منذ أحداث 11 سبتمبر لغاية الثورات العربية

أعوام جيلي الأولى – هويات منفلتة عن الأمة والتاريخ الإيديولوجيا

لقد كان معظم منفذي هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من السعودية- لكن تأثير الهجمات على السعودية ظل غير مباشر، الكاتب السعودي أحمد الواصل ينتمي لجيل تركت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر آثارا دامغة على حياته، وهو يصف في المقال التالي التغيرات التي طرأت على بلاده منذ الهجمات وأشكال الصراع التي تشهدها منذ ذلك الحين.

أنا أستحم وهو يقول: الله أكبر ..
يوم الثلاثاء 11 من سبتمبر 2001 كنت للتو وصلت بالسيارة وصديقي إلى البحرين. كنت في الحمام أغسل عن جسدي غبار الطريق، وبعد خروجي من الحمام أنشِّف جسمي وجدت صديقي الذي تأكدت من وهابيته العمياء حين سمعته، وهو يكرر : الله أكبر معجباً، ويتحسب بالمزيد من الشر على أمريكا.
طار من رأسي حينها كل ما فكرت به الجولة المعتادة بين المكتبات والسينما والمرور على البحر. حتى أنني بقدر تعاطفي مع كل من أصيب جراء هذا الهجوم القادم من الجو..تساءلت في نفسي وأنا أكتم ذلك:
كيف تستطيع الإيديولوجيا، وهذا وجه من بشاعتها ، أن تلغي بشرية الإنسان؟
حتى أنه لا يشعر بإنسانيته حيث يتوجب عليه الشعور بإنسانية الآخرين.
سأتفهم أن هذه الأمريكا صورت له، ولا يخلو الأمر من تأجيج الصراع السياسي، بأنها حليفة الشيطان ضد دينه وإيديولوجيته رغم أنه قبل أقل من عقدين تحالفت هذه الأمريكا المسيحية مع وهابيته ضد الشيوعية ودفعت بالكثير من شبابنا للقضية المقدسة، وهي حرب الشيوعية في أرض أفغانستان.
ربما تناسينا نحن في المجتمع ما حدث لمن عاد من محاربينا، أو من يدعون العرب الأفغان، ممن لم ينالوا شرف الشهادة حيث أخطأهم الروسيون في الحرب ماذا سنفعل لتأهيلهم في المجتمع، ونحن لسنا بالمجتمع المدني، وإنما مجموعة متنافرة من القبائل والمتحضرين المتفرقين والمقيمين العرب المختلفي المرجعيات البيئية.
لعل هذه المشكلة المعقدة والشائكة حيث تتباين فعالية الحقوق والواجبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية !
وقد حكم التاريخ، بأمر نظرية المؤامرة والفراغ، ألا نكون من أهل هذا التاريخ. لسنا إلا البقعة التي تصدر النفط إلى العالم التي يوجد بها مدينتا الدين الإسلامي: مكة والمدينة.

النمل يأكل الكعكات

ولدت أواخر السبعينيات بعد مكاسب طفرة النفط عام 1973. واكبت الطفرة أحداث سياسية محلية وعربية لم تبدأ بمقتل الملك فيصل عام 1975 ولا العفو عن السجناء السياسيين بمختلف انتماءاتهم السياسية من بعثية وناصرية وشيوعية. إلا أن اليد مطلقة للتيارات الاحتجاجية الإسلاموية بحسب تصنيفاتها الكثيرة.
لقد اخترق الإسلام السياسي دول الفقر كلها في آسيا وأفريقيا ثم تسلَّل إلى أحياء الفقراء والمغتربين في أوروبا وأمريكا.
لقد دفعت أموال كثيرة بكميات تفوق عدد حبات الرمل في الجزيرة العربية كان يمكن أن يستفاد منها بالمشاريع التنموية الكبرى بما يمكن أن يجعل منا دولة الحلم ! امتلأت المساجد بأفواه الوعاظ وأشرطة الكاسيت الصارخة والكتيبات الملغومة. يدخلون ليفرقوا بين الناس وأهاليهم وأصدقائهم.
لقد قضيت في المدرسة وهي ممتلئة بالنمل .
نعم، شهدت صراعاً ولكن لم يقنعني الطرف الإسلامي بتحريماته غير أن تهديده نفرني منه لا مما أحب من الفن. فأنا أهوى الأدب والموسيقى والسينما والمسرح.

قلق في  الصحراء

عندما جاءنا نبأ صاعق ذلك المساء، أذكر أنه كان عصراً، عبر زوج خالتي الصحافي الذي كان يدير مكتب جريدة الأنباء الكويتية عصر ذلك اليوم الخميس 2 أغسطس 1990 بأن الكويت صارت في يد صدام حسين. كنا نشاهد مسلسلا عراقياً يدعى "الشموع السوداء" لم يستمر عرض المسلسل دون سبب هكذا الأمور دوماً.
ولم يكن احتلال أرض الكويت سوى صورة من احتلال بلد أقاربي. لقد صدمني احتلال جيوش صدام حسين فكشف وعياً بالسياسة عندي حيث لم أتجاوز الخمسة عشر ربيعاً.
تابعنا الأخبار كلها. التصريحات السياسية وتحركات المسؤولين ثمة تضارب في مبررات هذا الاحتلال. لم يكن سوى النفط!
درج جدي أن يقسم حياته بعد تقاعده بين أن يبقى في الكويت نصف السنة والنصف الثاني بين الرياض ومسقط رأسه عنيزة في إقليم القصيم.
هذا الاحتلال كان طرقا بالحديد على رأسي الصغير دفعني إلى الاهتمام بالتاريخ السياسي والاقتصادي والديني لهذه الجزيرة العربية المقطعة في صورتها إلى مجموعة من الدول المختلفة في الحجم والمساحة غير المبررة تاريخياً.
إنها حكمة الأخوين سايكس – بيكو !
لم يهدأ المجتمع فقد ظهرت تحركات احتجاج ديني تمثلت في أحفاد الإخوان الوهابيين، ويدعون آنذاك بالصحوة، عملوا على مجابهة وإحراج الحكومة بالخطب والندوات العلنية من منابر رسمية لاستعانتها بالجيش الأمريكي لتحرير الكويت، وكأنهم لم يروا أرامكو وموظفيها!
وها هي الحكومة تدخل حرباً مع أبنائها الصحويين الذين رعتهم في أرضها لن تتصور أن أبناءها الذين سيعودون من أفغانستان سيعدونها بالمفاجآت الأخرى!
ولكن سيتبدى إلى جوار ذلك حركة مطالب وطنية مستمرة تمثلت صورها بحركة 6 نوفمبر (الاعتصام النسائي) الذي بدأ بقيادة 47 امرأة للسيارات في شوارع مدينة الرياض مجاورة لقيادة المرأة الكويتية والأمريكية السيارة في بلادهن بالإضافة إلى حركة المطالب المؤجلة منذ الستينيات تستعاد عام 1990 حول وضع الدستور وإصلاح القضاء وإنشاء البرلمان التي دفع بها مجموعة من الشيوعيين والقوميين.
بنهاية تحرير الكويت. سجن من سجن وهرب من هرب. كان الجو مشحوناً من جديد. لم نعرف ماذا ينتظرنا. في هذه الفترة كنت ألتهم الكتب التي تتناول المنطقة تاريخياً وسياسياً بعيداً عن الكتب الصفراء ذات الفضائح والاستشراقية الطابع.
بدأ الغضب المكبوت من التاريخ وأهله يتحول إلى صداع مزمن. زرت طبيباً نفسياً لأكثر من مرة. ربما لأكثر من سبب حيث بدأ صراع المراهقة على أشده. يدفعني بين خيارات إيديولوجية وجنسانية واجتماعية ربما تتصل لما له علاقة ببداية موهبتي التي كانت تتراوح بين الكتابة والغناء والرقص.
استطعت أن أدخل الصحافة مبكراً قبل جيلي حيث لم تأخذني لعب المراهقة الذكورية من لعب كرة قدم في الأحياء، وقيادة السيارة والاستعراض بها، والغزل في الأسواق والمراكز التجارية.
لقد توجهت مبكراً لتحويل موهبة الكتابة لطاقة إنتاجية، فعملت أثناء المرحلة الثانوية في الصحافة حتى الاحتراف خلال ما بعد فترة الجامعة.
أصدرت أول مجموعة شعرية وأنا في السنة الجامعية الثالثة. توالى إصدار كتبي مرة بدعم من الشاعر البحريني قاسم حداد والشاعر اللبناني أنسي الحاج . أتاحت لي دور النشر اللبنانية كما الصحافة الكويتية لاحقاً فضاءً جعلني أتخطى الطابع المحلي كما رفع معيار الكتابة في حريتها وجماليتها وشروطها الإبداعية بقدر ما اتاح تواجدي عربياً حرمني من التواجد محلياً لأنني لا أرضي ظنون الرقيب الوهابي.
ربما له الحق، فلقد تحديت عصاه وكسرتها.

ملك تأخر كثيراً

إن التطور الذي بدأ يتضح كمقدمة لتسلم الملك عبد الله مقاليد الحكم في السعودية كان يحرك بعض الأمور التي أوقفت أو طال أمد إقرارها وتفعيلها. مثلما حدث سابقاً مطلع التسعينيات بأمر من الملك فهد حيث صدر عام 1992 النظام الأساسي للحكم ( الدستور) وإنشاء مجلس الشورى.
واصل الجناح الجهادي المسمى ( القاعدة) حربه داخل السعودية بتفجيرات بدأت بدأت منذ عام 1995 حتى عام 2003 لم تسلم منها التجمعات السكنية للأجانب من بريطانيين وأمريكيين غير أن الكثير من السعوديين والعرب مات أو جرح فيها.
لقد شهد تولي الملك عبد الله بعض التحرك السياسي بعد أن تجمد الوضع السياسي لوقت ليس بالقصير حيث تعرض الملك فهد للمرض مصدوماً لما فعلته القاعدة ببلاده!
تعرضت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المكروهة من المجتمع، إلى موقف حازم من الملك عبد الله إثر منع أفراد منها عام 2002 فتيات مدرسة في مكة من الخروج جراء حريق ما لم يلبسن عباياتهن ما أسفر عن كارثة على الطالبات إذ لقيت خمس عشرة تلميذة تتراوح أعمارهن بين الثانية عشرة والسابعة عشرة حتفهن دهسا أو اختناقا أو بسبب إلقائهن أنفسهن من نوافذ المدرسة التي اشتعل سقفها نتيجة ماس كهربائي، فضلاً عن إصابة 50 أخريات من طالبات المدرسة ذاتها .
وهذا قد أحزن الملك، فصدر قرار بدمج المؤسسة التعليمية الخاصة بالفتيات بالمؤسسة التعليمية الأخرى للفتيان، وصارت وزارة التربية والتعليم ولكن هذا الحدث  أتاح نشر غسيل الهيئة في الصحافة في درجة لم يسبق لها أن تحدث !
من خطوات الملك إطلاق الحوار الوطني عام 2003 كانت خطوة للمشاركة ولكن بحدود رسمية حيال مواضيع المرأة والشباب والطائفة والطفولة . كذلك عام 2005 إقامة جمعية أهلية لحقوق الإنسان ولحقتها هيئة رسمية بذات المجال!
وحدث تأسيس لهيئة البيعة لتنظيم الخلافة في السعودية عام 2007 كان تحركاً سياسياً علنياً من الأسرة الحاكمة وسيكتشف مدى جدواها في المستقبل، وفي عام 2008 شارك الملك في حوار الأديان، وفي عام 2009 أقدم على عزل رئيس مؤسسة القضاء، وعيَّن أول مرة نائبة لوزير التربية والتعليم !
ولكن بقيت الأحداث الأخرى من سياسية واجتماعية واقتصادية تلقي بظل شديد، مثل احتلال أمريكا للعراق وآثاره 2003 بتأسس أكثر من دولة داخله كانت القاعدة أنشطهن تستقطب كوادرها من شباب البلاد، وتحاول أن تستمر في حربها داخل السعودية وتتسرب من كل الحدود المتاحة.

بيض النمل الجديد

لقد دأبت الكثير من الأسماء المتحولة عقائدياً إلى اتخاذ نموذج المفكر عبد الله القصيمي (1906-1997) مبرراً لحالة تحولها غير أن حالة القصيمي لم تكن كما توهموا ، فهي حالة في تطور المفكر الجذري حول الأفكار الكبرى مثل الله والإنسان والكون.
لقد ظهرت أسماء كثيرة بعض منهم يحاول أن يبرأ من تاريخه العقائدي ولم يتمكن إلا من حالة تصفية حسابات شخصية مع ماضيه فانتشرت بعض السير الذاتية في المنتديات وبعضها تحول إلى كتب بينما آخرون ادعوا الانخراط في التحليل السياسي من المنظور العقائدي ذاته حيث دخل بعضهم في الوهم الجديد بأنهم تحولوا من خبراء في الإرهاب ومحللين اجتماعيين وسياسيين إلى مفكرين يجمعون الكثير من مقالاتهم الضحلة في كتب لم تشتر!
ربما تنطبق عليهم نظرية تطور الكلام عند الإنسان العربي التي وضعها عبد الله القصيمي، في حالته الأولى كأصوات ثم ككلمات ثم كلمات ومعنى، وهي نظرية اشتهرت تحت اسم "العرب ظاهرة صوتية (1977)" أي : أنه مجتمع بلا تفكير، وهؤلاء يكتبون بلا تفكير. إنها كتابة غرائزية. تبدو على شكل ثرثرة لا تنتهي. أصوات تقرع ومزعجة جداً.
هناك أصوات مهمشة منتجة لخطاب مضاد ولكنه واع وجديد بعضه احتجاجي وآخر نقدي يراجع الأفكار والمواقف.
أستطيع أن أشير إلى حسن المالكي الذي وضع أكثر من مؤلف لينتقد ويحلل تاريخياً وعقائدياً ظاهرة التكفير عند المذهب الحنبلي التي ورثها وفعَّلها المذهب الوهابي، فأصدر أكثر من كتاب أولها "قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجاً (2000)"، والكتاب الآخر الذي انتقد فيه محمد عبد الوهاب مؤسس الوهابية "داعية وليس نبياً (2004)". ولكن ستنكل به المؤسسة الدينية ونملها المنتشر في أروقة وزارة التربية والتعليم لتلفق له عملية فصل من عمله مدرساً  بحجة التغيب عام 2003 (رغم أن الوزارة كلفته بعمل يخص المناهج)، وسوف تحاول نقله إلى عمل إداري غير أنه كسب القضية 2009.
ومن الضفة الأخرى سأرى حركة مراجعة التاريخ والتجربة بصورة نقدية تاملية لنماذج من  الحركة الوطنية بمختلف أطيافها حيث أصدر الكاتب والمفكر السياسي تركي الحمد سيرته الشخصية الذي انتمى لحزب البعث في رواية ثلاثية.
كذلك أعيد النظر نقدياً إلى تاريخ الحركة الشيوعية في السعودية في مرحلتها الأولى إبان الخمسينيات والستينيات عند أحد مفكريه وهو إسحاق الشيخ يعقوب الذي وضع سيرته في جزأين تحدث فيها عن الحركة العمالية منذ خمسينيات القرن الماضي، وهروبه من الاعتقال إلى دول عربية وأوروبية واصل فيها دراسته وعمله السياسي والصحافي حتى صدر عفو سياسي عام 1975 إثر تسلم الملك خالد الحكم بعد اغتيال الملك فيصل ثم أصدر كتابه "مساءلات فكرية" عن تجربة الاعتقال والتحقيقات والسجن، ولعله يفكر بالجزء الثالث من سيرته.
تبعه أحد من يمثل الجيل الثاني للحركة الشيوعية وهو الشاعر والكاتب علي الدميني الذي أصدر سيرته الأولى بشكل مموه في رواية "الغيمة الرصاصية" ثم عاد ونشر سيرة الاعتقال والسجن في كتابه "زمن للسجن..أزمنة للحرية" كما أنه يدير موقعاً ألكترونياً منبر الحوار والإبداع يصدر عنه مجلة غصون الدورية.
ويمكن أن نثمن الكثير من طروحات ثقافية لأكثر القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية عند بعض الروائيين الجدد الذين لم يتنازلوا عن شروط الإبداع في رواياتهم مثل يوسف المحيميد وأميمة الخميس وليلى الجهني وصبا الحرز.
طرحت تلك الروايات مواضيع مثل  العنصرية تجاه الأعراق غير العربية التي تعيش بيننا، والتمييز ضد من لم ينتموا للقبائل المعروفة، وقضايا حقوق المرأة المختلفة في تجربة الحب قبل الزواج، واستقلالها الاقتصادي، وفساد المؤسسة الدينية، واضطهاد الأقليات الدينية والمذهبية.

النفط لم يمزق العباءة

عندما وضعت بحثاً عن "بنات عنيزة العظيمات" لأتحدث عن صور نسائية تقاوم الحجب والقضبان منذ القرن العشرين حتى دخول القرن الواحد والعشرين استطعت أن أكمل به بحث أستاذتي ثريا التركي حين وضعت بحثاً بعنوان "عنيزيات في زمن يهتز" حيث انحصر بحثها فترة العشرينيات من القرن العشرين معتمدة على كتابات الرحالة الغربيين بينما اعتمدت على التاريخ الشفوي من نصوص سردية وشعرية. أعدت تركيبها وتحليلها مستفيداً من كون جدي لوالدي أحد  الرواة الشفويين الأفذاذ. انتهيت فيها إلى وضع دخل في انتكاسة منظمة تعتمد على إيديولوجيا قهرية وقمعية بدأت تتكرس منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أي: تأسيس الدولة، حيث تناقص دور المرأة الاقتصادي، في البيع والشراء والتملك والرهن، حتى انه أوقف التعليم التقليدي عند المعلمات في بيوتهن، وأقفلت المناطق العامة التي يجتمع فيها النساء والرجال مختلطين على مدار اليوم.
ولكن تحدت فئات المجتمع الواعية نظام إيقاف التعليم بإرسال فتياتهم للدراسة خارجاً حتى استعيد تعليم الفتيات عام 1963، ولكن بقيت المرأة منذ تأسيس الدولة غير مواطنة، ويقع في ذات الوضع حتى الرجل في الحقوق السياسية والاجتماعية، لا تمنح بطاقة مدنية، حتى جواز السفر مرهون بموافقة الرجل والدها أو أخوها أو زوجها، ولا يسمح لها بقيادة السيارة ولا تملكها  ولا تختار زوجها ولا تراه قبل ليلة الزواج  رغم تباين هذه المسائل حسب العادات الاجتماعية.
 ماذا فعلوا بالمرأة ؟ إنني أتساءل ماذا فعلوا بجدتي وأمي وأختي؟ إنها مشكلة مجتمع.
لقد دأبت التيارات الاحتجاجية الإسلاموية كجماعات ضغط سلبي تجاه المجتمع وفئاته، والحكومة ومؤسساتها تحاول رغم فقدها المصداقية أن تقف حجر عثرة ضد ما يتيح فرصة لنقاش قضايا المرأة الحقوقية.
حتى أننا صرنا نخجل من تلك المطالب التي لا زلنا نبحثها في القرن الواحد والعشرين. هذا البلد الذي يصدر أكبر كميات النفط لا تملك المرأة فيه سيارة. كأنها تفقد مسؤولية نفسها!
لم تبدأ القضايا من قيادة المرأة السيارة ومروراً بدمج رئاسة تعليم البنات بوزارة المعارف، التي كانت منفصلة للبنين، ولا السماح بإقامة المرأة من غير محرم في الفنادق، وقرار إتاحة توظيف المرأة في محلات الملابس النسائية، وإصدار بطاقة مدنية، وإنشاء الأندية النسائية الرياضية وإضافة مادة التربية البدنية في مدارس البنات ونحو ذلك.
لقد بقي خطاب هذه التيارات الإسلامية مأزوماً بهذه الورقة الأخيرة بعد أن جردوا من الكثير من تلك الأوراق العديدة التي كانت معهم قبل أكثر من عقد. الآن لم يعد يملك سوى القليل من تلك الأوراق.
إنه خطاب عجيب جداً. من أين يأتي هؤلاء النمل بخطابهم ؟ إنهم لا يبحثون إلا عن الجثث لسحبها أجزاء أجزاء . لم تعد المرأة جثة. لا لم تعد.

النار الجديدة تزحف

"إن أعضاء الجيل الجديد المفعم بحس أكيد بهويته الوطنية، يريدون لبلدهم أن يزدهر، وبطريقة مترادفة مع هذا يريدون فسحة في داخل المجتمع السعودي من أجل تطوير مواقفهم وأفكارهم بدون طغيان الحضور الكلي للدولة والعلماء".
هذا مقطع من ختام دراسة وضعتها مي يماني، ابنة وزير البترول الأسبق أحمد زكي يماني، عن تطلعات الشباب السعودي، وهي فترة جيلي حيث وجدتها وضعت يدها على الكثير مما يصادفنا من تحديات.
لامست الدراسة الكثير من القضايا العالقة في المجتمع السعودي عبر البحث الميداني والمقابلات الشخصية لعينات متعددة من الشباب والشابات في السعودية بمختلف المناطق والطبقات والمذاهب الدينية والاتجاهات السياسية والاجتماعية من ليبراليين ومحافظين ومتطرفين.
هل من مناف جديدة للشباب السعودي؟
أضع هذا السؤال إذا كانت بعض البلدان العربية والأوروبية والأمريكية مناف للرغبة أو الشهوة واللهو أو الترفيه. الآن هناك منافٍ جديدة في دول الخليج وسواها لبناء الكفاءة والقدرات والتجربة والخبرة عبر مجال التعليم والعمل وربما المعيشة .
 بعض الشباب من الأصدقاء أو من الزملاء، من الليبراليين والمحافظين، بقدر أسفهم على تأخر تطور البلاد وعدم إتاحة فرص حياة جديدة تلبي المطالب وتوافق الرغبات والحاجات يتطلعون إلى عمل حر يتيح لهم العيش خارج البلاد ولو في الجوار الخليجي .

دولة الفيسبوك وعولمة الراب

حققت الشبكة العنكبوتية فرصة لانتشار ما يمكن أن يدور في رؤوس المجتمع السعودي أكثر مما يمكن أن يتوقع. برغم توالي إنشاء مواقع ومنتديات شبكية وتكاثر الأعضاء المشاركين والمتابعين والمتلصصين إلا أنها كانت تلبي الفرصة المعدومة لهم لطرح ونقاش قضاياهم علناً ولكن بأسماء مستعارة. ربما شجعت قناة الجزيرة آنذاك عبر برنامجها الأشهر "الاتجاه المعاكس" للمذيع الثرثار فيصل القاسم استلهام هذا النموذج في نقاشات تعبر عن المراجل الكلامية لا جدية الطرح والبحث عن الحلول.
بقيت المؤسسة الأمنية تلاحق بعض المواقع وتحجبها حتى استطاعت أن تسيطر لاحقاً على المدونات الشخصية والمواقع التواصلية مثل: يوتيوب، تويتر والفيسبوك.
ظلت أرض الشبكة العنكبوتية مفرخة لجيل من الكتاب والكاتبات حيث تحولت هذه المواقع إلى أماكن للتمارين الواهمة في ظل سيطرة مشرفين عديمي المهنية والخبرة يمنحون شهادات الإعجاب المجانية لا تخلو في أكثرها من محابيات في العلاقات بين الذكور أنفسهم غير أن بعضها تدخل في باب التعويض عن عدم ملاقاة الذكور بالإناث فينتج عنها هذه الشخصيات الجديدة في الثقافة السعودية.
ومن الملفت أنها دفعت هذه الشبكة العنكبوتية إلى تغذية الصحافة والثقافة السعودية بكتاب الرأي والمعلقين الذين تستهلكهم الصفحات اليومية والأسبوعية يتناولون الشؤون العامة. يتعرض بعضهم لمنع مقال أو الإيقاف عن الكتابة فيعود إلى عشه الأصلي ثم تسمح له الظروف فيعود من جديد.
كذلك فتحت هذه المواقع لسرد الحكايات غير الممكنة قبل هذا التاريخ. حيث كان السرد في السعودية يعتمد على الرمز في شكل القصة القصيرة لأكثر من عقدين، ولم تكن الرواية عملاً جاداً حيث ظلت حالة من الهذيان غير المرغوب به عوضاً عن صعوبتها عندما نلقي نظرة على النتاج الروائي العربي.

لا تفتح فمك حتى نوافق !

المنطقة العربية تعيش حرباً لا تريدها في العراق والسودان ولبنان كما أنه منذ التسعينيات حتى دخولنا هذا القرن مهددين دائماً من الجماعات السلفية الجهادية ممثلة بالقاعدة والجماعات المماثلة  بتفجيرات تستهدفنا مع من تدعي أنهم أهدافها.
الحكومة تعلن منذ 2003 حتى مطلع العام 2011 عن قوائم أسماء مطلوبين يشتبه بانتمائهم للقاعدة، ويخططون لمشاريع تفجيرات في السعودية أو في العالم. حيث لا زالت الحكومة تلاحق أبناءها وتحذر منهم وتطلب بمن يفشي عن أماكنهم وتطالبهم بالتوبة والعودة، فتحولت إلى ماكينة تضخ منتجاتها الإيديولوجية الانتحارية حتى ضاعت مفاتيحها من يد صناعها ! . لقد أفلت أبناؤها. أبناء النمل القديم الذي يتوالد دائماً.
ربما انتقلت الحروب بعد ثورة المعلومات والاتصال إلى الشبكة العنكبوتية. إذا كانت فعلاً هذه الحكومات بأنظمتها لم تعرف كيف تدير أرضها وسماءها. فإن الشبكة العنكبوتية أرض لن تستطيع إدارتها إلا بفصل الكهرباء.
أحمد العمران صاحب مدوَّنة "Saudi Jeans" الإنكليزية الشهيرة قال إن فكرة وضع تنظيم للنشر الإلكتروني سيئة بحد ذاتها، موضحاً أنه نظرياً وعملياً يصعب تنظيم ما يُمارس عبر الإنترنت.
أما فؤاد الفرحان، الذي تعارف المدونون في السعودية على تلقيبه بـ "عميد التدوين"، وهو قد تعرض للاعتقال بسبب نشره قائمة أسماء شخصيات عامة يكرهها، فقد شكك في أن الذين صاغوا اللائحة يعرفون ما هو الإعلام الجديد من حيث الممارسة، مبرراً ذلك بأن التعريفات لأنواع النشر الإلكتروني التي وردت في اللائحة غير صحيحة وليست علمية.

أحمد الواصل،
شاعر وروائي وناقد سعودي. مواليد 1976. صدرت له خمس مجموعات شعرية وروايتان.

معهد غوته ومجلة فكر وفن
حزيران 2011

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي