المشاركه و التبادل

أنصار الحسية
إمكانية تذوق الجماليات في السياق السياسي

التساؤل حول الطابع السياسي للفن يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم استقلاليته، وذلك بوصفه نظيرا تكميليا له. ودائما ما يُثَار هذا التساؤل في مختلف السياقات التاريخية والاجتماعية. وتختلف بالتالي الأجوبة عليه. ما بين: „الفن سياسي على الدوام“ أو „لا يمكن للفن أن يكون سياسيا أبدا“ أو „لا يجوز للفن أن يكون سياسيا أبدا“ أو „ينبغي وأن يكون الفن سياسيا على الدوام“. ما الدور الذي يُعزَى إلى الفن في إطار النظام السياسي؟ إنغو أريند يستعرض هنا مجريات مؤتمر عُقِدَ في برلين وعكس تحولا موحيا في رؤية النخبة المثقفة اليسارية.

إما أن يكون الفن سياسيا، أو أنه ليس فنا بالمرة. لقد أخفق الفنان ومنسق المعارض أرتور زميجفسكي على نحو ما في اختيار شعار بينالي برلين للفن المعاصر. فقد أضر افتتاح المعرض عام ٢٠١٢ بنشاطات سياسية بالية بسمعة «الفن السياسي» بقدر أكبر بكثير من أي تشويه يقوم به التيار اليميني. ولكن كيف ينبغي أن يبدو هذا الفن، كي لا نرغب في التخلص منه في مكب التاريخ.

سبق وأعلن الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية أن الجماليات وليست السياسة هي التي تحمل الطابع السياسي. وقد عاد هذا الموقف المضاد ليكتسب زخما منذ سنوات عدة. رأى رانسيير أن قوة الفن تكمن فيما أسماه بـ «إعادة توزيع ما هو حسي‮»‬، أي: اتجاه بعض النشاطات والمواقف الرمزية أو الفنية إلى تدمير ما هو قائم من قواعد جمالية ورمزية أو أي اتجاه شعري ملتزم بقواعد صارمة أو غيرها من النظم المعيارية.

وهذا ما فعلته روزا باركس، الناشطة الأمريكية في مجال الحقوق المدنية، حينما تدخلت في المجال العام برفضها التخلي عن مقعدها في الحافلة من أجل راكب أبيض في ١ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٥٥؛ تلك الحادثة التي وقعت في مدينة مونتغومري بولاية ألاباما. أي أنها سعت إلى احتلال منصة مرئية جديدة، ونجحت في احتلالها بالفعل. إلا أن نهج رانسيير لم يجذب عددا كبيرا من الأنصار في إطار مؤتمر „سياسة الفن. إمكانية تذوق الجماليات في السياق السياسي“ والذي نظمته أكاديمية الفنون ومعهد غوته وأقيمت فعالياته في نهاية الأسبوع الماضي في برلين.

موت النقد الفني

يرى رانسيير أن هذا „الغموض“ الذي يرتبط بالعمل الفني هو الذي يحفِّز المتفرج على العمل السياسي، بينما تجد المؤرخة الفنية الفييناوية إينس كليزاتل أنه يلغي „حقيقة“ أي عمل فني. ولو كانت تجربة رانسيير الخاصة بـ «المتفرج المتحرر» هي فقط التي من شأنها أن تحتسب، لما عاد بإمكاننا الاختلاف حول المعايير الموضوعية، وهو ما يتساوى في الوقت نفسه مع موت النقد الفني.

تعاطف المشاركون في الندوة مع تلك الطبيعة الغامضة التي ينطوي عليها الفن، والتي وصفتها يوليانه ريبينتيش، فيلسوفة الفن من أوفنباخ، بـ «القابلية للاستثارة». فقد وجدوا أن الفن النقدي لا يفترض به أن يكون محددا أكثر من اللازم في المستقبل. واستشعرت النخبة المثقفة اليسارية أن „أهميتها الاجتماعية“، المشاد بها في الكثير من الأحيان، ينبغي وأن تختلف عما كانت عليه في ظل الجماليات السياسية الكلاسيكية، بين جون هارتفيلد وكلاوس شتاك وريميني بروتوكول. في هذا الصدد تقول جيانين ميرابفيل، صانعة الأفلام ورئيسة الأكاديمية المنتخبة حديثا (مواليد ١٩٤٣): "إننا عالقون في مأزق أحادية التفسير السياسي“، موجزة بذلك أعمال فنية من السبعينيات على نحو نقدي ذاتي.

من جهة أخرى يشكو الفيلسوف الفني البرليني، هلموت دراكسلر، ليلا ونهارا تيار «الانتقاد» السائد المبتذل الذي خيم على المعارض الوثائقية الثنائية والثلاثية وغيرها من المعارض الشبيهة بمعرض دوكومنتا وكذا على بحر الموضوعات ذات الدوافع السياسية. وعندما نجد شخصا ذا نزعة تقدمية، مثل ليونهارد إيمرلينغ، مدير قسم الفن التشكيلي بالمقر الرئيسي لمعهد جوته في ميونخ، يشكو „بؤس المشاركة“ و “التمويل التبادلي للثقافة عبر الأخلاق“ و „التيار السائد الملتزم بالجماليات العلائقية“ الذي يسعى إلى خلق „مجتمع أفضل“ عن طريق „التقليد الأعمى للغة الإدارية“؛ فإنه يجوز لنا أن نشير إلى انزعاج النخبة المثقفة اليسارية بشأن الجماليات الاجتماعية النقدية ذات الصبغة العصرية.

حذر إيمرلينغ لسبب وجيه من عملية تبادل الأدوار المثيرة للمشكلات، مشيرا إلى أن „الفن السياسي قد بدأ يحل محل السياسة“. وعبَّر الملحن وأستاذ الفن، ماتياس شبالينجر، أحد أعلام الموسيقى الحديثة في ألمانيا، عن رأيه قائلا: „إن سماع الموسيقى لهذا الغرض فقط، يعد أمرا سياسيا في حد ذاته“، مضيفا رأيه إلى جوقة من الأصوات الناقدة التي انطلقت في إطار حلقة نقاش مسائية.

أوصى الفيلسوف كريستوف بيرمس بالسماح للفنانين بالبحث عن مخرج من مأزق السياسية وذلك باعتبارهم «أنصار الحسية». إلا أن هذا الاقتراح بدا للكثيرين عنيفا أكثر من اللازم. من جهة أخرى، يبدو أن العودة إلى «استقلالية الفن»، كما في الأيام الخوالي، لن تفلح هي الأخرى. إذ اتجهت أستاذة الفنون، إيزابيل غراو، إلى تذكير المشاركين بتوافق هذا المذهب مع «الروح الجديدة للرأسمالية»، كما وصفها علماء الاجتماع الفرنسيين لوك بولتانسكي وإيف تشيابيللو في عملهما الذي صدر عام ١٩٩٩ تحت نفس الاسم.

"لا وجود للاستقلالية"

وأشارت غراو إلى تحوُّل مبدأي تقرير المصير والمسؤولية الذاتية إلى فضائل اقتصادية منذ فترة طويلة، وأن النموذج المثالي للفن الاستقلالي لا يكتفي بتيسير عملية تسويق تلك المفاهيم فحسب، بل ويتلازم أيضا مع قيم هذا الاقتصاد الحديث. وكذلك عبَّرت ميرابفيل، رئيسة أكاديمية الفنون، وهي ليست منظرة في المقام الأول، عن رفضها لتلك النظرية قائلة: "لا وجود للاستقلالية"، وسلَّطت الضوء على شبكة العناصر المختلفة التي يعتمد عليها الفن، بدءا من اختيار النوع الفني ومرورا بالجهات المانحة ووصولا إلى الموظفين.

إضافة إلى الطبيعة المراوغة التي يتمتع بها مصطلح «الجمال» ذو الجوانب المتعددة. ليس فقط لأن „الجمال شيء نادر“ (Beauty is a rare thing)، كما أطلق موسيقار الجاز أورنيت كولمان، الذي توفي مؤخرا، على أحد ألبوماته. بل لأن الجمال فقد على الأرجح طاقاته المدمرة منذ زمن طويل، وذلك بتحوله إلى مورد واسع الانتشار في مختلف مناحي الحياة اليومية الاستهلاكية. كما بيَّن الفيلسوف كريستوف مينكه أن أولئك الذين يسعون إلى إعادة تأهيله يميلون إلى الرجوع إلى نبرة روحانية جديدة، وقد سعى مينكه إلى إكساب الأعمال الفنية „قوة“ غير اقتصادية تمنحها „سلطة علينا“.

افترض الفيلسوف كريستوف بارتمان، مدير معهد جوته برلين، أن «نصب جرامشي التذكاري»، الذي أقامه الفنان السويسري توماس هيرشهورن عام ٢٠١٣ في مدينة نيويورك، من شأنه أن يرشدنا إلى «الطريق الثالث» ما بين رمادية المعارض الفنية المعاصرة، التي يغلب عليها الطابع النظري، وفلكلور المشاركة حسن النية ومفهوم «الجمال» الذي عفا عليه الزمن في «مرثيات دوينو» للشاعر ريلكه. إلا أن هذا الافتراض أثار جدلا في المؤتمر، حيث وجد البعض أن نظرية بارتمان بمثابة „مبنى ثوري متهالك يترنح بين الإخفاق والمثالية“ وأنها مبتذلة أكثر من اللازم وبالتالي قبيحة. وبدا للبعض الآخر أن منتدى هيرشهورن الاجتماعي الذي يتخذ شكلا فنيا والكائن في مشروع فوريست هاوزيس في منطقة البرونكس بنيويورك، ما هو إلا تجسيد للسوداوية المثالية. وهو ما يوضح أن الجدل حول العلاقة بين الفن والسياسة ستستمر إلى الأبد. ولكن، ربما لا يجوز لنا تذوق الجمال إلا من خلال منظور جدلي. أي أننا بحاجة إلى حركة ثورية جديدة من أجل إتاحة „إمكانية تذوق الجماليات في السياق السياسي“.
إنغو أريند أستاذ في العلوم السياسية ومؤرخ. يعمل منذ عام ١٩٩٢ كاتبا وناقدا في برلين، ويشارك في إدارة مجلة Getidan.de الإلكترونية. تتمحور موضوعاته حول الفن والسياسة وكذلك حول الفن والثقافة في تركيا.

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...