1989 – سقوط جدار برلين

بغداد، المدينة المستباحة
الجدران الطائفية العازلة في العراق

جدار بغداد; تصوير: Picture Allianceالجدران تنشأ أوّلاً في الرؤوس. وهي، أي الجدران، غالباً ما تشكّل حالة صرع موضعية، ثم تتحوّل فيما بعد إلى خطوط تماس، إلى جدران فصل وهميّة، أو إلى جدران عازلة حقيقيّة. فما الذي يميز جدار بغداد الجديد عن الجدران المعروفة في التاريخ.

الجدار العازل في اعتقادي هو أشدّ قسوةً وخطراً من الغيتو. لأن الحيّ المغلق لأسباب عرقية أو دينية يهدف إلى تقوية الوحدة الداخلية لمواجهة خطر خارجيّ، يشكلّه أبناء الدولة الآخرون. ويكون هذا الانكفاء الذاتي سبباً لإثارة حفيظة الآخر واستفزازه ليصبح عدوّاً بعد ذلك، لا يفكّر إلا في إبادة الآخر المنطوي على نفسه. فقوّة التقهقر الذاتي تستحيل حينئذ إلى مصيدة تثير غزيزة العنف لدى الطرف الآخر، فيفكّر في عملية الإبادة والاجتثاث العرقي أو المذهبي.

فما الذي يمكن أن أقوله إذاً عن جدران بغداد، مدينتي المستباحة والمنكوبة والمقطعة الأوصال؟ بالأمس (19 آب/ أغسطس 2009) جاءت الأخبار بأرقام الضحايا الجدد: نحو مئة قتيل وأكثر من ستمئة جريح في عدد من الاعتداءات الوحشية، شملت أيضاً المنطقة الخضراء المحصنّة أمنياً، بل إنّ الانتحاريين استهدفوا وزارتي الخارجية والمالية، "السيادتين" مثلما يطلق عليهما.

بغداد؟ مدينة النار والمجازر والدماء والرماد؟
بغداد مدينة العلم والشعر والخمر والجمال؟

وما الذي يمكن أنّ يقال بعد عن أشهر مدينة أسطورية في التاريخ وأشدها غياباً من وجهة ثقافية وأكثرها عرضةً للتخريب؟ نحن نعلم بأنّ هذه المدينة عُمدت بالنار وصُممت أسسها بألسنة اللهب، ولا يملّ المرء أبداً وهو يعيد قراءة ذلك المشهد السوريالي الذي أخرجه الخليفة أبو جعفر المنصور شخصيّاً من على منصّة دير قديم؛ ليجعل من بغداد حاضرةً للفكر والفنّ واللغة لا نظير لها في العالم برمته آنذاك.

يقول الطبرى في تاريخه إنّ "المنصور وجّه في حشْر الصنّاع والفعَلَة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة ، فأحضرُوا ، وأمر باختيار قوم من ذوي الفصل والعَدَالة والفِقْه والأمانة والمعرفة بالهندسة ؛ فكان ممّن أحضر لذلك الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخطّ المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللّبِن وطبخ الآجر، فبدئ بذلك. وكان أوّل ما ابتدئ به في عملها سنة خمس وأربعين ومائة. وذكر أنّ المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عياناً، فأمر أن يخط بالرّماد، ثمّ أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرّماد ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن ، ونصب عليه النَّفْط، فنظر إليها والنار تشتعل ، ففهمها وعرف رسمها ، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم ، ثمّ ابتدئ في عملها ."

وضرب المنصور حول بغداد سوراً مستديراً، خشيةً من هجمات الأغراب وقبائل الجزيرة العربية التي كانت تشكّل تهديداً حقيقياً لدار الخلافة. لكن هذا الطوق لم يمنع من أن تكون بغداد مدينة كوزموبوليتية مفتوحةً ومنفتحةً أمام ثقافات العالم ومبدعيه ووطناً لهم، ومنهم الطبرى نفسه القادم من أواسط آسيا الصغرى.

وقد شهدت بنفسي مراحل الهجرة إلى بغداد ومحاولات التأقلم في محيطها الجغرافيّ والاجتماعي وأساليب الرفض والقبول التي كان يواجهها القادمون الجدد من لدن أهالي بغداد. لكن المدينة كانت تفتح قلبها شيئاً فشيئاً أمام الوافدين وتشرع ذراعيها لتحتضن المهاجرين الغرباء، وتتيح لهم ما يسمّى اليوم بالاختلاط المجتمعي دون الانصهار والذوبان، Sozialisation، أي القبول بشروط المدينة دون التخلي بالضرورة عن الخصوصية والتميّز الأصليين.

وكنت زماناً، وإلى اليوم أيضاً، أشعر بفخر الانتماء إلى جنوب العراق، موطني الأصلي المتعدد الأعراق والديانات واللغات، حيث كان العربيّ المسلم، سنيّاً أو شيعيّاً، يعيش إلى جانب الصابئي والمسيحي واليهودي بأمنّ وسلام واحترام بالغ، بل إنّ المسلم الذي ينتمي عادةً إلى إحدى القبائل العربية، المحتربة في بينها أحياناً، يكون شديد الحرص على توفير الحماية لأخيه الصابئي والمسيحيّ واليهودي. وأنا لم أسمع أو أقراً يوماً عن اعتداء أو جريمة قتل ذهب ضحيتها أحد أبناء الطوائف الصغيرة لأسباب دينية في جنوب العراق، أي في تلك المنطقة الواسعة الممتدة من بغداد إلى البصرة. والآن بتّ أنظر إلى هذه الحقيقة التاريخية باعتبارها ظاهرة تعايش طبيعية أملتها التربية الاجتماعية والقيم العشائرية القائمة على النخوة والغيرة واحترام الآخر، وليس على المعتقدات الدينية بالضرورة، مثلما سيتضح لنا فيما بعد.

وعندما هاجر فقراء الريف الجنوبي إلى بغداد وتجمّع الكثير منهم في حيّ الثورة "الصدر" حالياً، الذي يعود "الفضل" في تصميمه إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية،CIA، (أنظر فكر وفنّ عدد 87)، تجاورت القبائل العربية التي كانت متباعدةً عن بعضها البعض، فحدث اختلاط ثمّ اندماج فيما بينها. وأحدث النزوح الجماعي تغيّراً اجتماعياً كبيراً، فبدأ البعض بالتمدّن، أو التبغدد، وهو ارتداء السترة والسروال بدل الدشداشة و"الزبون" والعباءة والكوفيّة، وصار البعض يحتسي الخمر، الأمر الذي لم يكن مألوفاً آنذاك بين قبائل جنوب العراق، بل وشرع البعض الآخر حتّى في البحث عن الغانيات في أحياء بغداد القديمة.

جدار بغداد; تصوير:  Picture Alliance وقد شهدت مدينة الثورة في حقبة تأسيسها الأولى عدداً من عمليات السطو المسلّح والسرقة، لكن سرعان ما حلّ الأمن والسلام بين سكّان المدينة كلّهم. فبعد أن بحثت الحكومة العراقية برئاسة عبد الكريم قاسم عن أسباب أعمال السطو اتضح أنّ إحدى القبائل العربية كانت متورطةً في هذه الأعمال. فقررت الحكومة تعيين أبناء القبيلة هذه بالذات حرّاساً على مدينة الثورة. وهو إجراء سوريالي في الواقع، وكأنه تجسيد للمثل العراقي الشائع: "حاميها حراميها"!، بيد أنّ التطوّرات اللاحقة أثبتت صواب هذا الإجراء. فباتت المدينة تنعم بالهدوء، واستتب فيها الأمن بصورة لا مثيل لها في أي مدينة أخرى في العراق، لدرجة أنني لم أتذكر إلى الآن بأنني حملت مفتاحاً في جيبي، بل لم أتخيل حتى شكل هذا المفتاح، ولم أر أحداً من أبناء الثورة كان يحمل مفتاحاً. فكانت الأبواب الخارجية والداخلية كلّها مشرعة نهاراً وليلاً، وكأن مدينة الثورة التي يقطنها مئات الآلاف من الناس بيتاً واحداً وليس ثمانين ألف بيت.

واليوم أسأل نفسي بعد سلسلة الأحداث الدموية اليومية في بغداد، وبعد سقوط نظام صدّام حسين ودخول قوّات الاحتلال، أسأل نفسي كيف تحقق ذلك السلم الاجتماعي دون أيّ إجراءات قسرية؟ فأنا مثلاً لم أحمل سلاحاً قطّ، ولم أكن أشعر بالخوف حتّى عندما كنت صبيّاً يسير في شوارع "الثورة" وأزقتها الضيّقة المتربة. ولم يخطف طفل ولم تغتصب فتاة أو غير ذلك من الجرائم التي أصبحت زاداً يومياً للعراقيين في الوقت الراهن. فكيف شاع الأمن والاطمئنان بشكلهما المثالي على الرغم من انعدام الخدمات الاجتماعية وظروف الفقر التي عاني منها هذا الحيّ؟ لماذا لم يقم الناس جدراناً عازلة بينهم؟

وكلّما أمعنت التفكير في هذا السؤال ازددت قناعةً بأنّ الجدار المرسوم في الرأس، والذي شيّد فيما بعد على الأرض ليفصل بين الناس، يعتمد في أساسه على الجذر "الدينيّ المذهبيّ". ولكي أوضح هذه الفكرة التي تحوّلت إلى قناعة ثابتة بعد أعوام طويلة من التأمل سأضرب ألمانيا مثلاً: فهذه الدولة عرفت في تاريخها المديد انقسامات وحروباً عديدة منذ "الحركة الإصلاحية" لمارتن لوثر قبل حوالي خمسمئة عام، وكانت مسرحاً لأشدّ الحروب ضراوة، وأعني بذلك الحربين العالميتن الأولى والثانية، إذا ما استثنينا حرب الثلاثين عاماً الدينية الطائفية في الأصل.

لكنّ ألمانيا استطاعت اليوم تجاوز هذه الانقسامات، بما فيها الانقسامات الأيديولوجية بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. لكنّها مع ذلك لم تنجح حتّى الآن في تجاوز الانقسام الدينيّ المذهبي بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين، وهو الانقسام الوحيد الذي مازال قائماً داخل المجتمع الألماني إلى يومنا هذا، وإنّ خفّت حدته بفعل تحييد الدين وإخضاعه لقوانين الدولة العلمانية. وقد أطلعت على أماكن الانقسام بنفسي في إحدى رحلاتي إلى شرق ألمانيا بعد التوحيد، وكنت برفقة أحد الناشطين الكاثوليك، فحدثني بألم عن الأراضي التي كانت تابعة إلى الكنيسة الكاثوليكية ثمّ صادرها أنصار مارتن لوثر آنذاك بدعم مباشر من الأمراء الألمان. ومازالت هذه الأحداث التي تعود إلى قرون بعيدة حيّةً في وجدان الكاثوليكيين. وإلى اليوم ترفض الكنيسة البابوية إقامة قداس مشترك بين أتباع الطائفتين، ناهيك عن أن تفكّر في قدّاس يضمّ أتباع المسيحية الأرثوذكسية في شرق أوروبا.

وإذا ما طبّقنا هذا الواقع المذهبيّ على العراق لاتضح لنا بأن العداوة بين السنّة والشيعة تعود إلى ما هو أبعد من "ثورة" مارتن لوثر" قبل مجرد خمسمئة عام، فهي تعود إلى صدر الإسلام نفسه. ولا يكمن الأمر فقط في الدين نفسه من حيث هو دين، بل في استغلاله لمطامع وأغراض سياسية شخصيّة. وأمراء الحرب موجودون في كلّ مكان، وبالذات في العراق، حيث يتحالفون مع هذا الطرف المذهبي أو ذاك، لتحقيق مآربهم الشخصية. ثمّ إنّ الطائفة الدينية لا تؤمن، ولأسباب استراتيجية، بما هو وطني أو قومي، ولا تقيم وزناً للجغرافية، لأن الانتماء المذهبي لا يعرف الحدود، وبالتالي لا يعترف بها؛ وهي بهذا المعنى تكون قريبة تماماً من الايديولوجيات المطلقة مثل الشيوعية والرأسمالية. فالشيعي هنا هو كلّ من يؤمن بآل البيت أو أفكارهم، والسنيّ هو كلّ من يؤمن بالصحابة والخلفاء الراشدين. وليس هناك ما يربط رجل الدين بالوطن سوى الانتماء المذهبي، وليس الانتماء الثقافي الذي هو النقيض التام لما هو ديني. ولو تفحصّنا تاريخ العراق بدقّة لرأينا بأن اعتناق العراقيين الأوائل للإسلام جاء بدوافع ثقافية في الدرجة الأولى وسياسية بالدرجة الثانية، نتيجةً لكراهية العراقيين القدماء للاحتلال الساساني. وكلمّا وجد العراقيون فرصة للتعبير عن انتمائهم الثقافي، غير الديني، خرجوا إلى الشوارع مبتهجين بجميع انتماءاتهم وأطيافهم العرقية والمذهبية. وقد أكدّ مثلاً فوز المغنية العراقية شذى حسّون بإحدى المسابقات الفنيّة أو فوز المنتخب العراقي ببطولة آسيا لكرة القدم هذه الحقيقة.

فالجدار إذاً يترسّخ في الذهن شيئاً فشيئاً وينتقل إلى الضمير الجمعي الطائفيّ ثمّ يعبّر عن نفسه عيانياً في اللحظة المناسبة. وما نراه اليوم في بغداد هو تجسيّد لهذا الجدار المتبلور في الأذهان منذ ألف وأربعمئة عام، لكنّه خرج الآن إلى العلن بسبب الضعف الذي اعترى الطرف الآخر. ولذلك فإن إقامة الجدار أو إزالته لا تعني شيئاً أبداً، لأن الخوف من الآخر، الذي يفترض أن يكون شريكاً في الوطن الواحد، أشدّ رسوخاً من الجدار نفسه. فهذا الخوف الطائفي هو طوق عصابيّ يحول دون الاندماج أو الذوبان، وقد جاء خاتمةً للتطهير الطائفي. والجدار شيّد على دماء أبناء الشعب الواحد فزادهم فرقة واحتراباً، وكان قرار إقامته جزءاً من خطّة أمريكية بعد أن "أوصى تقرير مقدم إلى الكونغرس الأمريكي بإقامته في بغداد على غرار الأنموذج الذي طبّق في بلفاست للحدّ من المذابح الطائفية". ومن "غرائب" الأقدار هو أن أحد أهمّ المشرفين على إقامته هو السيّد دنكن ماكوسلاند، مساعد مدير شرطة بلفاست الذي اقترح من قبل إقامة جدار عازل في مدينة بلفاست نفسها.

وحالما شرعت الحكومة العراقية بإزالة الجدار وقعت المجزرة التي أشرنا إلينا في البدء. وتحضرني هنا حكاية من المثيولوجيا الإيرلندية والتي تعود أيضاً جذور ثقافية، وهي أن البطل الأسطوري كوكولين Cuculain عندما قرر أن يقاتل ضد شعبه أحاطت به مئة وخمسون امرأة إيرلندية ورفعن تنوراتهن دفعةً واحدةً ليظهرّن متاعهن، فيغرين كوكولين، فعاد إلى رشده وغيّر موقفه، ليقف إلى جانب شعبه المظلوم.

لكن من ذا الذي سيرفع اليوم الجدرانَ الطائفية العازلة من رؤوس العراقيين وقلوبهم؟

حسين الموزاني
روائي عراقي يقيم في برلين ويكتب باللغتين العربية والألمانية.

معهد غوته ومجلة فكر وفن
ديسمبر / كانون الأول 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي