المشاركه و التبادل

في تكريم صادق جلال العظم
مفكر رائد وناقد

ينتمي الفيلسوف السوري صاديق جلال العظم إلى المفكرين العرب القلائل الذين يستطيعون الجمع بين انتقاد الإسلام ونقد أنظمة الحكم التي تدعي العلمانية في العالم العربي. وبفضل كتاباته يمكننا كقراء غربيين وشرقيين على السواء أن نفهم العالم العربي بشكل أفضل. وقد حاز الآن ميدالية غوته تكريما لإنجازه الفكري.

1

في مطلع عام ١٩٦٩ ورغم أنه لم يكن قد مر على إقامتي في لبنان وقت طويل، إلا إنني سمعت كثيرا عن سوري اسمه صادق جلال العظم. وكتبت الصحف اللبنانية بصورة جدلية عن هذا الرجل العنيد القادم من دمشق. وحذرني مراسل صحيفة فرانكفورتر ألغماينه في بيروت من هذا اليساري، الذي يعد ماركسيا قحا. تغلبت على خوفي وحاولت الوصول إلى صادق جلال العظم في شقته الصغيرة أمام الجامعة الأمريكية في بيروت، لكن صادق كان يقبع لتوه في السجن.

وقد حدث ذلك على النحو التالي: بعد عودته من جامعة ييل درس صادق الفلسفة الأوروبية في الجامعة الأمريكية ببيروت وإلى جانب ذلك ألف ما بين عامي ١٩٦٨ و ١٩٦٩ كتابين جعلاه بدفعة واحدة مشهورا في العالم العربي أو ــ بالنسبة لآخرين ــ أكسباه سمعة سيئة.
كان الكتاب الأول بعنوان «النقد الذاتي بعد الهزيمة». والهزيمة المقصودة كانت الحرب الخاطفة التي شنتها إسرائيل على القوات المصرية والسورية والأردنية في يونيو ١٩٦٧، وضربت الأنظمة العربية التي لم تكن مستعدة لها رغم كل الدعايات الصاخبة. وقد كان صادق أول من حلل هذه الهزيمة باعتبارها فشلا مهينا تسبب فيه المهزومون أنفسهم، وليس كـ «نكسة» مؤقتة كما فعل معظم زملاؤه العرب. وقد أصبح رجال الدين المسلمون الذين يحتمون وراء شعار «الإسلام هو الحل» ــ وبالتحديد حل كل مشكلات العالم المعاصر ــ من أشد خصوم صادق. وقد نشر صالح المنجد وهو أحد ألد أعداء صادق الأصوليين كتابا في ألمانيا عام ١٩٦٨ بعنوان «العالم العربي، إلى أين؟» ووفقا له فإن العرب خسروا حرب حزيران/ يونيو لأن المسلمين لم يكونوا أتقياء كما يجب، وجعلوا ولاءهم للشيوعية والبلشفية. وهذه الصيغة من الظلامية المتشحة بالدين هي بالضبط ما قُدر لصادق أن يكافحه طوال حياته.
أما الكتاب الثاني فقد زج بصادق إلى السجن لفترة قصيرة وكان بعنوان «نقد الفكر الديني»، وقد كتبه أيضا بالعربية. وأصبح الكتاب من بين أكثر الكتب مبيعا ولا يزال يقرأ ليومنا هذا في كل الدول العربية تقريبا، رغم حظره بانتظام. لقد اتخذ مفتي بيروت من نقد صادق للقرآن والإسلام دافعا لمقاضاته بتهمة „إثارة الفتنة الطائفية“. ومن بين التهم التي وجهها المدعي العام لصادق أنه شكك في وجود الجن والملائكة والشياطين المنصوص عليه في القرآن واستهزأ به. لكن في لبنان التي تتمتع حتى اليوم بالصحافة الأكثر حرية في العالم العربي، أُطلق سراح صادق بعد أسبوع من الحبس. إن المحرك الأساسي في الإنجاز الفكري لصادق هو مصطلح «النقد». وليس لهذا صلة كبيرة بنقد العقل لدى إمانويل كانط الذي اشتغل عليه صادق في جامعة ييل. فقد توجه صادق بالدرجة الأولى إلى نقد الدين لدى كارل ماركس. وقد أصبح نقده لتحالف الدين الممأسس والسياسة إلى حد ما سمة مميزة له. كان شعاره هو "قول الحقيقة للسلطة" Speaking truth to power ووفقا له فإن النقاشات يجب أن تكون علنية. انتمى صادق ولا يزال ينتمي إلى اليساريين العرب الذين أضعفهم انهيار الاتحاد السوفيتي كثيرا. لقد بدت الماركسية لكثير من المثقفين العرب الطريق الأوحد لفهم مجتمعاتهم بصورة أفضل. وبدا لهم أن الاشتراكية هي الأفضل لجعل المجتمع أكثر عدالة. لدينا في ألمانيا أسباب كافية للنظر بشكل نقدي إلى الستالينية والاشتراكية في تطبيقها الواقعي. لكن في العالم العربي بدا أن العلمانية والعقلانية والنسوية والبحث المستقل وأمورا كثيرة أخرى يمكن تحقيقها إذا ما تحركت مجتمعاته جهة اليسار.
في عام ١٩٩٠ كتب صادق كتابا جريئا حمل عنوان «دفاعا عن المادية والتاريخ» أيضا باللغة العربية، وطالب فيه بماركسية غير دوغمائية في وقت بدأ فيه الكثير من اليساريين العرب بمغازلة جمهورية الخميني الإسلامية أو ارتموا في أحضان ما بعد الحداثة الفرنسية.

2

وإذا كان صادق سيكرم اليوم بميدالية غوته، فيجدر الحديث هنا ولو بإيجاز عن علاقته بالأدب. عندما عرف صادق أثناء تواجده في برنستون في نيسان/ أبريل من هذا العام بنيله ميدالية غوته، كتب إلي أنه طلب على الفور من مكتبة الجامعة هناك مسرحية «فاوست، الجزء الأول». فهو دائما ما يعتبر هذه المسرحية علامة فارقة في تاريخ الحداثة. وقد ألقى صادق في السبعينات والثمانينات محاضرات عن مسرحية «فاوست» لغوته باللغة الإنجليزية في الجامعة الأمريكية في بيروت ولاحقا بالعربية في جامعة دمشق.
لقد كان فهم صادق للأدب مصحوبا في الأغلب بتفسير سياسي. وعندما صدرت رواية سلمان رشدي آيات شيطانية (١٩٨٨) رأى صادق أن تفرد هذا الكتاب ينبع من أنه أرغم الشرق الإسلامي والغرب العلماني على الدخول لأول مرة إلى سجال سياسي وأدبي. وقد اعتبر أن رشدي المتمرد المسلم، يكمل المسيرة الأدبية لفرانسوا رابليه وجيمس جويس. وهنا وجدت عبارة غوته المستهلكة كثيرا عن الشرق والغرب اللذين لا يمكن فصامهما، ملامح جديدة. كان صادق من الكتاب العرب القلائل الذين تجرأوا على تأييد هذا الكتاب وإدانة «فتوى القتل» التي أصدرها الإمام الخميني بحق رشدي بدوافع سياسية.

3

لقي صادق ولا يزال يلقى احتفاء وتقديرا في الغرب وذلك عن جدارة، ومثال ذلك احتفالية اليوم. لكن ينبغي علينا ألا ننسى شيئا وهو أن كتبه قد قُرأت ولا زالت تُقرأ في العالم العربي، دون أن يُحتفى بصاحبها. لم يحدث يوما أن تبنى سياسي أطروحاته. وحسبما أعرف، فلم تتجرأ جامعة عربية على منحه جائزة. وقد قال في مقابلة صحفية قبل أعوام إنه سيبذل كل ما بوسعه كي لا يصبح „مثقفا عربيا في المنفى“. لكننا سنضطر للأسف لتكريمه هنا بهذه الصفة تحديدا. إذ يغرق وطنه سوريا في آتون الحرب. وحياته لم تعد آمنة في لبنان. هل ثمة ضوء في آخر هذا النفق المريع؟ نعم على الأقل هناك بعض الأمل. لقد صدرت الترجمة الإنجليزية لأهم مقالات صادق في طبعة إنجليزية أنيقة. وصادق يعرف ما يعرفه «كنديد» بطل فولتير، وهو أن العالم ليس جنة عدن ولا هو أفضل العوالم، بل إنه مليء بالوحشية، وقد قبل كنديد في آخر جملة في كتاب فولتير، أن „يزرع حديقته“ رغم النيران والدماء. لا يزرع صادق جلال العظم أية حدائق، لكنه الآن بصدد تأليف كتاب جديد لنا.
شتيفان فيلد باحث ومستشرق ألماني معروف. أستاذ الدراسات الإسلامية السابق بجامعة بون. وقد ألقى هذا النص ككلمة تكريم بمناسبة نيل صادق جلال العظم ميدالية غوته في فايمار، مسقط رأس غوته في ٢٥ تموز/ أغسطس ٢٠١٥.

ترجمة ترجمة: أحمد فاروق

حقوق النشر: معهد غوته فكر وفن
كانون الأول / نوفمبر 2015

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    فكر وفن الأدب في العصر الرقمي

    يمكنك قراءة فكروفن العدد ١٠٢ على Smartphone أو Blackberry أو eReader!
    للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...