وطن واحد، أمة واحدة، لغة واحدة
اللغة الأندونيسية قاسما مشتركا أصغر في أكبر دولة جزر في العالم

الكتاب السحري، بوستاها، شمال سومطرة، أندونيسيا. القرن التاسع عشر. فيينا، متحف تاريخ الشعوب لا تكاد تسود بلبلة لغوية معقدة كهذه في أي بلد في العالم كما هي الحال في أندونيسيا؛ إذ تتحدث زهاء خمسمئة قومية ما يقارب ذلك من اللغات واللهجات المختلفة الكثيرة. لهذا كانت أعظم مهمة عند تأسيس الدولة الأندونيسية بعد الحرب العالمية الثانية هو إنشاء لغة وطنية واحدة. ورغم أن اللغة الأندونيسية "باهاسا أندونيسيا" يتعلمها، لحد اليوم، الكثير من سكان أندونيسيا وكأنها لغة أجنبية، إلا أن ذلك يعد حدثا ناجحا.

يقول باول كاداريسمان:" لولا اللغة الأندونيسية لأصبحت في ضائقة رغم أني أعيش في وسط بلدي. فأنا لا أفهم، أحيانا، لغة الناس في المدينة التي تلي مدينتي حين يتخاطبون بلهجتهم المحلية". ينتمي هذا المصور ذا الأربع وثلاثين ربيعا إلى أسرة متعددة الأعراق؛ إذ ينحدر والده من مدينة السلطان سوراكارتا الواقعة في وسط جاوا، وأمه من مانادو، عاصمة مقاطعة سولاوسي الشمالية، في حين تعيش خطيبته في بالي. ويضيف كاداريسمان قائلا:"إني أستطيع بالكاد أن أتفاهم لحد ما بلهجة جاوا. أما لهجة مانادو فإني لا أجيد إلا القليل جدا منها، ناهيك عن لهجة بالي، التي أجهلها تماما. لغتي الأصلية هي بكل وضوح الأندونيسية." ترعرع كاداريسمان في العاصمة الأندونيسية جاكارتا ويتحدث لغة الشارع الباتافي: نسبة إلى السكان الأصليين من باتافيا، كما يدعى العظام إبان الحكم الكولونيالي الهولندي. لا ريب أن الباتافي ليست بالفصيلة الهامشية، إنما هي مزيج من مهاجرين مختلفي المنشأ: عمال سخرة، تجار ومغامرون من كل الأنماط، التي وفدت من كل حدب وصوب عبر القرون من جزر يتجاوز عددها سبعة عشرة ألف جزيرة من جزر هذا الأرخبيل، يضاف إلى ذلك التجار الصينيون والماليزييون والبحارة. لهذا فإن لغة جاكارتا الدارجة هي مزيج لكثير من اللغات التي تتماهى مع انتماءات سكانها الإثنية؛ وهي بذلك تقدم لنا، على أفضل وجه، نموذج أندونيسيا الحديثة.

لا تكاد تسود بلبلة لغوية معقدة كهذه في أي بلد في العالم كما في أندونيسيا: ما يناهز خمسمئة مجموعة عرقية مختلفة تتحدث، على وجه التقريب، بالعدد نفسه من اللغات واللهجات المختلفة. في وقت سابق لعصر الاستعمار كانت هناك حاجة ضرورية لإيجاد لغة تواصل، لغة مشتركة للتجارة والاتصالات، كي تتمكن القبائل القاطنة في منطقة أندونيسيا وماليزيا الحالية من التفاهم مع بعضها البعض. فمنذ القرن الأول الميلادي كان سكان عالم الجزر المتنوع يتواصلون مع بعضهم البعض باللغة الماليزية؛ لغة سكان مضيق مالاكا، الذي كان يعد آنذاك أحد طرق التجارة البحرية الأكثر أهمية. كما كانت الماليزية لغة البلاط لمملكة سريفيجايا القوية في جزيرة سومطرة (القرن التاسع – القرن الثالث عشر) وكذلك كانت لغة سلطنة مالاكا الثرية (القرن الرابع عشر والخامس عشر) في ماليزيا الحالية. وبفضل لغة الاتصالات هذه استطاعت الأديان العالمية أن تنتشر بشكل فعال أيضا في هذا الجزء من العالم: في البداية كانت الهندوسية والبوذية، ثم جاء الإسلام وفي الختام المسيحية.

حتى بعد أن أخذ الهولنديون منذ القرن السابع عشر يستعمرون الأرخبيل شيئا فشيئا، بقيت الماليزية لغة التخاطب بشكل عام. على عكس القوى الاستعمارية الأخرى لم ترغم سرايا تجارة شرق الهند المتحدة أهل البلاد الأصليين على تكلم لغتها. باستثناء عدد قليل من الموظفين ذوي المناصب العليا والمثقفين الذين تعلموا اللغة الهولندية. "جاء الأوروبيون إلى هنا، لممارسة التجارة؛ وهكذا كانوا بحاجة كذلك إلى لغة للتجار"، هذا ما صرح به رون هاتلي العالم الأمريكي المتخصص بشؤون جنوب شرق آسيا. "لم يكن ممكنا تحقيق تقدم باللغة الهولندية لدى شعوب الجزر، ولم يكن مناسبا إجراء حديث في السوق بلغة إقطاعية كما في لغة جاوا. على عكس ذلك فإن اللغة الماليزية لغة متوازنة جدا."

أما المالاوية، التي انبثقت عنها فيما بعد الأندونيسية والماليزية، تنتمي إلى عائلة اللغة الاوسترونية، التي من ضمن ما ينتمي إليها لغة مدغشقر (مالاغاسية)، الفلبين (تاجالوج) وكذلك الماوري في نيوزيلندا. زهاء مائتان مليون إنسان في العالم يتكلمون اليوم اللغة الأندونيسية أو الماليزية – ومن ضمنهم بروناي وسنغافورة، في جنوب تايلاند والفلبين، في تيمور الشرقية وفي كل من جزر أعياد الميلاد وجوز الهند الاسترالية.

بذلك تكون المالاوية احد ى سابع أكثر لغة يتم التحدث بها على صعيد العالم. بعض المصطلحات أخذت طريقها إلى متن اللغات العالم، على سبيل المثال Gong جرس، Orangutan قردة اورانغوتان، Sarong تنورة من القماش يرتديها بالدرجة الأولى الرجال في جنوب آسيا وجنوب المحيط الهادي، Sago نوع من التوابل تستحضر من نخلة الساجو، Amok (يهاجم ويقتل في فورة غضب). المالاوية ليست بلغة صوتية معقدة كاللغة الصينية أو التايلندية على سبيل المثال. فقواعد اللغة المالاوية لا يتضمن تصريف الأفعال ولا الإعراب، كما لا يميز بين الأجناس ولا صيغ الاحترام المختلفة، التي – هي على سبيل المثال في لغة جاوا – تحدد بدقة المركز الاجتماعي للمتحدث والمتلقي. "المالوية لغة مباشرة جدا، يقف فيها المتحدثون على نفس مستوى النظر"، هذا ما أوضحه كيزفوندو الباحث الاجتماعي والادبي في جامعة سانتا دارما في يوغياكارتا في وسط جزيرة جاوا. " كان هذا بالتأكيد احد العوامل، الذي جعل حركة الاستقلال تختار المالوية كلغة وطنية. بيد أن الأهم من ذلك على كل حال هو حقيقة، أنه لم يتم تفضيل أي لغة ذات سمات محلية وان كل الأقوام متكافئون على الأقل على الصعيد اللغوي."


وطن واحد، أمة واحدة ولغة واحدة

كانت العناصر الملزمة للغة مشتركة وستبقى عاملا حاسما لتحقيق وحدة الدولة المتعددة الشعوب، هذا ما سبق أن أدركه مؤسسو حركة الاستقلال الأندونيسية في بداية القرن الماضي: في الثامن والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) اجتمع أكثر من سبعين شاب وطني من عموم الأرخبيل في نادي اندونيسي تابع لهولندا آنذاك، ليضعوا الحجر الأساس لأندونيسيا مستقلة. - وطن واحد، امة واحدة ولغة واحدة – هذا كان موجز ما يسمى بقسم الشباب، الذي ما زال حتى اليوم لزاما على كل طفل اندونيسي أن يتعلمه في المدرسة منذ الفصل الأول. ولأول مرة تم حينذاك بصورة رسمية استبدال مدلول اللغة المالاوية باللغة الأندونيسية. فاسم "أندونيسيا" الذي ابتدعه عالم الشعوب البدائية البريطاني جورج ارال والمكون من الكلمة اللاتينية "اندوس" أي (الهند) واليونانية "نيسوس" أي (الجزر) - جرى استخدامه قبل سنتين من ذلك التاريخ في احدي مؤتمرات السلام العالمية في باريس لتطلق هذه التسمية الجيوسياسية لأول مرة بصفة رسمية على أراضي الدولة القائمة اليوم. فمنذ إعلان الاستقلال في السابع عشر من آب (أغسطس) 1945 ينعت هذا البلد بالجمهورية الأندونيسية وبلغة وطنية هي الأندونيسية.

وقد أثنى السياسيون والعلماء في كافة أنحاء العالم منذ ذلك الوقت على هذا الاختيار باعتباره اختيارا ذكيا ومرجحا: لم تستطع أي مستعمرة سابقة غيرها أن تنجح، لتحويل الإدارة ونظام التعليم وكذلك الوعي الوطني بشكل فعال جدا إلى لغة ليست لغة المستعمر. علق كيسفوندو قائلا: "حين نمعن النظر في أن نصف كل الاندونيسيين هم من جاوا وكذلك أن غالبية مناضلي التحرير هم من جاوا، انه بالفعل جدير بالذكر، كيف تم بالطبع القبول بالمالاوية – رغم كل المزايا المذكورة – كلغة وطنية." لكن عالم الأدب أشار كذلك إلى انه منذ عهد سوهارتو قد حدثت تأثيرات قوية للغة جاوا على اللغة الأندونيسية: إن نظام حكم الرئيس السابق ذا النظام التراتبي الصارم لم يعد إلى الوراء بقوة فيما يخص صيغ المخاطبة المحددة للموقع الاجتماعي وفقا للغة جاوا فحسب، إنما ادخل كذلك مصطلحات للتمييز بين الجنسين.

باعتبارها لغة اتصال متجاوزة للحدود كانت المالاوية منذ أمد بعيد عرضة لتأثيرات عديدة. تفيد التقاليد العريقة أن السنسكريتية قد تركت تأثيرات قوية على اللغة القديمة – كلمات مثل Guru معلم أو Sastra أدب - تشهد على تلك التأثيرات حتى اليوم. منذ القرن الثالث عشر يتضح تأثير اللغة العربية بشكل أساسي (على سبيل المثال hakim = قاضي أو nikah = زواج). بينما تم تدوين الشواهد التحريرية الأولى للمالاوية القديمة في القرن السابع في رموز سنسكريتية، يكاد يقتصر استخدامها على الحرف العربي منذ القرن الرابع عشر. ومع مجيء القوى المستعمرة في القرون اللاحقة أضحت التأثيرات الأوروبية أكثر اقتحاما واستمرارية. في البداية جاء الاجتياح البرتغالي لأندونيسيا الحالية من شرقها وكان كذلك على النطاق اللغوي أيضا، حيث تركوا مصطلحات مثل gereja (كنيسة) أو mentega (زبد). ثم فيما بعد اخذ الإنجليز والهولنديون يتنافسون من اجل السيطرة على عالم الجزر، الذي كان بالدرجة الأولى بسبب نمو التوابل هناك التي كانت مرغوبة جدا.

بدأت في ذلك الوقت اللغة المالاوية تتطور في اتجاهين مختلفين. في ماليزيا الحالية ادخل البريطانيون الإنكليزية كلغة للمستعمرين. فلغة ميلايو التي ينظر إليها على أنها غير مواكبه للعصر، جرى إفقارها بشكل منتظم. فقط فيما بعد استقلال ماليزيا 1957 تم اعتبارها إلى جانب الإنكليزية لغة وطنية - وجرى إثرائها بالآلاف من التجديدات اللغوية. منذ 1969 أخذت تدعى باهازا مالايزيا (لغة ماليزيا). على عكس ذلك بقيت المالاوية في منطقة أندونيسيا الحالية لغة اتصال مهمة للغاية وباستمرار، لكنها امتزجت بشكل متزايد بمصطلحات هولندية (على سبيل المثال kantor مكتب أو handuk منشفة) وبمفردات من لغات محلية. كانت بالدرجة الأولى أشياء ادخلها السادة المستعمرون لأول مرة – مثال ذلك السيارات، القطارات والآلات الكهربائية – إذ حصلت على مصطلحات مستعارة من اللغة الهولندية (في ماليزيا من الإنكليزية). هكذا يسمى على سبيل المثال "العادم" في الأندونيسية knalpot ، وفي الماليزية paip ekzos . بمرور الزمن أصبحت الماليزية والأندونيسية تبتعدان عن بعضهما البعض لدرجة كبيرة، بحيث غدتا في هذه الأثناء لغتين مستقلتين. لكن الفوارق تتمثل بالدرجة الأولى في اللغة العامية: حين يبذل كلا الطرفين جهودا للوصول إلى مستوى لغوي عالٍ، فانه يكون بوسعهم التفاهم بصورة جيدة وباستمرار.


استبدال الحرف العربي بحرف لاتيني

على عكس ماليزيا، حيث كانت الماليزية حتى الحرب العالمية الثانية تكتب بحروف عربية، ادخل الهولنديون عام 1901 الحرف اللاتيني في مناطق حكمهم. لهذه الغاية طور المستشرق جارلس ادريان فان اوفويسن نظام لضبط الكتابة للغة فصحى، إذ استعار أحرف قديمة من مقاطعة رياو – مما يسمى قلب اللغة المالاوية. بعد سبع سنوات من ذلك انشأ الهولنديون دار نشر أسموها (لجنة المطالعة الشعبية)، التي تم تغيير اسمها عام 1917 في بالاي إلى (دار الأدب). "أراد المستعمرون أن يضمنوا انتشار الكتاب وفقا لذوقهم وبذلك يستطيعون نشر رسائلهم السياسية بتكتم."، هذا ما أوضحته العالمة الألمانية كاترين باندل المختصة بالشؤون الأندونيسية. "السخرية تكمن في أن الروايات الاستعمارية التي نتجت آنذاك تعتبر حتى اليوم البواكير الأولى للأدب الاندونيسي المعاصر." من لم يلتزم بلغة استعمارية نمطية، يتم استبعاده بشكل أوتوماتيكي من نظام النشر الحكومي – هذا يسري بالدرجة الأولى على الكتاب المسلمين والصينيين. فالكاتب (كفه تيك هاوي) المنحدر من أصول صينية يرى على سبيل المثال، انه ينبغي كتابة اللغة المحكية ولهذا يلتزم عند الكتابة بلغة عامية من محيطه. لهذا تعد مؤلفاته مثل كل الأعمال الصينية – المالاوية، غير ملبية لما تقتضيه اللغة النمطية، فتزاح إلى الحافة باعتبارها أدب أقليات.

فرضت اللغة الفصحى الجديدة نفسها منذ البداية وبشكل خاص بصفتها لغة الكتابة والإدارة. مع تغييرات طفيفة في عام 1947، غدا نظام ضبط الكتابة الذي جرى إصلاحه عام 1972 ساري المفعول حتى اليوم، حيث تم فيه التوفيق بين لغة ماليزيا وأندونيسيا في الطريقة السائدة في الكتابة. اليوم أصبحت الأندونيسية لغة وسائل الإعلام والمسرح المعاصر والسينما وكذلك المحاضرات الشعرية. لغة أندونيسيا هي اليوم في كافة أنحاء البلاد لغة الإدارة الوحيدة المعترف بها رسميا، وفي المدارس يتم التدريس باللغة الأندونيسية وحدها. مع ذلك تعد بالنسبة لأغلب الاندونيسيين اللغة الثانية أو الثالثة: ثمانون في المائة من السكان يتعلمون في البداية لغتهم الأم المحلية. الأطفال الذين ينتمون لأسر إثنية – مختلطة غالبا ما يتكلمون لغتين، قبل أن يكون عليهم التحول إلى الأندونيسية في المدرسة. "والديّ جاءوا من وسط جاوا، وهكذا كنا في البيت نتحدث باستمرار بلغة جاوا. لكني ترعرعت في غرب جاوا، حيث يتحدث السكان هناك لغة سوندا. الأندونيسية تعلمتها بصورة جيدة فيما بعد في المدرسة باعتبارها اللغة الثالثة."، هذا ما روته الصحفية فيترياني دفي كورنياسي. لتضيف قائلة:"اليوم ،على كل حال، أتكلم الأندونيسية على أحسن وجه، لأني أستطيع الكتابة في هذه اللغة وحدها." القليلون جدا من سكان جاوا متمكنون من الكتابة في لغتهم الأم، بالدرجة الأولى حين يتعلق الأمر بالحرف السنسكريتي كما في لغات مثل لغة جاوا وبالي. فهذه الحروف القديمة لا تستخدم بالأساس علنا إلا في أماكن محدودة فقط – مثال ذلك على إشارات الشوارع في مدن السلطان القديمة سوراكارتا ويوغياكارتا. في العادة يتم تدريس اللغات المحلية بما في ذلك كتابتها في الفصلين الأولين فقط من المدرسة الابتدائية باعتبارها مادة مستقلة وذلك لمرة واحدة لا غير في الأسبوع.

تقول ديفا بوتا فيانا رئيس دائرة العلوم اللغوية في جامعة غادياه مادا الشهيرة في يوغياكارتا:"اللغات المحلية تختفي بشكل مستمر من الاستعمال اليومي، الكثيرون لا يتمكنون اليوم إلا من طريقة التعبير الشفهية البسيطة فقط. ربما ينبغي على الحكومة أن تعيد وضع اللغات المحلية في خطط التعليم. وإلا لا تعود هذه اللغات تلعب دورا إلا في الفنون التقليدية كمسرح عرائس خيال الظل أو في المناطق الريفية والنائية." أما الأطفال في المدن الكبيرة فأنهم ينشئون يتكلمون الأندونيسية بصورة متزايدة كلغة أولى. وكثيرا ما يطور الشباب هنا لغة شارع للتخاطب، تختلط فيها الأندونيسية مع تأثيرات من تلك اللغة السائدة محليا إضافة إلى لغة عالمية – بالدرجة الأولى الإنكليزية - . "لا تكاد لغة أخرى تمتص في داخلها مثل هذه المفاهيم الأجنبية الكثيرة كالأندونيسية. ربما يكمن ذلك في أن كانت بالأصل لغة تجارة، وجب عليها باستمرار أن تتكيف مع أوضاع جديدة"، كان هذا تفسير بوتو فيانا بروفيسور علم اللغات. "لكن هذا من ناحية مبدئية ليس بالأمر السيئ، إنما تطور مألوف، يحدث في كل مكان من العالم."


أخذ القليل من كل شيء

هذا يعني بالنسبة إلى الأندونيسية اليومية في جاكرتا:أخذ القليل من كل شيء. تمزج لغة الشارع في العاصمة التي هي اقرب إلى الخشونة، مصطلحات من لغات محلية شتى مع كلمات مستعارة من الإنكليزية والفرنسية ومن العربية والصينية. فهذه اللغة الدارجة لا تعرف إلا القليل من ضوابط القواعد وتبتلع أو تحول السوابق (المقاطع الأمامية) أو اللواحق المهمة إلى الأندونيسية بطريقة يصعب على غير المطلعين التعرف عليها. وبسبب التواجد العظيم لوسائل الإعلام في جاكرتا تنتشر لغة العاصمة العامية هذه، في هذه الأثناء، عن طريق موسيقى البوب، والمسلسلات الشعبية المثيرة للعواطف وأفلام السينما في كافة أنحاء البلاد. على عكس ذلك تنأى طبقة المجتمع العليا عن ذلك، في أنها تقوم بمزج ثمة تعابير من الإنكليزية على الأقل في كل جملة تتفوه بها.

بالطبع نشأت نتيجة لهذه الفوضى اللغوية أزمة هوية لدى الكثير من الشباب. "في السابق كنا في البيت نتحدث الأندونيسية باستمرار، رغم إننا ننتمي إلى عائلة باتاك. فلغة الباتاك تعد لغة مبتذلة، بينما تعتبر الأندونيسية لغة وطنية – ووالدي كان عسكريا. نتيجة لذلك لا أستطيع إلا القليل من لغة الباتاك. حين نسافر إلى بيت عائلتنا في القرية، كان ينظر إليّ باستمرار على أني متغطرس، لأني أستطيع التعبير في الأندونيسية بصورة أفضل بكثير من تلك اللغة التي يظن أنها لغتي الأم.", هذا ما رواه الكاتب زاوت زيتومورانغ، الذي ترعرع في ميدان، عاصمة مقاطعة شمال سومطرة.

بيد انه رغم ذلك فأن سكان بعض المقاطعات يحددون هويتهم بانتمائهم الإثني بالدرجة الأولى ومن ثم بالدرجة الثانية بانتمائهم إلى أندونيسيا، بيد انه لم تعد اليوم أي مجموعة عرقية في غنى عن اللغة الأندونيسية. أوضح الباحث الاجتماعي كيزفوندو قائلا: "في الجزر الصغيرة من شرق البلاد يتحدث الكل اللغة الأندونيسية من الطفل الصغير إلى الجدة. من دون اللغة المشتركة يكاد ينتفي تفاهم أي إنسان حتى لو كانوا الجيران وراء السلسلة الجبلية القريبة." إن تجربة تيمور الشرقية قد أظهرت، كم من الصعب التخلص من لغة الاتصال: بعد أن حصل نصف الجزيرة على الاستقلال عام 1999 وفقا لاستفتاء مدعوم من الأمم المتحدة، أعلنت الحكومة الجديدة كل من اللغة البرتغالية ولغة تيتوم المحلية لغات وطنية، وعدت لغة المحتل المكروه ليس بأكثر من "لغة عمل" فقط. طبيعي أن أربع وعشرين سنة من السيادة الأندونيسية أدت إلى أن الأجيال الشابة تتقن بالدرجة الأولى الأندونيسية كلغة للكتابة وتكاد لم تعد تتحدث أي كلمة من البرتغالية لغة المستعمر السابق. زد على ذلك أن جمهورية الجزيرة الصغيرة مرتبطة اقتصاديا بجارتيها الكبيرتين استراليا وأندونيسيا وليس بوسعها تحاشي الاتصالات الرسمية باللغتين الأندونيسية والإنكليزية. في هذه الأثناء يجري التفكير في إعادة إدخال الأندونيسية بصورة رسمية أيضا.

رون هتلاي خبير جنوب شرق آسيا توصل إلى تجارب مماثلة في أبحاثه في الأجزاء الأخرى من أندونيسيا، التي تطمح للاستقلال: "حين سألت طلابا من بابو، أي لغة يرونها لغتهم الوطنية، أجابوا:اللغة التي كبروا معها ويستطيعون أن يتفاهموا بها في كل أنحاء بابو – أي الأندونيسية. هم يستطيعون أن ينعتوها بلغة بابو." كلما كان من الصعوبة بمكان، توحيد هذه الشعوب الأندونيسية الكثيرة المختلفة هي وثقافاتها، بدا جليا تماما أن لديهم على الأقل علامة مميزة مشتركة. " من دون صيغة مشتركة للاتصالات يكون من غير الممكن، الحفاظ على هذا البلد كأمة. في هذا الأثناء أكاد أستطيع التفاهم في كل الجزر حتى وان كانت صغيرة جدا. بهذا المعنى ينبغي اعتبار الأندونيسية لغة ناجحة للغاية."، هذا ما عناه المصور باول كاداريسمان.

كريستينا شوت
صحافية ألمانية مقيمة في أندونيسيا

ترجمة: علي أحمد محمود
معهد غوته ومجلة فكر وفن
يونيو 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي