخة وسامية. فقد بدأ أحدهم، وبشكل جاد، مشروعا لا يستطيع إنجازه وحده، لا ماديا ولا إجرائيا. وضع بويز نفسه بكل ما أوتي من قوة تحت رحمة عدد لا يحصى من الناس. وعلق في فيلم وثائقي: „لهذا فأنا بالطبع أعتمد على الناس الذين أدركوا أن هذه الفكرة صحيحة بيئيا، أنها فن اجتماعي، فن بيئي.“ من الواضح أن هذه البادرة لم تؤثر فيّ وحدي، بل أحدثت فضيحة علنية مصحوبة بنقاشات من جميع الأطياف، شماتة ودفاع. رغم ذلك قبل سكان كاسل الدعوة، أو لهذا السبب تحديدا قبلوها. بدأ الجميع يفكر بالمشروع ابتداء برياض الأطفال مرورا بدور العجزة والجامعات، بل وحتى بلدية المدينة، فضلا عن المبادرات الحرة. هنا يصعب البت إن كان الجميع قد رأى في نفسه جزءا من عمل فني أكبر، جزءا من عضوية أم لا. المؤكد أن الغالبية تماهت مع الموضوع إيجابا بمبادرة واعية لزرع الأشجار. أقبل عدد لا يحصى من البشر لنقل أكوام الحجارة من أمام قاعة المعرض بمبادرة ذاتية. هكذا أُخذ فعل الفرد في كاسل على محمل الجد وتم تحويله إلى مبادرة جماعية مثالية، أي سلمه فرد إلى كثيرين نفذوه بطريقة لا مركزية لأجل ذواتهم، لأجل الكل. تحولت الصورة البدئية لكومة حجارة متراكمة إلى عدة نشاطات جماعية منظمة تزرع الأشجار في أرجاء المدينة. ستغدو المادة الحجرية التي ولدت في الأصل شعورا بالثقل الماحق أصغر فأصغر مقارنة بالأشجار النامية، التي مازالت تبعث الحياة بداهة في صورة مدينة كاسل.

الظروف قابلة للتغيير

ما هي الآثار المتوقعة من فكرة المشاركة؟ نخلق نحن البشر شروط المشاركة بأنفسنا وفق الأسئلة التي نطرحها: هل تزدهر أناي، هل تجد هويتي الروحية في هذه الظروف طريقها إلى مهمتها الأصلية، كما يستنتج فان دير مولن في كتابه «عمل القلب». في رأيه يقوم المجتمع المدني „على فكرة أن المواطنين الأحرار يتخذون مبادرات حرة تتجاوز حدود الدول والمنظمات“. ينشأ في التفاعل الحر بين الحركات غير المؤسساتية والمبادرات الاجتماعية والقوى البشرية الفردية مستوى جديد من الإبداع وبذلك يقوى قطاع اجتماعي ثالث إضافة إلى قطاعي سلطة الدولة والاقتصاد المهيمنين حتى الآن لوحدهما.

الظروف قابلة للتغيير: هل تمثل الثورة السلمية في ألمانيا الشرقية أواخر الثمانينات مثالا يحتذى بعد مرور ٢٥ عاما على هذا القول؟ حتى الآن لا تحظى المبادرات الذاتية اللانهائية وقواها الموحِّدة، التي أدت إلى انهيار جمهورية ألمانيا الشرقية كنظام لاشتراكية الدولة، بالتقييم الكافي كباعث فني إبداعي للحرية. لا تثق النخبة بالدفق الإبداعي النابع من الكثير من القوى المضطربة. „بالنسبة لي لا داعي للسياسة. مفهوم الخلق في جميع المهام التي يتكلفها البشر على الأرض هو المفهوم الذي سوف يأتي أكله في المستقبل“، يقول بويز في مقابلته المذكورة أعلاه.

المشاركة الاقتصادية

انطلاقا من مفهوم بويز للفن نتعلم التالي عن العلاقة بين الاقتصاد والفن التشاركي: "الفعل الفني والاقتصادي جزء من ثقافة المجتمع الذي نعيش فيه هنا أو هناك، أمس أو اليوم. الخلق الفني والنشاط الاقتصادي على حد سواء شكلان للنشاط البشري ولهذا فهما يخضعان لعوامل إبداع تاريخية، اقليمية وعالمية متقلبة."

شعار «كل إنسان فنان»، لا يفترض أن يكون كل إنسان رساما، موسيقيا، معماريا، أديبا أو ممثلا، لكنه يعني أن الجميع ناشط بشكل خلاق في سيرته الذاتية. وبهذا المعنى فالسلبية ذاتها نشاط خلاق. بما أننا خلاقو (أو فنانو) سيرتنا الذاتية فإننا ماضون في سياقات تاريخية، اجتماعية، عقائدية ودينية، نساعد بسيرتنا وخلالها في تشكيلها وتغييرها، بأن نتقبل هذه الشروط، ندعمها، نتركها لهواها، نتجاهلها، نصححها، نشددها، نبشر بها ونهبها لأطفالنا بشكل أو بآخر، بوعي أو لاوعي. ورغم كل الأخطاء والانعطافات الممكنة، فإن غاية فعلنا الفردي هنا هي أن نكون مفيدين للكل.

وصف رودولف شتاينر التقاء البشر بالشعيرة. حتى قبل الولادة نعيش في علاقات، ومع الولادة نعلق في شبكة متضافرة من اللقاءات، التي يزداد إدراكنا لها. لا نتلقى أطر التواصل على غرار الوالدين والعائلة والجماعة سلبا فقط، إنما نساهم منذ البداية في خلقها. وتكون العواقب النفسية والطبية لهذا التفاعل قوية جدا بحيث لا نستطيع كفاية الإحاطة بها.

نتباحث أثناء اللقاء في الدنيوي والروحي، في ما يمدنا بأسباب الحياة وما نجسده في الآن ذاته. للجزم في الأمر: في جوهرها تساهم المشاركة منذ البداية في تشكيل وعينا بالعالم وبالقدر نفسه في بناء الأنا تبادليا، أي إما أن نكون في تشارك أو لا نكون موجودين.

يقوم الاقتصاد الرأسمالي على المخاوف والاحتياجات الفردية والجمعية ويفرض التنافس على هذا الأساس. هل يجب أن يبقى الأمر على ما هو عليه؟ هل يمكن أن يظل على هذا النحو؟ يواجهنا الاقتصاد التنافسي، الذي ندين له بأشياء كثيرة، بشكل متزايد مع البؤس الفردي والجمعي، مع تدمير الإبداع الروحي، مشاكل الموارد العالمية، التفاوت الشديد في توزيع هذه الموارد والثروات، وأخيرا مع التغيرات المناخية. حتى بات عالم الاقتصاد ذاته يقر بضرورة العلاقات والتنسيق خارج إطار «حدود التنافس» للاستمرار في الحياة. هنا لا بد أن تطرح علوم الاقتصاد سؤالا: كيف سيتم التحول من التنافس إلى التعاون؟

إذن فالاقتصاد الخير موضوع يهم الجميع، حتى لو تمت صياغته أو فهمه، أو التلاعب به هنا وهناك بأساليب مختلفة. ستكون مسألة البيئة القضية العالمية الأولى للبشرية، فجميعنا مشارك فيها، جميع «اللاعبين» سواء الخاضعين للاقتصاد كليا أو بنسبة أقل. في أي عالم نريد أن نعيش؟ لقد غدت المشاركة مهمة كل الأجيال.

كإنسان، أريد أن أشارك في تشكيل أو حتى تحويل عالمنا. وسواء شئت أم لا، فإنني شريك دائم في التحول اليومي في حياتي. هذا يتضمن أن أعبر مثلا عما لا أريده (بعد الآن)، مثلا مزارع الحيوانات الضخمة، الطاقة النووية ودكتاتورية الأحزاب. أود أن أعرب عن شكوكي وأسئلتي الشخصية حتى لو لم يكن لدي بديل (الآن). لكني لأجل هذا بحاجة لكل من سبقوني، كل من عاصرني وكل من سيأتي بعدي، أحتاج الإلهام الروحي والتواصل مع جميع الموجودات. أود أن أتحمل المسؤولية عن كل ما أقوله وأخلقه كإنسان، لأني أنا وحدي، الإنسان، مثل غيري قادر على تحمل المسؤولية. لا يستطيع منطق أي نظام، مهما كان مثاليا، أن يقوم بهذا عني ولا أستطيع التنازل عن مسؤوليتي. إن المشاركة، مهما كانت تفاصيلها غامضة، تعني مما تعنيه تقييم الثقافة الاجتماعية والسيرة الذاتية والفن والاقتصاد والروحانية. كيف تنبض المشاركة بين الناس بالحياة؟ كل فكرة مهمة.
كونستانتين أداموبولوس ناقد ومؤرخ. موضوعه المحوري في مجالي الفن والاقتصاد.

ترجمة: كاميران حوج

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...