المشاركه و التبادل

طابع التفكير الدافيء
"الحافلة للجميع وعبر الجميع ومعهم"

تعود المبادرة العالمية المتفردة المتعلقة بالنحت الاجتماعيّ، أي ما هو مشترك في الفنّ، إلى الفنّان الألماني يوزف بويز وأفكاره حول تشكيل الحياة المشتركة: فالحافلة من أجل الديمقراطية المباشرة، والتي تجوب ألمانيا وأوروبا منذ سنوات طويلة تدعو الناس إلى استعادة الديمقراطية من أيديّ السياسيين وإعادة تشكيلها عبر المبادرات الذاتية.

لابد أن يكون هذا بيانا من أجل كرامة الإنسان وجمال العالم والمستقبل المشترك الذي تتحقق فيه الآمال. وهذا النصّ هو ليس للمشاركة في لعبة الحفلة الكارثية للحدث الراهن، ولا حالة شلل مليئة بالخوف في وضع انهزامي بسبب الاجتياح المتواصل لأحداث غير قابلة للتغيير يستسلم لها الإنسان عاجزا، لأنّنا نحن أنفسنا الذين صنعنا هذه الأحداث، ونستطيع تغييرها أيضا.

يقول يوزف بويز: „إنّ الموضوع كلّه مرتبط بالطابع الدافئ للتفكير. وهذه هي النوعية الجديدة للإرادة‭"‬. وبتنا الآن شهودا للحظة رائعة من التطوّر البشري، فنحن نعيش في فترة زمنية يدرك فيها الناس وللمرة الأولى أنهم هم البشرية جمعاء, ونطلق على هذا الأمر مصطلح العولمة. ولم تعد النظرة مقتصرة على المحيط القريب، بل أصبحنا مزودين بمعلومات شاملة من جميع أنحاء العالم. وحّتى لو اعتبر المرء أنّ هذه المعلومات تتخللها بيانات مغرضة ومدسوسة، فإنّ الاتهام لن يغيّر من هذه التجربة الأساسية. فنحن البشر نعلم بأنّنا مسؤولون عن وضع العالم وأنّ الطبيعة أخذت تفقد توازنها بسببنا، ونعلم كذلك بأنّنا مسؤولون عن أسلوب حياتنا المشتركة ونمطها. وحتّى لو لم ندرك ذلك، فإننا نشعر به على الأقل. وأصبح الإنسان مسؤولا الآن عن مجرى التطوّرات على الأرض، وأصبحت أنا نفسي مسؤولا أيضا عن سيرتي الذاتية. نعم، إنّني كائن طبيعيّ، ومخلوق يجهل أصله، بيد أنّني إنسان بالغ الرشد على العكس من الحيوانات والنباتات التي تتعرض للأذى من قبلنا. وأتحمل المسؤولية عن حالة التطوّر اللاحق ومستقبله. فكلّ شخص، بل الجميع، يتحملون في الوقت الراهن مسؤولية تشكيل الأرض وترتيبها من جديد.

النحت الاجتماعيّ

هذه التجربة في التفكير والإحساس والإرادة هي من اكتشاف الفنّان المعروف عالميا يوزف بويز الذي توفّي بألمانيا عام ١٩٨٦. وقد رأى عملا فنيّا كاملا كنّا ننجزه نحن الناس وأسبغ على هذا العمل لقب «النحت الاجتماعي». والنحت الاجتماعي هو عمل فنّي حيويّ متحوّل على الدوام ولا يتجسّد إلا عبر حضور الناس، وينطلق من الإدراك الحسّي المباشر وتكوين التفاصيل المتناسبة بينهم وعبر بعضهم البعض.

ومن خلال هذه الفكرة يستطيع كلّ إنسان البدء بالتشكيل الفنّي لسيرته الذاتية بشكل حثيث، فيجرؤ بهذا المعنى، وبالتعاون مع الآخرين، على تشكيل هذا العمل الفنّي الكامل المتجسّد بالنحت الاجتماعي. ولعلّ العبارة الشهيرة ليوزف بويز هي أنّ „كلّ إنسان فنّان“ قد أسيء فهمها أيضا وبصورة كبيرة. فهي لا تعني بأنّ كلّ إنسان هو فنّان بالمعنى الكلاسيكي أو نحّات أو رسّام أو موسيقيّ، إنما تعني دوما بأنّ كلّ إنسان يجب أن يتحمل مسؤولية تنظيم حياته والعالم معا، حتّى لو لم يكن يفعل شيئا.

التواصل عبر الحافلة

ولكي ننتقل من التنظيم الشخصي والخاص إلى الحياة المشتركة لجميع الناس فإنّنا بحاجة إلى واسطة اتصال، فجاء مشروع «الحافلة من أجل الديمقراطية المباشرة» غير الربحيّ مناسبا لتحقيق فكرة التصويت الشعبي.

فهل رأيتم مدرسة متنقلة تقلّ معلمين ومعلمات فتأتي إليكم وتتحدث معكم ثمّ تحمل معها أفكاركم ورغباتكم وتنقلها إلى الآخرين، فيفهم معلموها ومعلماتها أنفسهم باعتبارهم تلاميذ أيضا؟ وهم مقتنعون تماما بأنّنا كلّنا متساوون في الحقوق، وعلينا نصوّت بالضرورة على اختيار نمط حياتنا المشتركة. وإذا كنتم من أولئك الذين يعتبرون عملية التشكيل والتنظيم الاجتماعيين فنّا والذين يحملون مقولة الفنّان يوزف بويز „كلّ إنسان هو فنّان“ محمل الجدّ، فإنّكم ستلقون بـ «حافلة الديمقراطية المباشرة» غير المألوفة والتي تجوب ألمانيا وأوروبا منذ ٢٧ عاما وتذكرّ الناس بأهمية تطوير جوهر حريتهم.

حافلة الديمقراطية المباشرة تنطلق في مطلع كلّ ربيع وتتنقل بين المدن وتنظّم الفعاليات الثقافية وتزور الجامعات والمدارس لمدة ثمانية شهور كاملة، وتقف في مناطق المشاة وساحات الأسواق وباحات المدارس والجامعات، باحثة عن الحوار. فيرنر كوبرس هو قبطان الحافلة منذ ١٥ عاما ويقول إنّه عثر من خلال هذا العمل على مهمته في الحياة، ويمثّل ما هو ثابت بالنسبة لحياة الأبطال اليوميين في هذا الحقل المتغير باستمرار. فهو وثلاثة من المرافقين المتناوبين يعتبرون أنفسهم من صانعيّ التربة الخصبة للمستقبل، وخالقيّ فرصة الحياة المشتركة المثمرة للناس بالارتباط الجوهري مع الطبيعة. فهؤلاء الأشخاص الأربعة يعيشون ويعملون في الحافلة ومعها. ويستقل التلاميذ والطلاب المتدربون أيضا الحافلةَ بانتظام فينظرون إلى أنفسهم بصفتهم مساهمين فعّالين في تطبيق فكرة جماعية.

وتشغل آلية التصويت الشعبي ذات المراحل الثلاث مركز العمل دائما. لكنّ ما الذي يعنيه ذلك عمليا؟ إنّه يعني في البدء أنّ المشاركين في مشروع الحافلة ملتزمون بفكرة أنّ كلّ إنسان له الحقوق ذاتها. فهو لا يتمتع بالقابليات والإمكانيات ودرجة التعليم نفسها وما إلى ذلك، إنما يمتلك كرامته ضمن إطار المشروع الشامل الخاص باتخاذ القرار حول الحياة المشتركة. وهو يمتلك صوتا في لحظة اتخاذ القرار، شأنه شأن الآخرين كلّهم، ونحن نمنح كرامة الوجود الإنساني هذه لبعضنا البعض. وكلّ من يصغي إلى أعماقه بهدوء وعمق سيدرك بأنّ الأمر يسير على هذا المنوال.

فبلورة الانتماء الجماعي في ظلّ الديمقراطية لا يتحقق عبر انتخاب ممثليّ الشعب لكي يشكلوا برلمانا ثمّ حكومة تتخذ القرارات فحسب، إنما من خلال التصويت الجماعي حول قضايا محددة، وهذه هي المبادرة الشعبية والطموح والقرار الشعبيين. وتطبق هذه العملية في جميع الولايات الألمانية، لكنّ بطريق مختلفة، وتسير هنا وهناك بأسلوب جيّد وذا مغزى بهذا القدر أو ذاك، مثلما تأكد المواطنون أنفسهم عبر التصويت الشعبي. فالقضايا الكبرى المتعلّقة بالحياة المشتركة ما تزال مفصولة عن الديمقراطية المباشرة، إذ ليس هناك قانون اتحادي ينظم التصويت الشعبي على صعيد ألمانيا كلّها، أو على صعيد أوروبا.

مواضيع الحافلة

بالإضافة إلى الجهود المتواصلة التي يبذلها مشروع الحافلة المتنقل من خلال النقاشات اليومية بغية إيقاظ قوة الإرادة لدى السكّان للمساهمة في التصويت الشعبيّ على صعيد ألمانيا كلّها، فإنّه يقوم بنشاطات متنوعة أخرى. فينظم فريق العمل سنويا عشر فعّاليات على الأقل، وتتناول المواضيع الخطوات اللاحقة التي تهدف إلى بناء مجتمع يشكلّ نفسه بنفسه. ويتحدث الموضوع الحالي عن «اتفاقية التبادل التجاريّ الحرّ عبر الأطلسي» (TTIP) وعن توفير دخل أساسي لكلّ مواطن دون قيد أو شرط وإلغاء تدجين الحيوانات على نطاق واسع ولأغراض تجارية وتأسيس نظام نقدي جديد وتحرير المدارس والجامعات مع هيمنة الدولة ووصايتها وقضية اللاجئين في جميع أرجاء العالم.

ودائما ما يعمل يوهانس شتوتغن، وهو من أفضل تلاميذ يوزف بويز، مستشارا. وهو وزميلته بريغيته كرنكرس أسسا جمعية الحافلة وشهدا في حقبة الخمسينات والستينات كيف أن يوزف بويز نفسه أدرك فكرة تشكيل المجتمع من جديد خطوة إثر خطوة، باعتبارها مهمّة فنيّة أيضا وكيف طوّرها. وقد وصف يوهانس شتوتغن هذه العملية وصفا شاملا في كتابه القيّم Der ganze Riemen (كل الحكاية).

وتلبية لدعوة من قبل معهد غوته عام ٢٠٠٩ قامت الحافلة برحلة مثيرة عبر ١٢ بلدا في جنوب ــ شرقيّ أوروبا، شملت أثينا، مهد الديمقراطية وكذلك مدينة إسطنبول المجاورة. وأتضح من خلال هذه الرحلة حجم الآمال التي عقدها الناس على النموذج الألماني. فكانوا معجبين بقدرتنا على التنظيم والتنفيذ، ويعتبروننا أقلّ فسادا من الآخرين، ولهذه الأسباب كان معظمهم مقتنعين بأنّنا قادرون على تطوير الديمقراطية الفعّالة؛ مدركين تماما بأنّ الديمقراطية البرلمانية المحض ستكون مجرد لعبة في أيدي المصالح الفردية، إذ أنّ الأحزاب تستغل طموحات الناس وآمالهم قبل الانتخابات، ثم تجدّ نفسها في حِلّ من تعهداتها بعد الانتخابات.

وفي هذا السياق فإنّ ثمار التصويت الديمقراطي المباشر في ألمانيا تبدو جليّة فورا ويشعر بها الناس كالهواء النقيّ. فلمسنا أثناء رحلتنا بالحافلة ما ينتظره الناس منّا وأدركنا مدى أهمية تقديم مثل أعلى بصفتنا من دعاة الاستقلال السياسي ومصدره، وكنّا نستعرض السلطة الشرعية القائمة على القاعدة الديمقراطية والبرهنة على وجودها. ونحن البشر نعرف في الواقع الشكل الصحيح للمشاركة السياسية، وعلينا فقط أن نذكّر بعضنا البعض بهذه القضايا وندعم بعضنا بعضا. الذات والمجتمع يقودنا البحث عن أنفسنا والتلهّف لمعرفتها إلى إلغاء جميع التقاليد ويتطلب منّا تعريفا جديدا لجميع المفاهيم المتأصلة فينا. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الانفصال المؤقت عن عموم المجتمع، وهذا يعنني أنّني هنا والعالم هناك. وهذا هو مصدر الأنانية الثابت الذي لا يجوز أن يطغي بصورة دائمة على إمكانية اكتشاف ما هو جماعي مشترك. فعجز الناس أمام التأثير المضمر لممثليّ السياسة والاقتصاد الوثيقيّ الارتباط، أولئك الساعين إلى تحقيق مصالحهم الشخصية الأنانية، يخلق في الزمن الراهن رغبة متنامية في وضع قواعد واضحة. وإذا كان بعض الناس مجردين من المصلحة الشخصية فليس من العجب أن يؤمنوا بأنّ من الأفضل أن تكون قواعد الحياة المشتركة من صنع الله وحده. لكنّ صراع الناس مع بعضهم البعض والذي ينشأ بسبب التفاسير والشروح اللازمة للقوانين الإلهية سوف لا تنتهي وستولّد مشاكل تماما مثل القوانين ذات الطابع الدنيويّ المحض. وما نحتاج إليه هو اكتشاف طريق يشترك فيه الجميع ويتمثل في أن‭ ‬„الله يسكن في أعماقي“، ويجب أن تنبع القوانين من أعماقنا المشتركة ومن المجال الذي يشترك فيه الناس جميعهم.

وبهذا نصل مجددا إلى مقولة أن „كلّ إنسان هو فنّان“، بمعنى التشكيل المشترك والمتساوي للمجتمع ومن خلال الحريّة وضمن إطار الديمقراطية التي نضع قواعدها نحن بأنفسنا، فكلّ إنسان هو صوت. وهذه هي إشارة الزمن الراهن والمشاركون في مشروع الحافلة من أجل الديمقراطية يعيشون ويعملون من أجل تحقيق هذا الهدف.
ميشائيل فون در لوهه مصور فوتوغرافي وكاتب ومدير مشروع «الحافلة من أجل الديمقراطية المباشرة» منذ ٢٠٠٤، ومؤسس جمعية «السير المستقيم».

ترجمة: حسين الموزاني

ترجمة: هبة شلبي

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015
مواقع أخرى

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...