أطفال حسب الطلب؟

رينه شرودر

وسجاياه تتوقف على على عوامل تنشأ بعدما تستكمل الجينة نموها وعلى عوامل أخرى عديدة يتم اكتسابها من خلال البيئية المحيطة بالإنسان، ومن خلال الذكريات الشخصية والتجارب الفردية التي مر بها هذا الإنسان أو ذاك

هل تتحد طبائع الإنسان وسجاياه من خلال جينته، أي من خلال بصمته الوراثية؟

شرودر: لا، أبداً، إني أنفي هذا نفياً قاطعاً. فطبائع الإنسان وسجاياه تتوقف على عوامل أخرى كثيرة؛ على عوامل تنشأ بعدما تستكمل الجينة نموها وعلى عوامل أخرى عديدة يتم اكتسابها من خلال البيئية المحيطة بالإنسان، ومن خلال الذكريات الشخصية والتجارب الفردية التي مر بها هذا الإنسان أو ذاك. فالأمر الذي لا يجوز تجاهله هو أن واحداً بالمائة، فقط، من الشفرة الوراثية (الجينوم البشري) يتكون من جينات تقليدية، أي بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة. إلا أن النقاش بين ذوي الاختصاص لا يزال محتدماً حول المدى الذي تحدد فيه العوامل الوراثية سلوكيات الإنسان في تعامله مع البيئة المحيطة به. فالبحث العلمي بشأن هذه المسألة لا يزال في بداياته الأولى. ومهما كانت الحال، إني أرى أن من الأهمية بمكان أن يَطَلِع المواطنون على المعارف الجديدة بشأن علم الوراثة بأسرع وقتت ممكن، وأن تكون هذه المعارف جزءاً من معارفهم العامة. فالملاحظ، وللأسف، هو أن علم الوراثة عامة، والتكنولوجية الوراثية على وجه الخصوص، قد صارا ينشران فزعاً عظيماً بين الأوساط الشعبية في أوربا.

أتقصدين بأنه لم تعد توجد أية إمكانية لأن يناقش الرأي العام الموضوع مناقشة تتسم بالعقلانية والموضوعية؟

شرودر: يبدو ليَّ أنه ليست هناك رغبة للوصول إلى مثل هذا النقاش. فالرأي العام يحصل على معلوماته بشأن الموضوع، الذي نحن في صدد الحديث عنه، من خلال رسائل مقتضبة وبلاغات قصيرة تفتقر إلى الموضوعية.

كامبيتس: أوافقك الرأي، فانطلاقاً من التقدم العظيم الذي أحرزته التكنولوجيا الوراثية على أرض الواقع، هناك تضليل واسع وتنوير ضئيل للعقول في هذا المجال. بيد أن هذه الحقيقة لا تمنع من السؤال عن ماهية المنافع التي يتمنى المرء أن يحصل عليها من خلال البحوث الجارية على قدم وساق في مجال التكنولوجيا الوراثية.

شرودر: إن من حق الإنسان أن يسأل بالمقابل عما يتمنى المرء الحصول عليه من الفلسفة. ففي الفلسفة يناقش أصحاب الشأن منذ ثلاثة آلاف عام الموضوع نفسه، لكنهم، مع هذا، لم يتمكنوا من إعطاء جواب نهائي على الأسئلة القديمة.

كامبيتس: إني لا أنظر إلى الموضوع بهذا النحو المتطرف. أنتِ صائبة حقاً بقدر قولكِ بأن الأسئلة التي تطرحها الفلسفة لم تتغير على مر هذا الزمن الطويل. إلا أن الأمر الذي تتعين ملاحظته هو أن الإجابات على الأسئلة المطروحة قد تغيرت، مع مرور الزمن، تغيراً واضحاً. وكيفما اتفق، الأمر البين هو أن المرء يمني نفسه بأن تكون الفلسفة، في المقام الأول، عوناً يرشده إلى الاتجاه القويم الذي ينبغي به أن يسلكه. بيد أن السؤال عما إذا كانت الفلسفة قد استطاعت أن تقدم هذا العون فعلاً أو لم تستطع ذلك البتة، شأن آخر غير مطروح للمناقشة هاهنا.

شرودر: حسناً، ولكن متى تغدوا المسائل الفلسفية موضوع الساعة حقاً؟

كامبيتس: على أدنى تقدير، حينما تغدو هذه المسائل موضوعات تخص الوجود الإنساني، أي حينما يدور النقاش حول الاحتضار والموت على سبيل المثال. ولكن، لنعد ثانية إلى التكنولوجيا الوراثية. إني أرى أن تغيير الخصائص الوراثية أمر ينطوي على جوانب إيجابية فعلاً. ويمكن الاستشهاد هاهنا - على سبيل المثال لا الحصر - بتصميم نباتات قادرة على الصمود في وجه الحشرات الضارة.

شرودر: إن الصين ستتفوق علينا في هذا المجال تفوقاً عظيماً. فالصينيون يستثمرون الكثير من الأموال في تطوير نباتات جديدة سيكون بالإمكان استخدامها كمواد أولية في مجالات لا تعد ولا تحصى. وتوحي المحاولات الأولية لتطوير قطن وأرز بخصائص وراثية جديدة أن صحة الفلاحين قد تحسنت إثر تعاملهم مع هذه المواد المعدلة وراثياً وذلك لأن استخدام المبيدات الكيماوية قد انخفض انخفاضاً ملحوظاً. من هنا، فإنه لأمر يؤسف له فعلاً أن تُراوح في مكانها النقاشات الدائرة بهذا الشأن في أوربا. وبناءً على المواقف السلبية الكثيرة المحيطة بالتكنولوجيا الوراثية، لا غرو أن يُجبر أحدُ المعاهد المتخصصة بالتكنولوجيا الوراثية، في مدينة بازل (أي بال السويسرية)، على تصفية نشاطاته وغلق أبوابه.

ما هي الأمور التي بالمستطاع إنتاجها، فعلاً، بواسطة التكنولوجيا الوراثية؟

شرودر: أمور كثيرة لا حصر لها أبداً: مواد أولية جديدة، عقاقير طبية، مواد كيماوية، لقاحات جديدة ضد مختلف الأمراض، مواد غذائية جديدة، ربما تكون أفضل بكثير، من حيث الجودة، من المواد التقليدية التي نستهلكها حالياً. إني أتطلع بفارغ الصبر للتعرف على ما سيقوله المواطنون بشأن البطاطس الصناعية الجديدة، (أي المنتجة في المختبر بعد تغيير خصائصها الوراثية، المترجم).

كامبيتس: هل بإمكانكِ أن تذكرين لنا مواد غذائية أخرى؟

شرودر: القهوة الخالية من الكوفائين على سبيل المثال. ففي السابق كان المرء ينزع الكوفائين من القهوة من خلال استخدام كربون الكلوريد الرباعي (Tetrachlorkohlenstoff). وكانت هذه العملية تتسم بمخاطر لا يستهان بها وذلك لأن هذه المادة مسممة. أما الآن، فقد صار بالإمكان انتزاع الأنزيمة (أي الخميرة) المعنية بكل سهولة وذلك من خلال التكنولوجيا الوراثية.

أيعني هذا أن النبتةَ الجديدةَ ستنمو، أصلاً، من غير كوفائين؟

شرودر: نعم، هذا هو الأمر الذي سيحدث بالضبط، فشجيرة القهوة ستُصَمَم بنحو يضمن أن تكون ثمرتها خالية من الكوفائين.

كامبيتس: هل ثمة اختلاف نوعي بين ما هو نابع من التغيير الذي طرأ على الخصائص الوراثية بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وما هو من إنتاج "الطبيعة"؟

شرودر: الفرق بين الاثنين عظيم فعلاً. وللتعرف على مدى هذا الفرق، دعنا نسأل عن الطريقة التقليدية التي تُنْتَجُ بها نبتة جديدة. كما هو معروف، يأخذ الراغب بتطوير نبتة جديدة بذوراً ويغير خصائصها الوراثية من خلال معالجتها بالأشعة والمواد الكيمائية أو ما سوى هذا وذاك من مواد تتسبب، في تغيير الخصائص الوراثية للبذور بنحو مباشر. ولعل من نافلة القول التأكيد هنا على أن تغيراً غير مقصود سيطرأ على الكثير من الجينات (أي الموروثات، المترجم) أثناء استخدام هذه الأساليب التقليدية في المختبر. من ثم، يقوم المرء بنقل النباتات الطرية من المختبر إلى حقل معين وذلك لكي يزرعها هناك. عقب ذلك ينتقي المرء من الحقل النبتات التي تحمل الخصائص المطلوبة ويقوم، من ثم، بتهجينها، أي يقوم بتلقيحها بنبتة أخرى. إن هذه الطريقة التقليدية، "الطبيعية"، لا تترك للمرء أية قابلية على التحكم بمجرياتها. ومعنى هذا القصور هو أن المرء يُغَيّر، في سياق هذه العملية، خصائص آلاف الجينات عن غير قصد منه. أما في التكنولوجيا الوراثية فإن الأمر يختلف كلية. فأهل الشأن يتحكمون بمجريات هذه العملية ليس كلية، ولكن إلى حد بعيد. فليس بالإمكان التحكم بتحديد المكان الذي يتعين على الجينة أن تندمج فيه بالكروموسومات (التي هي عبارة عن جُسَيْم خيطي كروماتيني يظهر في نواة الخلية عند الانقسام، المترجم). ولهذا السبب، لا مندوحة للمرء من أن يقوم بمحاولات كثيرة إلى أن تتحقق فعلاً الخاصية المتوخاة.

كامبيتس: أيمكن تطبيق هذه الأساليب في التكنولوجيا الوراثية الخاصة بالطب البيطري أو بالطب البشري أيضاً؟

شرودر: اختبار هذه الأساليب وتجريبها في المجالات التي سألت عنها أمر غير مسموح به. فالقيم الأخلاقية تضع حدوداً لمثل هذه التجارب.

كامبيتس: هذا الجواب يذكرني بموضوع حيادية القيم. ما هي وجهة نظرك بشأن ما يُزعم كثيراً بأن العلوم الطبيعية لا تتحيز لقيم معينة، أي حيادية لا تعطي أحكاماً قيمية؟ (ينوه كامبيتس هاهنا بالزعم القائل بأن العلوم تكشف عن الحقائق فقط سواء كانت هذه الحقائق خيراً أو شراً، وأنها لا علاقة لها بما يفعله الآخرون بالنتائج التي تتوصل إليها العلوم عامة وعلوم الطبيعة على وجه الخصوص، المترجم)

شرودر: لا وجود لهذه الحيادية في الواقع العملي.

كامبيتس: إني أيضاً أتبنى هذا الرأي كلية. ولعل البلطة خير مثال على ما نحن بصدى الحديث عنه. فأنا أستطيع بهذه الآلة أن أُقَطِعَ الخشب وأن أقتل أحد بني البشر. وهكذا نلاحظ أن في كل الحالات التي يناقش بها الرأي العام موضوع التقدم العلمي عامة، والبحث في الخلية الجذعية

 

كامبيتس

على وجه الخصوص، غالباً ما يُزعم بأن هذه الأمور تُعَرِضُ حياديةَ العلوم الطبيعية للخطر. فحسب ما أرى، لا مجال، من حيث المبدأ، للحديث عن هذه الحيادية أبداً.

شرودر: ولعل التشخيص قَبل الولادة خير مثال على ما نحن في صدى الحديث عنه. فالقيام بهذا التشخيص ليس عملاً حيادياً أبداً. فالمرء يقوم به من أجل هدف معين بكل تأكيد.

كامبيتس: ما هو الموقف الذي تتخذينه في سياق النقاش الدائر حول التشخيص قَبْل الوِلادي؟

شرودر: بقدر ما يتعلق الأمر بهذا الشأن لا يجوز للمرء أن يتخذ موقفاً شمولياً، بل عليه أن يُقَيّم الأمر بحسب الحالة المعنية. إن الواجب يحتم علينا أن نمعن النظر ونميز بين خصوصيات الحالات المختلفة. وعموماً، فإني أعير موضوع البحث في الخلايا الجذعية أهمية كبيرة. فمن ناحية، يتعلق الأمر هاهنا بالخلية التي تتبرع بها الأنثى من بويضتها. فإذا كانت النساء تتبرع بهذه الخلية لأسباب تتعلق بكسب المال، فإن هذا الفعل لا يختلف كثيراً عن المتاجرة بالجسد. إني أرفض هذا الصنيع رفضاً قاطعاً، وذلك لأننا هاهنا إزاء عملية جراحية فعلاً. من ناحية أخرى، إني لا أستطيع تصور السبب الذي يجعل قتل الأَجِنَّة الزائدة عن الحاجة أمراً أكثر أخلاقية من توظيف هذه الأَجِنَّة لخدمة البحث العلمي.

إن الكنيسة الكاثوليكية تقترح الحل التالي: يجوز للمرء أن يأخذ خلية واحدة لا غير من البويضة، وأن يُلقح واحدة فقط وأن يزرع واحدة ليس إلا. إن من نافلة القول التأكيد هنا على أن نجاح هذه العملية لا يزيد على واحد بالمائة بحسب كل الاحتمالات. إن الكنيسة تتجاهل المعانات التي تحتملها الأم. إن الكثير من القيم الأخلاقية تتحيز ضد النساء. من هنا، فإني أرى، عموماً، أن الرأي العام يتجاهل، في مناقشاته، طبيعة الموضوع الذي نحن في صدى الحديث عنه هنا. فالإشكالية الأخلاقية الأساسية تتعلق بالتطبيق الانتقائي للقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع وليس بمناقشة البحث في الخلايا الجذعية أو ما شابه ذلك من موضوعات. فالمهم، في هذا السياق، هو أن تحظى الموضوعات الأنثوية بنفس الأهمية التي تحظى بها المسائل الرجالية.

كامبيتس: إني أعتقد أن مجتمعنا يسير على هذا الدرب. بيد أننا، وللأسف، حيال عمليات بطيئة التطور بنحو كبير.

سؤال آخر حول موضوع التخصيب خارج الجسم الحي (In-vitro-Fertilisation). ما هو السبب الفعلي الذي يتذرع به المرء لمنع استخدام الأَجِنَّة الفائضة عن الحاجة لمناحي البحث العلمي؟

كامبيتس: إننا هاهنا فعلاً إزاء ذريعة لا أساس واقعي يدعمها. ثمة خوف من أن تُمْتَهَنَ كرامةُ هذه الأَجِنَّة في سياق البحوث العلمية التي تُجرى عليها. إني أرى أن تبرير المنع من خلال موضوع الكرامة ينطوي على مفارقة بينة وتناقض واضح.

ما هو موقف الفلسفة حيال موضوع كرامة الإنسان؟

كامبيتس: يشتمل التراث الفلسفي على أراء كثيرة بهذا الشأن: فوجهة النظر الدينية تشرح موضوع الكرامة من خلال تأكيدها على أن الإنسان مخلوق على صورة الله. أما كانط(Kant)، فإنه يرى أن كرامة الإنسان تكمن في استقلاليته وعقلانيته. ولكن، ولأن هذه الخصائص لا توجد مكتملة عند الجنين، بل هي قد تكتمل أو لا تكتمل عنده مستقبلاً، لذا تثير هذه المسألة نقاشات صاخبة وإشكاليات كثيرة. من ناحية أخرى، يرى النفعيون (Utilitaristen) أن كرامة الإنسان تتوقف على قدرته على تحديد المصلحة الخاصة، تتوقف على قدرته على التكيف مع متطلبات المستقبل. فمن غير هذه القدرات لا معنى للكرامة . بيد أن هناك رأي آخر يأتلف إلى حد ما مع وجهة نظري، أعني الرأي الذي يؤكد على أن الكرامة تتوقف على مدى قدرة الإنسان على الانتظام في الحياة الاجتماعية واحترام السلوكيات المتعارف عليها في المجتمع المعني، أي تتوقف على الاحترام المتبادل بين بني البشر.

شرودر: إن هذا هو رأيي أيضاً! فأنا أرى أن الكرامة على ارتباط متين بالاحترام المتبادل. فأنا لا أجد غضاضة من النظر إلى كافة بني البشر على أنهم راشدين، أي ليسوا بحاجة لأن يكون أحدٌ وصياً عليهم حتى وإن تعلق الأمر بموضوع الموت، أي بالموضوع الذي تدور حوله النقاشات الخاصة بحق الإنسان في أن يموت ميتة كريمة. إن القوانين التي تمنع الطبيب في اليوم الراهن من تقديم العون للمريض الذي يفضل الموت على تحمل آلام المرض، يمكن أن تتعارض مع متطلبات الكرامة الإنسانية.

كامبيتس: من خلال السماح للشخص المعني أن يكتب وصية يوصي فيها بعدم قيام الأطباء بإطالة حياته مستخدمين الأجهزة والمعدات يحاول ذوو الشأن التخفيف من صرامة هذا المنع. إلا أني أرى أن هذه الأمور ستفضي بنا إلى مشكل آخر - إلى نظام طبي طبقي، أو ستفضي بنا، بتعبير أكثر دقة، إلى نظامين طبيين، واحد مختص بالأغنياء من المواطنين ونظام آخر مختص بعموم المواطنين. فهذه الوصية يجب أن تتم المصادقة عليها من كاتب عدل، وبالتالي فإنها تُكلف بضعة مئات من اليورو.

شرودر: من وجهة النظر العلمية البحتة، إني أعتبر النظام الطبي الطبقي مشكل أخلاقي عظيم الأهمية. ويزداد هذا المشكل وخامة وذلك لأن التطبب سيتوقف أكثر فأكثر على التكاليف المالية المرتبطة به. أضف إلى هذا أن أسعار الكثير من العقاقير الطبية سترتفع بنسب كبيرة جداً مستقبلاً.

كامبيتس: إن هذه الحقائق تبين لنا أهمية المشكل الأخلاقي المرتبط بتوزيع الدخل والثروة القوميين. وتبقى هذه المشكلة قائمة، حتى وإن كان تحديد معيار مناسب لهذا التوزيع أمر في غاية الصعوبة. من ناحية أخرى، ليس ثمة شك في أن النظام الطبي السائد في بريطانيا نظام لا يعرف الرحمة وذلك لأنه يربط التطبب بعمر المريض على سبيل المثال لا الحصر.

شرودر: ففي إطار هذا النظام لا يحصل المريض، الذي تجاوز سنه 68 عاماً، على الخدمات التي تقدمها الكلى الصناعية، أي الجهاز الخاص بتصفية الدم نيابة عن الكلى العاجزة عن أداء وظيفتها.

كامبيتس: أي أنه يحصل على هذه الخدمات فقط في حالة دفعه تكاليف استخدام هذا الجهاز من جيبه الخاص.

شرودر: إن على المرء أن يتصور المحنة التي سيتعرض لها الأطباء وهم يواجهون هذه الحالات! فمن ناحية، عليهم أن يقدموا للمريض كل ما تشتمل عليه معارفهم الطبية، ومن ناحية أخرى، نراهم مجبرين على اتخاذ قرارات غاية في الإحراج.

ثمة منظوران مختلفان فيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية الخاصة بعلم الأحياء. المنظور الأول ينطلق من قيمة الفعل، أما المنظور الثاني، فإنه ينطلق من النتائج المترتبة على الأوامر التي تحظر القيام بفعل محدد والأوامر التي تقضي بأداء فعل معين. ما هو موقفك من هذا الحظر وذاك الأمر؟

كامبيتس: شخصياً ليس لدي تعاطف كبير لا مع حظر هذا الفعل ولا مع الأوامر التي تريد إجبار الشخص المعني على القيام بالفعل الآخر. فالموقفان متطرفان غاية التطرف. أنا من الداعين إلى انتهاج السبيل الوسط، أي السبيل الذي يسمح للمرء ليس بمراعاة القصد فقط، بل يسمح بأخذ النتائج أيضاً بنظر الاعتبار. فحينما يأخذ المرء المقصد، فقط، بنظر الاعتبار ويتجاهل النتائج، فإنه سيتحرك في فضاء متعال، فضاء مطهر من الأمور المستهجنة. وبالعكس طبعاً، حينما يركز المرء منظوره على النتائج فقط، ففي هذه الحالة ستَتْرُك، في الأمد الطويل، حسابات الكلفة والمنفعة آثارها على وجهات النظر الأخلاقية أيضاً؛ ولعل من نافلة القول التأكيد هنا على أن تطوراً من هذا القبيل غير مستحب أيضاً. إني ضد كل أخلاقية تنطلق من مبادئ صارمة لا يجوز الخروج عيها تحت أي ظرف. والأمر الذي أود التعرف عليه منكِ، في هذا السياق، يدور حول ما إذا كنا نتقدم فعلاً بخطى أكيدة على الدرب الذي سيفضني بنا إلى الحصول على أطفال مصممين حسب الطلب؟

شرودر: لا أرى بوادر توحي بسيرنا في هذا الاتجاه. هذا أمر قد يتحقق في المستقبل البعيد؛ فهو لا يتحقق إلا بعدما يجري تغيير الخصائص الجينية، أي البصمة الوراثية، في الأنبوب القائم مقام رحم الأم – أي بعدما يكون المرء قد عالج الأجنة جينياً، أو وراثياً كما يمكن القول أيضاً. إلا أن هذا التوقع لا ينفي طبعاً احتمال أن تُبذل، في المستقبل القريب، جهودٌ أكبر لاستخدام التكنولوجيا الوراثية، أي تكنولوجيا الجينات، لعلاج الأمراض البدنية، أي الجسمية.

كامبيتس: وماذا عن عملية الاستنساخ؟ فمحاولة استنساخ النعجة دولي (Dolly) باءت بالفشل كما هو معروف.

شرودر: في الواقع، لم تفشل هذه المحاولة؛ بيد أنها أزاحت الستار عن الإشكاليات الجسيمة المحيقة بمشروع من القبيل. فالكثير من المشاكل التي صاحبت مشروع دُولِي كانت قد نشأت وذلك لأن الحامض النووي لدولي، أي DNA، قد كان أولاً في عالَم بَدَني وأنه حل، من ثم، في الأنبوب القائم مقام رحم الأم. إني أرفض هذا النهج رفضاً قاطعاً وذلك لأسباب فنية. ففي سياق عملية استنساخ الحامض النووي يمكن أن تحدث أخطاء كثيرة وجسيمة.

ولكن، أين تكمن أسباب هذه الأخطاء المتزايدة؟

شرودر: إن عملية تكاثر الحامض النووي، وهي عملية لا نهاية لها، تتحقق في الأنبوب القائم مقام رحم الأم. من هنا، فما يُنقل من الأنبوب إلى الخلايا الموجودة في البدن، لا يجوز أن يعاد إلى الأنبوب ثانية، وذلك لأن إعادة الإنتاج في خلايا البدن المعني، ستشتمل على أخطاء أكثر من الأخطاء التي تحققت حينما كانت الخلية موجودة في الأنبوب. وبالتالي، فحينما يُجري المرء عملية الاستنساخ، فإنه يأخذ، عادة، الشفرة الوراثية من الخلايا الموجودة في البدن ليعيدها إلى الأنبوب ثانية. إن هذا عمل لا يمكن الركون إليه والوثوق من نتائجه أبداً، وذلك لأن انقسام الخلية، أي مضاعفة الحامض النووي، في عالم البدن أقل اتساماً بالدقة. ومعنى هذا، هو أن على المرء أن يقبل، شاء أم أبى، بأخطاء معينة؛ إن هذا خطر لا بد منه، خطر لا يمكن للمرء أن يتحكم به. ومهما كان الحال، فأنا على ثقة تامة بأننا لسنا بحاجة إلى استنساخ البشر أصلاً. إني أرفض هذه التوجهات بكل تأكيد.

كامبيتس: بيد أن ثمة ديانات لا ترى في استنساخ البشر إشكالية تستحق أن يتوقف المرء عندها. فمَنْ يؤمن بتناسخ الأرواح، لا يرى أي حرج في عملية الاستنساخ.

شرودر: هذه هي الحقيقة بعينها. إذ اتخذ مواطن أمريكي، ذات يوم، العدة لاستنساخ كلبه قبل وفاته. إن هذا المثال البسيط يبين لنا أن ثمة قصوراً في التفكير بنحو منطقي! فحينما يولد توأم من بويضةٍ، لا أحد من بني البشر سيقول أننا هاهنا حيال عملية استنساخ وأن التوأم هما إنسان واحد انطبعت خصائصه على بدنين بنحو متعادل كلية. إننا، جميعاً، ننظر إلى هذين الفردين على أنهما شخصان، وليسا شخصاً واحداً. إنه لمفارقة فعلاً أننا نريد، بقدر تعلق الأمر بالاستنساخ، أن نحصل على ذات الشخص – أي على ذات الكلب الذي كان موضوع عملية الاستنساخ في الحادثة التي أشرنا إليها آنفاً. إن هذه الأمور تُعيدنا إلى السؤال الذي كان قد طُرِحَ في مستهل حديثنا هذا، أعني السؤال عما إذا كانت طبائع الإنسان وسجاياه تتحدد من خلال جينته، أي من خلال بصمته الوراثية. إن الجواب على هذا السؤال يكمن في توأمي البويضة. فهما شخصان لا شخص واحد أبداً، إنهما يظلان شخصين وليس شخصاً واحداً حتى وإن كان تشابه ملامحها الخارجية يوحي بأننا إزاء شخص واحد. فلكل واحد منهما تاريخه الخاص به. ولأن لكل واحد منهما تاريخه الخاص به، لذا فإنهما شخصان مختلفان، فهذا التاريخ الخاص هو الأمر الذي يحدد طبائع الإنسان وسجاياه. فمع أن الحامض النووي يتطابق لدى توأمي البويضة، إلا أن هذا التوأم لا يتطابق بكل تأكيد.

 

رينه شرودر: باحثة وأستاذة في معهد علوم الأحياء الدقيقة والوراثة التابع لجامعة فينا/ النمسا

بيتر كامبيتس أستاذ الفلسفة في معهد الفلسفة التابع إلى جامعة فينا. مستشار المجلس الأوربي لشؤون القيم الأخلاقية.

 

أجرى الحوار: كريستينا دوبرتسبيرغر

ترجمة: عدنان عباس عليفينر تسايتونغأجرى

المصدر: فينر تسايتونغ(Wiener Zeitung) ، عدد الثامن من كانون أول/ديسمبر عام 2006.

    Bestellen

    استمارة طلب

    ويمكن للمؤسسات والأفراد الذين ينشطون في مجال العمل الصحفي والثقافي في بلدان العالم الإسلامي الحصول على اشتراك مجاني للمجلة. يُرجى ملء استمارة الطلب التالية. كما يستطيع ا
    إلي استمارة الطلب ...

    – حوار مع العالم الإسلامي Qantara.de

    يقدم موقع قنطرة معلومات ونقاشات حول السياسة والثقافة والمجتمع، وذلك باللغات الألمانية والعربية والإنكليزية والأندونيسية والتركية.

    زنيت

    تنشر مجلة "زنيت" مقالات نقدية ومبتكرة ومحايدة عن العالم الاسلامي