نقاء أم واقعية؟
الخلاف بين حماة اللغة وعلمائها في إيران

ناسخ ملتح: لوحة بتوقيع رضائي عباسي، أصفهان 1626. من معرض الشاه عباس، استعادة إيران. المتحف البريطاني  يشهد الأدب الفارسي النقدي المهتم بنقاوة اللغة الفارسية والحفاظ على سلامتها، ازدهاراً كبيراً. وكان النقد اللغوي قد مرّ بعدد من المراحل في مختلف المواضيع التي لا يزال النقاش والخلاف حولها قائمين إلى اليوم. بيد أن هناك فرقاً يكمن في أنّ حماة اللغة اعترضوا على علم اللغة الجديد هذا، فأضفوا على النقاش وجهة جديدة.

اقتصرت المرحلة الأولى من الاعتناء باللغة على التصدي إلى حدّ بعيد للمفردات العربية الدخيلة على اللغة الفارسية والتركيز على نقاوتها من العناصر الأجنبية. وساد الاعتقاد آنذاك بأنّ إبدال المفردات العربية بمفردات فارسية سيحّل مشاكل اللغة الفارسية.

كان الأمير جلال الدين ميرزا، ابن فتحعلي شاه من أوّل ممثلي هذا المنحى الفكري. فقد كان يتبادل الأفكار مع المسرحي والمفكّر الأذربيجاني فتحعلي آخوندازده والذي كان بدوره من أشدّ خصوم المفردات العربية في اللغة الفارسية، بل اللغة العربية برمتها، حتّى أنه وضع كتاباً حول التاريخ الإيراني بأسلوب يعتمد نقاوة اللغة، عرض فيه مثله الوطنية؛ وقد جعل كتابه بعنوان "كاتب الملوك" تيمناً بكتاب الفردوسي "شاه نامه".

بيد أن هذا العمل المنهجي الذي بدأ بهذا الكتاب ولم يكتمل بسبب وفاة آخوندزاده المبكرة لم يدخل طيّ النسيان، بل حظي بأصداء واسعة فيما بعد. إذ واصل آخرون من أمثال إبراهيم پورداود وأحمد كسروي وذبيح بهروز ومحمّد مقدم وصادق كيا، وهم من الكتاب تبنوا لغة خالية من المفردات الدخيلة. وقد شكل نشاط الأكاديميتين اللغوتين في الزمن البهلوي، اللتين غلب عليها الطابع التأملي والمحافظ، استمرارا إلى حدّ ما لهذا العمل.

كما تواصل تبني المنهج العاطفي المبالغ فيه، والهادف إلى تنقية اللغة الفارسية من المفردات العربية بشكل خاص، في العقود الأخيرة أيضاً. ويمكن ملاحظة ذلك ليس فقط في أعمال بعض الجماعات، بل حتى في المدوّنات الإدارية والإصدارات الجامعية ونشرات المعاهد الثقافية.


الفارسية ليست لغة العلم

هذا الموقف الصفائي في النقد اللغوي كان يواجه، ومازال، نقداً قوّياً من قبل الشعراء والمفكرين الذين لا يستطعون الكتابة بلغة خالية من المفردات العربية المستعارة، وكذلك من قبل علماء اللغة اليوم الذين يعتبرون هذه الطريقة غير علمية ومنافية للتطور الطبيعي للغة. وغالباً ما يستشهد علماء اللغة هؤلاء باللغة الإنجليزية، لأن اللغة الفارسية تستعير اليوم مفردات من اللغة الإنجليزية وحدها تقريباً وليس من اللغة العربية. وهم يؤكدون بأنّ اللغة الإنجليزية استعارت في مجرى تاريخها، وأكثر من أيّ لغة أخرى، مفردات أجنبية من اللغات الفرنسية واللاتينية والإغريقية، بل من الفارسية والعربية أيضاً، وأنها تحولت إلى مصدر مانح للمفردات، لأن معظم الأبحاث العلمية تكتب اليوم بهذه اللغة. وبناءً على ذلك فإن الأمر لا يتعلق بعجز اللغة الفارسية، بل بعدم القدرة على التفكير في هذه اللغة. والحقيقة التاريخية تقول إنّ اللغة الفارسية لم تكن لغة علم حتى زمننا هذا. كما أن العلماء الإيرانيين الذين كتبوا باللغة العربية في القرون الأولى من العهد الإسلامي، قبل أن ينتقلوا شيئاً فشيئاً إلى اللغة الفارسية، استخدموا المصطلحات العربية الخاصة نفسها. فلغة التصوف المرهفة والبلاغة الأسلوبية للشعر الفارسي أثبتتا بأنّ اللغة بحدّ ذاتها تمتلك القدرة على التعبير عن الأفكار التي تطوّرت في داخلها.

والأمر الذي يضايق علماء اللغة في هذا النقاش هو النظرة اللاتاريخية لطهرانيي اللغة هؤلاء. إذ يُتهمون بتجاهل التطوّر التاريخي لهذه الكلمات الأجنبية ودلالتها الإيحائية كلّها ومحاولة استئصالها من اللغة، وخلق لغة أخرى بديلة عنها. فليس كلّ استعارة تضّر باللغة المستعيرة، لأنّ هذه الاستعارة لم تضر أيضاً باللغات الأوروبية، فقد استعارت هذه اللغات مفردات لها علاقة بظاهر اللغة. وينطبق مبدأ الاستعارة على اللغة الفارسية أيضاً، مع قليل من الاستثناءات. لكن الأمر يتغير في الواقع إذا ما تمّت استعارة عناصر جوهرية بالنسبة لنظام اللغة مثل القواعد أو البنى اللغوية، لأن هذا سيحطم بنية اللغة على المدى البعيد؛ لكن اللغة، لحسن الحظ، تظهر مقاومةً لهذه الاستعارات. فعلى الرغم من الأخذ والعطاء بين اللغتين العربية والفارسية واللذين استمرا قروناً طويلة، إلا أنّ اللغتين الفارسية والعربية لم تستيعرا من بعضهما البعض الحروف التي تنقص أبجديتهما. فالتواصل اللغوي مع اللغات الأوروبية لم يجعل اللغة الفارسية تبدأ بالسكون في مطلع كلّ مقطع، وكذلك اللغة العربية و التركية. فضلاً عن أنّ الاتصال باللغة العربية الذي دام قروناً طويلة لم يؤد إلى تحديد الجنس في الأسماء والأفعال. وفيما يتعلق باستثناءات مثل الجمع في اللغة العربية، فإن الأدباء وعلماء اللغة يتفقون على تجنب الجموع العربية قدر المستطاع. غير أن اللغة الفارسية متمسكة بهذا المنحى دون الحاجة إلى هذه التوصيات، مثلاً فيما يخصّ التطابق بين الصفات والأسماء، إذ تمّ تجنّب هذا الأمر إلى حدّ بعيد، باستثناء بعض الصياغات.

ويعود تأسيس الاكاديميات اللغوية والدعوة إلى سياسة لغوية ترفض استخدام المفردات الأجنبية إلى "إصلاحات" الشاه رضا بهلوي ، تيمناً بأتاتورك، مع فارق واحد هو: أن النقاء اللغوي في تركيا اتخذ أشكالاً متطرفة، إذ تم "تطهير" اللغة التركية إلى حدّ بعيد من المفردات العربية والفارسية المستعارة. بل إنّ تركيا أدخلت المشروع الثاني وهو اعتماد الأبجدية اللاتينية، والذي كان موضوع نقاش لفترة طويلة في إيران أيضاً، أدخلته حيز التنفيذ. لكن التجربة التركية مع هذه الإصلاحات لم تكن إيجابية دائماً. فبعد جيلين من تطبيق هذا المشروع لم يعد الأتراك قادرين على قراءة كتابات الماضي (كما لو أن الإمبراطورية العثمانية لم تكن قائمة مئات الأعوام) أو فهم أدبيات الشعوب التركية الأخرى؛ لأن ستالين قام من ناحيته بـ "إصلاح" الحرف فأقحم الأبجدية السيرلية kyrillische ، السلافية، على هذه الشعوب. ولأن الأبجدية الجديدة جاءت مفتعلة من ناحية اللفظ، ولأنها اعتمدت على اللفظ الخاص بكلّ عاصمة من عواصم هذه الشعوب قاعدةً للفظ الأبجدية، فقد أدى ذلك إلى انقطاع التواصل الكتابي بينها (الشعوب). وإذا ما كانت هناك صحيفة صادرة باللغة العربية، فإن الأتراك الذين كانوا يجيدون القراءة باتوا قادرين على فهمها من البلقان حتى قرغيزيا، وذلك قبل إصلاحات اسطنول؛ لأن اللغة العربية لا تظهر حركات الإعراب، أي الضمة والفتحة والكسرة، ولا تظهر الفرقَ بين الحروف الساكنة والتي بُرّزت الآن لفظياً في الأبجدية الجديدة.

ومع ذلك لم تكن التجربة التركية سلبية إجمالاً، إذ أنّ أحد نجاحات السياسة اللغوية في تركيا هو تفعيل عناصر تركيب الكلمات بحيث تكون اللغة مهيئة لاستيعاب عصر العلم والتقنية؛ وهذه خطوة جريئة يوصي بها بعض علماء اللغة الإيرانيين أيضاً.


الصراع ضد الترجمات الدخيلة

المرحلة الثانية من مراحل النقد اللغوي تتعلق بالكلمات والصياغات التي دخلت إلى اللغة الفارسية عبر الترجمة. فهي ليست كلمات دخيلة، بل هي صياغات دخيلة، بحيث أنّ التعبير الأجنبي يترجم إلى اللغة المتلقية جزءاً فجزءاً. ويعتبر التقليديون هذا التعامل اللغوي مسؤولاً عن فساد اللغة، وينتقدون المترجمين في كلّ مناسبة. ولا يشكل نقد الترجمة موضوع البحث هنا، كما أنّ حماة اللغة غير معنيين بهذا الأمر، بل إنّ اعتراضهم على المترجمين يكمن في قضايا أخرى:

1. إذا ما استخدم المترجمون عبارات جديدة بدلاً من المصطلحات المألوفة، أي بدلاً من أن يستخدموا مصطلح "اختيار"، نقيضاً لـ "جبر" و "تشبيه" نقيضاً لـ "تنزيه"، وهي مصطلحات معروفة في الفقة والفلسفة الإسلاميين منذ أكثر من ألف عام، نراهم يستخدمون مصطلحات كـ"انتخاب" وغيرها. وبهذا المعنى فهم متفقون حتى مع علماء اللغة الذين يرون بأنّ موضوع العلم، إذا ما تغيّر، لا يمكن أن تستخدم المصطلحات القديمة المخصصة لمضامين أخرى لوصف المصطلحات الجديدة التي يتضمنها هذا العلم، مثل الفلسفة الوجودية على سبيل المثال أو )النحو العملي الهادف إلى تحليل الخطاب الآني ( .

2. إذا ما استخدم المترجمون صياغة جديدة جاءت عبر صيغة منقولة فإن التقليديين يعترضون على ذلك بحجة أن الأدب الإيراني الذي يمتد إلى آلاف السنين لم يكن يعرف هذه المصطلحات. بيد أنّ هذا الاعتراض لا يمكن تعميمه حسب رأي علماء اللغة. فقد نشر خسرو فرشيدورد، وهو أستاذ في جامعة طهران، طائفةً واسعة من الصياغات المترجمة عن العربية والإنجليزية والفرنسية إلى اللغة الفارسية ثمّ طرحها للنقاش. فاتضح بأنّ النقّاد لم يظهروا احتجاجاً على الصياغات المنقولة عن العربية، لأن هذه المصطلحات انصهرت في اللغة الفارسية إلى درجة لم يعد أحد يعرف مصدرها باستثناء المتخصصين، وهي صياغات من قبيل:

أي کاش (ياليت)، وگرنه (وإلا)، خوشا ( ‌طوبى)، درگذشتن (عفو عن)، سلام بر شما يا درود بر شما (سلام عليکم)، با اين همه (مع هذا)، از اين رو (على هذا)، به هر حال (على أي حال)، اگر خدا بخواهد (إن شاء الله).

وقد تركزت الاحتجاجات بصورة رئيسية على المغالاة في "الأوربة" لدى المترجمين. وحتى في هذه الحالة فإن الاستياء من الالفاظ الجديدة كان يتعلّق بحجم ذوبانها في اللغة اليومية. بيد أنّ أحداً لم يعترض على ترجمة عبارات مثل "عيد الميلاد" "ورحلة سعيدة" و "أنا سعيد برؤيتك" و "لقب العائلة" و "الضوء الأخضر" و"القطار الحديدي" التي لم تكن موجودة في قاموس اللغة من قبل. لكن صيغاً مترجمة مثل "أتوقع أحداً ما" و "يا إلهي" و "أطلق النار" و"عظيم الأهمية" كانت تعتبر مختلقة. أحد ممثلي هذه الجماعة هو الأديب والمترجم المعروف أبو الحسن نجفي الذي نشر تعليقاته اللغوية النقدية الساخرة في كتاب تحت عنوان "دعونا نكتب بلغة خاطئة"، فجاء كتابه بمثابة معجم للحالات المتلبسة، وقد حظى بصدى كبير. فأغدق حماة اللغة بالمديح على هذا الكتاب، في حين كان موقف علماء اللغة من أمثال محمّد رضا باطني وعلى محمّد حقشناس مناقضاً تماماً لذلك. فأخضع باطني الكتاب للتحليل في سلسلة من المقالات تحت عنوان "اِسمح لنا أن نكتب بلغة خاطئة" و"ضجيج من أجل لاشيء"، وهي صيغة مستعارة من عنوان مسرحية شكسبير الساخرة "جعجعة بلا طحن"؛ وتوصل إلى نتيجة مفادها أنّ هذا الكتاب ليس من عمل عالم لغويّ، وأنّ على المرء أن لا يصدق بأنّ عالماً لغوياً يمكن أن يجعل نفسه أضحوكة إلى هذا القدر. وأضاف باطني أن "هذا الكتاب ينطلق من فرضية خاطئة هي أنّ اللغة ثابتة ولا يجوز أن تتغير. فاللغة الأصيلة النقية من وجهة نظر السيّد نجفي هي لغة الماضي وأنّ جميع التجديدات والتغيّرات التي طرأت على اللغة في عصرنا الراهن ما هي إلا علامة واضحة على البلبة اللغوية التي أفسدت لغة أسلافنا النقية. ومن الواضح أن هذا الرأي ينكر جوهر اللغة ووظيفتها. فهذا التحوّل بالذات هو الذي جعل الفارسية القديمة توّلد فارسية القرون الوسطى التي خلقت بدورها الفارسية الحديثة. فقد خلقت اللغة اللاتينية اللغات الرومانية مثل الفرنسية والأسبانية والبرتغالية والإيطالية وغيرها. وهذه التحولات كلّها بدأت بتغيّرات صغيرة كهذه يعتبرها طهرانيو اللغة إبداعاً وبلبلة وفساداً لغوياً". ومن وجهة نظر باطني فإن تجنّب النحت والاشتقاق الجديدين يؤدي إلى "جفاف اللغة". فواحدة من أهمّ الوسائل التي من شأنها التغلّب على التحديات العلمية الجديدة هي تفعيل عناصر الاشتقاق. وخلص باطني إلى نتيجة مفادها أن لا خطر يهدد اللغة الفارسية، فهي قد تطوّرت وفقاً لمتطلبات العصر.

وما يكتبه علماء اللغة في هذا السياق تستقبله دائرة صغيرة نسبياً، بينما يخاطب نقّاد اللغة جمهوراً عريضاً. ولم يحل النقد العلمي لكتاب نجفي الذي أعيد نشره في طبعات عديدة دون اهتمام طائفة كبيرة من القرّاء به. لقد قد وجد مقلدين له منهم يوسف عالي عبّاس آبادي الذي صدّر كتابه الموسوم "معجم الكتابة الصحيحة" بإهداء إلى أبي الحسن نجفي، جاء فيه: "إنه رائد حقّاً من روّاد نهضة الكتابة السليمة وتنقية اللغة الفارسية والحفاظ على أركان الهوية القومية للإيرانيين. وهذا الكاتب يستند بصورة رئيسية إلى أفكاره".

ومع ذلك لم يبق ردّ فعل علماء اللغة دون تأثير، إذ أن عبّاس آباد نفسه اعتمد لغة الأدب المعاصر باعتبارها لغة معيارية، على العكس من مثله الأعلى، وقَبِلَ على الأقل بتطوّر اللغة حتى العصر الراهن.


هل تشكّل اللغة الفارسية هويةً للإيرانيين؟

أثناء فترة النقاش حول نقاوة اللغة في إيران، حيث قرنَ حماة اللغة الهويةَ الإيرانية بها، بل إنّهم جعلوا حتى تضامن الشعوب الناطقة بالفارسية مرتبطاً بهذه اللغة، اتخذت مشكلة اللغة في أوساط الشعوب غير الناطقة بالفارسية بعداً جوهرياً آخر. فهذه الشعوب تنظر إلى لغتها الأمّ، غير الفارسية، باعتبارها رمزاً لهويتها، وتطالب في إيران نفسها بحقها في استخدام لغتها الأمّ في التعليم والدارسة مثلما يكفل دستور الجمهورية الإسلامية في إيران هذا الحقّ والذي لم يطبّق حتى بعد مرور ثلاثة عقود من الزمن على إقراره. فقد ورد في المادة 15 من دستور الجمهورية الإسلامية في إيران مايلي: "الفارسية هي اللغة المشتركة للشعب الإيراني ولغة الكتابة. ويجب أن تدوّن الوثائق الرسمية والمراسلات والنصوص وكتب التعليم باللغة الفارسية. ويسمح باستخدام اللغات واللهجات المحلية في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، وكذلك في تعليم الأدب في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية". واتسعت حركة الاحتجاج على خرق الحقّ الدستوري منذ أن أعلنت منظمة اليوسكو العالمية يوم 21 شباط\فبراير يوماً للاحتفاء باللغة الأمّ.

وحتى في هذه النقطة ثمّة خلاف في الرأي بين علماء اللغة وحماتها. فالعالم اللغويّ والمؤلف المعجميّ المعروف علي محمّد حقشناس قال إن الادعاء بأنّ اللغة الفارسية أفضل من غيرها هو ادعاء عنصري. وعبّر محمّد رضا باطني عن رأيه بالقول إن "تعدد اللغات في العالم هو القاعدة في الحقيقة، وليس الاستثناء". فتعلّم اللغة الأمّ لا يقود إلى تفسّخ الدولة المتعددة الأعراق، بل إهمال رفاهية الشعب هو الذي يؤدي إلى هذا التفسّخ.

وبالنظر إلى حقيقية أن الشعوب غير الإيرانية في إيران تشكّل أكثر من نصف الشعب الإيراني، وأن بعض هذه الشعوب مثل الآذريين Aseris بصفّة خاصة قد تسلموا في مجرى التاريخ القيادةَ السياسية والعسكرية للبلاد؛ فإن من الغريب أن لا تتحول لغتهم الأمّ إلى لغة للتعليم إلى جانب اللغة القومية. فهل يرتبط هذا الموقف بالتعصّب القومي للفرس كما يدعي بعض الممثلين المتشددين لهذه الشعوب؟

الشواهد التاريخية لا تؤكّد صحة هذا الادعاء. إذ أنّ الاتراك الآذريين وكذلك القبائل التركية الأخرى حكموا هذه البلاد قروناً طويلة. وتبدو الحقبة البهلوية مقارنة بهذا التاريخ المديد مجرد نزوة تاريخية قصيرة. كما أن ليس جميع أفراد الأسرة البلهوية كانوا من الفرس. فالقائد الروحي للثورة الإسلامية هو آذاري، فكيف يضطهدهم التعصبُ الفارسي المزعوم إلى هذا الحدّ؟ فكان ديوان محمّد غزنوي، أوّل سلطان تركي في إيران، يعجّ بالشعراء الذين كانوا يكتبون بالفارسية. وهل هناك من أجبر نظامي وخاقاني وصائب تبريزي على الكتابة باللغة الفارسية بدلاً من لغتهم الأمّ؟ وهل أجبر مولانا رومي، الذي نشأ وترعرع في بيئة تركية اللغة وفي ظلّ المملكة السلجوقية وطاف إيران ليستقر في قونية، على الكتابة بالفارسية؟ ولماذا كتب شهريار معظم قصائده باللغة الفارسية على الرغم من أنه نظم رائعته الفنيّة "حيدر بابا" بالتركية الآذرية والتي احتفى بها الآذريون داخل الحدود الجغرافية لإيران وخارجها؟ يبدو أن هذه الظاهرة مرتبطة، فيما يتعلق بالآذريين على الأقل، بإهمال اللغة الأمّ، أكثر من ارتباطها باضطهاد الفرس. إذ أنهم عندما تمكنوا من ناصيتها خلال عهدهم، الذي دام ثمانية قرون في إيران المسلمة، اعتنوا باللغة الفارسية مثل اعتناء سلاطين المغول بالهند.


الوجه الآخر للمدالية

لقد حذا حماة اللغة في أفغانستان حذو أقرانهم الإيرانيين، إذ وبّخ وزير الثقافة والإعلام الأفغاني أحد مراسلي التلفزيون الأفغاني عام 2008 لأنه استخدم مصطلحات فارسية للكليّة والجامعة، بدلاً من استخدام الكلمات المستعارة من اللغة البشتونية. فوصفها بالعبارات الدخيلة واعتبر تصرف المراسل "مناقضاً للمبادئ الثقافية والإسلامية على السواء". وأثار نعته للمفردات الفارسية التي تتضمنها "لغة الداري" بالكلمات الدخيلة استياءَ الأفغان الناطقين بالفارسية والطاجيك والإيرانيين. هذه الألفاظ المستجدة تمّ اشتقاقها من العناصر الحيوية للغة الفارسية، ولم تكن الأشياء التي تعبر عنها موجودة في الماضي المشترك لهذه الشعوب بطبيعة الحال؛ وقد تمّ قبولها وفقاً لمتطلبات العصر بعيداً عن حدود الدولة الإيرانية. واحتل حماة اللغة الإيرانيون دورَ علماء اللغة فيما يتعلق بالمشكلة الأفغانية، فيما اتخذت الحكومة موقع من يفرض المعايير اللغوية. وستخفق الحكومة في هذا المسعى على المدى البعيد مثلما أخفق منافسوها الإيرانيون، ولن تستطيع الحيولة دون استخدام الكلمات التي اشتقت في إيران، لأن النظير الأفغاني للغة الفارسية لا يكفي لمواجهة التحديات اللغوية التي يمليها العصر الحديث.

منوچهر أميرپور:
مشرف على الطبعة الفارسية من مجلة "فكر وفن".

ترجمة: حسين الموزاني
معهد غوته ومجلة فكر وفن
يونيو 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي