مواجهة الماضي الأليم

الافتتاحية

لا غنى لأي مجتمع حديث عن مواجهة ماضيه الأليم ومعالجته. هذه القناعة دفعتنا إلى تخصيص ملف العدد الجديد (٩٨) من مجلة »فكر وفن« التي يصدرها معهد غوته الألماني بثلاث لغات، لهذا الموضوع، أي آليات وسبل معالجة الماضي الأليم للعبور إلى المستقبل. إذ لا يمكن لأي دولة أو مجتمع أن يدير الظهر لماضيه، خصوصا إذا شهد أحداثا أليمة تترك آثارا تمتد إلى المستقبل. ومواجهة الماضي أو معالجته، التي قصدناها، لا بد أن تكون نقدية وصريحة حتى تأتي أُكُلها. فبدون وضع الإصبع على الجرح وجبر الخواطر ومعالجة الندوب المجتمعية، وحتى كسر التابوهات، لن يكون لمعالجة الماضي ومواجهته أي معنى . فلا يمكن طمس الماضي وكأن شيئا لم يكن، بل يجب مواجهته بشجاعة. وبالطبع قليلة هي المجتمعات المحظوظة التي لا ترزح تحت عبء ماض أليم، أي أنها لم تشهد حروبا، أو أعمال عنف.

وحتى الدول التي لم تخض حروبا وتعتبر قدوة لغيرها في الالتزام  بقيم الديمقراطية، تعاني من بقع غامضة في ماضيها. ولعل أسطع مثال على ذلك هي سويسرا، فهذه الدولة التي تلعب دورا حياديا بناء في عالمنا اليوم، لا تملك ماضيا ناصعا كما يمكن للبعض أن يتخيل. فدور سويسرا في الحرب العالمية الثانية وموقفها من الممتلكات المسروقة للنظام النازي كان إلى وقت قريب إشكاليا. مؤخرا فقط تمت معالجة الموضوع بشكل بناء عبر إلقاء الضوء على دور سويسرا في حقبة النازية من خلال ما بات معروفا بـ Bericht-Bergier، أي تقرير لجنة الخبراء، المستقلة الخاصة بالتحقيق في دور سويسرا في الحرب العالمية الثانية برئاسة جان ـ فرانسوا بيرغير، التي وضعت تصورها النهائي عام ٢٠٠٢.

ويمكن القول دون تردد أن الألمان يعتبرون خبراء في معالجة الماضي الأليم ومواجهته. لقد كان على الألمان مواجهة ماضيهم مرتين، أي مواجهة ماضيين مختلفين، ونظامين دكتاتوريين مختلفين. التجربة الأولى، وهي الأقسى، تمثلت بمواجهة حقبة النظام النازي في الحرب العالمية والجرائم الإرهابية الفظيعة التي بلغت ذروتها في الهولوكست. والمثال الثاني تجلى في حقبة الدكتاتورية الشيوعية في ألمانيا الشرقية سابقا التي حكمها الحزب الاشتراكي الألماني الموحد بالحديد والنار.

وإذا كنا نحن الألمان نتباهى اليوم بأننا تمكنا من تجاوز ماضينا الأليم وواجهناه بشجاعة وصار ماركة مسجلة باسمنا: Made in Germany، ننصح بها مختلف المجتمعات الحديثة، علينا ألا ننسى أيضا أننا بدأنا بمواجهة حقبة الحرب العالمية الثانية بشكل حقيقي لأول مرة عام ١٩٦٨. بالطبع كانت معالجة إرث ألمانيا الشرقية أخف وأسهل، وهي جاءت بشكل تلقائي مع انهيار هذه الدولة وهيمنة ألمانيا الغربية عليها مع توحيد شطري البلاد.

بالطبع ليست تجارب الدول الأخرى بهذه السهولة. فسقوط الأنظمة الدكتاتورية قد تنتهي بحروب أهلية أو بثورات عنيفة. وإذا لم تشهد هذه الدول كما هي الحال في الثورتين الروسية والإيرانية حروبا أهلية أو قامت فيها تجارب غير ديمقراطية، فإن على مواطني معظم هذه الدول من أنصار الأنظمة الجديدة والقديمة أن ينظموا أمورهم بحيث يتمكنوا من التعاليش معا، بالطبع سلميا. وهذه الحالة ممكنة دائما إذا تم كبت الماضي أو السكوت عنه. لكن دون هذا الطريق مخاطر كثيرة، منها أن جروح الماضي لا تندمل تماما ما يفتح الباب أمام صراعات دموية جديدة في المستقبل. من هنا نجد أنه بات ضروريا معالجة الماضي عبر مواجهته بطريقة عقلانية.

ولإلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع وتعميقه يقدم العدد ٩٨ من مجلة فكر وفن تجارب عديدة من مختلف أرجاء العالم حول سبل التعامل مع الماضي الأليم ومعالجته. بالطبع تحتل التجارب الحديثة وما يجري في العالم العربي في هذه الأثناء أولوية في هذا المجال. إذ يمكن للدول العربية كمصر وسوريا وغيرهما الاستفادة من تجارب ألمانيا أو جنوب إفريقيا والتعلم منها.

هيئة تحرير »فكر وفن« تأمل أن يكون هذا العدد مساهمة متواضعة في  التشجيع على تحرير المستقبل من الماضي، وعلى مواجهة منصفة مع الصفحات السوداء والمظلمة في التاريخ.

شتيفان فايدن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

    يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 98 "آفاق الديمقراطية" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك! للتحميل...

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي