العجز والثورة في أمريكا اللاتينية
إن التحولات السياسية التي طرأت على مستوى العالم، عرفتها أمريكا اللاتينية مصحوبة بتطورات خاصة. ولكن القاسم المشترك لها هو نهاية الدكتاتورية وأزمة الليبرالية الجديدة.
إذا نظرنا إلى الوراء نجد أن أمريكا اللاتينية كانت على موعد مع الكثير من الأحداث المتناقضة عام ١٩٨٩. في الأرجنتين أطاح إنقلاب كبير بالديكتاتور ألفريدو شتروسنر. وفي فنزويلا تمرد الشعب ضد سياسة الاقتصاد الليبرالية الجديدة التي كان يطبقها رئيسهم المنتخب حديثا، وقد أوقعت إجراءات القمع بمئات القتلى. كما عم الغضب الشديد الأرجنتين بسبب التضخم الشديد الذي حل بالبلاد، مما اضطر الرئيس ألفونسين أن يتنحى، ليحل كارلوس منعم محله. وفي منتصف أزمة اقتصادية كارثية اندلعت موجة عنف على يد مجموعات سينديرو لومينوزو المهيمنة وسادت بيرو، وقد أسفرت فوضى الهيمنة والإجراءات القمعية عن وفاة أربعة ألاف شخص. كما زحفت قوات الولايات المتحدة إلى بنما لتخلع الجنرال نوريجا من الحكم والذي كان حليفا سابقا لها. وفي البرازيل وبعد انتخاب حكم الدكتاتورية العسكرية ثلاث مرات متتالية، استطاع كولور دي ميللو أن يفوز على إجناتسيو لولا دا سيلفا بفارق محدود من الأصوات. وفي نيكاراجوا انتهت الحرب بين المنشقين وحكومة السانديين، بينما أجريت لأول مرة انتخابات حقيقية في شيلي بعد فترة حكم ديكتاتورية امتدت سبعة عشر عاما.
هل هي أجواء وقت النهاية أم ثورة؟ إن محاولة وضع التطورات التي طرأت على أمريكا اللاتينة ضمن نموذج تفسير واحد غالبا ما تؤدي إلى المزيد من الغموض. حيث أن هناك قاسمين مشتركين بينها: وهما إعادة تطبيق الديمقراطية والليبرالية الجديدة. فقد انتهى عصر الدكتاتورية العسكرية الذي بدأ عام ١٩٣٠بالإطاحة باثنين من حكام الدكتاتورية، وهما شتروسنر في باراجواي وبينوشيه في شيلي. ولم ينج من لعنة العودة الدائمة للحكم العسكري سوى فنزويلا وكوستاريكا والمكسيك. فهل يمكن أن نصف عام ١٩٨٩ بأنه "عام المعجزات" بالنسبة لأمريكا اللاتينية، كما وصفه المؤرخ البريطاني تيموثي كارتون أش؟ فسوف نواجه صعوبة كبيرة من أجل العثور على مثقفين من أمريكا اللاتينية يوافقون على عبارات المديح والإطراء الموجه إلى نهاية الحرب الباردة بوصفها انتصار للديمقراطية الليبرالية لا يوقفه شيىء. فمن ناحية حانت ساعة "التحول"، وهو الاسم الذي أطلق على إعادة الديمقراطية، وذلك في عام ١٩٨٠، عندما بدأت النظم العسكرية التي أضعفت الإكوادور والبرازيل والأرجنتين سياسيا واقتصاديا أن تفسح الطريق. وعلى جانب آخر لم تنجح الديمقراطية في أن تفي بكافة الوعود حتى ساد اليأس.
عجز الليبرالية الجديدة
تعد شيلي مثالا حيا على كيفية مواصلة تراكيب من السلطة التي تتقلدها الدكتاتورية العسكرية البقاء طويلا تحت غطاء ديمقراطي بعد عام ١٩٨٩. فقد كانت شيلي هي حقل تجارب الليبرالية الجدية تحت حكم الديكتاتورية العسكرية. بل أن "النموذج الشيلي" أفرز مجتمعا جديدا، يتسم بالخوف والفردية. وحتى بعد رحيل بينوشيه، أتت"الديمقراطية المراقبة" والتي رسخها الديكتاتور في دستور جديد، إلى جانب التوافق والإجماع الليبراليي الجديد بين السياسة والإعلام والصفوة بثمارها: فقد تواصل "ليل الديكتاتورية". حيث أن التحول السياسي الحقيقي لم يحدث إلا عندما ألقي القبض على بينوشيه في لندن عام ١٩٩٨.
في عام ١٩٨٩أيضا تم التوصل إلى اتفاق واشنطن الذي تدور حوله اليوم تساؤلات عديدة: حيث قرر أنذاك كل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ومؤسسات مصرفية أخرى عدم مواصلة تمويل الدول النامية ذات المديونيات الكبيرة إلا إذا أجرت تغييرات هيكلية جذرية في اقتصادها. وكانت الوصفة تتمثل في الخصخصة، وإعادة وضع قواعد جديدة، وتحرير التجارة والصرف. وسرعان ما خضعت الأرجنتين والإكوادور ومن بعدهما المكسيك والبرازيل أمام إملاءات الليبرالية الحديثة.
أعقبت حركة تغيير الهيكل الاقتصادي دفعة تحديث ضخمة. إلا أن خصخصة مؤسسات الدولة المنهكة كان ثمنها باهظا، فلم تتمكن شبكة اجتماعية ما من احتواء التسريح الجماعي من العمل. لذا لم يجلب التحول السريع إلى الرأسمالية سوى العجز في بلاد مثل الأرجنتين والبرازيل أو شيلي، حيث كان تقليد إعادة التوزيع والإنجازات النقابية تقليدا راسخا.
أزمة التمثيل
لقد ثبت في فنزويلا أن الديمقراطية الليبرالية لا تجلب معها بالضرورة تحسن في الظروف المعيشية، لا سيما وأن فنزويلا ظلت تعتبر مثالا يحتذى به بين دول أمريكا اللاتينية في مسائل الديمقراطية. وعندما نكص الرئيس المنتخب جديدا كارلوس أندريه بيريز بوعوده الانتخابية بعد تقلده لمهام منصبه وأعلن برنامج توفير ليبرالي جديد، اندلعت أكبر حركات العصيان في تاريخ فنزويلا. بل أن "الكاراكازو" كانت هي أولى الانقلابات التي حدثت ضد الليبرالية الجديدة على مستوى العالم، وذلك في كتابة بديلة لتاريخ أمريكا اللاتينية، حتى أن الرئيس هوجو شافيز أعلن أنها ساعة ميلاد "ثورته البوليفارية".
لقد أدت تجربة الاحتجاج والقمع إلى أزمة طاحنة في التمثيل السياسي: حيث كانت الأحزاب القديمة قد أنهت خدمتها، كما نشأ كيان سياسي جديد: يتمثل في الحركات الاجتماعية. وهكذا انبثقت الاحتجاجات عن حالة العجز.
سيلفيا فيرمان
متخصصة في علم الأدب. ظلت تعمل صحفية ومترجمة بمعهد جوته في مدينة بوينس أيريس حتى عام ٢٠٠٤. وهي تدير اليوم قطاع الاتصالات في بيت ثقافات العالم.
متخصصة في علم الأدب. ظلت تعمل صحفية ومترجمة بمعهد جوته في مدينة بوينس أيريس حتى عام ٢٠٠٤. وهي تدير اليوم قطاع الاتصالات في بيت ثقافات العالم.
حقوق النشر: معهد جوته، جمعية مشهرة، تحرير على الإنترنت
فبراير ٢٠٠٩
هل لديكم أسئلة حول هذا المقال؟ فلتتوجهوا بها إلينا!
online-redaktion@goethe.de
مواقع أخرى
- من خلال مشروع "١٩٨٩– حكايات كونية" يكرس بيت ثقافات العالم البرليني في شهر فبراير ٢٠٠٩للكتب الدولية الخاصة بعام ١٩٨٩

- عن تاريخ فنزويلا السياسي (bpb.de)

- معلومات عن تاريخ الأرجنتين السياسي على موقع bpb.de

- بحث حول تأثيرات حكم بينوشيه الديكتاتوري في شيلي (arte.tv)


- تجدون المزيد من المعلومات حول "الثورة البوليفارية" على موقع ويكيبيديا


















