ماركة صنع خاص – تمرد الجماهير على الإنتاج الواسع

ما من سؤال: إذا نظرنا من الفضاء نرى أن كوكبنا هو كوكب الإنتاج الواسع للتوزيع. أكثر من نصف أكبر مئة من الوحدات الإقتصادية في العالم هي شركات متعددة الجنسية وليس دولاً. إن التجارة العالمية بالبضائع والخدمات تضاعفت نحو ثلاث مرات منذ منتصف العقد الثامن؛ وشحن البضائع بصناديق الكونتينر الكبيرة تضاعف خمس مرات في المدة نفسها.
شيفرة العولمة
التجارة العالمية بسفن الشحن. في كل وقت من أوقات الليل والنهار تتواجد أكثر من 3500 سفينة في عرض البحار في جميع أنحاء العالم. سعتها تبلغ 7,8 مليون وحدة حسابية (ت ي و) أو كونتينر قياسي. حجم هائل من كميات السلع من الإنتاج الواسع المعولم يغمر الأسواق العالمية، هذا الحجم الذي قذف الرفاه المادي في الدول الصناعية الغربية إلى مستوى تاريخي لم يسبق له مثيل.
انزعاج مثير للإرتباك
بكلمات الشاعر: كل هذا يوجد إذاً. لو كان هذا هو كل شيء، لما كان يمكن الحديث عن تمرد الجماهير على الإنتاج الواسع. لكن هناك أيضاً انزعاج مثير للإرتباك في واقع الإنتاج العالمي الواسع. يوجد فضائح كبرى فاضحة مثل لعب الأطفال الملوثة بالرصاص الآتية من الصين، والتي أرغمت الشركة الأمريكية العملاقة ماتل للعب الأطفال على أن تقوم في آب / أغسطس عام 2007 بسحب زهاء 19 مليون لعبة من غرف أطفال هذا العالم. تقوم احتجاجات كفاحية دائماً حيث يجتمع ممثلو أمم هذا العالم الإقتصادية القوية، لكي يحددوا قواعد اللعبة من جديد، كما حدث في صيف عام 2007 على سور هايليغندام في ألمانيا. حتى في البلد الأم لرأسمالية الشركات العملاقة، الولايات المتحدة الأمريكية، يتصاعد ارتياب ازاء العولمة والتجارة العالمية المنفتحة. فنظراً للعجز المتضخم على نحو خطير في التجارة الخارجية والهوّة المتزايدة بين الرابحين والخاسرين من العولمة في أمريكا لم يتمكن في كانون الأول / ديسمبر 2007 سوى 28 بالمئة من أمريكيي الولايات المتحدة أن يستخلصوا شيئاً إيجابياً من عولمة الإقتصاد الأمريكي، مقابل 58 بالمئة رفضوها.
واقع خارج الإنتاج الواسع
هناك اقتصاد بديل متزايد قائم على أجزاء صغيرة ورغم ذلك متشابك عالمياً: مظهر واقع على الجانب
الآخر من الإنتاج الواسع، عالم آخر ليس ممكناً فحسب، بل يقع أمامنا في أسسه ويمكن إدراكه. إن مقاومة الجماهير ضد الإنتاج الواسع ليس فعلاً صاخباً للتأثير على الرأي العام. لا يسافر المرء إلى مكان تحول صندوق كونتينر الشحن، ذو النمط الموحد، ويسمى في لغة الإختصاصيين "ت ي و"، إلى شيفرة العولمة. إختصار (ت ي و) يعني شيئاً مثل متر العولمة الأساسي. معظم الصناديق لها قياسات واحدة، طول 20 قدماً تماماً وارتفاع 8,5 قدماً وعرض 8 قدماً. ويجري اليوم نقل 90 بالمئة من بضائع وسلع مركزي لمشاهدته هناك. على المرء أن ينظر بتمعّن للقبض عليه وإدراك علائم القادم. لن توجد معركة حاسمة، حيث أن العصيان ضد الإنتاج الواسع له بالأحرى شكل حركة مقاومة خفية من وراء الستار، شكل حرب عصابات، بتعبير منبري. رغم ذلك تنبثّ وتنتشر هذه الحركة في كل مكان ببطء ، وتكسب أنصاراً وأصدقاء ومتعاطفين.
ثورة اعمل بنفسك
إن مقاومة الجماهير ضد الإنتاج الواسع يكمن وراء أشكال التعبير المستقلة القائمة على مبداً "اعمل بنفسك" في الموسيقى والمودة، وتنوع جديد في سوق المجلات وازدهار في سوق اللوحات الفنية تعبّر عن نفسها في انتعاش تقنيات الصناعة والحرف اليدوية، التي كان الظن يسود بأنها ماتت. تنتشر مع ازدهار المجال الحيوي، ازدياد أهمية التجارة المنصفة ودورات الإنتاج المحلية. تقف وراء حركة أوبن سورس المتزايدة، وراء موسوعة ويكيبيديا ووراء الانتصارات المتصلة لفاير فوكس براوزر. تربط أصحاب الأشغال الدقيقة وهواة الأشغال اليدوية مع الفنانين وأصحاب الحرف الفنية، مؤسسي ما بعد الإقتصاد الليبرالي الجديد مع الناشطين في المجالين السياسي والاجتماعي من الجيل القادم. وربما لم تُدرَك حتى الآن كحركة جماهيرية لأنها تجري متبعثرة وتتخذ أشكالاً متنوعة. لكن ثورة صنع المرء بنفسه للشيء، ثورة المبادرة الذاتية والتنظيم الذاتي سوف تغيّر على المدى المتوسط مشهد المنظمات والبنية الإقتصادية.
بعث الإنتاج اليدوي
مع ذلك سيكون من المضلل الحديث عن حركة اجتماعية جديدة، كما كانت على سبيل المثال الحركة النسائية أو حركة السلام. إن معظم الناشطين لا يتوخون بالدرجة الأولى أهدافاً سياسية، بل اقتصادية وخصوصية: الحياة الأفضل الأكثر صحة هنا والآن، وعملاً تقوم به اليد الخاصة بالإنسان. مع ذلك إننا مقتنعون بأن النهضة التي ترتسم ملامحها، نهضة النتاج اليدوي الصغير والمبادرة الذاتية المتزاوجة مع التقنية الرقمية، إنما تدلّ الدول الصناعية على الطريق للخروج من ورطة البطالة الجماعية واستياء الجماهير. وكذلك بالنسبة للبلدان الفقيرة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا يقدم عدد متزايد من المنتجين المستقلين والمتشابكين فرصة لخلق وحدات مزدهرة محلياً تلتحق بالسوق العالمية. مقابل ظروف الاستغلال للنتاج الصناعي المعولم نضع رؤيا إنتاج عميق الأثر لمنتوجات عالية القيمة بأسعار منصفة، منتوجات تعترف بقيمة العمل الإنساني وكرامة المنتجين؛ منتوجات يبتاعها مستهلكون يفهمون الاستهلاك كقرار استراتيجي. وأخيراً وليس آخراً سوف تذوق الأحزاب والمرافق العامة والمؤسسات الرسمية القوة التي تنبعث من الإمكانيات الجديدة للمشاركة ومن أفكار أوبن سورس. في نهاية هذه الرؤيا يأتي عالم عمل إنساني يقدم للفرد مجالاً أكبر لتفتّح طاقاته الشخصية، كما تقدم جماعة سليمة أكثر لأنها أكثر نشاطاً. لهذا كله، فإن ثورة "اعمل بنفسك" قد تكون في نهاية المطاف ثورة أكثر سياسية من كثير من الحركات السياسية العادية في الأوقات الأخيرة.
| النص من كتابهما الجديد:
هولم فريبه؛ توماس رمغه: "ماركة صنع خاص / تمرد الجماهير ضد الإنتاج الواسع، فرانكفورت، كامبوس، أيلول / سبتمبر 2008 |
هولم فريبه
دبلوم في علم الاقتصاد، مدير تنفيذي للوكالة المركزية للفئة المفكرة في برلين ومدرّس في المدرسة العليا للتشكيل في زيوريخ. قبل ذلك عمل صحافياً وبحاثاً. في عام 2006 كتب مع ساشا لوبو الكتاب الرائج "نسميه عملاً".
دبلوم في علم الاقتصاد، مدير تنفيذي للوكالة المركزية للفئة المفكرة في برلين ومدرّس في المدرسة العليا للتشكيل في زيوريخ. قبل ذلك عمل صحافياً وبحاثاً. في عام 2006 كتب مع ساشا لوبو الكتاب الرائج "نسميه عملاً".
توماس رمغه
مؤلف دراسات وصحافي وحصل في عام 2007 على جائزة هربرت كوانت لوسائل الإعلام. يكتب في المجلة الاقتصادية "براند واحد" ويكتب بانتظام للصحيفة الأسبوعية "دي تسايت
أيلول / سبتمبر 2008









