المشاركه و التبادل

بين السياسة وعلم الجمال
المشاركة في الفن

الفنّانة الألمانية سوزانه بوش تعرض في هذه المساهمة عملية نشوء مشروع المشاركة في الفنّ ومناقشته في الوقت الحاضر. وتشرح أسباب ميلها إلى هذا النمط من العمل الفنّي وأهداف هذا الشكل الفنيّ الجديد. وتوضح عبر أحد الأمثلة المستمدة من عملها في العالم الإسلامي كيف أنّها طبّقت هذا الشكل الفنيّ.

منذ الآف السنين والفنّ التشكيلي يصنع ضروبا من «اليوتوبيا» فيما يتعلق بمحتواه، وتقول نظرية «النحت الاجتماعي» للفنّان يوزف بويز إنّ كلّ إنسان يمكن أن يساهم في رفاهية المجتمع عبر العمل الخلّاق ويمارس تأثيرا «نحتيّا» على المجتمع عبر عمله هذا. ولابد أنّ تسهم العمليات الفنيّة بفعّالية داخل المجتمع، ونعني بذلك التشكيل الإبداعي للمجتمع وليس الفنّ وحده. وقد طرح كلاوس ليغيفي Leggewie وهارالد فلتسر Welzer عددا من الأسئلة المعبّرة والتي تحظى باهتمامي أيضا:

"كيف يمكن أن يكون ردّ فعل الأنظمة الديمقراطية عادلا ومستداما على الأزمات الاقتصادية والبيئية؟ إذ أنّ الأزمات المالية والاقتصادية وتحوّلات المناخ ونضوب الثروات الطبيعية ونهب مستقبل الأجيال القادمة تشكّل بؤرة انفجار اجتماعيّ لا نظير له. ويكشف تحليل الأزمات المتراكمة كيف أنّ الديمقراطية ستقع تحت سنابك القدر إذا لم يتم تجديدها على نحو جذريّ وتتحرر من ثقافة التبذير السائدة. هل يمكن تحويل نظام يقوم على النمو الاقتصادي المطّرد إلى نظام بيئيّ واجتماعيّ يقوم على العدالة والحياة النوعية؟"

فمنذ سنوات طويلة وأنا أهتم باعتباري فنّانة بالمبادرات الفردية التي تتعامل مع قضايا تأمين المواد اللازمة للاستهلاك المحليّ والنشاط الاقتصاديّ التعاونيّ والتعليم المشترك. وتحاول هذه الحركة المتنامية عالميا بهدوء أن تقدّم إجابة على هذه التحديات الحالية الشاملة. وما تقوم به الحركة غير المتجانسة هو بالنسبة لي عمل فنيّ بمفهوم بويز، ويتفاعل على نحو مثير مع نمط الحياة الممكنة مستقبلا. وتنطلق هذه المبادرات من فكرة في الواقع، وتعني هذه الخطوة الدخول إلى عالم جديد تماما عبر المبادرة الفردية والعثور على الذات.

الأخذ والعطاء

وباعتباري فنّانة فإنني أهتم بالموقف والبنية والسبل التي تؤدي إلى تشكيل العالم معا كما نتمناه نحن، فيحافظ على الحياة ويكون مسالما ورفيقا بالبيئة. وإلى جانب قدرتي الفنيّة فإنني أتعلّم باستمرار من هذه الحركات العالمية المتعلّقة بالوسائل والبنى والمواقف التي تتيح إمكانية العمل التضامنيّ المشترك. فأين يحدث هذا النشاط الذهني المشترك والعمل التعاونيّ والتنظيم الذاتي؟ وهل يرتبط ذلك بدرجة التطوّر الديمقراطي، وهل له علاقة بالديمقراطية أصلا؟

"إنّ أشكال المساهمة ونماذجها تنشأ مبدئيا عبر استياء الفنّانين من حالة الركون إلى الأمر الواقع. فالاستياء من الأطر الفنّية من ناحية والظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية من ناحية ثانية، بالإضافة إلى امتزاج هذه الظروف معا، كلّ ذلك كان ومازال إلى اليوم يمثّل أهمّ دافع للفنّان في رسم استراتيجيات بديلة وفنيّة وتشاركية على سبيل المثال فيما يتعلّق بالممارسة والتطوير والإنتاج والتوزيع (…)، وذلك في الوقت الذي تقف فيه هذه المحفزات والتساؤلات والاتصالات والأهداف الاجتماعية ــ السياسية في مركز الاهتمام."

وتصف المنظّرة ميون كوون Miwon Kwon في مقالة نشرتها عما ١٩٩٧ تجربتها حول عملية التغيّر الجديرة بالملاحظة والتي شهدتها الأشكال الفنيّة العملية في الأماكن العامة خلال السنوات الثلاثين الماضية. ويمكن التفريق وفقا لنظريتها بين ثلاث أطر نموذجية وهي:

"الفنّ في الأماكن العامة، والنصب التجريدية الحداثية في الفضاء الخارجي والتي «تجمّل» أو «تُغني» المكان المدينيّ، وخاصة تلك التي تنصب أمام المباني الحكومية أو العمارات المكتبية؛ والفنّ باعتباره فضاء عاما، وهو الفنّ الذي لا يخدم المشاريع المحددة بقدر ارتباطه بالمكان والذي يسعى إلى المزج المرّكز بين الفنّ والمعمار، ويساهم به الفنّانون والفنّانات مع المسؤولين عن بناء المدن (من قطاعات المعمار وتصميم البيئة وتخطيط المدن والتصاميم المدينية الحديثة وإدارة البلديات) لتنفيذ المشاريع الدائمة في تطوير المدن، مثل الحدائق والساحات العامة والمباني والمتنزهات والبنايات السكنية وما إلى ذلك، بشكل مشترك في زمننا الراهن؛ وأخيرا الفنّ الذي يخدم المصلحة العامة، أو ما يسمي بـ New Genre Public Art، والذي يقوم على المشاريع المؤقتة عادة التي تتناول المواضيع الاجتماعية بشكل أشدّ عمقا أكثر من اهتمامها بالمحيط العمراني والتي تفضل التعاون المشترك مع مصممين مختصين يتعاونون مع الفئات الاجتماعية «المهمشة» ويعمل على تطوير الوعي السياسي للمجتمع."

هذه النماذج الثلاثة للفنّ في المكان العام، أو هذا الأنموذج الفكري والمرتبط بالمكان والسياق العام يعكس حسب رأي كوون حالة تحوّل معقدة للفنّ الذي يتجه نحو القضايا الاجتماعية:

"وهي انتقال مركز الثقل من البعد الجماليّ إلى الشأن الاجتماعيّ، ومن التصوّر المنصب نحو غرض العمل الفنّي، إلى القضايا والأحداث السريعة الزوال، ومن التركيبات المستمرة، إلى التدخلات المؤقتة، ومن أولوية الإنتاج بصفته مصدر الدلالة والمعنى، إلى استيعاب الفنّ باعتباره مكانا للتفاعل الاجتماعي، وأخيرا من استقلالية الفرد الواحد، إلى توزيعه المتعدد بمفهوم المشاريع المشتركة."

قضية النوعية

مع أنّ نوعية القضايا السريعة الزوال التي تعرضنا لها هنا تحمل دلالة بالغة، فهناك الكثير من الفعاليات الفنيّة تتشبث بالإشارة إلى المكان المخصص للفنّ وحده، ولا تعتمد على الإمكانيات التي تكمن في التأثير المتبادل بين التأمل والإنتاج والتي أطلقت عليها ماري جين جاكوب Jacob وبالاستناد إلى يوزف بويز، عبارة „التوليد المشترك للطاقة“.5. وكما في جميع البنى التي تتيح درجات وأشكال من المساهمة مختلفة التركيز، فيمكن التأكيد على أنّ التواصل الاجتماعي والحوار والاحترام والتواضع وما إلى ذلك كلّما تجسّد بوعي ويتم إدراكها بوعي أيضا، فإنّ هذا المكان يكون أكثر انفتاحا، فيمنح المزيد من الثقة في قدرة المجتمع على العمل المتقن، فيساهم هذا المجتمع بنشاط أوسع. ونعني „بالمساهمة“ بأنّه يصبح مجتمعا مسؤولا في نهاية المطاف ويدرك واجباته وحقوقه ويشارك باتخاذ القرارات بنشاط.

وتعرّف سيلكه فلدهوف Feldhoff عملية المساهمة في الفنّ بأنّ:

"العمل الفنّي يوصف بالعمل المشترك عندما يقدم عرضا للمشاركة الذهنية (أي الاستيعاب المحض للعمل الفنيّ) أو أنّه يدعو إلى المشاركة الاجتماعية (أي تشكيل الوعي واستيعاب القضايا الاجتماعية المحددة، والارتباط بآلية اتخاذ القرارات) أو إلى المشاركة الجسدية، أي المساهمة البدنية الملموسة والنشطة.

وهناك عامل آخر يتمثّل في التركيز على آلية العمل نفسه وليس على إنتاج العمل بصورة منتهية. فالتركيز على الجوانب الاجتماعية، هو على العكس من ذلك، أمر يمكن مشاهدته دائما، لكنّ ذلك لا يعتبر بالضرورة عروضا للعمل المشترك. ويجب التفريق فيما يخصّ عامل(المشاركة الفعّالة) بالذات بين المشاركة التفاعلية والعمل الجمعيّ. ولا يراعي النقد ولا النظرية عملية التفريق هذه على الدوام. ويعود عدم وضوح المفهوم الذي يهمين على النقاش المرتبط بالمشاريع التشاركية إلى هذه الأسباب بالذات“.

وأودّ العودة في هذا الموضع إلى ارتباطي بالحركة العالمية المستدامة مثلما أشرت إليها في مستهل مقالتي عبر نصّ كلاوس ليغفي. فالمقومات الأخلاقية المطبّقة هناك تقوم على فكرة الارتباط عبر المساهمة في المجتمع. ومشكلة السياق الفنّي الذي يتم التعامل به اليوم، بما ذلك سوق الفنّ، هو التمسّك الدائم بحقوق الملكية والتفرّد والاستقلالية الفنيّة، وهذه كلّها عناصر تفريقية فاصلة. وتمّت المطالبة مرارا بإلغاء هذه المقومات في المشاريع الفنيّة التشاركية، وتبقى قضية تحديد أماكن هذا النوع من الفنّ وتقييمه ضمن إطار النظام الفنّي القائم حاليا، تبقى قضية مفتوحة. ويعيش الفنّانون والفنّانات الذين يعملون وفق مفهوم المساهمة في حالة تناقض هذين النظامين. وهم يواجهون خطر إقصاء أنفسهم من هذا النقاش أو ذاك. فهل يحقّ للمشروع الفنّي التشاركي ضمن إطار المتحف أو المهرجان، أو يجب عليه، أن يلعب دورا حتّى؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فيكف سيصل إلى هناك ويبوّب بما يناسبه؟

فالعطاء والأخذ يشكلان قاعدة الارتباط والتعاون الفكري والإبداعي المشتركين. ويجب أن ينعكس هذا الموقف الذاتي في الشكل المعروض، أي عبر التأثير المتبادل بين المراقبة والإنتاج. والناس يمتلكون نظاما مرهف الإحساس إزاء الدعوات الحقيقية للمساهمة ويستطيعون التمييز بسرعة بين هذه الدعوات وتلك التي تحمل أهدافا أخرى لكنّها تناظرها بالشكل. ولهذا السبب فإنّ عواملَ مثل المصلحة والتنظيم المشجع على الدعوة أو المؤسسة وشروط الممولين ومطالب المشجعين الآخرين تلعب دورا حاسما بالنسبة لنجاح الممارسة الفنيّة.

جمالية العلاقات

تعتبر العلاقات في العمل الفنّي أمرا مركزيا، ويستخدم المرء مصطلح «جمالية العلاقات»، عندما يتحدث عن الفنّ التشاركي المتعلق بدوره «بقضايا الحبّ». وتمثل عناصر هذه الجمالية جزءا من الحياة اليومية وكذلك قسما من نصب فنّي غير مألوف، لأنّه غير مرئي في النهاية. ويصف بويز هذه الحالة بـ «النصب غير المرئي»، باعتبارها تشكيلا يحدث أولا في مكان العلاقة غير مرئيّ، قبل أن يتخذ شكلا ماديا ملموسا.

مؤرّخة الفنّ كلير بيشوب Bishop تفرّق بين استراتيجيتين فنّيتين لغرض فسح المجال الفنّي للمساهمة أو إتاحة هذا المجال: والأولى هي تطبيق الفنّ عمليا بحيث يبعث هذا التطبيق رسائل للتأثير الاجتماعي بمثابة بديل للظلم الاجتماعي. والثانية تتعلق بالمنطلق الفنّي الذي يواجه الموقف بقوانينه الخاصة من حيث المبدأ. وتنتمي تجربتي بلا شكّ إلى الفئة الأولى، مع أنّني احترم وعلى نحو بالغ التأثير الكبير الذي تمارسه الفرضية الثانية، وسأقدم فيما يلي مثلين على تطبيق عملي الفنّي.

مثـل أريـحــا
ما وراء السماء والأرض
4TH EDITION OF CITIES EXHIBITION, PALESTINE, 2011-2013

من خلال مشروع Changemakers تقدمت بطلب ببتاء على إعلان لمتحف بيرزيت في فلسطين. فكنت واحدة من خمسة فنّانين (هم بالإضافة لي: أياد عيسى وسماح حجّاوي وساره بدنغتون وشروق حرب) وتناولنا طيلة فترة الدعوة، وهي عام كامل تقريبا، قضية مدينة أريحا. وكانت العملية تنقسم إلى ثلاث مراحل وهي البحث الميداني في المدينة نفسها والتي نُشرت في كتاب، والتدخل التشاركي داخل المدينة وأخيرا إقامة معرض في متحف بيرزيت.

كان الفكرة الأساسية لمشروع Cities Exhibition الذي أسسته فيرا تاماري Tamari تهدف إلى لفت الانتباه إلى العدد الكبير من العلاقات بين الناس والمكان والزمان، وإبراز تفرّد كلّ مدينة فلسطينية في الوقت الراهن. ويحاول «معرض المدن» ومن خلال عرض قضية الحنين والفولكلور الفلسطيني إظهار الواقع الثقافي في الماضي والحاضر بشكل متزامن، وليس فقط التشديد على تفرّد مدن مثل أريحا، إنما طرح أسئلة الذاكرة والهوية والتحوّل الاجتماعي. وقد دعانا مدير المشروع يزيد عناني، نحن الفنّانين الخمسة، للاطلاع على أريحا عبر سلسلة من «الخطط».

وفي معرض البحث الذي تركز على معرفة السرّ الذي جعل هذا المكان يلعب ولا يزال دورا تاريخيا، واعتمادا على الأساليب الهندسية، تعرّفت عن طريق الصدفة على مشروع Arab Development Society (جمعية المشروع الإنشائي العربي) الذي كان مجهولا آنذاك. وقد أسس موسى علامي «جمعية المشروع الإنشائي العربي» من الخمسينات من القرن الماضي ومازال ناشطا جزئيا إلى يومنا هذا. وتكمن فكرة العمل التعاوني الاجتماعي المشترك وراء هذا المشروع والتعلّم الجماعي والسكن وإنتاج المواد الغذائية.

وكان مؤسس المشروع موسى علامي مقتنعا بوجود المياه الجوفية في غور الأردن. وحينما عثروا على المياه في قطعة الأرض الصحراوية وبعد شهور في حفر الآبار، تأسست هذه المنظمة الخيرية، بالإضافة إلى مدرسة للبستنة ومزرعة تجريبية، كانت تضمّ ثلاثمئة شخص؛ وتدربت أجيال من الفلسطينيين على مختلف المهن. ولم تزل هذه الجمعية التعاونية قائمة الآن بصفتها مزرعة لمنتجات الألبان والتمور والأسماك، وهي توّرد القسم الأكبر من منتجاتها إلى الضفة الغربية. ويعمل خمسة وستون شخصا في المزرعة وتقيم إحدى وعشرون عائلة في تلك المنطقة الواسعة.

التجوال الليليّ

أوّد هنا أن أتناول المساهمة في سلسلة الأعمال التي نشأت في أريحا: فقد وجهتُ دعوة في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر للمشاركة في مسيرة ليلية صامتة. فحضر سبعون شخصا في عين ديوك على جبل القرنطل. فسرنا صامتين عبر ريف أريحا مرتبطين ببضعنا البعض على شكل سلسلة ولأكثر من ثلاث ساعات. وبدأنا من الجبال وسرنا بمحاذاة قنوات الريّ وعبر الحقول إلى وصلنا إلى المحلّة السكنية ثمّ مركز مدينة أريحا، قبل أن نتجه في المرحلة الأخيرة إلى المنطقة الصحراوية المستوية التي تؤدي إلى الأردن، لتنتهي الرحلة في مدرسة جمعية المشروع الإنشائي الخالية اليوم، حيث قطعنا صمتنا وتحدثنا عن هذه التجربة من خلال تجوالنا في المكان واختتمنا العمل بطعام العشاء في الهواء الطلق بعدما انخفضت حرارة الطقس.

كانت فعالية تفقّد المكان هذه مرتبطة بعملية الإنتاج الجمعي للمعرفة المكانية وإدراكها عبر التجربة. وخلقت المسيرة الصامتة التي لا يرى فيها المشارك سوى ظهر زميله الذي يسبقه شعورا بالتكاتف الاجتماعي دون التواصل اللغوي أو غير اللغوي. واتفقنا على القواعد العامة أثناء المسيرة وهي:

يجب التحلّي بالصمت المطلق
السير في خطّ واحد
متابعة الشخص الذي يسير في الأمام
إغلاق الهواتف الخلوية أو عدم استخدامها
عدم التقاط الصور
التوقف عن التدخين
عدم الاستجابة للأسئلة المباشرة للمشاة خارج المسيرة

وتوفقنا مرتين لشرب الماء والذهاب إلى المرافق الصحّية، وقمنا بذلك صامتين أيضا. ودوّن البعض ملاحظات كانت تطوف في مخيلته. فالسير في الظلام يحفّز الحواس وخاصة حاسة الشمّ والسمع واللم. ويتيح الصمت فرصة أفضل للإصغاء إلى العالم الخارجي وإدراك «الضجيج» الداخلي أيضا. فالتجوال عبر المكان يخلق شكلا آخر من الارتباط به. وتولّد سرعة السير انطباعا مختلفا تماما عن المكان.

كنت أعلم من خلال فترات إقامتي المتعددة في هذا المكان بأنّ الاحتلال أجهز على رغبة الفلسطينيين في معايشة مكانهم الحياتي على نحو حثيث. فهم يقطعون المناطق أ و ب و ج بالسيّارة أو الحافلة أو لا يقطعونها أصلا. والفلسطينيون مرتبطون تاريخا ببلدهم زراعيا وثقافيا. فهم يجوبونه مع ماشيتهم ويعتلون المرتفعات في مواسم الحصاد خاصة، ولديهم ثروة كبيرة من المصطلحات في مجال الفنّ والأدب يصفون بها جمال بلدهم وطبيعته. والروح الفلسطينية راسخة جذورها في هذه الأرض، وقد خلّّف انعدام فرصة التعرّف على البلد حالة من القطيعة المتعددة الأشكال. وبات مصدر المواد الغذائية وغيرها مجهولا. ولم يعد تحديد مناطق الأسر الفلسطينية وانحدارها أمرا يشغل الاهتمام، إذّ أنّ التنّكر للطبيعة والريف لا يحدث إلا بفعل منظور الابتعاد عن المكان.


معظم المشاركين كانوا من الضفة الغربية والكثير منهم جاؤوا من أريحا نفسها وبعضهم لم يتجوّل يوما في هذا المكان طيلة حياته. وأتاح هذا الإطار فرصة لأشخاص من مختلف الأعمار ومن كلا الجنسين لإدراك مجالهم الحياتي ضمن نطاق صغير.


وهنا بعض الانطباعات التي سجّلها المشاركون: 


يبدو أنّ السير بصمت ليس عملا غير مألوف، ومع ذلك فهناك أمران حولا هذا السير إلى عمل فنّي تشاركي وهما:
الصياغة الواعية للإطار العام في مقوماته المرئية وغير المرئية باعتباره استعراضا يمكن أن يعيشه الجميع. وإذا ما كانت هناك منطقة لا يجوز قطعها لأسباب سياسية فإنّ مشروع السير الواعي يتضمن في هذا السياق عنصرا يعزز قوّة المجتمع المدني وقدرته على المقاومة المحليّة. وقد بدأ البعض بالسير الجماعي فيما بعد، بينما رسّخ البعض الآخر فرصة السير الجماعي في وعيه للمرّة الأولى. وبهذا الشكل أتيحت لي شخصيا الفرصة النادرة لإدراك هذا المكان الليليّ، وبكلّ طمأنينة.
سوزانه بوش فنّانة وباحثة، أستاذة في جامعة ألستر (Ulster) في بلفاست. وقد كتبت أطروحة الدكتوراه حول موضوع المشاركة الفنية والمجتمع المدني. وتتعاون دائما معه معهد غوته.

ترجمة: حسين الموزاني

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...