الموسيقى لغة العالم

حول فكر وف

Fikrun wa Fann (فكر وفن) هي مجلة ثقافية تشجع وتُسهم في تشكيل التبادل الثقافي بين ألمانيا والمجموعات الثقافية ذات التوجهات الإسلامية. وهناك مؤلفون من ألمانيا وأوروبا والعالم الإسلامي لديهم تواجدهم جنباً إلى جنب مع الأصوات الدولية الأخرى. بالإضافة إلى المعلومات والحوار مع وداخل المجموعات الثقافية ذات التوجهات الإسلامية، توفر أيضاً مجلة Fikrun wa Fann منتدى أدبي خاص بالمناقشات الاجتماعية السياسية الحالية.

حجرة الـموسيقى اللاهورية
دخول احتفالي ‬إلى عالم الـموسيقى الشرقية

في ‬الهند وباكستان ‬يشترك الجسد بكامله في ‬تلقّي ‬ألوان موسيقى »‬الراغا« ‬الفنية. ‬هذا الاستماع الشمولي ‬يقابله، ‬في ‬التقليد الموسيقى الغربي، ‬ذلك الجو الجامد لقاعات الموسيقى، ‬حيث ‬يجلس الموسيقيون الغاطسون ‬في ‬النور على الخشبة مفصولين عن المستمعين الذين ‬يبدون مربوطين إلى كراسيهم في ‬صفوف المقاعد ‬المرتبة بانتظام. ‬لكن ثمة فروقا أخرى ساحرة ‬يحدّثنا عنها خبير بها هو الاثنولوجي ‬يورغن وسيم فرمبغن.

كانت خبرتي الأولى التي أدخلتني عالم الثقافة الموسيقية التقليدية لشبه الجزيرة الهندية في الواقع في الحادي عشر من نوفمبر 1996 أمام غرفة فندق في لاهور، عاصمة باكستان الثقافية. فرغم أنني كنت حتى في عمر الشباب - أي منذ منتصف السبعينيّات - أسجل موسيقى هندية وأفغانية وإيرانية كانت تبث بانتظام من الراديو الألماني الغربي على مسجّل »غرونديك« قديم ولم تكن تفتني تقريبا أية أمسية موسيقية يحييها فنّانو هذا العالم النغمي الأجنبي في منطقة بون ــ كولونيا، إلاّ أن شيئا كان بلا شك ينقصني: إنه تلك المعايشة العميقة حقا، ذلك التأثر إلى درجة الانفتان والذوبان الذي تثيره موسيقى »الراغا« بغناها بالنغمات العالية. في تلك الأيام كان يسحرني الاتساع والتلوّن الإكزوتيكيان للنغمات الشرقية في حين لم تكن الموسيقى الكلاسيكية الغربية بتكوينها الدقيق والأوكسترالي وهارمونيتها التي تعود إلى التقليد الإغريقي تثير اهتمامي.

في الهند وباكستان يشترك الجسد بكامله في تلقّي ألوان موسيقى »الراغا« الفنية. هذا الاستماع الشمولي يقابله ـ في التقليد الموسيقى الغربي ـ ذلك الجو الجامد لقاعات الموسيقى الغربية، حيث يجلس الموسيقيون الغاطسون في النور على الخشبة مفصولين عن المستمعين الذين يبدون مربوطين إلى كراسيهم في صفوف المقاعد المرتبة بانتظام. وبينما يجلس عشاق الموسيقى الهنود والباكستانيون على سجاجيدهم في مشهدهم التقليدي على الأرض ويعبّرون عن تأثّرهم وطربهم لا بالإيماء الجسدي فحسب بل وبصيحات الإعجاب، يصر المستمعون الغربيون على الهدوء والإصغاء باحترام. يغلقون أعينهم منتظرين نهاية المعزوفة حتى يبدأوا بالتصفيق. لا يمكن أن يكون الفرق في عادات وسلوك السماع أكبر من ذلك. لذا كان لا بد من حدوث صدفة تقودني عام 1996 إلى »خبرة حياة« موسيقية ثبت فيما بعد أنها كانت انعطافا في فهمي للفن على الإطلاق. لقد كانت نغمات أعادت تحديد خطوط حياتي. ولطالما كانت الخبرات الموسيقية خطوات إلى تحقيق الذات.

خبرة حياة في لاهور

كنت في رحلة بحث الى الهند. ونزلت في لاهور الباكستانية كمحطة للاستراحة حيث قضيت ليلة في فندق صغير في أناركالي. وهي أشهر سوق في لاهور، ليس بعيدا عن المدينة القديمة. ومعنى كلمة اناركالي »زهر الرمان« وكان اسما لإحدى سيدات »حريم« الأمبراطور المغولي أكبر الذي قبرها حية لأنها ردّت على ابتسامة ابن له بابتسامة مثلها. ولأنه كان متيّما بها فقد أمر بأن يبنى لها قبر رائع مزخرف. في المساء خرجت أتسكّع بين دكاكين هذا الحي الذي كان في العشرينات والثلاثينات يعتبر أجمل وأكبر بازار في شمال الهند. كان تجار تلك الأيام أغلبهم من الهندوس، باستثناء حفنة من دكاكين المسلمين.

جذبت انتباهي نغمات طبلة في حديقة الساحة الخلفية لفندق »دلهي ـ مسلم«.  نقر عازف الطبلة بعض الإيقاعات ثم ضبط انشداد جلدة طبلته الواقعة على يمينه بأن ضرب بمطرقته الصغيرة على الأسافين الخشبية الصغيرة التي تثبت أطراف الجلد على جسم الطبلة. ثم فعل الشيء نفسه مع »تمبال« ـ وهي طبلة صغيرة ـ على يساره بشد حلقات نحاسية تربط الجلد. سألته إن كان هناك حفلة اليوم فقال نعم وأشار بشكل عرضي إلى بيت مجاور لغرف فندق بنغالو الذي فهمت أن أمير رقص الكاثاك يعيش فيه.

كنت قد سمعت بهذا الرجل الشهير الذي كان يعتبر أهم معلم لرقص الكاثاك في شمال الهند. في وصلته الأولى استقبله الناس بالهتاف والتصفيق واقفين وبعدها بسنتين منح لقب مهراجا الكاثاك. هذا الرجل المهيب بشعره الأبيض المنسدل على قفاه وذو الملامح السمحة وتعابير الوجه التي تفيض حياة استقبلني في حلقة من أصدقائه وطلب لي طعاما نباتيا عارضا علي أن أكون ضيفه: تغذية الجسد أولا تتبعها تغذية الروح.

ولد مهراجا الكاثاك غلام حسين في كالكوتا عام 1905 . كان في بداية العشرين من عمره عندما أحس بالميل إلى هذا النوع من فن الرقص الذي كان أمراء شمال الهند المسلمون يعتنون به. والكاثاك هو نوع من الرقص المرافق لرواية القصص. تعود حركات الإيماء والغناء إلى تقاليد »الهندو« القديمة. يميّز هذا النوع من الرقص الوضعية العمودية مع الدوران حول المحور وحركات القدمين وهو يرافق الغناء بأسلوب الثومري، ما يعني حرفيا الخطوة المذهولة. تفرّغ الشاب لهوايته رغم معارضة عائلته المحافظة، فقد كان أبوه فقيها. وللارتقاء بفنه انضم إلى مدرسة كاثاك لوكنو الشهيرة بأسلوبها المجدد والراقي وتعلم على يد أحد كبار أهل هذا الفن كما كان قد تعلم الرسم وغناء »الغزال« والثومري. وقد جاء »بابا جي« كما يدعوه باحترام عشاق فنه إلى لاهور بعد تقسيم الهند عام 1947 . وبعد عشر سنوات أنهى ممارسته للرقص بسبب تقدمه في السن وتفرّغ لتعليم الرقص. عدد لي بفخر أسماء طلاب له أصبحوا مشاهير كناهد صديقي وفصيح الرحمن. أضف إلى ذلك نساء من هيرا ماندي و »سوق اللؤلؤ« وحي بائعات الهوى في المدينة القديمة.

بمجرد خروج مهراجا الكاثاك أخيرا من غرفته وجلوسه في الصف الأول للمنتظرين الجالسين في نصف دائرة حول الموسيقيين وضع أحد أصدقائه أمامه إناء فضيا مليئا بالبان والبتل (للعلك والمتعة) وإناء آخر للنفايات والبصاق. وهكذا بدأت الليلة التي يحييها المطرب حميد علي خان الذي اقتصر على لون الغزال رغم اتقانه الكثير من الألوان الأخرى بناء على رغبة المضيف. رافقه عزف على الهارمونية (نوع من الأرغن يستخدم فيه القدم). بعض الأغنيات كان لها مضمون إيروتيكي مثلي أدّى المغني نصوصها بالأوردو بعاطفية تكاد تكون متفانية. ومازلت أذكر بعض مقاطعها مثل: "كيف يمكن لي أن أتخلى عن الحب"؟ أو "لا يرى إلا بعين المشاعر".

لكن تأثير هذه الليلة علي لم يكن فقط بسبب هذه »الغزالات« ـ وهو لون من الغناء ـ ولكن بالأحرى بسبب الجو الخاص، هذا الوسط الحي الأصيل. متذوقو هذا الفن الذين كانوا مندمجين بشكل كامل، يظهرون إعجابهم وطربهم بالغناء والموسيقى بحركات الأيدي وبالهتافات من نوع: واه واه، برافو، عظيم، سبحان الله، ماذا يمكن للمرء أن يقول؟ أو: يا للكلمات الشاعرية! وسرعان ما بدأ المعجبون "يفكّون" أوراق المائة روبية لتحويلها إلى أوراق الروبيتين المربوطة ببعضها ثم يمطرون بها كلا من مهراجا الكاثاك والمغني في تقليد يسمى »فل« كنت أراه للمرة الأولى. لقد نشأ بين الحاضرين إحساس بالانتماء المشترك والثقة. يسمّى الإثنولوجيون ذلك »جماعية Communitas «.

حتى أنا اندمجت بالحدث الشعري الموسيقى. متأثرا برقة أغاني »الغزال« كنت أتبادل النظر مع من جاورني شاعرا بأنني واحد منهم. تبادلنا التعابير الحسية وكان البان والماء ثم الشاي يدار بين الحضور. وكانت نظرات التبجيل تنصب على أمير الكاثاك الذي تجاوز التسعين. كان كل هذا مؤثّرا، تماما كمنظر أولئك الذي جاؤوا بأوراق النقد يمسحونها بشعر الرجل وكأنهم يريدون مباركتها أو أولئك الذين يلمّسون قدميه باحترام. أو أولئك الذي نثروا علينا براعم الورد. وعندما دار الخادم بالبان الطازج على عشاق الموسيقى دعاني المعلم إليه ودفع في فمي شيئا من البتل الحلو وقال مازحا أن أصدقاءه ليسوا إلا باندان ـ خاندانن أي عائلة تجتمع على علبة البتل. وسألني إن كنت أعرف قصة الأمير اللاهوري الذي اعتاد أن يعلك »البان« ثم يبصقه على الشارع من بلكون داره وذات مرة قلب الاتجاه فبصق البان في غرفته وقفز من البلكون إلى القاع. فالاستمتاع بالبان هو عادة سيئة في الواقع!

أعداء الموسيقى

لا يثق المسلمون المتشدّدون سواء أكانوا سنة أم شيعة بالموسيقى. وكلما كان المرء منهم أكثر أصولية بفهم الإسلام ازداد رفضه لها. لكن هذا العداء لا أصل له في القرآن، وإنما في بعض الأحاديث التي تتحدّث، كما يزعم البعض، عن »ملذات ممنوعة« في الموسيقى. لكن المرويات التي تفيد بأن محمدا لم يكتف بسماع الموسيقى بل ونصح بها تفنّد تلك المزاعم.

رغم ذلك يعود السنة المتعصّبون إلى الفقيه المتشدد ابن تيمية الذي عاش في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر في مصر المملوكية وانتقد بشدة الثقافة الشعبية بأشكال تعبيرها المختلفة من الاحتفالات الصاخبة والشعر المجوني والإيقاعات الباعثة على النشوة واعتبرها بدعا ضالة وشاذة. وعلى هذا الأساس فقد زعم أن سماع الموسيقى الصوفية يجذب الشياطين. وهكذا فقد حاول ابن تيمية أن يحاصر الإسلام الشعبي بتقاليده الشائعة والمحبوبة من الناس بوصمه بالوثنية. وما زال ورثته اليوم من الوهابيين والسلفيين ينشطون في السعودية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وإندونيسيا وينشرون هذه الإيديولوجيا التي يتبنّاها كثير من المسلمين المتشددين وحتى بعض الصوفيين المحافظين.

يحاول فقهاء مدارس الديوباندي في الباكستان وتلاميذهم من الطالبان وحزب جماعات إسلامي الراديكالي أن يطبعوا المجتمع بطابعهم المتطرف. إنهم بدعوتهم إلى استبدادية الفضيلة التي تذكر بالكالفينية يكافحون الممارسات الإسلامية المعتدلة المتأثرة بالتصوف وبهذا يلغون الفضاء الديني الذي كانت النساء تتحرك فيه بحرية وتطور نفسها. هؤلاء الطالبانيون الذين ينشؤون في جو خال من النساء ويتدربون على الخشونة، والحرب، فقدوا جانبهم الرقيق والجميل وهم يلاحقون أتباع الإسلام الصوفي وخاصة الموسيقيين والراقصين منهم.

بداية 2009 قتلت الراقصة الشهيرة في وادي سوات شابانا بعد انتهاء أحد عروضها ثم غطى القتلة جسدها المخروز بالرصاص بالأوراق النقدية والأقراص المدمجة المأخوذة من حفلتها ثم عرضوا الجثة بهذا الشكل في الساحة العامة لمدينة منغورا ليرعوي الناس عن »العروض اللا أخلاقية« كما قالوا. بهذه الطريقة يسمم ويدمر الطالبان ثقافتهم الباشتونية ذاتها في أفغانستان وباكستان، التي تهتم بالرومانسية وحس الجمال تماما كما تحتوي على »عبادة الرجولة«.

لكن ملالي الشيعة في إيران ليسوا بأفضل. إنهم يعادون الموسيقى بنفس الدرجة. والشكل الوحيد للتعبير عن المشاعر الذي يسمحون به هو البكاء على الشهداء. حسب قناعات هؤلاء المتشددين والمتطهرين تصرف الموسيقى الناس عن الإيمان بالله وخاصة تلك النغمات والايقاعات التي تقود الى شرب النبيذ واللذة الإيروتيكية. يزعمون أن الشيطان هو من يرسل هذه الموسيقى التي تؤدي إلى فقد السيطرة على الجسد والنفس. ويوم القيامة سيصب رصاص في أذني كل من كان يستمع اليها.

الموسيقى والإسلام الصوفي

الموسيقى الروحية، كما يسمعها المتصوفة بقلبهم وروحهم، تعتبر في بعض التيارات المعتدلة للتصوف ترياقا ضد الدوغمائية والعقل والفقه. لذا فقد جمع المتصوفة والدراويش مرويّات يحض فيها إما مباشرة أو بشكل غير مباشر على السماع، والمقصود هو السماع الصوفي. في هذه المرويات يدور الحديث عن عوالم النغم الفردوسية، حيث الأصوات السماوية تنبعث من الأشجار والأنغام الكونية تهدهد عرش الله وعن الأصوات الجميلة للطبيعة، كتغريد العصافير مثلا.

كما أنها تروي كيف أن النبي كان يستمع إلى أصوات دقيقة تنبعث من الأحجار والنباتات التي كانت تحييه. وهنا تنبع أصول الموسيقى الصوفية ومثالها الأعلى. وقد ابتدأت تتطوّر في الفضاء الثقافي الإيراني ثم انتشرت من هناك. لقد بدأت الجلسات الموسيقية تصبح جزءا من الحياة الدينية للمتصوفة في زمن الإسلام المبكر. في كل مكان من شبه القارة تعتبر أغاني الكافي وايقاعات الهيمان (حيث يعيش المتصوف في حالة الغياب المنتشي جزءا أساسيا من حفلات المشايخ المسلمين، وقد رأيناها في عرس الإمام غول وفي أغاني الدراويش المتجولين وقبل كل شيء في »شعر السكرة« في أغاني القوّالين.

ولكن أي دور تلعب موسيقى الراغا التقليدية الشمال هندية الآن وكيف يتم تلقيها ومعايشتها وتقييمها وأية مشاعر تملأ أنغامها؟ إن الأحاديث مع صديقي أشفق زودتني بأجوبة على هذه الأسئلة.

حديث حول مدارس المعلّمين

عندما قابلت الدكتور أشفق خان في أكتوبر 1998 للمرة الأولى في حفلة خاصة في لاهور تحدثنا عن الموسيقى وقد شبّه لي أشكال التعبير الفنية المختلفة في الإسلام كالشعر والخط والرسم في الكتب والسيراميك والعمل على المعدن والسجاد والفنون اليدوية والحفر على الخشب والعاج وغيرها بخرز مسبحة الصلاة، بينما تلعب الموسيقى والغناء دور الخرزة الأولى في المسبحة التي تشبه المنارة الصغيرة. وفي أحد أحاديثنا في حجرته الموسيقية قال لي: "إن كنت تريد أن تفهم موسيقانا الكلاسيكية عليك أن تعرف معلومات أكثر عن مؤسسات التكية وبيتهاك (بيت الحق) في لاهور. لقد درّس في بيوت الحق كبار المعلمين. كانوا يعلمون الموسيقى والخط والمنمنمات واللغة العربية.

ـ سألته: " ألا تعني هذه الكلمة في الأوردو ببساطة مكانا يجلس فيه المرء؟ أعرف هذه الكلمة كتعبير عن قاعات الاستماع التي يجلس فيها "الأصدقاء في الله، الأحياء ونسل المتوفين من المشايخ".

ـ أجاب: "نعم. يقيم هناك معلمو الحب الإلهي وقادة النفوس. وقد زرت منذ فترة وجيزة الخطاط الأستاذ سليم الذي مازال يعمل في بيت الحق الذي كان لوالده".

ـ كاتبان ــ بيتهاك (بيت الحق)، بالضبط غرفة الكاتبين. كما تدعى. تقع في المدينة القديمة (المسوّرة) خلف بوابة لاهور، إلى اليسار قليلا في الطابق الأول لأحد المباني. أعجبني الفن المعماري القديم كثيرا. تلك النافذتان ذواتا الجناحين العاليين المنفتحين على الزقاق والمنصّتين المائلتين اللتين يعمل عليهما الخطاطون".

ـ قال أشفق بأسف: "موت الأستاذ سيعني للأسف نهاية »بيت الحق«. لا يتبع الأبناء آباءهم في معظم الأحيان بل يبحثون عن مهن أخرى. وهكذا يهدم »بيت حق« بعد الآخر ويتم تحويله إلى مركز تجاري. إن تراثنا الثقافي يتلاشى بسرعة منذ منتصف القرن العشرين. عدد قليل فقط من معلمي الموسيقى الكلاسيكية يجمعون حلقات صغيرة من التلاميذ حولهم على الطريقة القديمة. وهو ما أصبح نادرا على كل حال".

 ـ قلت مذكّرا: "مازال هناك لحسن الحظ بضع بيوت الحق في هيرا ماندي. في وقت ما من شباط/ فبراير من السنة الماضية كنت أتمشى على طول الزقاق عند مقام الخضر حيث سمعت فجأة مطرب »غزال«. وعندما توقفت أصغي خرجت فتاة إلى احدى الشرفات وأشارت إلى الباب القريب." وهنا ابتسم أشفق. قلت: "لا تظن أنني كنت هناك للبحث عن »هيرا« ـ أي ماسة ـ في شكل فتاة. وهكذا أسرعت في تصحيح وضعي، إذ أن الحي هناك في المدينة القديمة معروف باسم »سوق الجمال« الذي يعيش فيه الموسيقيون والراقصات والبغايا. وقد دعي هيرا ماندي على اسم الأمير السيخي هيراسينغ. وخلف باب ضيق جدا كانت بضع درجات تقودك إلى غرفة صغيرة لا تتسع إلا إلى عدد قليل من الناس. وكان يرافق الموسيقى عازف طبلة وهارمونية. وحولهم جلس بضعة رجال كانوا مصغين. وقد بقيت مدة إلى أن خرجت لزيارة شخص أعرفه في مكان قريب".

ـ "طالما وجد موسيقيون كهذا، يرافقون عروض الراقصات. وقد كانت محظيّات القصور المثقّفات يدعمنهم. لكن كبار معلمي »الراغا« كانوا يعزفون في أماكن أخرى هي التكايا التي كانت تقع أمام بوابات المدينة القديمة المحصّنة أو أبعد من ذلك في البساتين. لقد اختفت كل تلك الأماكن للأسف."

ـ "كيف كانت تلك التكايا تبدو للناظر؟" قلت مستفسرا (الاسم معناه الحرفي مخدات أو مساند للظهر).

ـ "كانت أماكن للاسترخاء وللتجمع التقليدي بهدف التسلية تحيط بها الأشجار وثمة نافورة في الوسط وعلى الأرض فرشات تتبعثر عليها الوسائد. كانت الإضاءة الليلية بمصابيح الزيت. بل لقد وجد أحيانا مكان يناسب الفصول الباردة".

ـ "إذن فهي نوع من حجرة موسيقى في الهواء الطلق"؟

ـ "نعم، تقريبا. كان يجتمع الرجال، ليتسلّوا، ليلعبوا الشطرنج والبتشيسي واللودو والورق. ليلقوا الشعر ويستمعوا للموسيقى أو حتى ليمارسوا الرياضة الخفيفة والجمباز. كان المسافرون يخيّمون هناك ليلا عندما تكون أبواب المدينة مغلقة ليدخلوا المدينة المسوّرة في الصباح ويمارسوا تجارتهم. لقد وجدت كمية كبيرة مما يمكن أن نسميه »قوافل التكايا« وخاصة بجانب بوابات بهاتي وكان بعضها يمنح أسماء الأولياء والصالحين. وكان يقوم بأمور التكايا »فقير« ينال المساعدة من محسنين أغنياء من المدينة. لكن هناك تكية معينة كانت معروفة في سائر الشمال الهندي زمن الاستعمار البريطاني تدعى »ميراسيان«. كانت تقام فيها حفلات موسيقى كلاسيكية يوميا. كانت نوعا من القاعة الموسيقية غير الرسمية المفتوحة. شيء نادر. وبعد كل حفلة كانت تأتي قدور كبيرة مليئة بالطعام الفاخر".

ـ "لاشك ان العزف هناك كان سببا للفخر لكثير من الموسيقيين" قلت وأنا أتناول مزيدا من الشاي مع الحليب بنكهة الهال الذي قدمته لنا ابنة أشفق الكبرى.

ـ "طبعا. فقد كان العزف هناك أمام ذوّاقي الموسيقى يعني بالنسبة إلى الموسيقيين غير المعروفين جيدا إما الشهرة أو السقوط. لقد كان الجمهور يقذف الموسيقي السيء بالأحذية! أما من استطاع أن يتألق هنا فقد كان يطلق عليه »خان صاحب« كنوع من الاعتراف بأهميته. كثيرا ما أدّى هنا كبار الأساتذة فنّهم. بعضهم كان يأتي من كالكوتا، أو من دلهي، أو بومباي او كابول: مطربون كالأستاذ بادي غلام علي خان صاحب، وأمراو بندو خان صاحب، وروشان أرا بيغوم، والأستاذ أوميد علي خان صاحب والأستاذ ساراهانغ صاحب".

ـ قلت بشكل عابر: "للأسف لا يعرف هذه الأسماء أحد في الغرب. فقط الإثنولوجيون لن يجدوا هذه الأسماء غريبة تماما."

ـ "هذا ما أخشاه أيضا. ولكن لابد من وجود بعض المطربين والعازفين للكلاسيك والجاز في أوربا أو في ألمانيا ممن يعرفهم معظم الناس جيّدا. أليس كذلك؟"

ـ "تحضرني عفويا بعض الأسماء كعازفي الكلاسيك: أنا نتربكو وأنه ـ صوفي موتر، وأندريا بوتشيلي، ولانغ لانغ. لكنني لا أعرف إن كان كل الناس يعرفونهم. إنهم يكسبون جيدا على أية حال ويعتبرون نجوما عالميين في صنعة الموسيقى. للأسف فإن موسيقيي الجاز أقل شهرة."

ـ "إن أساتذة التقليد الموسيقي الكلاسيكي عندنا مات كثير منهم فقيرا ولم يستطيعوا أن يقدموا فنهم في القاعات الموسيقية الكبيرة".

خطر في بالي صور "أساتذة الراغا" التي عرض كاتالوغ منها في بيت الثقافات العالمي في برلين Haus der Kulturen der Welt قبل بضع سنوات: معرض نادر لبورتريهات بالأبيض والأسود وتعريف بالموسيقيين الكبار لشبه القارة. من المؤكد أن بعضهم مر على تكية ميراسيان وأدّى فنه هناك.

ـ اقترح أشفق الذي لم يخف عليه تعبي ونعاسي بعد تجوالي النهاري الطويل في المدينة القديمة: "دعنا نتمّم هذا الحديث غدا مساء". وعندما خرجنا إلى الشرفة عبقت الرائحة المسكرة للياسمين، مملكة الليل، المنبعثة من براعمه البيضاء الطرية التي لا تنفتح الاّ في الظلام ثم تنثر عطرها القوي في الأجواء.

غناء »الخيال«

في الأمسية التالية جلسنا بعد أن تناولنا الطعام أمام حجرة الموسيقى. كنا نراقب الحمام وهو يهدل عائدا من مشواره إلى قفص من الأسلاك عال ونستمتع بنسمة رقيقة دافئة تهب علينا. أردت أن أحوّل دفة الحديث إلى موضوع قوافل التكايا الشهيرة وثقافة الموسيقى التقليدية في لاهور. كانت عينا أشفق تراقب نجوم السماء.

ـ "لعلمك! لقد طبع بعض المطربين كالأستاذ عاشق علي خان صاحب الحياة الموسيقية في مدينتنا بطابعهم في الثلاثينات والأربعينات. وهو ينتمي إلى مدرسة باتيالا. وقد أمضى آخر سنوات عمره في تكية ميراسيان. وعندما مات عام 1949 بنت له تلميذته فريدة خانم قبرا في فنائها."

ـ "مطربة »الغزال« الكبيرة! وأنا كنت أعتقد أن سلالة موسيقيي الباتيالا لم تنجب إلا مطربي »خيال«."

ـ "في الواقع كان هؤلاء الفنانون خبراء في كل أساليب الموسيقى التقليدية. كان صوت فريدة خانم ناعما ورقيقا ولذلك كان مناسبا للون »الغزال«. حميد علي خان الذي سمعته أنت في حفلة فندق دلهي ـ مسلم يغني كل الأساليب من »الخيال« حتى »الغزال«. وكذلك فقد أدّى بادي غلام علي خان »ثمريّات« رائعة. انتظر، سأبحث لك عن تسجيل قديم له، حيث يغني "راغا دارباري كانادا بأسلوب »الخيال«."

هنا وقف أشفق وذهب إلى أرشيفه.

ثم استغرقنا في الجو الشجي الجليل لهذه »الراغا« إلى درجة أننا نسينا الشاي الخضراء وكعك الزنجبيل. وكانت النغمات تتدافع من النوافذ المشرعة لحجرة الموسيقى..

تمثل موسيقى »خيال« إغناء هاما جدا للراغا الكلاسيكية من قبل المسلمين. كان المطربون المسلمون يستطيعون أن يدمجوا مؤثرات فارسية مع الأشكال الصوتية لل »دروباد« وغناء القوالين. يعتقد مؤرخو الموسيقى أن هذا اللون بدأ يتطور في شمال الهند في العصور الوسطى ووصل إلى أتم أشكاله على أيدي موسيقيي البلاط المغولي في النصف الأول من القرن الثامن عشر. تعني كلمة »خيال« شيئا يشبه الفكرة أو التصوّر الذي يجد تعبيره في أسلوب دافئ مفعم بالمشاعر يؤدّى من خلال »التانات« وهي تلوينات نغمية وتكرار أبيات شعرية ومط الصوت، الذي يدعى »ميند« ولكن الأهم من كل ذلك هو التلوينات الصوتية التي تدعى »غاماك« والتي قد تؤدّى بسرعة متوسطة أو متدرّجة حتى تصبح سريعة الى درجة الانتشاء. إنها بهلوانية صوتية صرفة.

ـ "أليس الصوت هو أروع الآلات؟ هل تسمع هذه التحليات الرائعة التي غناها الأستاذ بادي غلام علي خان؟" قال أشفق وهو يخرج من استغراقه.

- "كالأرابيسك على سجّادة أو على حقل من القيشاني." قلت عفو الخاطر.

- "بالمقابل فإن غناء »الدروباد« مختصر وأبسط. لكنك تحس بالروحانية والجمال والتفاني في كلا الأسلوبين." قال اشفق متأملا. "أسلوب »خيال« هو ثمرة شهية للدروباد وللإسلام الصوفي".
- "هل كان يهتم بال »خيال« بشكل خاص في التقليد الموسيقي للباتيالا؟

- "ليس فقط من موسيقيي بلاط باتيالا الذين جاؤوا حسب ما أذكر من الجزء الذي ظل مع الهند من هذه الإمارة الصغيرة على البنجاب بعد التقسيم عام 1947، بل قبل ذلك من أساتذة مدرسة غواليور. لكن أسلوب مطربي باتيالا في غناء »خيال« يهزّ ويلهب. نادرا ما تسمع شيئا كالبول ـ تان".
- "هذا يعني حرفيا "تحليات الكلمة" أليس كذلك؟ هل ساهم بإبرازها إذن الشعر الصوفي الذي يدور حول الحب الإلهي؟"

- "نعم، هذه من مواصفاتها" قال أشفق بصبر واستأنف: "لقد كنت حاضرا أداء فاتح علي خان في مؤتمر الموسيقى الوطني الباكستاني الأخير، لكن كان عليك أن تسمعه بالاشتراك مع أخيه الأكبر قبل ذلك. شيء لا يصدّق. لقد أولى الأساتذة في مدرسة باتيالا عناية خاصة للتدريب اليومي والممارسة التي تسمى »رياضة Riyass «. أخبرني والدي أن كثيرا منهم كان يتدرب ساعة يوميا بعد صلاة الصبح على الأقل. كان آخر من رعى مدرسة »تكية ميراسيان« هو غلام علي خان التشوته. وقد كان بالمناسبة صديقا جيدا لمهراجا الكاثاك"

- "سمّى نفسه تشوته التي معناها الأصغر احتراما لبادي غلام علي خان، الأكبر. أليس كذلك؟"

- "نعم. لقد جاء كلاهما من المدينة نفسها. من كاسور، وغنّيا في حجرات لاهور الموسيقية قبل كل شيء. وقد ساءت حالته المادية ككثير من زملائه الموسيقيين بعد تقسيم البلاد بسبب الهروب المفاجئ لعشاق الموسيقى الهندوس الأغنياء الذين كانوا يشجّعونهم."
- "ماذا تبقّى من مدارس الغناء في باكستان حتى اليوم؟"

- "يوجد إلى جانب مدرسة كاسور، المدينة التي تقع على ناحيتنا من البنجاب، اثنتاعشر إلى ثلاث عشرة »غارانات« شهيرة ـ يعني بيوت وهو اسم جاءها إما من بيوتهم أو من بيوت البلاط التي كانوا يخدمون بها ـ في شبه القارة على الأقل.

- "لكن ألم ينتقل عدد من الموسيقيين بعد تقسيم الهند 1947 إلى لاهور أو كراتشي؟"

- "ليس فقط عدد من الموسيقيين، بل كثير من الأساتذة هاجروا مع عائلاتهم. وهكذا أثريت الحياة الموسيقية عندنا على حساب ثمانية إلى تسع »غارانات« هندية. وعلى سبيل المثال ينتمي بعض أشهر مطربي الموسيقى الكلاسيكية الباكستانية إلى غارانا غواليور. مثالهم هو صادق علي خان استاذ الكلارينيت. الذي عزف مع فرقته »براس« في العيد الديني."

- "إذن يمكن أن تضم المدارس التي يسيطر عليها المطربون »آلاتيين« أيضا"، اكتشفت ثم تابعت: "متى يجوز أن نقول: هذه غارانا؟ فهناك الكثير من »العائلات الموسيقية« حيث يرث الطفل مهنة أهله إلى درجة أنه أصبح لدينا فئة مغلقة كطبقة الميراسي مثلا.

استند أشفق بظهره إلى الخلف وأسند فكّه إلى كفه اليمنى ورجا ابنته أن تصب مزيدا من الشاي، وقال: "ليس قبل ستة إلى سبعة أجيال يمكن لعائلة موسيقية أن تحصل على لقب »غارانا«. يحرص الأساتذة على أن يظل دمهم صافيا ولذلك فهم يقبلون فقط أولئك الفتيات المنحدرات من عائلات موسيقية معروفة كزوجات لأبنائهم. وبهذا يؤمنون الارتقاء بقدرات العائلة. الموسيقيون الذي ولدوا في عائلات من هذا النوع يمتلكون شيئا خاصا. هل تفهم ما أريد أن أصل إليه؟"

- "موهبة. يولدون وهي معهم. هل هذا ما أردت قوله؟"

- نعم، ولذلك فمن الصعب على »الغرباء« الذين لا ينتمون إلى هذه الفئة أن يصنعوا لأنفسهم اسما كموسيقيين. بالنتيجة تجد أنهم يروون عن موسيقي من لاهور أن خادمة كانت قد أرضعته بعد أن ماتت أمه خلال الوضع. وأن تلك الخادمة أورثته الموهبة الموسيقية لأنها تنتمي الى فئة تشبه الغجر تغني نساؤها وترافق غناءها بالدق خلال ذلك على آنية معدنية."

وداع

كان الغروب قد حل خلال حديثنا. سمعنا طرقا على الباب ونبحت الكلاب. كان الطارق عارف زين الدرويش المتجوّل الذي أدخله الخادم. لقد كان هذا الرجل مضيفا مخلصا لي قبل بضع سنين خلال حفل الصوفي الأحمر في سهوان شريف. مازال زيّه على حاله منذ رأيته:  قلنسوة من رقع على الرأس وقطعة قماش بنية خفيفة مشلوحة على النصف الأعلى من جسمه لتغطي عريه وتحميه من البرد. أما وسطه فقد لف عليه الشال المخطط على طريقة فلاحي البنجاب. وقد تدلى على كتفه كيس من قماش وبوق الدراويش المقطوع من قرن الجواميس. بدا زين متعبا أكثر من المعتاد. كان مريضا بالسكري وقد جاء للدكتور أشفق يطلب منه معايرة السكر والإيعاز بحقنه بالأنسولين.

حكى لنا عن آخر معايشاته. عندما أقام بجوار أحد مقامات الأولياء في كاراتشي في الشتاء الماضي كانت آلام أصبع قدمه مازالت غير قابله للاحتمال. جرح قديم مفتوح لا يندمل. كان الأصبع قد أصبح أسود متقيحا. ولأنه كان بعيدا عن صديقه ومسعفه في لاهور فقد قرر أن يعالج نفسه بنفسه. إذ من سيدخل درويشا فقيرا إلى المشفى؟ وهكذا خدر نفسه بشيء من الأفيون وقطع أصبعه بنفسه بواسطة مقص.

سألني زين لدى وداعنا إن كنت سآتي إلى مقام شاه جمال مساء الخميس القادم حيث سيعظّم الدراويش والطبّالون ذلك الولي. مبتسما أشار إلى بوقه الذي سيعزف به للحضرة ألحان النشوة والغشية.

وعدته بالقدوم فمنذ زمن طويل لم أستغرق في الطقس الوحشي لراقصي الحضرة في مقام شاه جمال. ووعدت نفسي بمتعة الليلة السحرية بين "الفقراء".

النص مأخوذ من يورغن وسيم فرمبغن Jürgen Wasim Frembgen »موسيقى الليل في بلد الصوفية« Waldgut Verlag, 2010

يورغن وسيم فرمبغن
إثنولوجي ‬وباحث علوم إسلامية ويدير قسم الشرق في ‬المتحف الإثنولوجي ‬في ‬ميونيخ. ‬نشر كتبا عديدة حول باكستان.

ترجمة: ‬حسين شاويش
Copyright: Goethe-Institut e. V., فكر وفن
ديسمبر 2011
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 96 "الموسيقى" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك!
للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...

– حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

زنيت

تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي