الزواج المختلط في ألمانيا ألا يزال الزواج جديرابالحث عليه؟

Young people in Cairo; Copyright: Markus Kirchgessner

تقوم العوائل والشراكات الزوجية المتعددة القوميات، وبصورة مصغّرة، بممارسة ما على المجتمع أن يتعلمه، لكي يتجنّب المواجهة التي ستحدث ذات يوم بين المجتمعات المعزولة عن بعضها، المجتمعات المتوازية، المناوئة لبعضها. بيد أن قضية التعلّم تستغرق مدى طويلاً وتتطلب المزيد من الحلول الوسط من كلا الطرفين. ومع ذلك فإنّ الإحصائيات تقول بأن علاقات الشراكة المتعددة القوميات أكثر ديمومة من الزيجات الألمانية الخالصة. شتيفاني غزيل سألت ثلاثة أزواج عن تجاربهم.

مصرية على البحر الأحمر، لشرب القهوة معه بعد أن اشترت هدية. والتمس منها أن تروي له شيئاً ما باللغة الألمانية، فقصّت عليه حكاية "هنزل أوند غريتل" للأخوين غرم. فروى لها لقاء ذلك حكاية "علي بابا والأربعين حرامياً" المأخوذة من ألف ليلة وليلة، فأخذ "إفتح يا سمسم" السحري يظهر مفعوله، فانفتح قلبان لبضعهما البعض.

وتزوجا، وهما يقيمان الآن بمدينة كولونيا، ويبلغ كلّ منهما سنّ السادسة والعشرين. وتعدّ زابينه نفسها للامتحان النهائي للحصول على دبلوم في علم التربية حول موضوع التربية المتعددة الثقافات. بينما كان عمر قد أنهى دراسة في ميدان السياحة بالقاهرة، ويسعى الآن إلى التخصص كمساعد في تقنية المعلومات بمدينة كولونيا. وبعد ستّ سنوات من العلاقة طور كلاهما ألفة كبيرة في التعامل مع الآخر، ويبدوان في الوقت نفسه وكأنهما عاشقان للتوّ. هل لأن عمر ربما خطب ودّ زابينه بطريقة نبيلة؟

فبعد أوّل تعارف حدث سوء فهم، إذ أرادا أن يلتقيا ثانيةً في الإسكندرية، لكن عمر تلقّى خبراً خاطئاً في الفندق المتفق عليه يقول بأن زابينه سافرت إلى واحة سيوة على الحدود الليبية. فهرع فوراً ليقطع مسافة 1500 كيلومتر، ولحسن الحظّ استطاعت زابينه اللحاق به بعد فترة قصيرة.

وعمر مؤمن إيماناً عميقاً بحيث أن تقربه من زابينه جرى وفقاً للأصول الإسلامية. وعندما تقدم إلى زابينه بطلب الزواج في مطعم "كنتاكي فريد جكن" بالإسكندرية، شعرت بالكثير من الزهو. ومع ذلك فإنها طلبت مهلة للتفكير، لأنهما لم يعرفا بعضهما سوى ثلاثة أيام. ثم قاما بزيارة عائلة عمر في السويس، فتمكنت زابينه من التفاهم دفعة واحدة مع أفراد عائلته، فأبدت موافقتها وقبلت بصيغة الزواج البسيطة "قسيمة زواج" التي وصفها عمر بأنها "خطوبة على الورق". فالمسلمون يحتاجون إلى هذه القسيمة لحجز غرفة في الفندق باعتبارهم متزوجين.

وفيما إذا كانت قسيمة الزواج هذه تتضمن قواعد ذات تأثير على العلاقة الزوجية فذلك موضع خلاف في مصر، وحسم قضائياًَ في بعض الحالات. وتعادل قسيمة الزواج الشرعي عقد الزواج الألماني، فهي تتضمن صداق الزواج الذي تحدده الزوجة والمؤخّر، وهو المبلغ الذي يسدده الرجل للمرأة إذا ما أراد الطلاق، وتتضمن بالإضافة إلى ذلك بعض الشروط.

وأعقب ذلك نصف عام من الاتصال المركّز عن طريق البريد الإلكتروني والبريد الجويّ والمكالمات الهاتفية. وهما يصفان هذه الفترة بالمهمة، لأنها أتاحت لهما التعرّف على بعضهما بشكل أفضل. واستطاعت زابينه أن تبعد الشكوك التي أقحمت عليها من الخارج أيضاً، وفي مقدمتها هو أن عمر يسعى فقط من أجل تأشيرة الدخول إلى ألمانيا.

وبعد عام بالضبط من اللقاء الأوّل أقاما حفل زواج رائع. وقبل ذلك وقّّعا على قسيمة الزواج الشرعي في قسم من أقسام وزارة العدل المصرية في القاهرة. وتكون عقود الزواج المبرمة هناك معترفاً بها في ألمانيا، حيث سيقيم عمر وزابينه. ويتطلب هذا العقد عادة شهادة القدرة على الزواج، وعلى الزوج المصري أن يؤدي اليمين بأنه أعزب. وتخصصت "رابطة العوائل والشركاء الزوجيين المتعددي القوميات" في تقديم الاستشارات إلى الأزواج باللغتين الألمانية والإنجليزية وغيرهما من اللغات. ومن يرغب مثلاً في الحصول على معلومات تتعلق بالوثائق المطلوبة للزواج من شريك أجنبي، فبإمكانه الحصول على ذلك عن طريق الدخول صفحة الإنترنت التابعة لهذه الرابطة:

www.verband-binationaler.de/eheschliessung

ويمكن الحصول على المزيد من الأجوبة عن طريق البريد الإلكتروني أو الهاتف أو الاستشارات الشخصية.

وحصلت زابينه على استشارة حول محتوى عقد الزواج من "رافائييل فيرك" وهي جمعية مختصة تابعة لمؤسسة "كارتياس"، لأنها أرادت التأكد من الوضع القانوي بعد الطلاق. فأصرت على أن يسمح لها باصطحاب أطفالها معها في رحلاتها عموماً، وتمّ الاتفاق على مبلغ معيّن يتيح لها العودة إلى بلدها وأجرة سكن وتكاليف المعيشة خلال الأسابيع الأولى.

واقترح كاتب العدل المصري إضافة نقاط أخرى إلى العقد، فألزم عمر بالمساعدة في شؤون المنزل، وألزمت زابينه بدفع مبلغ مماثل لعمر في حالة اتخاذها لقرار الطلاق. ورأت زابينه بأن هذا الاتفاق عادل، لا سيما وأن عمر كان مستعداً للتضحية بعائلته وأصدقائه، وكلّ شيء حققه في مصر حتى ذلك الوقت، من أجل زابينه والعيش المشترك معها في ألمانيا.

ولأن زابينه وعمر أنجزا كلّ شيء في وقت مبكر وترجما جميع الوثائق وصادقا عليها فقد تمّ الانتقال إلى كولونيا بسهولة تامة. و الآن بات الوقت مناسباً للدخول في خلاف مديد.

وكانت نقطة الخلاف الدائمة تكمن في إدارة المنزل، فكان لا بد من الاتفاق على الحلول الوسط، وهذه المشكلة التي يعرفها الأزواج الألمان أيضاً. وكانت أحدى المشاكل ذات الطابع الثقافي على سبيل المثال هي أن عمر مسلم متديّن فلا يستطيع الجلوس عندما يتناول أحد ما الكحول. وقد حُلّت هذه المشكلة بعد أن اعتنقت زابينه الإسلام بعد اطلاع مكّثف على دين عمر. وأعجبها المفهوم الإسلامي الشامل الذي يجعل الإيمان أساساً لجميع التصرفات الإنسانية.

وتعلمت زابينه لغة عمر أيضاً، بل قررت أن ترتدي الحجاب، بالرغم من أن عمر نصحها بالعدول عن ذلك، لأنه أراد أن يوفّر عليها العداوات. ومع ذلك فإنه أعجب بموقفها لأنها ارتدت الحجاب. ولم تلق زابينه بالاً حتى بعد أن بصق أحد ما أمامها، لأنها محجّبة، فقالت له بأنها ترى من السيء أن يُعرض بلدها بهذه الصورة.

وحصل عمر على حق الإقامة الثابتة في ألمانيا. ولم يرغب في التجنيس، إذ يتوجب عليه حينئذ أن يتخلى عن جنسيته المصرية، وهو ما يرفضه رفضاً قاطعاً، لأنه يخطط مع زابينه للعيش معاً في مصرمستقبلاً.

لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لإسماعيل (غيّرنا الاسم). فهذا الطبيب السوادني البالغ 36 عاماً، الذي هو واحد من نصف مليون إنسان تقريباً حصلوا على الجنسية الألمانية بعد تنفيذ قانون الجنسية الجديد بين عامي 2000 و 2004. ويمكن أن يشعر البعض بأنهم ألمان، لكن البعض الآخر، ومنهم إسماعيل، الذين يخشون حدوث إشكالات تتعلق بتصاريح العمل الرسمية، ينظر إلى الأمر من نواح عملية.

وهناك حوالي 7 ملايين أجنبي من مجموع سكّان ألمانيا البالغ 80 مليون نسمة تقريباً. ويقدر عدد المسلمين بثلاثة ملايين، ولم يقدم مكتب الإحصاءات الاتحادي أرقاماً دقيقة، لأن مكاتب تسجيل الإقامات تضع أتباع المعتقد الإسلامي في حقل "المتفرقات". وكذلك يقدر عدد العوائل المتعددة الجذور في ألمانيا مجرد تقدير – ولم يسجّل إلا الزواج الرسمي. ويبرم في ألمانيا حوالي 60.000 عقد زواج مختلط سنويّاً. ويتجه هذا الرقم إلى التصاعد. بيد أن علاقات الشراكة غير الزوجية والعلاقات العائلية غير المعقودة رسمياً لا تشكّل في الواقع القاعدة في ألمانيا، لكنها ليست استثناءً على أية حال. وتقدّر رابطة العوائل والشركاء الزوجيين بأن هناك حوالي مليون شراكة زوجية متعددة القوميات في ألمانيا.

وكذلك لم يتزوّج إسماعيل والممرضة بربارا ذات الثلاثين عاماً المقيمان بكولونيا واللذان تعود علاقتهما إلى ستّة أعوام زواجاً رسمياً على الرغم من أنهما أنجبا طفلين، لينا ذات الخمسة أعوام ونيلس ذا العام ونصف العام (لقد غُيّرت الأسماء). وجاء إسماعيل إلى ألمانيا عام 1989 لدراسة الطبّ. وتعرّف عام 1995 على بربارا أثناء السنة التطبيقية في مستشفى جامعة كولونيا، حيث كانت تتدرب على مهنة التمريض: فعلمته كيفية ترتيب الأسرّة وعلّمها، هو بدوره، طريقة سحب الدم لغرض التحاليل.

وتقول بربارا بأن الرجال العرب أو الافارقة يعرفون كيف يوقعون المرأة في شباكهم فيظهرون لها بأنها مرغوبة، بينما نسي معظم الرجال الألمان هذا الأمر على ما يبدو. فضلاً عن أنها ترى بأن الأفارقة يتحركون برشاقة وهي تحبّ الإيقاعات الإفريقية. و تهوى كذلك البشرة السوداء وتقول إنّ هؤلاء يحملون كبرياءً يثير إعجابها، وأنّ مزاجهم أغلب الأحيان أفضل من مزاج الألمان حتى لو كان الوضع المادي للألمان أفضل من وضعهم.

وبعد أن أمضت في عام 2005 ثلاثة أسابيع في السودان شعرت بدفء التعامل من قبل عائلة إسماعيل الكبيرة العدد. وكان الوداع مليئاً بالدموع، لكن بربارا لا تتخيل بأنها تستطيع العيش في السودان، حتّى قبل انفصالها عن إسماعيل. فحريتها الشخصية مهمة جدّاً بالنسبة إليها، ومن الصعب على المرأة أن تمارس رياضة الركض وركوب الدرجات الهوائية هناك – فضلاً عن أن العروض الثقافية شحيحة للغاية برأيها حتى في مدينة كبيرة مثل الخرطوم.

وحتى إسماعيل نفسه يرى أن هناك الكثير من الإشكالات في الحياة هناك، ومنها أطباق القنوات التلفزيونية على سبيل المثال، حيث يشاهد المرء التلفزيون باستمرار، كما أن الناس لا يتحدثون مع بعضهم كما في السابق ولا يقومون بنشاطات مشتركة مع الأطفال. إضافةً إلى أنه اعتاد الآن على مناقشة كلّ شيء بصراحة. وهناك الكثير من القضايا المحظورة التي لم يتحدث عنها الرجال، بل حتى الأشقاء، ومنها ختان النساء، وهذا أمر سيء تماماً.

وعلى الرغم من ذلك فإن الحنين إلى الوطن بات يتمكن من إسماعيل أحياناً. ولذلك فهو كثيراً ما يلتقي بأصدقائه السودانيين ليتحدث معهم ويستمع إلى الموسيقى السودانية. وتصف باربرا إسماعيل بالإنسان المُشرِق، وهي معجبة، كما كانت في السابق، بطبيعته الدافئة غير المعقدة. لكنها تعتقد في الواقع بأن هذه النفسية ساهمت أيضاً في فشل العلاقة: إذ انفصل إسماعيل وبابربارا عن بعضهما قبل نصف عام.

وتقول بربارا بعدما يولد الأطفال ويتوجب على العائلة أن تنظّم شؤونها اليومية تبرز الفوارق ذات الطبيعية الثقافية. فكانت بربارا تتوقع، دون أن تشغل نفسها بالتفكير، بأن إسماعيل سيعمل مثل أبيها، ومن ثمّ يتفرّغ إلى العائلة بعد انتهاء العمل. وصارت تشعر على الدوام بخيبة أمل، لأن إسماعيل لم يكن مستعداً بعد عمله الشاق في المستشفى لمساعدتها على تعلّم اللغة العربية، أو التكلّم مع طفليه بالعربية. ورأت أن من السيء تماماً بأنه صار يتنصل عن مسؤولياته باعتباره شريكاً وربّاً للعائلة. فإسماعيل هو أبّ رائع، لكن فقط عندما تكون له رغبة في ذلك. وهي تشعر بأنها أصبحت مسؤوولة عن العمل، بينما تفرّغ إسماعيل للمسرات. وإذا ما حضرا حفلة سودانية فإن بابارا تذهب مع طفيلها حيث تجلس النساء اللواتي لا يظهرن اهتماماً حقيقياً بها، ويكون إسماعيل في مكان آخر بعيد، منسجمعاً مع نفسه.

وصارت المشاكل تقع حتى عندما يأتي أصدقاء إسماعيل للزيارة في البيت، لكي تخرج بربارا بمفردها ذات مرّة. ففي اليوم الثاني يكون البيت مليئاً بدخان السجائر وتكون الغرف كلّها مشغولة بضيوف المبيت، وحيث يتعثر المرء بالقناني الفارغة.

وعلى النقيض من ذلك، يقول إسماعيل إنّ من المفروض تقوية العلاقة منذ البداية ويرى بأن الزواج يمثّل أساساً جيّداً لذلك. ويُستشفّ أيضاً من التعابير الألمانية بوضوح بأن الزواج يشكّل ضمانة، ويسمّى "بالمرفأ الآمن". ويرمز إكليل العرس الذي تضعه العروس على رأسها يوم الزواج إلى الأمان والطمأنينة. وبالنسبة للكثير من الأجانب يعني الزواج من شريك ألماني أكثر من مجرد شعور بالانتماء. ولكي يحظى البعض بتصريح الإقامة في ألمانيا فإنه يقيم علاقات خالية من المشاعر.

ويعني مصطلح "الزواج الوهمي" بأن هناك من يتزوّج، ليس بفعل الحبّ، بل من أجل الحصول على إقامة شرعية في ألمانيا. ولا أحد يحبّذ السوق السوداء لطالبي الزواج، الموجودة فعلاً، والتي تكلّف مبالغ باهضة. ومن ناحية أخرى فهناك الكثير من الزيجات التي تعقد في أوروبا ليس على أساس الحبّ دائماً، بل لتحقيق هدف ما، مثل تخفيض الضرائب على سبيل المثال. ومن النادر جدّاً في الواقع أن تؤدي قضية ما إلى إبعاد الشريك الأجنبي من ألمانيا.

وعلى الرغم من أن إسماعيل أصبح ألمانياً، لكن ارتباطه بالسودان والناس والتقاليد هناك مازال قوّياً. وهو يتهم الألمان بأنهم لا يحترمون خصوصية الآخرين. ويعتقد بأن عدم احترام بربارا لاحتياجاته كان السبب الرئيسي في فشل العلاقة. ويرى أن أكثر الأشياء سوءاً هي أنها كانت تفتعل الشجار معه في حضور أصدقائه، بينما يعتبر هذا أمراً محرماً في ثقافته.

وكلّ ثالث زيجة ألمانية تنتهي بالطلاق، بل تنتهي نصف الزيجات تقريباً في المدن الكبيرة. والزيجات المختلطة تكون دائماً أكثر ثباتاً. ولا توجد إحصاءات دقيقية في هذا المضمار أيضاً، بل إنّ هذا الزواج الذي يربط رجلاً ألمانيا بامرأة أوروبيّة شرقية أو آسيوية، وهذه النوع من الزواج يمثل النسبة الأكبر من الزيجات المتعددة القوميات، ويدوم زمناً أطول حسب تقديرات المستشارين المتخصصين. وتتألف الفئة الثانية من النساء الألمانيات اللواتي يتزوجن من رجال أتراك. وتبدو العلاقة التي تربط بين رجل مسلم ينتمي داخلياً إلى مجتمع أبويّ وامراة ألمانية تكون أكثر تصدعاً من الزيجة الألمانية-الألمانية.

لماذا لم يطلب إسماعيل وبربارا استشارة زوجية؟ فرابطة العوائل والشركاء الزوجيين المتعددي القوميات ومنظمة "كارتياس" تقدمان ارشادات للأزواج المتعددي القوميات. وكانت بربارا مستعدة لذلك، لكن إسماعيل لم يعتبر الفكرة جيّدة. فهو من أنصار طريقة "التجاهل والترفّع عن المشاكل" السائدة لدى الرجال الألمان أيضاً. وتعتقد بربارا بأنه يكبت الكثير، وليس فقط مشاكل العلاقة، وتتفهم بأن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الحنين الطاغي إلى الوطن والشعور الدائم بالغربة. وتتصور بربارا بأن ليس من الجيّد أن لا يكون للإنسان وطن في أي مكان، والآن يشعر إسماعيل بنفسه غريباً حتى في السودان.

ووجد هذا التمزّق تعبيره في الملاحظة التي سجّلها إسماعيل حين قدم نصيحة لأقربائه الأصغر منه سنّاً في السودان والذين يعجبون به ويطلبون منه النصح، بأن لا يذهبوا إلى الخارج. فهو وحيد تماماً هنا ولذلك عليه أن يحمي نفسه. وهو غير مقتنع بالاستشارة لأن من يقدمها ألماني، وربما أمرأة، فتتحيز إلى جانب بربارا. ولا يريد أن يرى حتى طفليه بانتظام، لأن بربارا ستستخدمهما وسيلة ضغط ضده. ولا يرغب في أن تجرح مشاعره من جديد. ويوصف حالته بمثل سوداني يقول: الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح.

وتعلم "جيجدم" ذات الخامسة والأربعين عاماً بأن حياة المسلمين ليست سهلة في ألمانيا. فقد جاءت برفقة والديها وأشقائها من تركيا عندما كان عمرها عاماً واحداً. وقد كانت طفلة مؤدبة لطيفة ولم تعزل من قبل الآخرين. على العكس من شقيقها العدواني الذي شهد الكثير من التمييز العنصري. ودرست جيجدم العلوم الإسلامية وهي امرأة مؤمنة وتعطي 170 تلميذاً من مجموع 600 دروساً في الإسلام منذ ثلاثة أعوام. وكثيراً ما رأت كيف أن التلاميذ الألمان يعاملون الأطفال الأتراك بكراهية، بيد أن الأطفال الأتراك أنفسهم ليسوا بالحملان الوديعة. وبدلاً من إلقاء الذنب على الآخرين لابد من التعامل مع الواقع الاجتماعي. فمعدلات الولادة بين المواطنين الأتراك في ألمانيا تبلغ 2,1 بالمئة مقابل 1 بالمئة بالنسبة للألمان. وكل من يهتم بمستقبل الحياة السلمية المشتركة ضمن إطار المجتمع لا يجوز أن يتجاهل مشكلة الهوية والانتماء لدى الأطفال الأتراك ويترك أمر تربيتهم الدينية بيد معلميّ المدارس القرآنية.

وتقول جيجدم إنّها تمتلك وطنين، ألمانيا وتركيا وترى هنا وهناك أشياءً إيجابيةً وسلبية. فالناس في تركيا أكثر يقظة ولطفاً وعطفاً. وتقدّر في الألمان بأن كلّ شيء لديهم منظّم. وربما ستعود ذات مرّة إلى تركيا بعد الإحالة على التقاعد. وعندما توجّب عليها أن تختار بين جنسيتين اختارت الجنسية التركية. ولذلك لا يحقّ لها الانتخاب في ألمانيا لكنها تستطيع تحمّل ذلك.

وهي لا تتمكن دائماً من الجمع بين الطرفين بسلام كما هي اليوم. فعندما بلغت سنّ المراهقة رأت في الطبيعة الانفعالية لوالدها وحالاته العصبية أمراً فظيعاً. ولقد بحثت عن شريك حياة يكون ردّ فعله متزناً في جميع الظروف الحياتية، أي أنه يفكر في البدء ثم يقدم على العمل. فوجدت ذلك في باول (غيّرنا الاسم) ذي الخامسة والأربعين عاماً الذي تعرّفت عليه أثناء الدراسة. وأنجبا ثلاثة أطفال، كمال 16 عاماً، وحُلية 14 عاماً، وسلمين 11 عاماً.

والكثير من البنات المسلمات في ألمانيا يجدن أنفسهم مجبرات على إخفاء علاقاتهن العاطفية التي لم تنته بالزواج عن آبائهن. وشعر والدا جيجدم بالقلق أيضاً عما سيتفوه به الجيران والأقرباء في تركيا. وبالنسبة للرجال المسلمين فإن لهم الحقّ في الزواج من غير المسلمات، أي المسيحيات أو اليهوديات أيضاً. ومن المعروف أن الزواج من يهودي أو مسيحي محظور على المسلمات.

بيد أن جيجدم لا تؤمن باتباع القواعد الجامدة، بما فيها الدينية، دون التأكد منها. وبحثت في مسألة الزواج من باول، المسيحي، بحثاً مستفيضاً حتى جاءت باجتهاد. فلم يذكر القرآن قطّ بأنّ النساء لا يحقّ لهن الزواج إلا من مسلمين وليس حتى من الموحّدين. وتعتبر جيجدم ذلك تفسيراً متأخراً للفقهاء الذين اعتبروا النساء ضعيفات فيلتحقن بديانات أزواجهن؛ وطبقاً لذلك لا يربّى أطفالهن تربية إسلامية وهذا ما يحرمه القرآن. لكن تجربتها تثبت العكس، فالكثير من الرجال الأتراك لا يحملون إيماناً عميقاً كالنساء اللواتي يرشدن أطفالهن إلى الإيمان ويطبقنه أمامهم. وتعتقد بأنّ لجميع المسلمات الحقّ في الزواج من اليهود أيضاً أو المسيحيين. فالقرآن يخاطب الرجال وحدهم لأن ذلك كان مرتبطاً بزمن نشوئه وروح العصر السائدة آنذاك.

ويتجادل باول وجيجدم كثيراً في الواقع، لكن جيجدم تعزو ذلك إلى طبيعتها الشرقية التي تغلب عليها أحياناً، لكن ذلك لم يتعلّق بالدين أو الاختلاف الثقافي. تماماً كما هو الحال لدى الأزواج الألمان عندما يتعلّق الأمر بشؤون الحياة اليومية أو مشكلة المرأة والرجل، كأن ينسحب باول أثناء المناقشات أو يصمت ببساطة فيما يتعلّق ببعض المسائل بينما ترغب جيجدم في مواصلة الحديث لمعالجة المشكلة وتوضيح العلاقة. لكن لم يفكّر الطرفان أبداً في الطلاق.

ونشأ ذات مرّة خلاف عميق إذ تزوجت شقيقة جيجدم في تركيا ولم تكن هناك عطلة مدرسية، فكان عليهما أن يستقلا الطائرة. لكن باول رفض مرافقتها لأنه يخاف جدّاً من ركوب الطائرة. لكن جيجدم أصرت على وجوده معها في كلّ الأحوال. فرافقها أخيراً، بسبب تدخل ابنتهما سلمين أيضاً. ولم تكف سلمين عنهما إلا بعد أن تعهدا بالمصالحة.

وينظر أطفال الزيجات المتعددة القوميات الذين ترعرعوا في ثقافتين إلى التنوّع باعتباره أمراً طبيعياً. وإذا لم يكن تأثير البيئة، التي تجعل التعايش بين الثقافات إشكالياً، تأثيراً كبيراً، فإن الأطفال يستخلصون لأنفسهم خيرة ما تقدمه اللغات والثقافات والديانات المختلفة. ويبدو أنهم وسطاء متفوقون، Global Players، يحتاج لهم مجتمعنا الذي لا يريد الاعتراف بسهولة بثقافتهم المتعددة.

وتقوم العوائل والشراكات الزوجية المتعددة القوميات بصورة مصغرة بممارسة ما على المجتمع أن يتعلمه، لكي يتجنّب المواجهة التي ستحدث ذات يوم بين المجتعمات المعزولة عن بعضها، أيّ المجتمعات المتوازية. وحسب اعتقاد الأزواج الذين عرضناهم هنا فإن من المهم خوض النقاشات المتكافئة، والتحليّ بالصبر قبل كلّ شيء. ويرى الجميع، باستثناء بربارا بأن مشكلة تعدد القوميات تتراجع خلف مشاكل الحياة اليومية والمشاكل النموذجية بين الرجل والمرأة. بل إنّ زابينه ترى في الثقافتين اللتين تجمعان بينها وبين عمر ميزةً: ولكي تسير علاقتهما على ما يرام فإنهما مجبران على خوض النقاشات أكثر بكثير من الأزاوج الألمان. ومنذ البدء كان عليهما أن يتعلما النقاش بروح بنّاءة، ويقيمان علاقة أشدّ رسوخاً من بعض العلاقات الأخرى بين الألمان. وهي تتوقع بأن مشاكل ستقع لها في مصر بفعل الرقابة الاجتاعية القوية التي يمارسها الجيران وأنها ستتجادل مع عمر حول ذلك. لكنها تعلم عن طريق التجربة "بأننا إذا القتينا في الوسط فإننا سنكون حينئذ في الطريق الصحيح".

ترجمة: حسين الموزاني

شتيفاني غزيل: مستشرقة وصحفيّةً ألمانية تقيم في كولونيا. وقد نشرت مؤخّراً كتاباً حول أغاني أمّ كلثوم بعنوان: "القلب يعشق كلّ جميل".

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي