1989 – سقوط جدار برلين

تخطي الحدود عبر السرد
سيرة ذاتية عن التمزق ما بين الشرق والغرب

أحد معابر جدار برلين الحدودية; تصوير: Stephan Kaluza © Dumont Verlag 2009تعطي التجربة التي عاشتها يوليا فرانك كفتاة وامرأة شابة في شرق وغرب ألمانيا انطباعا مؤلما عن مدى جهل الغرب بألمانيا الشرقية. وقد تجسد النقيضُ الحاد لهذا الجهل في تلك النشوة العارمة التي سادت مع إعادة توحيد ألمانيا. لكن فرانك ترى أنه يمكن عبر الأدب تجاوز الأحكام المسبقة الراسخة في الأذهان.

عشرون عاما مرت على الصيف الذي بدأ فيه تفتت الجدار، ثم اهتزازه في الخريف وسقوطه نهائيا في التاسع من نوفمبر 1989، وذلك بعد أسابيع قليلة من الاحتفال بالعيد الأربعين لتأسيس جمهورية ألمانيا الديمقراطية في السابع من أكتوبر.

السابع من أكتوبر عام 1978 كان هو التاريخ الذي حُدد لنا كأقصى موعد لمغادرة ألمانيا الشرقية بعد حصولنا على إذن بالرحيل. آنذاك كانت أمي ومعها بناتها الأربعة، أصغرهن كان عمرها بضعة شهور، قد قدمت منذ عام 1974 أربع طلبات لمغادرة البلاد، وقد رُفضت ثلاثة منها بعد أشهر وسنوات من المراجعة الإدارية. وخلال هذه السنوات التي كانت أمي تنتظر فيها المجهول، مُنعت من مزاولة مهنتها كممثلة مسرحية، وعملت كساعية بريد أو كبستانية في المدافن؛ وهي مهن لم يكن يتوقع أن يشكل فيها الشخص الراغب في مغادرة البلاد خطرا إيديولوجيا. كان الجيران والمعلمون في المدرسة يطرحون علينا، نحن الأطفال، أسئلة فضولية جدا. هذا هو ما يسمى بالتجسس. ولحماية سذاجتنا الطفولية لم تكتف أمي بإخفاء نواياها وأفكارها وأحلامها عنا، بل أخفت أيضا أمر هذه الطلبات التي قدمتها لوزارة داخلية جمهورية ألمانيا الديمقراطية وأسباب التغير الذي طرأ على محيطنا الاجتماعي. وكان الصمت والريبة من الأشياء المألوفة في طفولتي وهكذا حان في السادس من أكتوبر عام 1978 موعد انتقالنا من الشرق إلى الغرب.

خطوبة وهمية

وقد أسهم ادعاء أمي بأنها تنوي الاقتران برجل في الغرب، لم تتعرف عليه بعد، في تحريك الطلب الأخير . يمكننا أن نصف ذلك بأنه وسيلة للهروب تحت قناع "لم شمل العائلة". قضينا آخر أيامنا في الشرق لدى جدتي في رانسدورف. كانت جدتي قد طُردت من دراستها بفصل المحترفين في المعهد العالي للفنون في برلين بسبب أصولها اليهودية عام 1938 وكانت قد رفضت قبل ذلك بعامين عرضا من أبيها وأخيها الأكبر للهجرة إلى أمريكا، فقد كانت تفضل الذهاب إلى إيطاليا لتشاهد أساتذة الفن القدامى. وعندما عادت عام 1950 إلى برلين كشيوعية متحمسة، ومعها طفلان غير شرعيين (إذ لم يسمح لها أيام النازية بالزواج من جدي بسبب القوانين العرقية) وحبلى بالثالث، لم ترغب في العودة إلى مهد طفولتها البرجوازية في الغرب، وانتقلت بمثالية شديدة إلى المنطقة السوفيتية من المدينة. وتوُفي ابنها في منتصف الستينات ولم يكد يتعدى الثامنة عشرة من عمره، أما ابنتها الصغرى ففرت بعد ذلك بفترة وجيزة ولم تكد تتعدى الثامنة عشرة من عمرها أيضا، وعلى الأغلب لم تعانِ جدتي تقريبا من القيود التي كانت تفرضها ألمانيا الشرقية على مواطنيها، فقد تمتعت بوصفها من "المضطهدين في فترة النازية" وكعضو في اتحاد الفنانين بالعديد من المزايا وبحرية السفر التي كان أبناؤها محرومين منها. لقد سافرت إلى أمريكا وإلى لبنان وفيسبادن لزيارة إخوتها، كما زارت أصدقاء وأقارب لها في باريس وتل أبيب ولندن. مثاليتها السياسية لم تكن مسيحية أو ديمقراطية رأسمالية بل كانت تؤمن بالشيوعية بمفهومها للعدالة الاجتماعية. وعلى الأغلب كانت عدم رغبة أولادها في العيش في ألمانيا الشرقية من الأشياء الملغزة بالنسبة لها.

في السادس من أكتوبر 1978 قام الرجل الغربي المجهول بإحضارنا من رانسدورف. وبسيارته عبرنا جسر بورنهولم وفي ذات اليوم جلبنا إلى معسكر اللاجئين في مارينفيلده. وبالرغم من أن روايتي "نيران المخيم" لم تكن بأي حال من الأحوال سيرة ذاتية، فإن بها بعض التفاصيل من تجربتي الحدودية، على العتبة ما بين الشرق والغرب في إحدى مراكز هذه الحدود. بعض التفاصيل التي لا أزال احتفظ بها حية في ذاكرتي لم تجد مكانا في بنية روايتي الرباعية الأصوات ولا في حكايات رواتها. ورغم أنني لم أكن أعرف الكثير في طفولتي إلا أنه كان لدي شعور بأن هناك بعض الأشياء التي لم يكن من المسموح لنا التحدث عنها بصراحة، وحتى بعد وصولنا لما يزعم بأنه الغرب الآمن بفترة طويلة، كان التزام الصمت هو الشيء الأهم. فر نصف أصدقاء أمي في مطلع السبعينات إلى الغرب. لكنني لم أعرف شيئا عن ذلك إلا بعد انهيار جدار برلين، حتى لو خص الأمر خالتي أو أقرب الأصدقاء، الذين قضيت النصف الثاني من طفولتي معهم تحت سقف واحد. ولم يكن هناك من يتحدث عن طريقة هروبه وذلك مراعاة للآخرين وكذلك من باب توخي الحذر في جميع الاتجاهات وبسبب الخوف والمسؤولية. كيف هرب أبي عام 1975؟ لا أعرف حتى الآن ولن أتمكن من معرفة ذلك لأنه تُوفي عام 1987 ومن الواضح أنه لم يتحدث مع أي مخلوق عن الأمر.

مخيم اللاجئين

عندما وصلنا في خريف عام 1978 إلى مخيم اللاجئين في برلين ـ مارينفيلده، بدا لنا الغرب مختلفا تماما عن تصورنا له بأنه ذهبي ومشمس وحر. كان المخيم محاطا بسياج أمني بأسلاك شائكة، وكنا نحن، ساكنيه، نخضع لحراسة على مدار الساعة من أجل (حمايتنا). وعند ذهابنا للمدرسة كنا نمر من أمام البواب ونعبر حاجزا، وكنا نحصل على الطعام بواسطة كوبونات. وقد قضينا أسبوعنا الأول في الحجر الصحي داخل المخيم حتى تأكد خلونا من الأمراض المعدية. وكما هي الحال في هذا الوقت من العام فقد سادت أجواء ممطرة ومبللة وقارسة البرودة. كانوا في المدرسة يستهزئون بنا لأننا "أبناء المخيم"، وكنا نتعرض للضرب في فناء المدرسة. ولم يكن يسمح لنا باستقبال زائرين في المعسكر بدون الإبلاغ عن ذلك مسبقا. ظللنا بلا أصدقاء لأشهر طويلة. لم يكن هناك أطفال يمكننا زيارتهم أو يمكنهم زيارتنا أو نستطيع الاحتفال معهم بأعياد ميلادنا أو بعيد الميلاد المجيد. لم يكن بإمكان أي من أصدقاء أمي، الذين انتقلوا إلى برلين الغربية، إيواء خمسة أشخاص آخرين لديهم. وهكذا بقينا في المعسكر ما يقرب من تسعة أشهر. كنا نكتب يوميا رسائل إلى صديقتنا في ضاحية برلين ـ أدلرسهوف وإلى جدتي وإلى والد أختنا الكبيرة، وكلهم كانوا على بعد عدة كيلومترات جوا باتجاه الشرق. كان الحنين طاغيا؛ الحنين إلى العودة إلى حيث كنا نعيش حياة اجتماعية، لم تبدأ بعد في الغرب بعد مرور أسابيع بل وأشهر.

قررت أمي خلال الأسابيع الأولى، وحيث كان عليها أن تحدد الاتجاه الذي ستسير بنا فيه انطلاقا من حرصها على سعادتنا، أن تتقدم للحصول على تأشيرة زيارة لألمانيا الشرقية. لقد ذهبت إلى شارع يبن خلف محطة "تسو" وقدمت الطلب للحصول على تلك الورقة ذات اللون الأخضر الفاتح لها ولبناتها، خلال فترة عطلة عيد الميلاد. كانت تريد أن نركب سويا قطار المدينة السريع لبضعة كيلومترات لنعود معا إلى الشرق لمدة عشرة أيام. في بداية ديسمبر حصلت على الموافقة المنشودة. وتراءت لنا عطلة الشتاء وكأنها الجنة. ونظرا لأن بطاقات هوياتنا، نحن الأطفال، كانت بدون صور فقد خططنا لجلب صديقتنا التي تسكن في أدلرسهوف معنا إلى الغرب مقابل بقائي هناك. وبدلا مني ستقوم صديقتنا أدريينه بدخول متاهة قصر الدموع مع عائلتي. وسيمكنها، وهي وسط أخواتي اللواتي تعرفهن جيدا، أن تتعرف على الغرب بكل تأن، وعندما تعود عائلتي ثانية بعد بضعة أسابيع إلى الشرق، يمكن لأدريينه أن تعود إلى عائلتها ومدرستها وأعود أنا إلى عائلتي. يا له من حلم. وأكثر ما كنت أتمناه هو أن أبقى محل صديقتي حيث حياتي القديمة وأن أعود إلى مقعدي في المدرسة وإلى حديقة جدتي المهمَلة، وإلى البشر الذين أحببتهم.

الحنين إلى العودة

لكن الأمور سارت بشكل مختلف. كنا قد حزمنا حقائبنا عشية موعد سفرنا. حقيبتا ظهر لكل العائلة لونهما أخضر زيتوني ومن الكتان وقد زينتا بفراء حيواني من الخارج، إحداهما بفراء بني والأخرى بفراء مرقط. استيقظنا في وقت مبكر جدا على صوت حركة أمنا وتقليبها في الأشياء. كنا نسكن، نحن الخمسة، في غرفة مساحتها لا تزيد عن خمسة عشر مترا مربعا وبها ثلاثة أسرة علوية ومائدة وأربعة كراس وخزانة. والغرفة الأخرى في هذا المسكن الصغير، الذي يعود بناؤه إلى الخمسينات، سكنتها أسرة روسية مكونة من ثلاثة أفراد. رفعت أمنا أغطية السرير وفتحت بابي الخزانة ونظرت تحت الملابس ورفعت الكتب عاليا ووفتحتها وقلبت صفحاتها وتركتها تسقط. كانت تبحث عن شيء. نزلت على ركبتها وزحفت تحت الأسرة ولم تجد تحتها سوى التراب وعلبة سجائر فارغة وأحذية. كانت منفعلة وفقدت أعصابها مع سؤالنا لها عما حدث. وقالت لنا إن علينا أن نتكرم ونساعدها في البحث عن التأشيرة التي ضاعت. لا أريد القول هنا بأن شكوكنا حامت حول العائلة الروسية أو إدارة المخيم التي كانت تمتلك مفاتيح لكل المساكن. لم أكن أدرك كطفلة معنى اللافتات التي عُلقت فوق الأسرة وكُتب عليها أنه يجب عدم الحديث مع الآخرين وأنه قد يوجد جواسيس في المعسكر. لكن أيضا بدون هذه اللافتات كنت أعرف أن علي ألا أثق بأي شخص في المحيط الذي نتحرك فيه. زحفنا جميعنا على أرض الغرفة ورفعنا المرتبات ونفضنا الأغطية وملاءاتها المخططة بالأبيض والأزرق. بحثنا في المطبخ المشترك وفي حافظات أوراق المدرسة وفي حقيبة السفر الموضوعة فوق الخزانة وتلك الموضوعة تحت السرير لم نجد أثرا للتأشيرة. لا يمكن القول إن المنزل كان كبيرا ولا يمكننا الادعاء بأنه كانت لدينا أشياء كثيرة، لكن التأشيرة ظلت مختفية. لقد ضيعت أمنا الوثيقة الأكثر أهمية في حياتنا آنذاك. وماذا عن الحلم بقضاء عطلة عيد الميلاد على بعد بضعة كيلومترات شرقا على الناحية الأخرى من الجدار؟

من المؤكد أن أمي ليست بالشخص المنظم، لكن إرادتها قوية. لقد تحركت بكل عزيمة واتصلت من كابينة التليفون الوحيدة بالمعسكر بوزارة الداخلية وكل الجهات المعنية عن الإمكانيات المتاحة لنا. ولم تبق في الواقع سوى إمكانية وحيدة هي الذهاب إلى نقطة الحدود عند محطة فريدريش للقطارات، ككل الزوار اليوميين وطلب تأشيرة ليوم واحد. ليوم واحد، لكن عيد الميلاد يستمر ليومين أو لثلاثة أيام؛ وماذا عن بقية العطلة؟ قيل لنا إن الأمر متروك لنا بخصوص عدد الأيام التي نريد فيها المجيء للحصول على تأشيرة يوم واحد. وهكذا ذهبنا صباح الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1978 من مارينفيلده إلى شارع فريدريش ودخلنا الشرق بتأشيرة زيارة ليوم واحد وركبنا قطار المدينة السريع وخطوط الترام لمدة ساعة باتجاه الجنوب الشرقي لزيارة جدتي في رانسدورف الواقعة على بحيرة موغل واتخذنا طريق العودة قرب منتصف الليل. وصلنا إلى قصر الدموع حيث البكاء والوداع وعدم التيقن من أن الأمور ستسير على ما يرام.كنا نأمل في عبور المتاهة إلى الغرب ثم الوقوف مجددا في الصف أمام موظفين جدد وتفتيش جديد لنحصل على تأشيرة جديدة ونعود بعد حوالي ساعتين إلى الجانب الآخر من المحطة في الشرق ونركب القطار السريع لنصل إلى رانسدورف ونسقط في أسرتنا حوالي الساعة الثالثة ليلا.

مضايقات عند الحدود

استيقظنا قبل ظهيرة ليلة الميلاد في رانسدورف وقضينا اليوم في اللعب والطهي والحديث حتى داهم النوم أعيينا في المساء بعد أن أطفأنا الشموع وغنينا وأكلنا وتناولنا الحلوى. لكننا ارتدينا معاطفنا وتحركنا مجددا باتجاه الحدود لكي نطأ عند منتصف الليل أرض "وطننا الجديد" ثم نعيد الكرة ونتقدم من جديد لطلب تأشيرة يوم واحد. لقد كنا طوال عطلة عيد الميلاد في نهاية عام 78 وبداية 79 مسافرين ليليين، في تمام الثانية عشرة ليلا كنا نتحرك من من الطرف الجنوبي الشرقي من المدينة إلى الحدود حيث كنا نعبر المتاهة السفلية التي تضم حوائط عازلة ومرايا بالسقف وميكروفونات وحواجز زجاجية ونقاط لتفتيش الجوازات وطاولات لتفتيش الحقائب وكبائن للتفتيش الذاتي، في طريقنا إلى الجانب الغربي من الحدود، وبعد وصولنا نعود إلى الشرق ثانية لنبيت في رانسدورف.

كان عمر أختي الصغرى نصف عام وكانت تصرخ على ذراع أمي، ربما كان عندها حمى شديدة، كانت تصرخ ولا تتحمل الحليب، ولم يكن هناك ما هو ضروري لها أكثر من النوم والراحة. أما نحن، الأختين التوأم، فكنا في الثامنة وأخذنا نتثاءب ونضع خططا جديدة: بمجرد أن تتجرأ صديقتنا سنقوم بتهريبها، فنظرا لهذه التجربة بدا لنا فجأة أنه من الممكن القيام بتجربة التبادل هذه ليوم واحد فقط. أما أختنا الكبرى فحثتنا على التزام النظام، فلو أثرنا أي شكوك سنضطر بلا داع لتحمل مضايقات أكثر من موظفي الحدود. أما أمي فقد قررت على الأرجح تحمل هذا العذاب. عطلة سعيدة، بدون نوم كاف وبدون حط للرحال، لكن ذكراها قريبة جدا على ما يبدو من الطفولة البريئة، ولم أكن بعد ذلك أبدا على هذه الدرجة من القرب لا من البراءة ولا من الطفولة. كان للحدود والجدار بما لهما من صفة عازلة تأثير حاسم على السنوات التالية في حياتي. لقد فقدت إبرة بوصلتي القدرة على تحديد الاتجاه، فعندما أقول "هناك"، لا تظهر لي اتجاها واضحا، فتتحرك أحيانا من الشرق إلى الغرب وأحيانا أخرى من الغرب إلى الشرق.

رحلة مدرسية إلى براري الشرق

يوليا فرانك; تصوير: Thorsten Greve © S. Fischer Verlag 2009سأتجاوز مرات عديدة أخرى عبرنا فيها الحدود وزرنا خلالها جدتي في العطلات: تزلجنا في الشتاء على بحيرة رانسدورف المتجمدة وفي الصيف ذهبنا إلى جزيرة دراس والتقينا صديقة طفولتنا من أدلرسهوف، التي لم تستطع آنذاك أن تخبرنا بأن أهلها قد قدموا أيضا طلبا للرحيل، والتي كنا نكتب لها عددا لا يحصى من الرسائل يوميا، كي لا نفقد الشيء الجوهر في حياتنا وهو الصداقات وإيماننا بالوفاء وبدوام الصداقة، سأتجاوز كل هذا لأتحدث عن آخر تجاربي مع عبور الحدود.

كان ذلك في صيف عام 1986، حيث كان من المفترض أن يقوم الصف العاشر برحلة مشتركة أخيرة. فبخلافي أنا وتلميذين أخريين، لم يكن هناك بالمدرسة في هذا العام من سيكمل تعليمه للحصول على الشهادة الثانوية. كنت ساعتها قد تركت السكن عند أمي منذ ثلاث سنوات، وعشت لبعض الوقت لدى أصدقاء للعائلة في ضاحية شبانداو (كانوا أيضا من الذين فروا مبكرا من الشرق) ثم انتقلت لسكن جماعي في شارلوتنبورغ مع مجموعة من الألمان الغربيين الرافضين للمجتمع الرأسمالي.
قالت معلمتنا البرلينية الغربية أن الرحلة ستقودنا إلى زاكسنهاوزن، وهو معسكر اعتقال سابق. ماذا في الشرق؟! حملق التلاميذ باندهاش وتذمروا وتأوهوا، وبعضهم ضحك وأطلق مزحة تلقائية قائلا لزميله:أنت من هناك، أليس كذلك؟ أحدهم ابتسم ابتسامة عريضة وصاح وآخر قال من منكم يرتدي حذاء رياضيا شرقيا؟ من لا يوافق النمط المعتاد، يصبح عرضة لاستهزاء التلاميذ البرلينيين الغربيين: هل أنت من الشرق؟ ولو ارتدى أحدهم ملابس قبيحة أو لا تناسب الموضة كانوا يقولون عنه: ألا يبدو منظره من الشرق؟

لقد ظللت ثلاث سنوات في هذا الفصل واستطعت خلال هذه السنوات إخفاء هويتي. لم أرغب بأي حال من الأحوال في أن أصبح مادة لسخريتهم. كنت لا أتفوه بشيء إن أطلقوا نكاتا عن اليهود، وإن أطلقوا نكاتا عن الألمان الشرقيين كنت ألوذ بالصمت الحديدي، وحتى عندما اعتقدوا أنهم اكتشفوا في لهجتي الشمالية التي اكتسبتها بعد أربع سنوات من العيش بين كيل وربندسبورغ، لهجة أهل شرق فريزيا المشهورين بسذاجتهم، حاولت التخلص في أقرب وقت من النغمة الخائنة لهذه اللهجة.

ذات مرة لم أذهب إلى المدرسة واتصلت المعلمة بي في البيت فردت امرأة تقيم معنا في السكن المشترك وقالت لها: يوليا لم تأت إلى المدرسة لأن جدتها في برلين الشرقية مريضة، واضطرت للذهاب إلى هناك لرعايتها. هذا ما أدعته زميلتي في السكن وحكت لي بعد ساعات قلائل بمرح كيف أنها أنقذتني.

الخوف من الاكتشاف

لقد صُعقت، فهي أخبرت معلمتي أن جدتي تسكن في برلين الشرقية؟ هل هي حمقاء؟ ظللت أفكر بقية اليوم في حجج أستطيع قولها لمعلمتي، لو حدثتني أمام التلاميذ عن جدتي التي تسكن برلين الشرقية. تحدثت المعلمة معي في اليوم التالي خلال الاستراحة بنظرة تعاطف، متساءلة إن كنت ذهبت لجدتي المريضة ؟ وإن كانت تسكن في برلين الشرقية؟ نظر إلي أقراني بدهشة وفضول واحتقار. ونظرا لأن كل شيء في كان مختلفا عن الآخرين وأنني زعمت أنني لم أعد أعيش منذ ثلاث سنوات ببيت العائلة وزعمت إنني أعيش في سكن جماعي وأعمل، ولأنني لا أذهب مع الفتيات إلى جولات التسوق ولا أشارك في حصص الدين، ولأنه من الواضح أنني أذهب في نهاية الأسبوع إلى الديسكو، وأبقى هناك حسب رغبتي، فقد بدا لهم أن كل شيء ممكن ويناسب وضعي. تذكرت استهزاء زملائي ونكاتهم التي لا تحصى عن الشرق وأوضحت بسرعة أن ثمة خلطا في الفهم حدث إما من قبل زميلتي في السكن أو من قبل المعلمة، وأن لدي بالفعل جدة مريضة لكنها لا تسكن في الشرق وإنما في غرب ألمانيا.

بعد ذلك بأسابيع أعلنت معلمتنا عن هذه الرحلة إلى زاكسنهاوزن. وقفت أمام السبورة وسألتنا إن كان أحدنا قد ذهب قبل ذلك إلى الشرق، إلى برلين الشرقية أو إلى ألمانيا الشرقية؟ من ذهب فليرفع يده. رفع ولد يده. آه هل كنت فعلا هناك، احك لنا أين كنت بالضبط؟ قال إن لديه عمة لأبيه في سكسونيا وكان يزورها مع عائلته مرة كل عدة سنوات. ساعتها احمر وجهي، ولم أكن أعرف كيف أتنفس وفي أي اتجاه ينبغي أن أنظر. وبدا لي أن بعض زملائي كانوا يراقبونني بفضول، فرفعت ذارعي بسرعة خاطفة. وأنتِ يا يوليا، هل ذهبت إلى هناك؟ نعم، لقد ذهبت ذات مرة للفرجة على المدينة.

استمر الدرس عن زاكسنهاوزن ومعسكر الاعتقال والوحشية والقتل والجنون والحرب والحلفاء والتحرير وتقسيم ألمانيا وبرلين. طلبت منا المعلمة ملء استمارات، لأن مثل هذه الرحلة تتطلب تنظيما جيدا. وبعد ذلك بثلاثة أسابيع جاء اليوم الموعود الذي كنت أخشاه. احتفظت بالخمسة وعشرين ماركا التي يتوجب على المرء استبدالها قسرا في محفظة نقودي. كنت أعرف أنه من الصعب إنفاق النقود هناك وفكرت إن كان من الممكن أن يشتري المرء هناك نوتات بيانو لمقطوعات بيتهوفن، فتلك كانت بالنسبة لي من الأشياء القيمة في الغرب وفي حياتي. لكن لم يكن من المؤكد أن نمر على محل لبيع النوتات الموسيقية. عندما وصلت بالدراجة إلى المدرسة رأيت في البداية حقائب زملائي الممتلئة عن آخرها. هل فهمت الأمر بشكل خاطئ؟ هل نبيت هنا؟ ألم يقتصر الأمر على مجرد رحلة ليوم واحد؟ أصخت سمعي وانتبهت جيدا، لكن لا حديث عن المبيت. لكن عندما جلسنا في الحافلة أدركت السبب وراء امتلاء حقائب هؤلاء. لم تتوقف النكات. جلب زملائي معهم في هذه الحقائب أجهزة ووكمان من أجل الترفيه، كانوا يسمعون موجة الغناء الجديدة في ألمانيا، كما جلبوا معهم شطائر وعصائر وزجاجات مياه وموز وعنب مغسول في أكياس شفافة وقطع شوكولاتة. وعندما ظهرت معلبات البلوبيف والكرنب المخلل وبدأ الصبية في مقارنة أدوات طعامهم ومطوات جيوبهم، وعندما بدأ أحدهم في فتح إحدى المعلبات وسدت الفتيات في الصف الأخير أنوفهن ضاحكات وهن يفتحن برطمانا للسجق، عندها أدركت مدى جدية الأمر. فزملائي، وهم ثلاثون تلميذا وتلميذة في السادسة عشرة من العمر من غرب برلين، لم يكن بينهم من عبر الحدود من قبل باستثنائي أنا وتلميذ آخر ذهب لزيارة أقاربه، ولذلك فقد كانوا يخشون من عدم وجود طعام في الشرق.

كان معهم وسادات قابلة للنفخ وجلبت فتاتان معهما أكياس نوم تحسبا لجميع الظروف. فمن يدري، ماذا يمكن أن يحدث في الشرق. على أي حال تحدثت المعلمة عن رحلة نهارية أي أننا سنعود جميعا إلى شبانداو في الساعة السادسة مساء، لكن من يدري.

عاد زملائي محملين بحقائب الظهر والشنط الرياضية التي خرجت منها بعد الظهيرة بين ثكنات معتقل زاكسنهاوزن أكياس حلوى الجيلاتين والكوكولا، ورافق ذلك ظهور علب السجائر خلسة لتدخين سيجارة كاميل أو سيجارة ملفوفة خلف المتحف، وفي طريق العودة تحدثوا عن رحلتهم الصيفية المقبلة: ستسافر إحدى الفتيات مع عائلتها إلى فلوريدا وقد حسدها الآخرون الذين ستقتصر عطلتهم فقط على الريفييرا أو تيرول.

نشوة قليلة المصداقية

عندما انهار الجدار بعد ثلاث سنوات، لم أكد أصدق هذه النشوة التي غمرت الألمان الشرقيين والغربيين. لم أصدق عيني وأذني لأسابيع وأشهر. فالناس في الغرب لم يرغبوا في معرفة الكثير عن الشرق، ورغم توافر الفرص والإمكانيات، لم تقم سوى عائلتين من بين ثلاثين عائلة في برلين الغربية بزيارة الأهل في الشرق. في حين كان الإيمان بالغرب قويا جدا في الشرق وقد عقد الناس آمالهم عليه وارتموا في أحضانه بفرح وابتهاج إلى حد أصبت بالغثيان، هذا بغض النظر عن الطابع الفلوكلوري الذي تعامل به شطرا ألمانيا مع بعضهما البعض.

من الممكن وصف تجربتي الحدودية بأنها غير تقليدية، لكن الأمر لا علاقة له بكون التجربة تقليدية أم لا، بل بتفرد هذه التجربة وذاتيتها، إنها اليوتوبيا والتجربة التي خاضها الناس في شرق وغرب ألمانيا. كيف ينشأ التاريخ، كيف تتشكل الذاكرة وتفرض وجودها؟ بعيدا عن المحاسبات النوستالجية، يمكن للأدب أن يبث الحياة فيما لا يمكن فهمها من الإحصائيات وما يتطلب نظرة حداثية للوصول إلى الحقيقة عبر الذات، ومن خلال السرد. وهنا يمكن طرح السؤال من يمتلك الحكاية؟ هل لا يحق سوى لرجل أن يكتب حكاية رجل وهل لا يكتب سوي يهودي عن اليهود؟ والشرقيون عن الشرقيين؟ والألمان وحدهم عن تاريخهم وعن التقسيم والحدود؟ هل يكتب من هو ضحية فقط عن الضحايا؟ والشاهد على العصر عن عصره؟ من يستطيع، ومن يجوز له، ومن يجب عليه، ومن يصدر أمرا بالمنع لمن؟ هل لدينا مهمات، هل يقوم الفن والأدب بمهمات أخلاقية وجمالية؟ وأين نجد العناد والتمرد الذي يرفض كل شيء، الذي يعلن حقه في الصمت خصوصا إذا ما أراد أن يبقى أقرب ما يكون إلى ذاته. إنني أتساءل حتى يومنا هذا، كيف يمكن أن يكون في ألمانيا شخص راشد، وقت سقوط الجدار، لم تكن له أية تجربة مع الحدود، بل وحتى عدم التجربة، ألا تعد على الأقل سببا كافيا للكاتب لكي يفكر في وجود هذا النقص لديه؟

يفتح الأدب هذه المنطقة، هذه الحدود التي تبدو فاصلة لكنها تنتمي للجانبين. في المنطقة ما بين، على العتبة، هنا توجد الحدود، وتجاوزها وفتحها يكمن في السرد.

الاسم الذي كان شائعا لنقطة الحدود في محطة فريدريش في برلين حيث كان سكان برلين الشرقية يودعون ذويهم في الغرب، دون أن يتمكنوا من العبور إلى الناحية الأخرى.

يوليا فرانك
معابر حدودية. كتاب من الشرق والغرب يتذكرون. تحرير يوليا فرانك. Grenzübergänge. Autoren aus Ost und West erinnern sich. Herausgegeben von Julia Franck. © S. Fischer Verlag, Frankfurt a.M. 2009
يوليا فرانك: كاتبة وروائية ألمانية ولدت في برلين الشرقية عام 1970. وقد حصلت عن روايتها "إمراة الظهيرة" على جائزة الكتاب الألماني لعام 2007. ترجمت روايتها "نيران المخيم" إلى العربية.

ترجمة: أحمد فاروق
معهد غوته ومجلة فكر وفن
ديسمبر / كانون الأول 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي