الموسيقى لغة العالم

موسيقى العالم: ‬طبعة ‬2.‬0
مواقف موسيقية بين ثقافتي ‬اللهو والاحتجاج

موسيقيون من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ‬يمزجون الأصوات والإيقاعات على مبادئ الطليعة الموسيقية في ‬بدايات ‬القرن العشرين وطليعة البوب و »‬ثقافة الباص ‬Bass Culture« ‬الجامايكية، ‬يتواصلون في ‬الشبكات العنكبوتية مع ‬غيرهم من الموسيقيين في ‬جميع أنحاء العالم ويصيغون مواقف وطنية لمرحلة ما بعد الاستعمار. ‬إلا أن كثرة المحاكاة الهزلية على أنغام نافرة والتركيز على مواضيع العنف والحرب توحي ‬أيضا بديمومة التبعيات القديمة في ‬السوق الواقعية حتى اليوم. ‬هذه الدراسة ‬محاولة للاقتراب من الواقع وتمييز الأنماط الموسيقية، ‬مدعومة ببيانات عملية من لبنان وانطباعات سماعية من بلدان أخرى.‬

المدينة الفاضلة؟

صار النموذج القديم للمركز والهوامش أكثر تشوشا من أي وقت مضى. فاليوم نعيش عالما من حداثات تعددية متداخلة. تعلن علوم الاجتماع والحضارات الحديثة نهاية رواية المركزية الأوروبية وتلغي صلاحية النظريات أحادية الجانب، التي كانت تعتبر حداثية في خمسينات وستينات القرن العشرين. وإلى الاتجاه ذاته تشير الموجات الشائعة حديثا في الأشرطة والأغاني، قرع الطبول والضوضاء الصاخبة من آسـيا وأفـريقيـا وأمـريكـا اللاتيـنـيـة، مبشرة بأن الحداثة وروح العصر يتدفقان اليوم من عدة منابع تتلاقح وتصب في تيار مختلط يشكل مزيجا بين عالمي الشمال والجنوب.

لقد أدى  تسارع تطور العولمة والرقمنة إلى ثورة موسيقية على عدة مستويات. واليوم يتمكن الموسيقيون في جميع أنحاء العالم من إيجاد وسائل مبتكرة لإنتاج الموسيقى بأسعار زهيدة وتوزيعها على المستوى العالمي. وربما كانت MIA (مايا أرولبراغازام)، الفنانة التاميلية الأصل من لندن، رأس الحربة لهذا التطور، فأغنيتها »الطائـرات الورقية (Paper Planes)« في فيلـم »المليونير المشرد Slumdog Millionaire« تجسد الكثير من رسالة هذا النوع من الموسيقى. في عالمها "الأكثر حداثة" لا تكف عن الإطاحة بالعديد من التناقضات القديمة المرة تلو الأخرى: الثقافة المخالفة قبالة الثقافة السائدة، الفن الهادف مقابل الفن السوقي. وكذلك العالم الأول مقابل العالم الثالث. في شريط الفيديو »ولدت حرة Born Free«. في القرص المدمج الصادر عام 2010 باسم »مايا ـ تعرض مايا MIA«، باعتبارها ناشطة، مشاهد فظيعة عنيفة. فنراها تنفذ حكم الإعدام في رجال حمر الشعر، يمثلون سجناء الحرب الأهلية في سريلانكا، كما تدعي. في رحلة الرعب السمعية تمتزج أصوات صفارات الإنذار والانفجارات وصرخات الذعر والضجيج بصوت مايا MIA في صورة ديكتاتور بغيض. لم يكن بالإمكان حشر موسيقى العام 2.0 في خانة بعينها، إنها متناقضة ومتشعبة الأنساق والمعاني. يصدر منها صوت فوضى العالم، وصخب الحياة اليومية، الغضب على السياسة العالمية والاقتصاد والأمل في تأمين لقمة العيش بالموسيقى.

الاستعارات الطوباوية وأنماط الموسيقى الواقعية

موسيقى العالم 2.0 نتاج لإمكانات التواصل اللامحدود بزمان أو مكان. إنها تتجاوز الحدود الإقليمية وتشكك بالمفاهيم الموروثة للهوية والثقافة والمجتمع، كما يمكن قراءتها ضمن إطار »الموسيقى المحددة Musique Concrète« الملتزمة بالواقعية البحتة، أو بوصفها مقياسا سمعيا (وبصريا) لزلازل الزمن: إنها موسيقى العولمة الشاملة. أحياء الصفيح تتسع اليوم بوتيرة أسرع من مراكز المدن وبهذه الوتيرة ذاتها تنمو الطبعة الجديدة لموسيقى العالم أسرع من موسيقى العالم الطبعة الأولى 1.0 التي كانت مصممة منذ انطلاقتها لأذن الطبقة الوسطى في الغرب. موسيقى العالم 2.0  تقوم بـ »تدوير Recycling« كل ما هو كائن وتغوي وتحرض وتستفز في أجمل لحظاتها بواسطة المباشرة والفظاظة والابتكار. وبذلك تكون قد تلونت بكل الألوان الفاقعة للعصر الراهن الشائعة اليوم إعلاميا من خلال المدونات، المجتمعات الافتراضية، ومنتديات الموسيقى والفيديو. كما أنها متقلبة ومرنة جدا، يصعب التكهن بعواقبها كما هي الحياة الواقعية في عصر الرأسمالية الرقمية، فهذه تزداد اعتمادا على اقتصاد أكثر مرونة وأقصر عمرا.

إلا أنه ورغم الفوارق الكبيرة، يمكن التعرف على قواسم مشتركة واضحة بين كل أولئك الموسيقيين والأنماط الموسيقية المتناثرة في أصقاع العالم. وهنا أتقدم بفرضيتين: أولا: يعمل الموسيقيون بالوسائل التجريبية للطليعة، طليعة البوب و»ثقافة الباص« الجامايكية، وهم بذلك يشكلون (أخيرا وبشكل بالغ الوضوح) طليعة عالمية خلاقة للقرن الحادي والعشرين من عدة مراكز في آن واحد. ثانيا: يقومون من ناحية بصياغة مواقف وطنية واثقة في مرحلة ما بعد استعمارية، لكنهم من ناحية أخرى يبدون كأنهم يعودون لقيود هياكل مرحلة ما بعد الكولونيالية. وهذا ما يظهر جليا بشكل خاص في تناولهم المحلي لجدلية الغرائبية والعنف والحرب.


لبنان Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut محمد رفعت، مصر Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut كنان افريكيا Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut باسيكو كواتي، مالي Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut رائد ياسين، لبنان Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut فادي طبال، لبنان Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut تيري لين، جامايكا Photo: Thomas Burkhalter © Goethe-Institut

طليعة بوب متعددة المراكز

في نقاشاتهم الدائرة اليوم حول الموسيقى يقرن الأوروبيون مفهوم الطليعة بمفهوم الموسيقى الجديدة، بأساليب ملحنين كبار مثل Stockhausen و Boulez وكذك بالاتجاهات الموسيقية العشوائية المرتبطة باسم جون كيج John Cage في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن مفهوم الطليعة لا ينطبق على موسيقيي موسيقى العالم 2.0 إلا على سوية أقدم وأوسع نطاقا، فحسبه يحاول الفنانون الطليعيون كسر الأطر الموسيقية المكرسة والسائدة في بلدانهم ويسعون لموقع جديد للموسيقى (والفن) في المجتمع، ويقومون بشكل دوري بإعادة تعريف معنى الموسيقى ودورها من جديد. فمرة تكون الموسيقى صورة واقعية صرف عن العالم وتأخذ مرة أخرى شكل الاحتجاج، ثم تقامر إما بالسخرية أو العلاج بالصدمة، وهي أخيرا بمثابة الهروب إلى عوالم وهمية. واليوم وللمرة الأولى في التاريخ تشكل موسيقى العالم 2.0 طليعة متعددة المراكز من المنظور الأوروأمريكي: إنها تعيد خلط أوراق موسيقانا نحن (الغربيين) وتنقل إلينا رياحا جديدة غير موسيقية.

لبنان

يعمل كثير من موسيقيي موسيقى العالم 2.0، بمبادىء ابتكار موسيقية معروفة من الطليعة الأوروأمريكية وطليعة البوب. يستخدمون كل ما يطرأ على البال من المادة الصوتية ويلقمونها مرة في برامج سمبلر الرقمية (وهذه هي الآلة الموسيقية لما بعد الحداثة)، ثم يزاوجونها مع أشرطة كاسيت قديمة (نظام بكرة لبكرة)، أو يجعلونها تحاكي في نهاية المطاف آلات سماعية. إنهم يؤسسون لفن الحياة اليومية وهذا يشمل أصوات بيئتهم المحلية وعالم الإعلام التقني، ما بعد الصناعي.

عازف الترومبيت اللبناني مازن كرباج يحاكي أصوات الحرب ـ ظل فترة طويلة يفعلها دون وعي، حتى قال له عازف الترومبيت النمساوي فرانتس هاوتسينغر بعد أن استمع له في حفلة: "عزفك يشبه أصوات الهليكوبتر والقنابل". كرباج يعرف الفنان الإيطالي المستقبلي لويجي روسولو Luigi Russolo وبيانه المنشور عام 1913 باسم »فن الضوضاء The Art of Noises، إلا أنه متأثر أكثر برواد الجاز الحر والموسيقى الارتجالية الحرة. لكن وعلى غرار روسولو والكتاب المستقبليين في حلقة توماسو مارينيتي يظهر كرباج وكثير من زملائه افتتانا معينا بالحرب. لكن هذا الافتتان يتغذى في الواقع من الذكريات النوستالجية عن السنوات الخمس عشرة الأولى من أعمارهم التي قضوها في أتون الحرب الأهلية اللبنانية وليس نابعا بالضرورة من اعتبارهم الحرب ظاهرة جمالية ساحرة وأسطورية مثل المستقبليين الإيطاليين.

في مدينة طرابلس اللبنانية يؤلف عثمان العربي الموسيقى التجريبية على ضوضاء حادة وأصوات psychdlique على خطى موسيقى »الضجيج Bruitismus«. وبخلاف كرباج، يعمل رائد ياسين مع المادة الصوتية للحرب الأهلية اللبنانية بنوعية أخرى، فهو يمزج المادة الطبيعية وبعض الالكترونيات بأصوات الكونتراباص في كولاجات، ما يسمى في مصطلحات الطليعة الأوروبية بالمونتاج والبريكولاج. يعيد ياسين إنتاج أصوات الأحداث السياسية المعروفة (الأناشيد الدعائية، الخطابات السياسية، موسيقى البوب، الخ). غير اللبنانيين يظنون أن هذا المزج لا يتجاوز كونه مجرد "موسيقى محددة" سمعية تفاعلية، أما بالنسبة للبنانيات واللبنانيين فهي شكل من أشكال الاحتجاج، سيان إن كان هذا قصد الفنان أم لا.

مصر

على أقراص للطبعة المصرية »100 نسخة« يقوم فنانو الصوت المصريون  (محمود رفعت، حسن خان، رسمي ليرنر، أدهم حافظ) بالتجريب على ضجيج القاهرة والموسيقى الالكترونية. وفي فلسطين يمزج مغنو الراب النصوص السياسية مع أصوات ميدانية من نقاط التفتيش مثلا: الحاجز 303. تبدو الأمثلة الموسيقية من القاهرة أقرب إلى »الموسيقى المحددة« التفاعلية في حين أن الفنانين الفلسطينيين أكثر مباشرة وسياسية وبذلك يكونون أقرب إلى مجال Soundscape. عموما ينحو هؤلاء الموسيقيون إلى ما يسميه العلماء جمالية مابعد الحداثة. إنهم يمزجون بين مواد من مختلف الأجناس مثل الراب والموسيقى المحددة. وبعض الموسيقيين يعتمدون بشكل أكثر وضوحا على مبدأ العشوائية Aleatorik، فشربل الهبر عضو فرقة ما بعد البانك ينتج أشرطته بعد قطع وتوصيل وتكرير وتشويه وتحوير بين موسيقى الكمبيوتر والكاسيتات. تمزج الفرقة تسجيلات حية مباشرة من الموسيقى الارتجالية التجريبية Jam-Sessions، أصوات غيتار مشوهة ومؤثرات مولد الأصوات الالكتروني، تكررها حتى خمس مرات بين الكمبيوتر والكاسيت كي تصل بالنتيجة للحصول على "هذا الخليط الصوتي العميق فعلا والوسخ الذي نشغف به".

مشروع »كونشرتو البيانو الفاسق« لعازفة البيانو سينثيا زافن يقوم على أداء خاص من نيودلهي، حيث قامت من أجل هذا العمل بتركيب بيانو قديم، نشاز، على شاحنة وتجولت بها في المدينة. كانت النتيجة تفاعلا سمعيا بين ارتجالات موسيقية على البيانو وزمامير السيارات وضجيج الشوارع. في هذا المشروع أيضا تلعب الصدفة دورا حاسما. ولد المشروع في سياق ليس غريبا بدوره على الوسط الفني في بيروت. كثير من هؤلاء الفنانين يعملون على أنواع متعددة معا متجاهلين مختلف القطاعات الفنية بهدف التشويش، يمزجون الراب والموسيقى الالكترونية مع لقطات أرشيفية سمعية وبصرية في أفلام قصيرة. قدم الفنان المصري حسن خان أعماله متعددة الوسائط عن الصوت والصورة والنص في كثير من المعارض والمهرجانات في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. طارق عطوي يشتغل بين الالكترونيك المباشر وموسيقى الكومبيوتر. يضع على كومبيوتره المحمول خلفيات صوتية مليئة بالفواصل والتناقضات: مزيج من أصوات حادة، مقتطفات من خطب سياسية، أصوات عربية وصينية، أصوات الحرب، البوب وغيرها الكثير. ومع هذا فإن موسيقاه ليست ولادة مشوهة، إنها تجوب بمطلق السرعة بين العوالم الموسيقية القديمة العابثة والجادة.

أفريقيا

لإكمال المشهد يمكن إضافة أسماء موسيقيين وموسيقيات من اندونيسيا والهند والمكسيك وبلدان أخرى جنوب الكرة الأرضية إلى الموسيقيين من منطقة الشرق الأوسط. ففي مدن أفريقيا وأمريكا اللاتينية تحديدا يتقافز الموسيقيون ذهابا وإيابا غير هيابين بين الثقافة المخالفة والثقافة السائدة ـ هم هنا أكثر جرأة مما في العالم العربي، حيث يصعب وجود مشهد بوب »بديل« بجانب موسيقى البوب العربية التجارية للغاية. ويبدو أن الموسيقيين الأفريقيين متأثرون بقوة وتطرف بحدية وعدوانية مختلف أنماط النوادي الأمريكيـة والبريطانية؛ وهم يؤثرون في هذه الأنماط ويثـرونها بشـكل مباشـر أو غيـر مباشر. موسـيقى الكوايتو Kwaito الناشـئة في عشـوائيات جنوب أفريقيـا بعد انتهـاء نظام الفصـل العنصري في تسعينات القرن العـشرين، التي وضعـت يدها على جروح الشـباب الأسود بقرع الطبول البطيء والتلميحات إلى الأنماط الموسيقية المحلية (مباكانغا، كويلا، بوبليغوم) والأهازيج ذات الوقع العدواني (في زولو، سوثو وتسوتسيتال في تاونشيب سلانغ)، انحطت اليوم إلى موسيقى تجارية سوقية، بعد أن استولت عليها صناعة الموسيقى والدعاية الجنوب أفريقية.

ولكن تم استبدال هذا الاتجاه من قبل موسيقى الراب والهاوس House الجنوب أفريقية أو Shangaan Electro المنتشرة في بلدات جنوب أفريقيا. موسيقى شانغان تدمج عينات من أنغام ماريمبا والأرغن، مقطوعات قصيرة ومعقدة وترتبها عبر إيقاعات حذرة، لكن سريعة سرعة البرق في كائن صوتي حي لا يتوقف عن التغير. تنبض هذه الموسيقى بالحداثة والاستقلالية. كما أن موسيقى ياغوا التي تصدح في دار السلام تبدو تجريبية، إلا أنها للأسف حبيسة الإطار المحلي الضيق جدا. فهنا تصدر أنغام شاذة ومشوهة من كيبورد رخيص ماركة كاسيو بإيقاعات متعددة.

فنانون أم موسيقيون؟

كثيرا ما يتهم موسيقيو موسيقى العالم 2.0 بأنهم فنانون وليسوا موسيقيين، بأنهم نخبة من الكوسموبوليتيين لا يعرفون أصولهم الموسيقية إلا من خلال منظور أصحاب الامتيازات، وأن كل ما لهم هو التبعية العمياء لموجات وأشكال موسيقية من الشمال. لا تستحق جميع هذه الأنواع الموسيقية ـ والموسيقيون ـ الحط من القدر والإقصاء واعتبارها مجرد تقليد أعمى. قال كريستوفر ميلر إن الموسيقيين في اندونيسيا لا يعرفون جون كيج، لكنهم رغم هذا يعملون على نفس مبادئه الإبداعية.

صحيح أن الموسيقيين في بيروت مطلعين كامل الاطلاع على الطليعة الأوروأمريكية وطليعة البوب، إلا أن تعابيرهم الموسيقية مطبوعة أيضا بطابع محيطهم السمعي المباشر: التنشئة الاجتماعية الصوتية خلال الحرب وفرق موسيقى الروك المحلية psychdlique، خلال الستينات وغيرها الكثير. الموسيقى العربية التقليدية والموسيقى اللبنانية »الوطنية« يمثلان في الآن ذاته غالبا قدوة سلبية لأولئك الموسيقيين، الذين ينأون بأنفسهم عنها لأسباب شتى. إذن فأولئك الموسيقيون لا يكتفون بالتبعية العمياء، بل يخلقون موسيقى يضعون فيها وجهة نظرهم وموقفهم الخاص.

مواقف ما بعد استعمارية واثقة بالنفس

يعرف الموسيقي يوهانس إسماعيل فيندت Johannes Ismaiel-Wendt الموسيقى الشعبية في أطروحته المثيرة بأنها موسيقى مابعد كولونيالية في حد ذاتها. إنه يلاحظ استمرارية الخطاب الشائع عن »العرق« والحضارة" في عالم موسيقى البوب ويقيمها كصيغة من صيغ العنصرية ومابعد الكولونيالية، حيث يقول: "إن الإشارات إلى الأمكنة، المناطق، البلدان أو الأمم أو القارات تشكل نظاما مركزيا للموسيقى الشعبية". لا بد أن قسما كبيرا من موسيقيي موسيقى العالم 2.0 سيوافقه هذا الرأي. وقسم آخر لن يوافقه ويقول: "هؤلاء الموسيقيون يساهمون بشكل فعال في كشف العروض الغريبة »الساحرة« لموسيقى بلادهم ويوحون بأنها مجرد لعبة »ملونة زاهية«".

القسم الأعظم من موسيقيي موسيقى العالم 2.0 ينضوون تحت المعسكر الأول. يصرفون أذهانهم عن استمرار البؤرة الأوروبية في التركيز على "التقليدي" في بلدانهم غير الغربية. هؤلاء الموسيقيون لا يرغبون في إرضاء رغبة "الفروق الثقافية" لدى الأوروبيين وعلماء الموسيقى الاثنولوجية ومحبي الموسيقى ـ على الأقل ليس من الرنة الأولى في الأذن. إنهم يرغبون في خلق هوية موسيقية خاصة، بعيدا عن غرائبية الذات أو التسويق والدعاية.

»الفيروسات الصوتية« من موسيقى العالم 2.0 تخترق الموجة الأورو ـ أمريكية دون أن تتحلى بالغرائبية أو المشرقية فقط. يبدو من فيديوهات ونصوص كنعان K'Naan كأن مغني الراب الصومالي الكندي ينوي تمزيق أعصابنا السمعية والبصرية: فجأة نرى القراصنة الصوماليين جانب كليشه قراصنة عالم والت ديزني، أسودا وفيلة جانب المحاربين الصوماليين ولقطات من الحرب الأهلية، البيتلز جانب نجوم تاريخ الموسيقى الأفريقية والأفـروأمريكيـة، بـوب مارلـي أو فيـلا كوتي. إن إنتـاج كنـعـان للفيديو الرسمي لشركة كوكاكولا، Waving Flag، في نهائيات كأس العالم لكـرة القـدم في جـنوب أفريقيا ليس إلا دلالة على نجاح وعدم تشنج هذا الجيل الجديد بين الثقافة المخالفة والثقافة السائدة.

الغرائبية؟

برأي منظّري ما بعد الكولونيالية ـ وكذلك من منظور كثير من موسيقيي موسيقى العالم 2.0، قد يكون للاحتفاء بالغرائبية فعل مدهش، إن لم يكن دافعا على اليقظة. فالكثيرون يتنسمون سوءا في التقاليد الطويلة للبحث عن أصوات وإيقاعات غريبة أخرى في الخلق الموسيقي الغربي: في أمريكا القرن التاسع عشر حاكى الـمغـنون والـممثلون البيـض زملاءهم السـود فيما يسمى عروض Minstrel shows، في الموسيقى الأوروبية قام ملحنون بالتجريب على موروث الموسيقى الشعبية.

وبدءا بأواسط ثمانينات القرن العشرين في أقصى حد مزج موسيقيون هنود وباكستانيون من الجيل الثاني للمهاجرين في لندن أنغام السيتار وإيقاعات الطبلة في نوادي  البيتز Beats. زعموا أنهم لا يقدمون بلدانهم من الناحية الفلكلورية، إنما من ناحية حداثية. إلا أنهم غالبا ما أعادوا إنتاج أنماط قديمة وخلقوا هجيبنا وجوديا متعدد الثقافات: من ناحية أوروبا بوصفها أساسا، ومن ناحية أخرى آسيا بوصفها زخرفة موروثة.

بيروت ومصر في القرن العشرين

تسعى موسيقى العالم 1.0 لتمجيد أنماط وتعابير موسيقية سليمة، ثم تخلط أصوات الحاضر التجاري كليا "بقشرة أزمنة وأمكنة أخرى" شبه تاريخية كما يكتب Veit Erlmann، الذي يعرّف النهج المشترك لموسيقى العالم 1.0 من خلال مفهوم باستيجيو pasticcio ويقصد بهذا نوعا خاصا من المحاكاة الهزلية مع عدم وجود أي لهجة ساخرة أو انفعالية إطلاقا. أما موسيقيو موسيقى العالم 2.0، الذين يعيدون العمل على الغرائبية، فقد بدلوا الباستيجو بالمحاكاة الساخرة وهم في هذا يشبهون موسيقيي طليعة البوب الذين كثيرا ما أبدوا انبهارهم بما يسمى الشعوب »البدائية« وفيتيشها. موسيقيو بيروت يعبرون صراحة عن افتتانهم بالبيتنيكز Beatniks من خمسينات وستينات القرن العشرين وكذلك بموسيقى الروك psychdlique من ستينات وسبعينات القرن وأيضا بموسيقى الأغاني الألمانية من الخمسينات. إن البيتنيكز وبعض آبائهم الروحيـين وكثيـر من موسيقيي الروك كانوا مسحورين بالرؤى الأدبية والموسيقية عن الشرق الأقصى وآسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وبذلك كانت الموسيقى تتولد دائما في تلاقح بين موسيـقيين من الشـرق والـغرب: الـملحن المصـري حليم الضبع (مواليد 1921) كان في علاقة فضفاضة مع جيل البيت Beat، ويعتبر اليوم من أوائل ملحني الطليعة في العالم العربي. فرقة فريك سين Freak Scene هي إحدى الفرق الموسيقية الأمريكية الكثيرة التي تعاونت مع العرب المهاجرين، فسجلت عام 1967 ألبومها هارد روك من الشرق الأوسط. وفي الوقت ذاته كانت حوالي 200 فرقة روك تكافح في بيروت للوصول إلى الجمهور وشكلت شبكات من الموسيقيين والنوادي والمعجبين وأسست بذلك أرضية يبني عليها اليوم موسيقيو الزوايا العرب نجاحاتهم.

كما يستذكر موسيقيو اليوم دور صناعة السياحة في الخمسينات بنواديها العربية في نيويورك، باريس، بيروت والقاهرة. إن الموسيقى في النوادي الليلية "انتهكت كل حدود الأصالة".  إن بداهة وخفة هذه الكاريكاتورات الفنية في الشرق تشكل اليوم قاعدة لموسيقيي اليوم. عازف الغيتار المصري عمر خورشيد كان يعزف في نوادي بيروت والقاهرة أغان عالمية شهيرة مثل لاكوباراسيتو من الأوراغواي ولابالوما من اسبانيا. واليوم يقول النقاد عن عمر خورشيد إنه جيمس لاست James Last العالم العربي. أما في عين الكثير من الموسيقيين فهو عبقري بناء على طريقته الخاصة في العزف وبراعته الفردية.

سوريا

اليوم يبدو مشهد الموسيقى السورية، »موجة الدبكة الجديدة« أو الموسيقى الشعبية في القاهرة من نوع الروك المحلي. يسجل عازفو الدبكة وسيقاهم الصاخبة بمكبرات صوت صغيرة. ينتجون ربع الصوت العربي النموذجي المشهور ويحاكون النغمات الحادة للمجوز، الأداة المعروفة في رقصة الدبكة. ولقد تكاثر المعجبون بهذه الموسيقى خارج إطار السوق الضيق للكاسيتات والأقراص المدمجة ويعود الفضل لهذا بالدرجة الأولى لجولة عالمية قام بها المغني السوري عمر سليمان نظمتها عام 2009.

شارلي جيليه Charlie Gillett، رائد موسيقى العالم في إذاعة »بي بي سي« علق شبه ساخط قبل وفاته بقليل على حفلة أقامها عمر سليمان في لندن، قائلا "إنه أسوأ مغني أعراس سمعه طوال حياته". يمكن القول: إن موسيقى العالم القديمة، النظيفة، والرقيقة يتم الهجوم عليها واستبدالها بأغان جديدة، غير مريحة. سيسجل عمر سليمان أغنية على الألبوم الجديد للمغنية الايسلندية بيورك Björk. إذن فربما تكتشف مجموعات موسيقى العالم 2.0 الدولية قريبا أنماطا جديدة من البوب المحلي: ارابسك من تركيا، جيل Jil من شمال أفريقيا، توربو فوك Turbo folk من يوغوسلافيا السابقة ـ والمستقبل وحده يعرف إن كانت مجرد أغان تدوم يوما واحدا فقط، أم ستنال المزيد من الجمهور.

السخرية أم ثقافة اللهو المجاني؟

تقول سوزانا بيناس Susanne Binas: "في بداية القرن الجديد يصعب معرفة ما ينبغي اعتباره استراتيجية للمقاومة الثقافية وما هو قائم على الحسابات التجارية البحتة في فروع التسويق لدى قطاع الإنتاج في شركات إنتاج التسلية". وفي حالة موسيقى العالم 2.0 لا تبادر فروع التسويق وحدها بالضرورة، بل يحاول الموسيقيون ذاتهم في أحيان كثيرة تمرير وإبراز أسمائهم باستراتيجياتهم الخاصة.

وبهذا يمكننا من هذا المنظور اعتبار التركيز الجديد على الغرائبية فلسفة وجودية استراتيجية: فالمفارقة والغرائبية تستفيد بنسب غير متناسبة من الانتشار السريع للدعاية الشفوية على شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك. فرقة البوب Antwoord تلعب بجسارة على نمطيات الرجل الأبيض البدائي وشارب البيرة في جنوب أفريقيا. لا يتضح كثيرا ما الذي تريد الفرقة قوله بهذا، خاصة وأنها تتعمد قدر الإمكان تجنب الحديث الجاد والعلني عن دوافعها. مشكلة الهزل والمحاكاة الساخرة لا يفهمها سوى أصحاب الشأن المطلعين، وفي السوق العلنية الحرة فإنها تحور بسرعة إلى ثقافة لهو مجاني.

غرائبية الحرب

كما تثير موضة تصوير الحرب والعنف تساؤلات مشابهة. وليس مازن كرباج و M.I.A سوى مثالين من بين كثيرين. المغنية الجامايكية Terry Lynn مثلا تصور نفسها على قرصها Kingstonlogic 2.0 كساكنة فخورة لأحياء الصفيح في يدها مسدس. تؤدي أغانيها بصوت جهوري عميق، على خلفية أزيز الرصاص وقرع تجريدي على الطبول. في فيديوكليبات كودورو Kurduro المصورة بالهواتف المحمولة من لواندا ترقص نساء أنصاف عاريات مع شبان فقدوا ساقا في الحرب الأهلية الأنغولية.

يعتبر الكودورو الذي تصدر قعقعته النافرة من حافلة صغيرة مركونة في الساحة أول موسيقى إلكترونية بحتة أنتجت في أفريقيا على الإطلاق. إلا أنه يصعب على هذه الموسيقى رخيصة الإنتاج تلبية الأذواق الجمالية والفنية التقنية للسوق العالمية. إذن فإن موسيقى العالم 2.0 ليست على كل ذلك القدر المزعوم من الديمقراطية.

وفي هذه الأثناء يتم الشك بمصداقية M.I.A، يقال اليوم: إن Edgar Bronfman الخارج من كنف شركة إنتاج الأقراص Warner-Music-CEO لم يستخدم الاستفزاز إلا مجرد وسيلة للوصول إلى غايته في الشهرة السريعة. يعترف مازن كرباج في اللقاءات التي يدلي بها بأن صحفيا ألماني كان أول من عبر له عن خشيته من أن تكون ذكرياته عن الحرب تؤثر اليوم في موسيقاه.

هل أراد بذلك التنصل من الأسئلة المتكررة عن غياب العناصر المحلية في موسيقاه؟ هل كانت نقلة ذكية لترسيخ اسمه كصوت فريد في الحقل العالمي الواسع للارتجال الحر؟ أم كان أكثر من كل هذا؟ يصعب الوصول إلى حكم. من المنظور العالمي عوّض موسيقيون على غرار مازن كرباج العنصر الغرائبي لموسيقى العالم 1.0 (الموسيقى الشرقية) بعنصر غرائبي جديد، بالحرب. وبخلاف ذلك، في لبنان يتمرد مازن كرباج على أحد المحرمات بأن يتحدث علنا عن الحرب الأهلية اللبنانية ويدل عليها بغنائه عن تجارب قاسية مؤلمة.

المنحى النظري

موسيقى العالم 2.0 بناء نظري. يشير المصطلح إلى شيئين: موسيقى العالم 2.0 تستفيد من ناحية من إمكانيات سوق الموسيقى التي تزداد رقمنة لإنتاج موسيقى أكثر حرية وأكثر تنوعا، ومن ناحية أخرى ما زالت موسيقى العالم 2.0 طبعة ثانية لموسيقى العالم 1.0، لم تتحرر تماما من عقدة المركزية الأوروبية وأحد أهم الأسباب هو أن الأموال الممنوحة تأتي أغلب الأحيان من أوروبا. وهذه الموسيقى إما أنها تجد سوقا في المهرجانات التي تمولها جهات أوروبية (مهرجانات الموسيقى العالمية، المعارض المختصة) وتسوقها عبر الغرائبية واللهو والحرب. أو أنها تقوم فقط في الأوساط والزوايا الثقافية الخاصة العابرة للقوميات وتظل هناك أسيرة الارتجال الحر والموسيقى الالكترونية أو ما بعد البانك. والانتشار في كلا السوقين رغبة يتشوق إليها كثير من الموسيقيين.

من الناحية المنهجية فإن الانتقال من موسيقى العالم 1.0 إلى موسيقى العالم 2.0 قفزة نوعية من الأنماط الموسيقية البينية الضيقة إلى موجات عابرة للثقافات، إن لم تكن مفرطة في تعدديتها ومتجاوزة لكل الحدود الحضارية والثقافية. في موجة الثقافة البينية يتم الدمج بين تقليدين (أو نمطين) موسيقيين من أصول جغرافية مختلفة بحيث تحافظ التقاليد المعنية (أو التصور النمطي عنها) على قسم كبير من أصولها، مثلا: Asian Underground. والموجات الأخرى لم تعد تعتبر الحضارة نظاما مغلقا على ذاته. وحسب الموجة يبقى صوت المبادئ والمرجعيات الحضارية قويا (الموجة العابرة للثقافات) أو أخف قوة (الموجة المفرطة في العالمية) أو يضيع الصوت نهائيا (الموجة المتجاوزة للحدود الثقافية). وكثيرا ما تتداخل الموجات المختلفة في قطعة موسيقية واحدة.

يقترح فايت إرلمان Veit Erlmann إجراء أبحاث على موسيقى العالم 1.0 وفقا للطريقة التي تعبر بها عن تاريخ المحيط الثقافي والسوسيوسياسي في الموسيقى (أو في المنتج). قد تنطبق هذه الأطروحة على موسيقى العالم 2.0 أيضا، إلا أنه يجب ألا يطغى تيار حضاري على الآخر. كما أنه من المهم التدقيق في الواقع الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي الذي عاش فيه الموسيقي

ونشأ وأخير فيمن يستفيد من موسيقى العالم 2.0: هل هو الموسيقي، الدي جي أم كاتب المدونة أم مالك شركة الإنتاج أم الراعي المالي؟

الحدود الواقعية للدولة القومية

في كل أول جمعة من الشهر يتم نصب مكتب لمنح الجنسية في Exil Club، الكائن في زيوريخ. تجلس ممثلة في صندوق خشبي عادي. تقوم بكتابة استدعاءات طالبي الجنسية في الجمهورية الديمقراطية الافتراضية Republik of Tam Tam على آلة كاتبة قديمة بنظام الإصبعين. إن ما يتم تمثيله في هذا الوطن لعبة خيالية إلا أن فيها إشارات جادة على مقدار المعوقات الراهنة على الحدود بين الدولة القومية والحقل العالمي. قد تنتشر الأنغام والإيقاعات في الأثير العالمي، إلا أن الحدود القومية والسياسية ما زالت تقيد الموسيقيين. يقرر مكتب الهجرة والجوازات إن كان من حق فنان من أفريقيا، آسيا أو أمريكا اللاتينية أن يشارك  جسديا في المشهد المتشابك عالميا لموسيقى العالم 2.0 أو أنه يظل مجرد مصدر للأصوات فقط.
توماس بوركهالتر: صحفي سويسري متخصص في شؤون الموسيقى، يركز في أبحاثه على العالم العربي وموسيقى العالم. يعمل في موقع: wwww.norient.com المتخصص بالموسيقى العالمية.

ترجمة: ‬كاميران حوج
Copyright: Goethe-Institut e. V., فكر وفن
ديسمبر 2011
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 96 "الموسيقى" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...

– حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

زنيت

تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي