حياة عمل في تحول

العمل على الصعيد العالمي: مثال بولندا

"الانتعاش الاقتصادي لا يحل مشاكل سوق العمل"


إيرينا فويتشيسكا: حقوق الطبع: إيرينا فويتشيسكا/ Irena Wóycickaراينهولد فيتر، مراسل جريدة "هاندلس بلات" في شرق وجنوب شرق أوروبا في حوار مع السيدة إيرينا فويتشيسكا رئيسة قسم البحوث الاجتماعية بمعهد دانسينج لدراسة اقتصاد السوق - مكتب وارسو – والتي شغلت منصب نائب وزيرة العمل البولندية سابقاً.

راينهولد فيتر: ما يزال معدل البطالة في بولندا مرتفعاً، ولو انه يشهد انخفاضا بطيئا، فما سبب هذا الانخفاض؟ هل هي الاستثمارات الأجنبية التي أدت بالنهاية إلى هذا التطور؟

إيرينا فويتشيسكا: منذ عام 2003 وبعد فترة ركود يشهد الاقتصاد البولندي نمواً جيداً. ومع ذلك لم تظهر أولى علامات زيادة التشغيل وانخفاض نسبة البطالة حتى العام الماضي. وما هذا التحسن الذي شهده الوضع في سوق العمل إلا نتيجة لتحسن الوضع الاقتصادي. جدير بالذكر أننا لا نعرف بالضبط إلى أي مدى ساهم عمل البولنديين في دول أوروبية أخرى بخفض معدل البطالة في البلاد.

تشكل الشركات الأجنبية جزءاً لا يستهان به من الاقتصاد البولندي، ولكن يجب أن نضع في الحسبان أن أغلب استثماراتها تصب في مجال خصخصة الشركات البولندية، وهي بالتالي لا تخلق فرص عمل جديدة وإنما تقلص عددها في كثير من الأحيان. في عام 2000 شكل الاستثمار في خصخصة الشركات البولندية أكثر من 90 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية في البلاد، إلا أن هذه النسبة قد تغيرت خلال الأعوام الأخيرة لصالح الاستثمارات في مشاريع جديدة توفر فرص عمل. ولكن علينا أن نضيف هنا بأن قسماً رئيسياً من الاستثمارات المباشرة في الأعوام الماضية كانت عبارة عن استثمارات للأرباح.

كيف يمكن حل المشاكل التي يعاني منها سوق العمل البولندي بشكل أفضل؟ هل يمكن ذلك عن طريق تعزيز النمو الاقتصادي أم رفع الإنتاجية؟ هل الإجراءات الحكومية هي الحل؟ إذا كان الجواب نعم، أية إجراءات أجدى؟ هل يتعين إعادة توزيع أماكن العمل المتاحة على عدد أكبر من الأشخاص، مثلاً من خلال اختصار ساعات العمل؟

إن للبطالة في بولندا طابع هيكلي: مؤهلات غير مناسبة ومرونة ضعيفة على صعيد الاستعداد لتغيير مكان العمل. يضاف إلى ذلك التأخر الذي خلفته الشيوعية، إلى جانب وطأة عملية التحول الاقتصادي والاجتماعي وكذلك العولمة التي يعجز كثيرون عن مواكبتها. إن تحسن الوضع الاقتصادي لن يحل المشكلات القائمة في سوق العمل. تعاني بولندا من تأخر شديد فيما يخص الاستثمارات في الثروة البشرية والبنية التحتية. وسيكون من الصعب جدا تحسين الوضع بشكل ملموس ومستديم في ظل غياب هذه الاستثمارات. ويعتبر تغيير هذا الوضع أحد مهام الإدارة العامة مع أهمية الدور الذي يلعبه تحفيز الناس. وقد يمثل خفض عدد ساعات العمل وسيلة مثلى لإدخال العديد من غير الفاعلين إلى سوق العمل، إلا أن هذا الإجراء لا يعتبر وسيلة للقضاء على البطالة.
إن بولندا حاليا في "طور البناء". ومن هنا فإن الميزانيات الخاصة بالعائلات والأشخاص مكرّسة لتجاوز التأخر الذي تركه الحكم الشيوعي على صعيد تجهيز المنزل وجودة السكن. لذلك لا نجد إقبالا على الوظائف ذات الدوام الجزئي. لكنني أعتقد أن الكثير من الأمهات وكبار السن سيقررون العمل والاستمرار به إذا أصبح أقل كثافة مع عدم تكبدهم لتراجع كبير في الدخل نتيجة لذلك. أعتقد أنه من المجدي حث هؤلاء على ممارسة العمل من خلال مزيج من الحلول التي تشمل تقديم فرص عمل وإعانات اجتماعية.

كيف يمكن جعل الوظائف التي تخدم الصالح العام (حماية البيئة، العناية بالمدن، خدمات التمريض وغيرها) أكثر جاذبية؟ هل برفع الأجور في هذه القطاعات أم بالعهد بها إلى شركات خاصة؟ وكيف نأتي بالموارد اللازمة لذلك؟

تقوم العائلة في بولندا بشكل عام والنساء بشكل خاص برعاية الأطفال وغيرهم من أفراد الأسرة. ولقد اعتاد الجميع على تحمل المرأة للأعباء المنزلية إلى جانب أعباء العمل لدرجة جعلتهم لا يشعروا بنقص خدمات رعاية المرضى والمسنين. وينطبق هذا الأمر على مجالات أخرى كالقيام بالإصلاحات المنزلية البسيطة التي يتولاها الرجال. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيفية طرح هذه الخدمات المجانية التي يقوم بها أفراد الأسرة في السوق. أعتقد أن ذلك يتطلب تغيير الثقافة السائدة وتدخل الدولة لتحقيق طلب على خدمات معينة. من الحلول المطروحة لتحقيق ذلك على سبيل المثال فرض نظام رعاية صحية من شأنه تطوير خدمات هذه الرعاية الضرورية في المجتمع عندما تزداد فيه نسبة كبار السن. وبإمكان البلديات أن تتكفل ببناء دور الحضانة على أساس تعاون بين القطاعين الخاص والعام. على الصعيد العام يرتبط الكثير بأولويات الناخبين. وعليه فإن إحداث تغييرات اجتماعية أمر هام. الجدير ذكره إن نظرة الشباب البولندي اليوم للدور الذي يلعبه كل من الرجل والمرأة في الأسرة تختلف عن نظرة الأجيال السابقة.

كيف تقيمك لإدارة العمل في بولندا؟

إن سوء إدارة العمل في بولندا ليس سرا، فكل من سبق له التعامل مع مكتب العمل غير راغب في إعادة الكرة. وأكثر ما أضر بعملية إدارة العمل هي إصلاحات عام 1999 الإدارية التي جعلت مكاتب العمل تابعة للبلديات. فلقد أصبحت هذه المكاتب فريسة في أيدي السياسيين المحليين الذين يسعون إلى تأمين وظيفة لأقاربهم ومعارفهم. وتتمثل المشكلة الأساسية لمكتب العمل في تغيير موظفينه بشكل مستمر وقلة المتخصصين العاملين به. وينبغي على المؤسسات غير الحكومية أن تستوعب كم أكبر من الخدمات إذ يمثل ذلك السبيل لتحسين جودتها في سوق العمل.

ما رأيك بفكرة دخل أساسي غير مرتبط بوظيفة معينة؟

ورثت بولندا عن بروسيا نظامها الاجتماعي الذي يُنسب للسياسي البروسي بسمارك. وبالرغم من التعديلات التي طرأت على هذا النظام منذ عام 1989 إلا أن أغلب الإعانات المقدمة ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة والدخل، وهو ما يعتبر في يومنا هذا خلل كبير. إذا اعتبرنا مبدأ الدخل الأساسي سبيلنا إلى المستقبل، فسيصبح العمل به في هذه الحالة أمرا ضروريا في بولندا. ومع ذلك فإنني لا أنصح به كنقطة الانطلاق للقيام بتغييرات جذرية. فبغض النظر عن تكلفة مثل هذه العملية الإصلاحية سيكون من العسير التكهن برد فعل المجتمع والأفراد عليها. أليس من الممكن أن تؤدي هذه الإصلاحات إلى توسيع نطاق العمل غير الرسمي من خلال السوق السوداء نظرا لوجود أناس احتفظوا بحماسهم للعمل الذي ينطوي على رضاهم بشكل دائم.

تعتبر نسبة المشتغلين بوظيفة مدفوعة الأجر من بين البالغين القادرين على العمل نسبة ضئيلة (53%)، فما الذي يتوجب فعله بهذا الصدد؟ هل يجب رفع سن المعاش؟

يعبر هذا المعدل الضئيل للتشغيل والذي يعتبر الأدنى في أوروبا كلها عن ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض معدل توظيف المتقدمين في السن. وتملك بولندا أسوأ معدلات في هذه المجالات الثلاثة التي ترتبط إلى حد كبير ببعضها البعض. فطبقا للإحصائيات ينهي المواطن البولندي سيرته المهنية في سن التاسعة والخمسين بينما تتوقف المرأة البولندية عن العمل في سن الخامسة والخمسين، يتحولون إلى تقاعد مبكّر أو تقاعد إعاقة أو غير ذلك من المعاشات. ولكن علينا أن نتفهم هذا الأمر إذ كان العمل في الفترة الشيوعية شاقا ومرهقا بدنيا، وهو ما يكلف بولندا اليوم 4 بالمائة من إجمالي ناتجها المحلي المخصص للخدمات الاجتماعية ويرفع من تكلفة العمالة مما يؤثر سلبا على فرص الباحثين عن عمل. وبالرغم من أن هذه الحقائق لا تخفى على أحد في بولندا إلى أن التوصل إلى توافق سياسي بهذا الصدد ما يزال صعبا. علينا أن نسد الطريق أمام كل من يسعى للحصول على المعاش المبكر وما يشابهه من أساليب يلجأ إليها البولنديين اليوم على نطاق واسع. كما يشكل رفع سن المعاش بالنسبة للسيدات مشكلة أخرى. وبالنهاية ما يزال الشد والجذب السياسي مستمرا منذ عدة سنوات مع أن الوقت يداهمنا.

إلى أي مدى تؤثر النقابات في بولندا على مجريات الأمور اليوم؟ هل لها أثر كبير أم لا؟

إن الثقل السياسي الذي تتمتع به النقابات بصفتها الممثل لمصالح العاملين في الصناعات الكبرى أكبر بكثير من قوتها الفعلية، إذ لا ينتمي إليها سوى جزء بسيط جدا من العاملين في بولندا. ويأتي في مقدمة هؤلاء عمّال القطاعات المعرضة للفناء كقطاع المناجم والخدمات العامة كقطاع التعليم. ومن هنا فإن النقابات لا تمثل سوى مصالح ذات طابع خصوصي. على ضوء ذلك كيف يمكن تمثيل أصحاب الحرف وملاك الشركات الصغيرة ممن يشاركهم أفراد الأسرة كلها في القيام بعملهم، أو الإنابة عن أصحاب المهن الحرة والعاملين من منازلهم وأولئك الذين يعملون في منازل العملاء، ذلك بخلاف من يعملون بالساعة أو يقيمون اتحادات اجتماعية؟ كيف يمكن تمثيل من يعودون لمزاولة العمل بعد فترة انقطاع طويلة أو يعملون لأول مرة؟ فأنماط وأشكال العمل تتباين يوما بعد يوم، بينما يزول الفرق بين رأس المال والعامل تدريجيا حتى لم تعد العلاقة بينهما هي لب القضية. ولا يعني هذا أنه سيتم القضاء على النقابات في بولندا كما حدث في إنجلترا في عهد تاتشر، وإنما يعني أن النقابات ستكف عن لعب دور اجتماعي مفيد. ومن هنا أعتقد أن معادلة الشراكة الثنائية هي التي أثبتت قدرتها على الاستمرار.

ما هو الدور الذي تلعبه عقود تحديد التعريفة التي يبرمها كل من العاملين وأرباب العمل؟ كيف يتم العمل بنظام حماية العاملين من الفصل؟

يمتاز سوق العمل البولندي بقدرته على التكيف. أما قوانين حماية العاملين من الفصل فتتسم بليبراليتها باستثناء حالات الفصل الجماعي. أما عقود تحديد التعريفة بالتراضي بين العاملين وأرباب العمل فلا تلعب دوراً سوى في القطاعات الممثلة من خلال نقابات.

ما مدى قوة الروابط الاجتماعية ووحدة الصف في بولندا؟ وما هي الروابط التي تربط المجتمع ببعضه البعض؟ أليس المجتمع البولندي على وشك التفكك؟

لم يبدأ نمط الحياة الفردية في غزو بولندا إلا مؤخرا. مازالت الأسرة تلعب دورا كبيرا في تشكيل أهداف البولنديين وتحديد مسار حياتهم. أما ارتباط البولنديين بالمؤسسات المحلية والاتحادات فهو أضعف بكثير من ارتباطهم بأسرتهم، إذ يسود الجزء الفاصل بين الخاص والعام - أي بين الأسرة والدولة- فراغ كبير وهو ما كان له تبعات على المستوى السياسي. فلا يوجد مجال لخوض نقاش سياسي واجتماعي ، تتحول النزاعات سريعا إلى قضايا سياسية. أظهر النزاع السياسي الذي شهدناه مؤخراً أننا بصدد دولتين بولنديتين، إحداهما سلكت طريق الحداثة والتحول السياسي حتى أصبحت تنتمي لأوروبا وتتميز بانفتاحها على الآخر، بينما بقت بولندا الأخرى أسيرة المخاوف والأحكام المسبقة، تسودها كراهية الأجانب ويحلم أهلها باستعادة الماضي. أعتقد أن هذا التباين داخل البلد الواحد قد أصبح ظاهرة تنطبق على كل المجتمعات الأوروبية مما يجعل السؤال عن السبيل لمنع التيار الثاني من رمي ظلاله على التيار الأول الذي يربو لتحقيق الحداثة. إنه سؤال يطرح نفسه على أوروبا كلها وليس على بولندا فحسب.

إيرينا فويتشيسكا
هي رئيسة قسم البحث الاجتماعي بمعهد دانسينج لدراسة اقتصاد السوق - مكتب وارسو – ونائبة وزيرة العمل سابقا. وينسب إليها العديد من الدراسات الاجتماعية السياسية التي أجرتها لصالح المفوضية الأوروبية في بروكسل.

راينهولد فيتر
هو مراسل جريدة "هاندلس بلات" الألمانية في وسط شرق وجنوب شرق أوروبا، ونُشر له العديد من النصوص في جريدة نويه تسوريشر تسايتونج/Neue Züricher Zeitung وفي في مجلة السياسة الخارجية. كما صدر له دليلا سياحيا حول بولندا عن دار دو مونت للنشر/ DuMont

حقوق الطبع: معهد غوته – هيئة تحرير الصفحة الإلكترونية

إذا كانت لديك أسئلة على هذه المقالة فلا تتردد بالكتابة إلينا على العنوان التالي:

أيلول/ سبتمبر 2006

ترجمة: د. ابراهيم محمد

مواقع أخرى