منذ أحداث 11 سبتمبر لغاية الثورات العربية

كابول، نابليون، جلد الدجاج أفغانستان بعد عشر سنوات من أحداث أيلول

الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر جلب إلى أفغانستان تغيّرات جذرية إيجابية وسلبية معاً. والكاتب الأفغاني الشاب تقي أخلاقي يصف الحياة الجديدة في أفغانستان من منظور شخصيّ بحت.

معت أوّل مرّة باسم نابليون عبر "الحرب والسلام" للكتاب الروسي العظيم تولستوي. وتتناول رواية الحرب والسلام الأحداث من عام 1805 إلى 1812، وهو الزمن الذي طغى فيه اسم نابليون على حياة الأوروبيين وغيرهم من شعوب العالم. وندرك من مطلع الرواية بأنّ الروس كانوا قلقين من الأنباء التي كانت تتحدث عن غزوات نابليون في أوروبا، وخائفين من دخول الجيش الفرنسي إلى بلادهم أيضاً؛ وقد حدث هذا الأمر في الجزء الأخير من الرواية، فتوغل نابليون بقوّاته حتى مشارف موسكو. والحرب والسلام هي قصّة آثار الحرب بعد الثورة الفرنسية من وجهة نظر الروس.
وبهذا المعنى فإن رواية "صاحب الطيّارة الورقية" لخالد حسيني، الكاتب الأفغاني الأصل والمقيم في أمريكا هي مجرد نسخة مصغّرة "للحرب والسلام". فراوية "صاحب الطيّارة الورقية" تحاول أن تدخل في أذهاننا قسوة الحرب وتسجّل الحقائق التاريخية للأجيال القادمة، إذ لم يمض على انتهاء سلطة طالبان سوى عشرة أعوام. بيد أننا مازلنا نعيش حالة الحرب ومازالت ذكريات الحرب ماثلةً أمام أعيننا،  لكنّ هذا الكتاب يقدم آراء وحقائق قيمة للأجيال الجديدة . و"الحرب والسلام" تذكرنا بقيمة السلام وأهميته.

تقدير قيمة السلام

منذ أعوام طويلة ونحن نشهد اضطرابات ومجازر متواصلة في بلادنا، وأصبحنا ندرك قيمة السلام أكثر بكثير من السابق. فالأفغان يعيشون طيلة ثلاثة عقود في ظلّ انعدام الاستقرار السياسي والانقلابات والدكتاتورية والاحتلال والإرهاب. وتاريخنا الحديث مليء بالأحداث الدموية التي  قلّما وجدت لها ذكراً في كتب التاريخ. وما يعلمه الشباب من أمثالي عن الماضي هو مجرد معلومات عامة خضعت للرقابة، السياسية في معظم الأحوال، وهي مجافية للحقيقة، ولم تتعرض إلى التفاصيل. فنحن لا نعلم بالضبط ما الذي حدث في بلدنا خلال العقود الأخيرة، وكيف وصلنا الآن إلى هذا الوضع. فقد ناضلنا نحن وآباؤنا سنوات طويلة من أجل بلدنا، بيد أننا، ومما يثير الدهشة، لا نشعر بالفخر الكبير بما تحقق اليوم. واستطعنا أن نطرد القوات السوفيتية من البلد بعد تسع سنوات من الحرب الدموية. واليوم يشعر الكثير من الأفغان، ولا سيما الشباب، بالأسف على انسحاب القوّات السوفيتية وينتقدون المجاهدين بسبب جهادهم، لأنّ الشباب كانوا يظنون آنذاك بأنّ انسحاب الجيش الأحمر وانهيار نظام الدكتور نجيب سيجعل الوضع في البلد أكثر سوءاً.
وقد نكبنا بعدد لا يحصى من القتلى وجرحى الحرب، ونحن نتساءل الآن: "من أجل ماذا قدمنا كلّ هذه التضحيات"؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه جميع الذين خابت آمالهم ويكرهون الحرب. 
وهناك بالطبع أقلية ضئيلة من سادة الحرب وخونة الوطن الذين يلعبون دوراً مهماً في تلك الأزمات، وهم اليوم يتدخلون بفعالية في الشأن السياسي، ويحققون مكاسبهم من استمرار العنف. ويعلمون بعد أن لعبوا أعواماً طويلة مع جميع الأطراف كيف أنهم سيحافظون على موقعهم    داخل إطار السياسية الأفغانية، وهم يمارسون تجارتهم لمنافع شخصية. بل إنهم مافيا السلطة، والقضاء عليهم هو مفتاح الأمن في أفغانستان، هذا المفتاح الذي لا نستطيع أن نمسكه بأيدينا بسهولة.
وجيلنا الذي لا يتذكر إلا القليل عن الحرب الأهلية وطالبان، ولم ير سوى كرزاي في التلفزيون، يصبو إلى مستقبل أفضل كي يواصل تقدمه. لكن ليس هناك أساس لهذا التقدم، إذ أنّ الأسرة الدولية لم تجد وقتاً بعد للالتفات إلى الشباب وتشجّع قدارتهم. بل إنّها وضعت محاربة طالبان وتخفيض الإنتاج وتهريب المخدرات وتوفير الأمن في مقدمة اهتماماتها. وفي الوقت الذي تهمل فيه مواهب الشباب في الميادين العلمية والفنية والأدبية، نرى الحكومة الأفغانية والأسرة الدولية تتخبطان في  تناقضات السياسة اليومية، ولا ترسمان آفاقاً طويلة الأجل.

هل يقف الأفغان إلى جانب الديمقراطية أم طالبان؟   

نابليون نجح، وبطريقة مثيرة، في تسلّق هرم السلطة وركوب موجة الثورة ليصبح قيصراً فرنسياً.  فاجتاح مختلف الدول، رافعاً شعار الحريّة، وقد استقبل بحفاوة من قبل الناس في بعض الدول. تماماً مثلما رحّب المواطنون باجتياح الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان. فنحن رحّبنا بالهجوم الأمريكي، لأنه حررنا من طالبان. لكنّ الناس واجهوا نابليون بعد سنوات بمشاعر سلبية، مدركين بأنّ شعارات الحريّة لم تكن سوى ذريعة لاحتلال بلدانهم. ولجّا هؤلاء الناس، الذين احتفلوا  بدخوله من قبل، إلى السلاح لطرد نابليون من أراضيهم. وأعتقد أنّ الأفغان لم يبلغوا هذا المستوى بعد، ومازالوا يدعمون تواجد القوّات المتعددة الجنسيات في بلدهم، لأنّ غيابها يعني عودة طالبان بعد سلسلة من الحروب الدامية. والحقيقة البسيطة تكمن في أننا تعبنا من الحرب وأننا نكره طالبان.

كان الأفغان في مجرى التاريخ شديديّ الحساسيّة فيما يتعلّق باستقلالهم وكرامتهم، ومازالوا هكذا إلى اليوم أيضاً. لكنّهم لماذا لا ينتفضون حالياً، على الرغم من الغارات الجويّة الكثيرة التي شنتها قوّات التحالف والخسائر الجسيمة بين صفوف السكّان المدنيين، ويعلنوا الجهاد؟ ولماذا لم يتولّد لديهم شعور بأنّ بلدهم محتل، على الرغم من تواجد مئة وخمسون ألف جنديّ أجنبي على أراضيهم؟ فأين يكمن الفرق؟ فمن وجهة نظر السكّان المسلمين تقليدياً ليس هناك فرق بين الأمريكيين والروس، لأنهم كلّهم غير مسلمين.

ويمكن البحث عن هذا الفرق في صفوف الأفغان أنفسهم. فالأفغان الذين خلفوا وراءهم حقبة مريرة من الحرب وإراقة الدماء نتيجة الشعارات الجهادية ينتظرون حلول السلام، مثقلين بأعباء التجارب التاريخية، يتطلعون إليه متعبين وخائريّ القوى، وينشدون السكينة والهدوء أخيراً.  والناس نادمون على العموم بأنّهم انخرطوا في الحرب، مدركين الآن بأنّ السلام في أسوأ الحالات هو أفضل من الحرب. وأصبح سكّان بلدي المحاربون مسالمين تماماً. وعلى الرغم من  دعوات العملاء الأجانب المشجعة على "الجهاد ضد الكفّار" في بعض الولايات ليلاً ونهاراً، إلا أن عدد أبناء بلدي الذين يقعون تحت تأثير دعاية المحرضين على الحرب وضغوطهم ضئيل للغاية وبشكل يدعو للدهشة. وهؤلاء هم على الأغلب أناس يلجئون إلى السلاح وينضوون تحت لواء طالبان من أجل أن يتقاضوا 300 دولار أجراً شهرياً، لأنّ معظم الأفغان عاطلون عن العمل، ولا يستطيعون رؤية أطفالهم يتضورون جوعاً.
ولعلّ أعضاء الحكومة وقوّات التحالف أدركوا هذه الحقيقة، فصاروا يقدمون الامتيازات للمراتب الدنيا في حركة طالبان مقابل التخلي عن أسلحتهم. ويلعب موقف الحكومة الحالية الضعيفة  واستشراء الفساد دوراً كبيراً في تقوية شوكة طالبان التي تتلقى دعماً من دول الجوار، التنظيم الذي لا ينظر أبداً إلى أفراده باعتبارهم ممثلين لحركة وطنية أفغانية. وقد عجزت الحكومة المركزية في إقامة العدالة وتأمين الحاجات الأساسية للمواطنين وتوفير فرص العمل، ولذا فهي لا تحظى بتأييدهم. وتعتقد الحكومة بأنّ دعم سدنة الحرب وزعماء المجموعات العرقية سيكون كافياً لكسب السكّان إلى جانبها، وبأنها لم تعد بحاجة إلى بذل جهود إضافية للقضاء على الفقر والعوز اللذين يرزح تحت وطئتهما المواطنون. إضافة إلى أننا نعيش في منطقة حسّاسة ومحاطون بجيران نواياهم ليست بالحسنة. فهؤلاء الجيران يشعرون بالسرور كلما رأوا أفغانستان تغرق في الحروب والاضطرابات، وكانوا قد قدموا مساندة في الماضي لمشعليّ الحرب في البلاد.
ولم يجن الأفغان من الديمقراطية إلا انتخابات مزوّرة وتلويح بالخطر كلما جاهروا برأيهم. ومع ذلك فهم يقفون اليوم إلى جانب هذه الديمقراطية الناقصة، ويفضلونها على نظام طالبان. والحقيقة البسيطة هي أننا تعبنا من الحرب وأننا نكره نظام طالبان، غير أننا بحاجة إلى دعم في درنا هذا.

ماهي الإنجازات التي تحققت؟

في عام 2001 التقيت بعرّاف متجوّل، كان يظهر بين الحين والآخر أمام أبواب منازلنا بخزعبلاته ليقرأ لنا الفأل. وكان العرّاف في سنّ متوسطة، ومظهره عجيباً شديد الإثارة. وقرأ كفّ خمسين أفغانياًَ، وروى لهم قصصاً عامة حول مستقبلهم. وذات يوم قرع باب دارنا، وعندما فتحت الباب  فوجئت به أمامي. فخاطبني بلهجة متوسلة "اعطني خمسين ديناراً أفغانياً، وسأقرأ لك طالعك!“ فسلمت كفّي طائعاً، وأعطيته الخمسين ديناراً، وراح يتأمل راحة يدي اليسرى. ثمّ قال: "ستعثر على امرأة صالحة وتقوم بسفرات كثيرة وستصبح رجلاً غنيّاً". فأعجبني ذلك وطلبت منه المزيد من التفاصيل، فقال إنني سأعثر قريباً على شريكة حياتي وسأتزوجها. لكنني مازلت بعيداً جدّاً عن الرحلات والثروة الطائلة. وربما سأحصل على ذلك بعد عشر سنوات أو أكثر. فسألته: "وما هي أكبر صعوبة سأواجهها في حياتي؟" ففكر قليلاً ثمّ أجاب:“سوف لا تواجه معضلات كبيرة في حياتك. وكن حذراً من الكذب، لأن الكذب سيجلب عليك مشاكل كبرى".
فاستحوذ الرجل على قلبي بهذه العبارات العامة، ثمّ ادعى بأنه قادر على ذكر اسم زوجتي القادمة، وذلك  إذا ما أعطيته مزيداً من النقود. لكنني لم أفعل ذلك، ربما لأنني لم أجد في نفسي الشجاعة الكافية. وقال العرّاف بأنه قادر، بالإضافة إلى التنبؤ، على حلّ المشاكل أيضاً. بل ادعى بأنه قادر على تحضير الأرواح. وسمعت بعد ذلك بأنّ فتاة من الجوار استلمت منه تعويذة كي تحصل على الرجل الذي كانت تحبه، فتزوجا فعلاً بعد ستة شهور. وقيل إنّه ساعد امرأة في العثور على طوق فقدته، وأنّه جعل قلب رجل لا يحبّ زوجته يحنّ إليها مجدداً.
بعد ذلك وقف هذا العرّاف أمام باب دارنا ذات يوم قائظ قبل أن يختفي فترة طويلة. وفي ليلة زفافي فكّرت في هذا الرجل وكلماته المتعلقة بالعثور على زوجتي المستقبلية. وقد عثرت حقّاً على زوجتي خلال فترة زمنية كانت أقلّ بكثير مما كنت أتوقّع. وفي تلك الليلة بدا لي العرّاف شبيهاً جدّاً بشخصية الحكيم ميلشيادس في رواية "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز.  فكان ثمّة سحر يطابق الحقيقة يكمن في تصرّف العرّاف.

ومنذ ذلك الوقت لم أعد أراه، إلى أن أطلعتني زوجتي ذات مساء ربيعيّ جميل على بطاقة شخصية لرجل اسمه أمير أسد، يدعي أنّه يحلّ جميع المشاكل، فكانت هذه البطاقة تعود إلى العرّاف نفسه. فهو لم يعد يجوب الأحياء السكنية، بل افتتح له عيادة خاصة، وطبع بطاقات تعريف وعيّن له سكرتيراً، وخادمات ورجال حماية وسائقاً. وعلى المراجعين أن يطلبوا موعداً معه قبل أسبوع، وكانت أجره المعاينة وقراءة الطالع تكلف خمسمئة دينار أفغاني. وبدت التطوّرات التي طرأت على حياته وعمله تثير الدهشة فعلاً.

هذا العرّاف الذي كان يطرق الأبواب ويقدم خدماته بخمسين ديناراً أفغانياً بلغ هذا المستوى الحياتيّ الرفيع! وقد شغلت نفسي أياماً طويلة بهذا الرجل وحاولت أن أكتب عنه قصّة تتحدث عن التغيّرات العجيبة التي طرأت على حياته وعلى شخصيته الساحرة التي جعلها تتأقلم مع متطلبات العصر الحديث. لكنني انتبهت حينئذ إلى أن حياتي نفسها وحياة الكثير من الأفغان شهدت أيضاً تغيرات، بل إننا نحن كلّنا قد تغيّرنا. وصرنا نمتلك أجهزة تلفزيون هنا في كابول وكذلك هواتف نقّالة، وارتفعت قوتنا الاقتصادية. وصرنا نستخدم الفيسبوك والتويتر، وتعرفنا على توماس أندرس وتايلر سويفت، وصرنا نعامل النساء باحترام، ونعترف بحقوقهن كنساء مستقلات أكثر مما كنا نفعل في السابق. بيد أن اللحاق بالعالم الحديث والتغيير الشامل يحتاجان إلى وقت طويل، والتغيرات التي طرأت على حياة الأفغان حدثت في المدن الكبرى، وليس في المناطق الريفية. ونحن نغيّر أسلوب حياتنا في كابول بسرعة كبيرة، مخلفين الخرافات والأعراف والتقاليد البالية ورائنا، في الوقت الذي مازال فيه سكّان الريف يتمسكون بالتقاليد ويرفضون التغيير.

وبعد عقد من الزمن بات الكثير من الأطفال والشبّان يذهبون إلى المدارس، وصار يزداد سنوياً عدد الطلاب الذين يريدون الالتحاق بالجامعات، وبعبارة أخرى: إنّ الأفغان أصبحوا يتمتعون بالمزيد من التعليم والثقة بالنفس؛ ومع ذلك لابد من مساعدتهم، ليكونوا قادرين على إعمار بلدهم. وقد حدثت في الواقع تغيّرات، لكن يجب أن تستمر، وعلى أولئك الذين قدموا المساعدة هذه أن لا  يشعروا بالضيق ونفاد الصبر، وأن لا ينظروا بازدراء إلى إنجازهم ومساهمتهم طيلة السنوات العشر الماضية.  ويجب أن لا ينسوا بأنّ هذا التقدم لم يكن سيتحقق إلا بعد التضحيات البشرية والمادية الجسيمة. وقد وسّع العرّاف من نطاق عمله، وقرر فتح فروع أخرى له في كابول، ويتحدث كذلك عن قراره بفتح صحفة إلكترونية باللغتين الداري والباشتو. وأنا واثق من أنّه سيوسّع نشاطه ليشمل الولايات الأخرى، فيما لو تحقق السلام الشامل.  

المضطهدون والنساء

"ذات ظهيرة دخلت دار أرملة، فشممت رائحة طعام. وسألتها عن ذلك، فقالت طبخت لجاري لحم دجاج. لأنني عاجزة عن تحضير الطعام الحقيقي لأبنائي. ولهذا السبب يترك لي جاري جلد الدجاج، فأطهوها مرّة أخرى ثم نأكلها". كنت دوّنت هذا الكلام لصالح هيئة خاصة بحقوق الإنسان لينشر في تقرير مفزع عن الأوضاع المعيشية للأرامل الأفغانيات. وذكر هذا التقرير أنّ معظم الأرامل الأفغانيات، اللواتي لا يعتبر عددهن قليلاً في هذا المجتمع، يبعن أجسادهن بغية الحصول على القليل من المال، أو يقومن بأعمال شاقة، وعلى الرغم من ذلك يبقين جائعات، وترى أطفالهن محرومين من كلّ شيء. والنساء الأفغانيات يتعرض عموماً إلى شتى صنوف الحرمان والاضطهاد، فلا تقدم لهن خدمات صحيّة في المناطق الريفية. وهن يلدن الأطفال كلّ عام، لكنهن محرومات من حقّ التعليم ويعانين من الجوع على الدوام ولا يعرفن كيف يشبعن أبنائهن. فالأعراف والتقاليد السائدة منذ قرون مازالت قائمة وتحرم النساء من جميع حقوقهن. لكن أوضاعهن في المدن تشهد تحسناً في الوقت نفسه. ويزداد عدد الفتيات والنساء اللواتي يلتحقن بالمدارس ويعثرن على عمل ويدافعن بشجاعة عن حقوقهن. لكن هذه الخطوات التقدمية لا يمكن تعميمها، فهي تتم على الأغلب بشكّل متفرّق وبطيء. والكثير من النساء الأفغانيات فقدن أزواجهن في الفتن والحروب التي وقعت في العقود الأربعة الأخيرة. وحياة النساء دون رجال في أفغانستان صعبة بشكل لا يمكن تصوره. فكيف تستطيع امرأة غير متعلمة أن تأمن حياتها ولديها ستة أطفال وعليها أن تسدد إيجار البيت وهي لا تسطيع البحث عن عمل بحرّية؟
والكثير من النساء الأفغانيات، وبالأخص الأرامل منهن، يعانين من الجوع منذ سنوات ومن نقص التغذية وفقر الدم وقلّة الفيتامينات، فيتوفين في سنّ مبكّرة، ونتيجة أمراض عادية قابلة للعلاج أو  أثناء الولادة. وكذلك الكثير من الرجال يعتبرون نسائهم وبناتهم بشراً من الدرجة الثانية. ومن المألوف في المناطق الريفية أن يبدأ الرجال بتناول الطعام ثمّ يتبعنهم النساء. والفتيات اللواتي يترعرعن في أجواء كهذه يشعرن بالدونية وضعف الشخصية ويعتقدن فعلاً بأنهن أقلّ قيمةً من الرجال ولا يظهرن شجاعة للدفاع عن حقوقهن.

والأسرة الدولية وما يسمى بوزارة شؤون المرأة لم تنجحا في تحسين الظروف الحياتية للنساء الأفغانيات. وإنجازهما الوحيد يكمن في أنهما وفرتا الحماية الصحية للمزيد من النساء في المدن الكبرى، الأمر الذي حال دون وفاة الكثير منهن أثناء الوضع.  والنساء الأفغانيات يقدمن تضحيات كبيرة ليربين أطفالهن، ويضعن جلّ آمالهن في مستقبل هؤلاء الأطفال، ويحاولن نسيان ماضيهن التعيس عبر سعادة أبنائهن. فهل سيحظى أبناؤهن بمستقبل أفضل مما كانت عليه حياتهن؟

تقي أخلاقي،
كاتب أفغاني شاب يقيم حاليا في كابول.

ترجمة: حسين الموزاني
معهد غوته ومجلة فكر وفن
حزيران 2011

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي