منذ أحداث 11 سبتمبر لغاية الثورات العربية

إرهاب متعدد الأوجه – اختزال كوني

سألنا عراقية مسيحية مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية كيف عاشت اعتداءات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر والعواقب التي تربت عنها؟ ياسمين حنوش، أستاذة الأدب في جامعة بورتلاند في اوريغون، صورت لنا كيف تغيرت قصة حياتها، وحياة الكثيرين من الأمريكيين العرب بتأثير هذه الاعتداءات.

ما ساد كان ربطاً هذيانياً بين بن لادن وصدام حسين. وتفشى تبرير وهمي للحرب على الإرهاب، بدا ظاهراً أنه أخطأ هدف الإرهابيين ليصيب ما هو أبعد بكثير من الهدف. كان جهداً هائلاً بذله نصف العالم في محاولة للتعامل بشكل جاد مع مفارقة سياسية خطيرة، وترادف ذلك بقصور خطير لدى النصف الثاني من العالم في ملاحظة حقيقة ما يجري.

وهكذا بدأ إرهابي الخاص بي: كنت جالسة قرب نافذة غرفة نومي في وسط الغرب الأميركي، تفصلني آلاف الأميال عن منبع ذاكرتي، التي تركتها في مكان ما في العراق المدمر. كنت أجلس قرب نافذتي الأميركية الواقعة في السوط الغربي، ما معناه أني لم أكن أكثر من متفرجة تاريخية بمنطق التاريخ. وحدث أن نافذتي كانت تقع في ولاية ميشيغان، حيث نفذت أول عمليات الاعتقال، بالعلاقة مع العمليات الإرهابية، وذلك يوم 17 سبتمبر 2001، حيث تقع أول مدينة أميركية صار لها مكتب للأمن الوطني الخاص بها، وحيث جرت، بعد سنتين، أكبرعمليات التحقيق المضاد للإرهاب في تاريخ الولايات المتحدة.

كان ذلك إرهاباً للعديد من المواطنين الذين تم تشخيصهم كعرب أو مسلمين عام 2011 والذين يبلغ عددهم نحو 6 ملايين مواطن. بيد أن ذلك لم يكن إرهاباً بالكامل لي. يقول المثل"مصائب قوم عند قوم فوائد"، وهذا يعني أن 11/9 درّ عليّ الفوائد كما هي الحال عند القوم في الشطر الثاني من المثل.

فوائد 9/11

استغرق الأمر عقداً من السنين لتأكيد ذلك؛ وسيستغرق الحياة باكملها للتأقلم معه. وقعت الهجمات على برجي المركز التجاري العالمي بينما كنت أحضر درساً في الأدب العربي. وكان ذلك في الاسبوع الأول من بدء دراستي الدكتوراه في قسم الدراسات العربية في جامعة ميشيغان. في ذلك الحين كنت أعيش مع مجموعة من الخريجين(من غير العرب) الذي يؤمنون بقيم غاية في الليبرالية. وحينما عدت إلى البيت من الدرس فاتني أن ألحظ الطريقة التي كانت فيها عيون الزملاء تتجنبني. بل لم أنتبه أيضاً إلى العداء المستتر في نظراتهم. تعاملت أنا مع الهجمات في ذلك اليوم كنازلة حلّت بنا جميعاً بالتساوي؛ وإذا كنا بعدين بعض الشيء عن نيويورك كما هي حالنا آنذاك، فقد  شعرت بأننا أصبحنا قريبين من بعضنا طالما اننا نعيش في نفس البلد ونتمتع بنفس القيم التسامحية. ولفترة يوم أو اثنين نسيت حقيقي كوني عربية، بمعنى أنني كنت شخصاً على صلة محتومة مع العدو"الآخر". وبهذا الشكل أو ذاك، و ربما بفعل نزوة مصيرية لا أكثر، كنت أقل من ضحية في أعين زملائي، وأكثر من مجرمة بعيون العالم.
في الأسابيع اللاحقة، كنت غافلة أيضاً عن أهمية تساؤلات أصدقائي ومعارفي اللطيفة عن وضعي. الأشهر التي أعقبت ذلك شهدت سيلاً جارفاً من التنويعات على سؤال" هل تتعرضين إلى المضايقات لكونك عربية؟"، يوجهه أناس من كافة الضروب، من قبل أولئك المعنيين حقاً بالسؤال، ومن أولئك المستعدين للتهجم عليّ بالألفاظ. كانت هذه التساؤلات تذكيراً ثابتاً، ان لم تكن استحضاراً حياً، لهوية كنت أنتحلها بشكل عابر حتى ذلك الحين. فالاحتفاظ بالهوية العربية في الولايات المتحدة بعد 9/11 كان يتطلب اتخاذ موقع اجتماعي جديد، موقع كنت أنساه دائما في خضم محاولاتي الاستفادة من المحيط، ولكن استمراره كان مؤمنا لي، بهذا الشكل أو ذاك، من خلال الاجندا الاستراتيجية التي يتعامل بها المحيطون بي. أن تكون عربياً في عهد"المرسوم الوطني" أصبح فرصة، ليس فرصة لأن تحقق نصراً، وإنما فرصة لإتخاذ وضع ضحية ذات صوت مسموع. ويحصل هذا أحياناً رغم إزدواجية الجهود التي يبذلها المرء لبناء هويته.

"هل تتعرضين إلى المضايقات لكونك عربية"؟ جوابي كان"لا" مطلقة مع توالي السنين. وكانت"لا" حقيقية. ثقافياً، لأنه لا يمكن تصنيفي ضمن التقاليد العربية ولا ضمن المؤسسات الدينية التوحيدية في الشرق الأوسط. فكرياً، لأنني كنت أشعر بنفسي بعيدة عن مشهد السياسة الغلوائية الخاصة بمجتمع عرب أميركا. كنت أسيرة ذكرياتي الطفولية في العراق، تائهة في التداعيات الخيالية الناجمة عن الحنين إلى ماهية ضائعة، وغارقة في نصوص عربية خيالية، وفي تحليل نصوص ما كانت لتترك تأثيراً على كياني الاجتماعي والسياسي المباشر. الآن، في العقد الذي أعقب11/9، بدا وكأنني استعيد نداء عالمي الذاتي بقوة. ما حدث هو أن إجراءات الأمن الوطني المحمومة ما عادت تقتصر على التطفل على ما يتبادله العرب والمسلمون، الذين لديهم ما يقولونه، على خطوط هاتف وداخل الرسائل الإلكترونية ، لأنها تخطته إلى رصد عواطف وذكريات أولئك الذين لا شيء لديهم ليقولونه. أصبح الجميع "آخرين". وتحول كسب"الآخرين" المفكرين إلى مشروع وطني يحتفظ بهالة قدسية.
ولم يهمني مثل هذا التطفل كثيراً في الحقيقة. إذ لم تكن لي أفكار أود التكتم عليها؛ وإنما فقط أفكار من الصعب إيصالها إلى الآخرين لأنها كانت تبدو مشوششة أو لا علاقة لها بالموضوع. لكن العالم يصر الآن على الفهم؛ إذا ليس على الفهم فعلى الإطلاع؛ إذا ليس  علىالإطلاع ففي الأقل،على النشر.
المرسوم الوطني استلزم إذن: التعاطي مع كل ما يستوجب المعالجة كعربي أو معادي للعرب. سلطت فترة ما بعد 11/9 انتباهاً لا سابق له على شخصي وعلى انجازاتي الشخصية. ساد افتراض عام بأن لدي ما أقوله، ولم يكن ذلك لأسباب شخصية تتعلق بي، وإنما لحقيقة كوني امرأة عربية تعيش في الولايات المتحدة. وحينما جرى احتلال العراق عام 2003 تضاعف هذا الانتباه. واقترب مركزي "الظاهري" كمصدر ثقافي للمعلومات أكثر فأكثر من بؤرة الأحداث. ولا داعي هنا للقول أن خلفيتي المسيحية، كإمرأة عراقية تعيش في الولايات المتحدة، عززت جاذبيتي كمتحدثة. سموت في سماء النجوم بفعل انتمائي الأثني-الديني الذي أُرسي على أرضية من الغرائبية الملغزة، وهكذا تحول العالم بأكمله إلى مجرد اذان تستمع إلى قصتي.

لتكن لديك وجهة نظر، وان ليس لديك واحدة!

امرأة، عراقية ومسيحية: وفي موازاة الحملة الاخبارية المضادة، التي كانت تتبلور حديثاً، تجاه عرب ديترويت، بدا وكأن الجميع متحمس لسماع و تسجيل ونشر وجهات نظري. التحقيقات سارت بيسر كبير. الصحف الثقافية دبجت قصصاً ومقالات، زملاء وأساتذة جامعات دعوني إلى مباحثات "ثقافية"، دارسون من ذوي اهتمامات أقل صلة بالموضوع سارعوا إلى التعاون بغية توثيق الحالة. لم يكن التعرف عليّ أو على عملي"غير المتعلق بالموضوع "ضرورياً. العامل الحاسم هو أن تكون لديك وجه نظر، وهو ما لم أكن أملكه في الغالب. هذا كان الوجه غير الشخصي والمتجانس روحاً وطبعاً مع الحرب على الإرهاب.
الجهد الأساسي الآخر انصب على اتخاذ هوية أثنية-دينية. إذ أصبحت حقبة ما بعد11/9 فترة إعادة تعريف شمولية للهوية. وكي يصبح المرء ضحية ذات صوت مسموع توجب عليه أن يتحول إلى متحدث رسمي باسم هوية ما، إن لم نقل أن يتحول إلى عيِّنة من هوية ما. تسلطت الأضواء على ميشيغان واخضعت شريحتها العربية، التي تعتبر" أكبر شريحة عربية خارج العالم العربي"، إلى الفحص الدقيق تحت المجهر. ويعود الفضل إلى الجهود التي بذلت لتمييز الجالية عن خاطفي طائرات 11/9، في ظهور كيانات متميزة وحصرية جديدة على مسامع الناس: المسلمون، غير المسلمين، العرب، غير العرب، الشيعة، السنة، الكرد، الكلدانيون، الآشوريون والمارونيون. واحتلت هذه الكيانات " قمة العشرة" في قائمة اهتمام الصحافة المحلية في محاولة لتبديد غموض العامة الذين يؤرقهم سؤال" من هم العرب الاميركان حقاً".( أظهرت دراسة مسحية شاملة أجراها معهد الدراسات الاجتماعية التابع لجامعة ميشيغان أن الحقائق الديموغرافية عن عرب ديترويت كانت أعقد بكثير مما افترضته الحكومة وأجهزة الاعلام. وظهر منها أن 58% من عرب ميشيغان هم من المسيحين وهو ما يخالف حالة مختطفي الطائرات، أن الجزء الغالب من المسلمين هم من الشيعة، وهو ما يناقض طبيعة المختطفين، وأن حملة جنسية الولايات المتحدة يشكلون غالبية السكان العرب، وهو ما لا ينطبق مع هوية المختطفين أيضاً).
بدا مستقبلي المهني في سبتمر 2001 أكثر ما يكون سديمية. ولأن اهتماماتي الدراسية صارت تدور أكثر فأكثر حول ترجمة الأدب والروايات العربية، فقد تقبلت سلفاً فكرة أن مستقبلي العملي سيكون زاهراً حال انتهائي من دراستي وحصولي على الشهادة. بدأت دراستي عن قناعة بأن الاهتمام باللغة العربية والأدب العربي سيكون حصراً على شريحة مختارة: المهتمون بالسياسة، المتدينون العقائديون أو ذوي العقول القديمة. بعد مرور عقد من الزمان أستطيع أن أؤكد أن 9/11 عزز مشروعي كعالمة لغة عربية.
عوملت اللغة العربية، التي بدأت بتدريسها عام 2001، كإحدى"اللغات الأقل شيوعاً في التدريس". بعد سنة تضاعف عدد المسجلين على الدراسة في  مؤسسات التعليم العالي في كافة أرجاء البلد. لكن التسجيل تضاعف ثلاث مرات، ثم ضاعف نفسه مجدداً بعد ذلك بقليل. التمويل الاتحادي الذي كان يصل بالقطرات اكتسح كالسيل الجارف مؤسسات التعليم العالي. اشتملت المخصصات المالية في ميزانية الدولة لعام 2002 على زيادة بنسبة 26% في مجال التعليم العالي والدراسات الدولية، و أضيف مبلغ 20,5 مليون دولار لمراكز الدراسات الخاصة بالشرق الأوسط. المزيد من الجامعات والكليات في طول البلاد وعرضها بدأت تقيم دورات اللغة العربية والأدب العربي، أو أنها وسعت من برامجها السابقة بهدف استيعاب الطلب. استحدث المزيد من مواقع ليحتلها الخبراء في الدراسات العربية. ومواقع جديدة لخريجين لاحصر لهم، من المؤهلين فعلاً لسد هذا الطلب المتنامي، تم استحداثها أيضاً. وعند اكمالي عمل الدكتوراه عام 2008 توفرت أمامي فرصة الاختيار بين مناصب في عشر جامعات على المستوى الوطني والكوني وبسهولة نسبية.(على سبيل المقارنة اذكر ان نحو 300 من حملة الدكتوراه في الأدب الإسباني يتنافسون كل عام للفوز بـ 200 منصب). هذا بطبيعة الحال يعكس أطر ونماذج التقييم أكثر مما يعكس مؤهلاتي الحقيقية ومؤهلات الآخرين من المتخصصين والعلماء والكتاب. مؤسسات علمية عالية، من بين مؤسسات أخرى بعد 11/9، أبدت اهتمامها بتراثي(العراق) جنسيتي(الولايات المتحدة) ولقبي( حاملة شهادة دكتوراه من جامعات الولايات المتحدة).

إرهاب شهادات اللغة والتوصيات

ما وصفته أعلاه لم يكن كافة أوجه الحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة. أسوأ وجوه الإرهاب، الذي ظهر ما بعد 2002 فلاحقاً، هو تعليم اللغة لشباب، يافعين من الجنسين، عارفين تماماً بمصدر تمويل دراستهم وخططهم الحياتية القصيرة الأجل. الإرهاب يأتي هنا بشكل كتابة شهادات اللغة والتوصيات، والوقف جانباً لمراقبة طلابي في قسم اللغة العربية وهو ينضمون إلى الجيش الأميركي فقط كي يفقدون حياتهم أو يسلبون الآخرين"الأعداء" حياتهم.
هذا إرهاب
إرهاب متعدد الأوجه.

هناك الإرهاب الأصلي، وربما أنه الأعمق، والأكثر جوهرية، والذي عجزنا جميعاً عن اقتناصه في فترة ما بعد 11/9. الإرهاب الأصلي مات مع 3000 ضحية من ضحايا11/9 الذين احترقوا في الأروقة، اختنقوا داخل مكاتبهم، أو قفزوا إلى الموت من السقوف والنوافذ. ثم جاء الإرهاب الرسمي بعد 11/9 بقليل، أو ربما أنه أقبل قبل موعده بكثير. اتخذ لنفسه الاسم المتغطرس"الحرب على الإرهاب" وهو ما أطلق عنان الإرهاب اللاحق، المستمر والشمولي. الإرهاب الوطني الذي طفح ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة وما ورائها. إرهاب اللاعقلانية والعشوائية الذي ولد من خلال استهداف أكبر قوة في العالم لكيانات لا علاقة لها بالموضوع ولا متقصدة: شعبي العراق وأفغانستان وأفراد هذين الشعبين الذين ولدوا في الولايات المتحدة أو اندمجوا في مجتمعها كمواطنين اميركيين من أصول عربية أو مسلمة.
ربما ان الحرب على الإرهاب لم تكن فعلاً انتقامية. كانت إلى هذا الحد أو ذاك مرسوماً لشرعنة الإنتقام. أو انها هكذا بدت.

ياسمين حنوش،
باحثة عراقية، أستاذة الأدب في جامعة بورتلاند في أوريغون.

ترجمة: ماجد الخطيب
معهد غوته ومجلة فكر وفن
حزيران 2011

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي