معرض الأباطرة
المتحف البريطاني يحتفي بالشاه عباس

قارئ شاب. لوحة بتوقيع رضائي عباسي. أصفهان 1625. من معرض: الشاه عباس. استعادة إيران. المتحف البريطاني بعدما سلط الأضواء على عاهلين، أحدهم صيني والآخر روماني، يسلط "معرض الأباطرة" المقام، الآن، في لندن الأضواء على شخصية عباس الأول. ومن خلال عنوانه الفرعي، "إحياء إيران من جديد"، يشير العنوان الفرعي للمعرض، بنحو لا التباس فيه، إلى أن تسليط الضوء على عهد عباس الأول - الشاه الذي حكم إيران من عام 1587 وحتى عام 1626 - يُراد منه لفت نظر زوار المعرض إلى أن الإحاطة بأحداث هذه الحقبة من تاريخ إيران خطوة مهمة لتفهم ما يجري في إيران الحديثة من أحداث.


عباس الأول هو سليل الأسرة الفارسية الصفوية. وكان قد تسلم مقاليد الحكم بعدما خلف أباه في سياق انقلاب جرى في رحاب القصر الملكي. وكانت في انتظار الشاه الجديد، الذي كان، وقتذاك، لايزال في السادسة عشرة من عمره، أحداث جسام: فإمبراطوريته يهددها العثمانيون من الغرب ويتربص بها شراً الأوزبيك من الشرق – هذا في حين كانت قوى أوربية كالبرتغال تطمع في السيطرة على شواطئ الخليج. إلا أن عباس الأول، الذي بات يُلقب بالكبير، خاض، بنجاح، غمار معارك طاحنة أعادت إلى الإمبراطورية سيادتها على ترابها الوطني في نهاية المطاف. من هنا، لا غرو أن يقدم لنا الآن المتحف البريطاني هذا الشاه على أنه شخصية تاريخية تمثل تطلعات إيران الحديثة على خير وجه. ومهما كانت الحال، فمن خلال الطرقات التي شقها والجسور التي شيدها والخانات التي بناها، كان عباس الأول قد خلق الشروط الضرورية لإنشاء إدارة مركزية صارمة في عملها. وبعدما نقل العاصمة من قزوين إلى أصفهان، سهر عباس الأول على بث روح الانتماء إلى الأمة الإيرانية بين أبناء الشعب، وذلك من خلال اهتمامه بإنشاء المباني العظيمة وتشجيع الفنانين. ولعل التشجيع الذي حظي به الخطاط علي رضا العباسي خير شاهد على اهتمام عباس الأول بالفن والفنانين. ولا يفوتنا هنا طبعاً التأكيد على أن عباس الأول كان قد جعل من الإسلام الشيعي (الاثني عشري) الجوهر الأساسي الذي تتمحور حوله الهوية الوطنية. فهذا المذهب كان الصفويون قد جعلوا منه "دين الدولة" منذ عام 1501.


نصف الدنيا

إن قصة الجهود التي بذلها هذا الشاه من أجل الارتقاء بوطنه وضمان تقدمه، يرويها لنا المتحف البريطاني من خلال ما يعرض من منتجات نسيجية ومعدنية وفخارية ومخطوطات مزينة بالألوان والأشكال الهندسية. وجزء من هذه المعروضات مستعار من جهات أخرى، وجزء هو من ممتلكات المتحف البريطاني – علماً بأن جزءاً معتبراً من هذه المعروضات كان من ضمن التحف التي أهداها الشاه عباس إلى الأماكن الدينية. وبالمقارنة، فإذا فكر المرء بتماثيل القياصرة التي شاهدها في المعرض الذي أُقيم، منذ عهد قريب، للإمبراطور الروماني هادريان، فإنه سيلاحظ أن "معرض الأباطرة" يخلو من تمثال واحد: تمثال للشاه عباس الكبير. وتفسير هذه الحقيقة يكمن، طبعاً، في أن ديانة الشاه عباس لا تجيز تصوير بني البشر وتداول صورهم. فكما هو معروف، فإن الإسلام يحرم حتى على الأباطرة أن يطبعوا صورهم على النقود التي يأمرون بسكها. وهكذا، لا نحصل على تصور عن هيئة الشاه عباس إلا من خلال بضعة صور قليلة، متواضعة الحجم، كانت في ملكية بعض الخواص. بهذا المعنى، فإن الشاه عباس خلد ذكراه من خلال الإنجازات التي خلفها وراءه. ومن نافلة القول الإشارة هنا إلى أن هذه الإنجازات كانت عظيمة فعلاً – كما تشهد على ذلك أصفهان، على سبيل المثال لا الحصر. فمن خلال الأبنية التي أمر الشاه عباس بتشييدها، تحقق معنى المثال الفارسي الشهير القائل بأن أصفهان هي "نصف الدنيا": فللشعب ولبعض ضيوف الشاه الأجانب الذين أتيحت لهم فرصة النظر إلى أصفهان من على سطح قصر علي قابو، بدت أصفهان لناظريهم كأنها نصف الدنيا حقاً. وإذا كانت الأساليب الفنية قد خيم عليها شيء من الركود في الحقبة المبكرة من الحكم الصفوي، إلا أن أساليب تزويق وزخرفة النقوشات المرسومة على الجدران والبلاطات في عهد الشاه عباس تشهد على حيوية جديدة بلا أدنى ريب.

وأكثر من نصف التحف المدرجة في سجل معرض لندن تدور حول الأماكن المقدسة في أردبيل ومشهد وقم. ولو قدر للشاه عباس أن يرى محتويات هذا السجل، لكان قد وافق عليها بكل تأكيد. فلتبيان مدى ثرائه وللتدليل على تدينه، لم يكتفِ الشاه عباس بأن يقدم إلى أردبيل هدية تضم مجموعة تزيد على ألف قطعة مما في حوزته من منتجات الخزف الصيني: بل كان، بعد ثلاث سنوات من استرجاعه مدينة مشهد من قبضة الأوزبيك في عام 1598، قد حج إليها مشياً على الأقدام قاطعاً مسافة تبلع حوالي ألف كيلومتر. واشتملت المجموعة المعروضة في لندن على مخطوطات رائعة الجمال كان الشاه عباس قد أهداها إلى مدينة مشهد. وحينما جعل الشاه عباس من الرضا – الإمام المدفون في مشهد والذي يُعتبر شهيداً – ولياً للمدينة، فإنه كان على بينة من أنه سيكسب تأييد عامة رجال الدين الشيعة. وانطلاقاً من الضريح الكائن في قم، كان الصفويون وشاه عباس قد جعلوا من هذه المدينة منارة علمية عظيمة الأهمية. وهكذا، أمست هذه المدينة، الواقعة بين أصفهان وطهران، جسراً يربط بين العاصمة الصفوية القديمة، والمدن التي اتخذتها، فيما بعد، كل من السلالة القاجارية وأسرة بهلوي وجمهورية إيران الإسلامية، عاصمة تحكم منها البلاد.


مكانة مرموقة

وبرغم اعترافنا بأن عباس الأول كان حاكماً مستبداً يعاني من جنون الشك والارتياب بالآخرين – خوفاً من أن يحل به نفس المصير الذي حل بوالده – وأنه سَمَلَ عيون اثنين من أبنائه واغتال كبيرهم، فإنّ الأمر الواضح هو أن الإيرانيين واثقون وثوقاً تاماً بأن هذا الشاه هو الذي حقق لهم المكانة المرموقة التي تمتعوا بها سواء في الصراعات، أو في النشاطات التجارية، التي خاضوا غمارها تارة مع العثمانيين في الغرب، وتارة مع المغول والبريطانيين في الهند، وتارة أخرى مع الروس في الشمال. وكما هو الحال مع المعرض، الذي جرى تنظيمه قبل أربع سنوات بعنوان "الإمبراطورية المنسية"، فقد أعاد المتحف البريطاني الدفء إلى تراث إيران التاريخي والحضاري وأخرجه من الجمود السياسي الذي فُرض عليه منذ اندلاع الثورة بقيادة الخميني. ولأن المرء لمس، المرة تلو الأخرى، في زمننا الراهن، إخفاق كافة الصيغ الأخرى للتواصل، لذا لا مندوحة لنا هنا من أن نرحب بهذه المحاولة الرامية إلى فهم الأحداث الدائرة في إيران الحالية. وكيفما اتفق، لا شك في أن المعرض يسبب الحيرة لدى الجمهور المعتاد على رؤية التماثيل وليس الزخارف في المعارض. إلا أن هذه الحقيقة لا تمنع العين من أن تستغرق، مغتبطة، بمشاهدة هذه الزخارف – تماماً كما تبتهج وهي ترى المتاهات والأشكال الهندسية تزين البساط الإيراني بألوانها الرائعة.

جورج فاسر:
مراسل صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية في بريطانيا. والمقالة مأخوذة من عدد العاشر من آذار/مارس 2009.

ترجمة: عدنان عباس علي
معهد غوته ومجلة فكر وفن
يونيو 2009

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي