مواجهة الماضي الأليم

الفن في بلد الحرب
لماذا لم يحقق معرض دوكومنتا في كابول أهدافه؟

يُعد معرض دوكومنتا في مدينة كاسل الألمانية المعرض الأكبر للفن المعاصر في العالم. وتُعقد دورات المعرض مرة كل خمس سنوات، وتُوجه الدعوة في كل دورة لمنسق أو مشرف غير ألماني لكي يقوم بتنظيم المعرض بمساعدة فريق دولي من الوكلاء والمساعدين. وفي دورته الثالثة عشرة هذا العام، شكلت أفغانستان للمرة الأولى محورا من محاور برنامج المعرض.

لقد عُرضت أعمال فنانين أفغان في مدينة كاسل وكذلك في معرض تكميلي في كابول. وسبق هذا المعرض سلسلة من الحلقات الدراسية في كابول وباميان نظمها فريق المعرض. وباعتباري متابعا للمشهد الثقافي في كابول على مدى السنوات العشر الماضية، فقد أثار فضولي الطرح الذي قدمه صانعو الدوكومنتا وحفزني على طرح عدة تساؤلات.

"إذا كانت الحرب تخلق حقائق على الأرض، فبإمكان الفن أن يخلق حقائق أيضا، لكنها حقائق من نوع مختلف للغاية"، هكذا كتبت كارولين كريستوف ـ باكارغييف، منسقة الدورة ١٣ من معرض دوكومنتا، في مقال لها يوضح سبب اختيارها كابول (وأيضا القاهرة) كمكانين مكملين للمعرض في كاسل، وذلك باعتبارهما مكانان يمران بحروب وصراعات. وتعترف كريستوف ـ باكارغييف الأمريكية من أصول إيطالية وبلغارية، بأن هذين الاختيارين قد يُنظر إليهما على أنهما "اختياران ساذجان ومبالغ فيهما"، لكنها في الوقت نفسه تحب أن تنظر إليهما كتشجيع لكل من شارك في المعرض من المدينتين. وتقول إنها مقتنعة بأن "للفن دورا رئيسيا في عملية إعادة الإعمار في بعدها الإجتماعي"، من خلال "الخيال كقوة حاسمة في هذه العملية" وبطرق "لا تزيد عزلة الناس، وإنما توفر لهم فرصة للإندماج".

وبهذه الروح زار وفد من الفريق الأساسي لدوكومنتا كابول في أواخر صيف عام ٢٠١٠. تلا ذلك عقد سلسلة من المحاضرات وأكثر من سبع ندوات، معظمها في كابول باستثناء واحدة في باميان. وتُوجت بسلسلة من الأعمال الفنية التي أنتجها فنانون أفغان معروفون على الصعيد الدولي، سواء من المقيمين في داخل البلد أو في بلدان الشتات. إضافة إلى أعمال طُلبت خصيصا من قبل فريق دوكومنتا لكي يضمها المعرض. وبالفعل عُرضت مجموعة من هذه الأعمـال في كاسل خـلال فترة المائة يوم التقليدية، وهي الفترة التي يستغرقها المعرض. بينما عُرضـت المجموعة الأخرى في كابول فقط. وكان من المفترض أن كلتا المجموعتين من الأعمال تكملان بعضهما البعض كأنهما طرفا معادلة فنية واحدة، أو جسر بين مدينة كاسل التـي شهدت ويلات الحرب العالمية الثانية، وتم تدميرها تماما بسبب دورها في صناعة الأسلحة الألمانية، ومدينة كابول التي لا تتوقف فيها الحرب. لكن لم يكن هناك في الواقع أي فرصة للزوار، سواء في كاسل أو في كابول، أن يكوّنوا لأنفسهم صورة ملموسة للمعرض «التوأم» في المدينة الأخرى، في ظل غياب أي صور أو مواد فيلمية حول ما يعرض في كلتا المدينتين.

رؤية طرفي المعادلة الفنية لدوكومنتا في كاسل وكابول كانت في النهاية شرفا حظي به عدد قليل من الناس، ربما العشرات فقط. وإلى جانب القيود الجغرافية التي تعترض أي خطاب فني في منطقة حرب، واجه منظمو المعرض أيضا تحديات السياق الاجتماعي والسياسي والنفسي لأفغانستان. وفي حين أكد الفريق الأساسي والفنانون المرتبطون بالبرنامج في كابول على أن الفعاليات من تعليم وعرض في ليالي كابول تدور حول تبادل ثقافي بعيد عن أية صورة نمطية مسبقة، وليس لها علاقة بأي «نهج استعماري» محتمل، فإن بعض ردود الفعل والتصريحات في الآونة الأخيرة تشير على الرغم من ذلك إلى أن بعض المشاركين لم يكتشف مجمل الآثار المترتبة على المشروع إلا عندما بدأت العملية الفنية بالفعل.

تبادل فني تحرسه الإجراءات الأمنية

جوشكا ماكوجا Goshka Macuga فنانة بولندية أنتجت سجادتين كبيرتين لمعرض دوكومنتا 13، تم تقديمهما بشكل منفصل في متحف فريديرسيانوم، مكان العرض الرئيسي لدوكومنتا في مدينة كاسل، وفي قصر الملكة في العاصمة الأفغانية. تقول ماكوجا إنها عاينت كابول كشخص من الخارج، وكانت تجربتها "محددة بالإجراءات الأمنية التي لا تنتهي، وهي الإجراءات المتبعة أيضا لحماية مجموعات النخب وفعاليات المنظمات غير الحكومية والمتعاقدين الدوليين. لقد كنتُ مرافقة لأنشطة برنامج دوكومنتا، ومعظم من التقيتهم كانوا أشخاصا يشاركون معي في المعرض. وقد دفعني الحضور المستمر والمهدد لقوات الجيش، إضافة إلى الفصل بين النخب الدولية والمواطنين العاديين، إلى التساؤل عن الجمهور الذي أقدم عملي له".

الفيلسوف الألماني كريستوف مينكه كان أكثر حظا من الفنانة البولندية، فقد نتجت معرفته بالمدينة من خلال احتكاك أوسع بالأفغان أثناء إقامته في كابول. الفيلسوف الذي عقد إحدى الندوات في كابول، يتذكر ما أسماه بـ «طابع احتجاجي رائع» بين المشاركين الأفغان ومعظمهم من الشباب. ويقول: "في البداية تعاملوا معنا كأننا معلمين قادمين من الخارج ومن المفترض أن نجيب على جميع أسئلتهم، بما فيها أسئلة أساسية مثل: ما هو الفن الجيد أو السيء؟ أو هل ينبغي للمرء أن يصنع فنا في المقام الأول؟. ومع ذلك، تغير الوضع بمرور الوقت، وبدأ المشاركون التعبير عن همومهم الخاصة وأخذ مواقف بعينها".

الفنان الأفغاني أمان مجددي الذي يعمل في كابول منذ عام ٢٠٠٢ وأثّر في مشهد العاصمة الأفغانية الفني بطرق مختلفة، هو واحد من منسقين اثنين لدوكومنتا كابول. مجددي يدرك جيدا إمكانية إطلاق عملية تعلم ثقافي متبادل في مثل هذه اللقاءات، لكنه يرى أيضا خطرا واضحا في مثل هذا المعرض يتمثل في أن تُستغل الفعاليات لخدمة مصالح الجهات المانحة.

منطق الجهات المانحة

يقول مجددي: "في السنوات الثلاث الأخيرة ظهر إقبال دولي كبير على دعم وتمويل الأنشطة الفنية والثقافية في أفغانستان، وذلك كجزء من الدعاية والحملات الإعلامية التي يقوم بها الغرب ليخلق شعورا بأن حاضر أفغانستان أفضل كثيرا من ماضيها، كتمهيد لسحب قواته من هناك". هذا المنطق الإشكالي أدى إلى عدد من المناقشات وراء الكواليس في دوكومنتا، لكنها ويا للغرابة لم تثر انتباه أي من الصحفيين الألفين الذين حضروا المؤتمر الصحافي بمناسبة افتتاح المعرض في كاسل.

وعلى الرغم من أن مجددي، الذي نشأ في جاكسونفيل/ فلوريدا، لا يريد أن يُدرج مشروع دوكومنتا في كابول في فئة برامج المعونة المقدمة من المانحين، فإنه يوافق على أن الاعتماد المستمر على الأموال الأجنبية يعوق طموحات الفنانين الأفغان. ويقول: "في كثير من الأحيان ينتظر الفنانون الحصول على المال أولا قبل أن يبدأوا أي شيء".

المشهد الفني في كابول

بعض الفنانين اندمجوا بالفعل في جماعات ظهرت على مدى السنوات الماضية في كابول. ومن بين هذه الجماعات جماعة «رُشد»، وتضم مجموعة من الفنانين الشباب من الذكور والإناث. تواجه الجماعة حاليا مناقشة مثيرة تدور حول ما اذا كان ينبغي عليها أن تتقدم بالتسجيل كمؤسسة غير حكومية لدى وزارة الثقافة والإعلام أم لا. فالبعض يرى أن خلق إطار قانوني للجماعة سيسهل حصولها على تمويلات لأنشطتها. في حين يرفض البعض الآخر هذه الخطوة تماما.

جماعة أخرى تدعى: Jump Cut Group ، وتضم مجموعة من السينمائيين والمصورين، تعمل باستراتيجية ذات اتجاهين، فهي تعتمد جزئيا على القيام بمشاريع فنية قليلة التكلفة لكنها ممولة من الخارج، ثم تقوم باستثمار هذه الأموال في الإنتاج الفني المستقل. جلال الحسيني أحد أعضاء الجماعة يقول: "هذا تدريب لأنفسنا، فأولئك المخرجون الذين يعتمدون على الأفلام الممولة فقط يصبحون ضحاياها، ويواجهون صعوبات في تغيير طريقة عملهم في وقت لاحق".

أحدث الجماعات الفنية التي ظهرت حديثا في كابول هي جماعة «الفن الرديء»، ومعظم أفرادها خرجوا من جماعات أخرى وما زالوا يبحثون عن حريتهم وهويتهم الخاصة، وتُحركهم رغبتهم في التخلص مما يسمونه «عقلية التنظيم» التي تشوب التنظيمات الأخرى، إضافة إلى العرقية التي تنتشر حتى بين الفنانين الشباب أنفسهم.

الفنانة زينب الحيدري، وهي فنانة شابة من مجموعة رشد، تروي ما يمكن للمرء أن يسمعه مرارا وتكرارا عن البيئة الفنية في كابول وتضيف: "في كلية الفنون التي أدرس فيها لا أستطيع أن أرسم بالأسلوب التجريدي، كما فعلت في لوحاتي التي عرضتها في معرض كاسل". تلقت الحيدري معظم تعليمها في مدرسة خاصة للفنون في كابول، وعلى يد معلمين أفغان هاجر معظمهم اليوم إلى إيران. وتقول: "يعتبر أساتذتي في الجامعة أعمالي التجريدية مجنونة وغبية. وذلك لا يرجع إلى أنهم لم يروا مثل هذا النوع من الفن من قبل، بقدر ما يرجع إلى الهياكل الأكاديمية العتيقة، التي لا تسمح بظهور فكر جديد".

وترى الحيدري أن الحلقات الدراسية والندوات في دوكومنتا كابول كانت مشجعة جدا، لأنها علمتها أن "تؤمن بفكرها الخاص وتحترمه". وعُرضت أعمال الحيدري وستة فنانين أفغان آخرين أمام المسرح الرئيسي في كاسل بجوار متحف فريدريسيانوم الضخم، في مكان كان حتى وقت قريب غرف مطعم صيني تم تجديدها خصيصا لهذه المناسبة. في هذه الغرف الصغيرة المصممة بشكل فردي، كان لعدد محدود من الفنانين الأفغان فرصة قصيرة للقاء وسائل الإعلام الألمانية والعالمية والمسؤولين عن دور العرض، إذ اضطروا إلى السفر إلى كابول في يوم افتتاح المعرض لإنهاء أعمالهم الفنية في أفغانستان. ونتيجة لذلك، فوّت صناع دوكومنتا فرصة إشراكهم في نقاشات وحوارات حول المعرض مع الجمهور في مدينة كاسل.

فقاعة حديقة بابور

لغة الأرقام تبين أن دوكومنتا حقق نجاحا ملحوظا في كابول، فقد زار المعرض خلال أربعة أسابيع نحو ١٥ ألف مشاهد، ووصل عدد زوار المعرض في قصر الأمير الواقع في حديقة بابور إلى ذروة بلغت ألفي زائر كل يوم جمعة. وللوهلة الأولى يمكن اعتبار أن معرض دوكومنتا كابول قد نجح في اجتذاب مزيج متعدد الطبقات من أسر وعمال ومثقفين، إضافة إلى عاملين في منظمات غير حكومية ودبلوماسيين. الجميع تجولوا في ردهات المبنى الفخم الذي تم تجديده، والذي يضم منذ بضعة أشهر مطعما تابعا لفندق سيرينا ذي الخمس نجوم.

بعض الزوار يترك لنفسه وقتا كافيا للوقوف أمام الأعمال الفنية لتأملها والتفكير فيها، ثم التعليق بعد ذلك في دفتر الزوار الموضوع عند مدخل القاعة. وعادة ما تحمل التعليقات عبارات التأييد أو الحماس بدلا من بيانات الرفض التي كان يمكن توقعها للتعليق على الأعمال الطليعية المعروضة. وأحيانا تتطرق التعليقات إلى «الغرف الجميلة » في القصر التي تضم المعرض، وفي بعض الأحيان يبدو أن جمال الغرف يطغى على الأعمال الفنية نفسها.

والبعض الآخر من الزوار لم يأت بغرض مشاهدة الفن وإنما التنزه مع عائلاتهم في حدائق بابور الخضراء. وأحيانا تجتذبهم طوابير الناس عند مدخل القصر في الجزء العلوي فيصيبهم الفضول لمعرفة ما يجري. يمكن للمرء أن يرى في وقت لاحق بعض هؤلاء الزوار يهيمون في ممرات القصر ويقولون وهم يغادرون "لا شيء هنا". لكن ينبغي للمرء أن يكون منصفا ويقول إن مثل هذا الرفض من قبل بعض الجمهور هو شيء ليس خارجا عن المألوف في سياق الفن الحديث، وحتى يمكن مواجهته في عواصم الفن الغربي الكبيرة. في الواقع أصبحت حدائق بابور بفعل المعرض مكانا تشتبك فيه المفاهيم الثقافية المختلفة.

لم تترجم النوايا الحسنة التي أعرب عنها فريق دوكومنتا دوما إلى أفعال. فعلى الرغم من أن الفريق يصر على أنه أظهر حساسية ثقافية عند تصميم البرنامج والحلقات الدراسية السابقة عليه في كابول على مدى العامين السابقين للمعرض، لم يُمنح المنسق الأفغاني فرصة للحديث خلال افتتاح المعرض في كابول.

الفن و«بناء الدولة»

جاءت ردود أفعال الصحف الألمانية إيجابية بعد أيام من افتتاح دوكومنتا في كاسل، وثمنت شجاعة القائمين على المعرض في تنظيم فعاليات في كابول، فعلى سبيل المثال رأت إحدى الصحف البرلينية أن المعرض "نجح نجاحا غير متوقع في إتاحة الفرصة لتبادل للأفكار"، مضيفة أنه "حالة نادرة من التفاعل تستحق أن تدخل كتب التاريخ، وأنه نجح فعلا في إيقاظ قوى المجتمع المدني الأفغاني، التي يناط بها بناء مستقبل البلاد في الفترة القادمة". صحيفة NZZ السويسرية رأت أن المعرض "علاج عن طريق الفن" للمجتمع الأفغاني.

وأشارت في الوقت نفسه إلى السياسات الحكومية الغربية التي تحاول الاستفادة من الفعاليات الفنية الحديثة في بلدان تمر بصراعات قائلة: "في أفغانستان أيضا يُعد تمويل المشهد الفني جزءا من بناء الدولة الديمقراطية وإقامة المجتمع المدني". لكني أشك في ذلك بناء على تجربتي مع المشهد الفني خلال العقد الماضي، فإلى جانب عدد من البيانات العمومية حول ارتباط الفنون بالصراعات وإعادة تشكيل هياكل الدولة في بيئات الصراع، من الصعب أن يجد المرء آثارا لاستراتيجية دولية واضحة لمساعدة ورعاية الثقافة الأفغانية والساحة الفنية فيها في طريق بناء هويتها الخاصة.

لغة الأرقام تعكس أيضا هذه الاستراتيجية الغربية فثلاثة فنانين فقط من بين السبعة والعشرين الذي قدموا أعمالهم في كاسل وحديقة بابور نشأوا في كابول أو يقيمون فيها اليوم بشكل دائم. الباقون هم فنانون دوليون أو أفغان ترعرعوا في الخارج، أو ذوي هويات مركبة ومختلطة ممن يعرفون جيدا كيف تعمل آليات المشهد الفني الغربي. وليس من المستغرب إذن أن التفاعل في كاسل وكابول بين الفنانين الغربيين ومجموعة الفنانين الأفغان من الشتات كان أكثر كفاءة مما هو عليه مع مجموعة الفنانين الأفغان من المقيمين في البلاد.

أحد هؤلاء الفنانين الثلاثة قال لي: "بالنسبة لنا نحن فناني كابول، فإن الأعمال المعروضة في كاسل وكابول، إضافة إلى الخطاب الفني للدوكومنتا، كانت كلها أشياء جديدة تماما وفي كثير من الأحيان بعيدة عن واقعنا".

روبرت كلوفير Robert Kluijver كتب إحدى المقالات النقدية المتعمقة القليلة عن دوكومنتا كابول بفضل اطلاعه الطويل على المشهد الفني الأفغاني. يشير كلوفير في مقالته إلى أن أحد أسباب قصور معرض دوكومنتا عن تحقيق أهدافه يرجع إلى "الاعتماد بشكل كبير على فنانين أفغان أمريكيين. هذا بالطبع لا ينتقص من جودة أعمالهم كفنانين، ولكنه يطرح سؤالا حول مدى اطلاعهم على التطورات المعاصرة في أفغانستان. فعلاقتهم بهذا البلد واقعة تحت تأثير أحلامهم بوطن يتفق مع توقعاتهم، والتي صاغها بدورها حنين آبائهم في المنفى. من خلال تجربتي أستطيع أن أقول أن فنهم يعكس هذا الحنين، ولا يكاد يخاطب الأفغان الذين لم يكبروا في الخارج".

أية هوية ثقافية أفغانية؟

لقد أثرى معرض دوكومنتا كابول بالتأكيد المشهد الفني المحلي، وساهم في طرح  مُدخلات جديدة إلى جيل الشباب. كما عرّف الجهات المانحة ومقتني اللوحات بالفن الأفغاني، إذ باتوا يعرفون الآن بمن يتصلون عندما يبحثون عن فن أصيل من منطقة الحرب. ولكن هنا تكمن المشكلة: فلا يكاد يمكن القول إن  المعرض في حديقة بابور قد أدخل معايير جديدة للجودة للفن الأفغاني والهوية الثقافية الأفغانية.

على العكس من ذلك، فمع نهاية المعرض الذي استمر لمدة شهر يبدو الواقع أقل إبهارا. فالمشهد الفني في كابول مشتت ويقتصر على عدد قليل من الأفراد في كل حقل، وذلك على خلاف العناوين البراقة التي تفترض أنه مشهد حيوي. وفي الواقع تبدو الأنشطة التي يقوم بها الجيل المتحمس من الشباب أحيانا كأنها دشنت من قبل الأجانب، سواء بفضل أموالهم أو وجودهم أو اتصالاتهم، بدلا من أن تكون نابعة عن تفاعل إبداعي مستقل. عناوين الصحف الدولية حول «أول فريق روك أفغاني»، وأول «فنان جرافيتي أفغاني» أو «أول امرأة تغني الراب» تظهر كيف تنقل وسائل الإعلام الغربية عن بعضها البعض، دون أن تكون قادرة على الحكم بنفسها من خلال قضاء بعض الوقت في كابول ومتابعة المشهد الفني هناك.

الأشكال التقليدية للفن الأفغاني كالشعر والأدب، مازالت موجودة، ولكنها لم توضع في عين الاعتبار في هذا المعرض. من الواضح أن ذلك قد يعود إلى قيود الزمان والمكان، وإلى عدم وجود رغبة، على ما يبدو، في الانفتاح على عادات قطاعات أوسع من الشعب الأفغاني. وقد تكمن أسباب أخرى في الطرح الذي يبدو أنه يركز فقط على سياق الحداثة التي تقف العاصمة الأفغانية رمزا لها. أو كما كتب فنان جرافيتي على أحد جدران شارع ضيق في تياماني باللون الأزرق «كابول فقاعة».

ما زال المشهد الفني في كابول مضطرا إلى الدخول في صراع مع الرقابة الانفعالية والرقابة الذاتية. في يوم الافتتاح تمت مصادرة عملين فنيين لاثنين من الفنانين الشباب الأفغان من قبل سلطات الدولة الممثلة في وزارة الإعلام والثقافة، وزعم أحد الفنانين أنه صُفع واُحتجز لمدة ساعة. السلطات الأفغانية اتهمت العملين بعدم احترام القرآن وبسوء استخدام نصوصه، في حين زعم الفنانان إنهما يُلمحان ببساطة إلى حقيقة اجتماعية معروفة على نطاق واسع في البلاد، وهي أن الكثير من الأفغان يقرأون القرآن بشكل يومي دون فهم دقيق لمعنى ما قرأوه.

جوانب الرقابة الذاتية في مثل هذه الحوادث واضحة للعيان. فلا يتم تعريف مصطلح «إهانة العقيدة» بالوضوح الذي يُرمى به الفنانون أو الصحفيون عندما يتهمون بارتكاب مخالفات ويضطرون للعثور على دفاع فقهي.

أسئلة أخيرة

السؤال ما إذا كان لمعرض دوكومنتا تأثير على الفنانين الدوليين بعد مشاركتهم في الفعاليات التي استمرت شهرا في كابول إضافة إلى سنتين من التحضير وعقد حلقات دراسية في أفغانستان، هو سؤال تسهل إجابته. فالتجربة العملية المتمثلة في المشاركة أدت فيما يبدو إلى طروحات متواضعة. الفنانة جوشكا ماكوجا تضع تجربتها على شكل سؤال: "هل نحن، ناهيك عن دوكومنتا، لدينا القدرة على تقبل أن الثقافات الأخرى لديها تطلعات مختلفة وتعريفات أخرى عن كيفية تحقق البشر وتطورهم، وإنها تطلعات صالحة وعلى قدم المساواة مع تطلعاتنا؟" وتخلص إلى أن "اكتشاف وتقدير الثقافات الأخرى لا يمكن أن يتحقق من خلال فرض التراث أو التقاليد الغربية".

أما السؤال ما إذا كان المعرض مهما بأي شكل من الأشكال لأفغانستان، وما إذا كان المواطنون الأفغان البسطاء قد استفادوا منه، فهو سؤال يستحق إجابة نقدية.
مارتين غيرنر: هو مخرج وصحفي ألماني يركز في أعماله على أفغانستان.

ترجمة: هيثم الورداني
حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن
تشرين الثاني/نوفمبر 2012
مواقع أخرى

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

نسخة إلكترونية من مجلة فكر وفن

يمكنك قراءة إصدار فكرٌ 98 "آفاق الديمقراطية" على Smartphone أو Blackberry أو eReader الخاص بك! للتحميل...

Bestellen

استمارة طلب

ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
إلي استمارة الطلب ...

– حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

زنيت

تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي