من البوهيمية إلى الفئات الدنيا
![]() |
يوم أيار/مايو الأوروبي |
![]() |
يوم أيار/مايو الأوروبي في هامبورغ |
لم يعد لدينا مقدرة على التحمّل، هذه هي رسالة الاحتجاجات العمالية الجديدة على الظروف الاجتماعية غير الآمنة نتيجة الوظائف المؤقتة والصغيرة وأعمال التدريب الدائمة وأساليب العمل بالمُياومة. ظروف العمل السيئة هذه تجعل ظروف الحياة سيئة بدورها. بطريقة مشابهة لكلمة بروليتاريا تم اقتراح مصطلح "بريكاريا" للتعبير عن الشكل الجديد لطبقة مستَغَلَّة. في هذه الأثناء لم يعد استخدام مصطلح تحويل العمال إلى عمال بريكاريين محصوراً بأدبيات التيارات اليسارية والدراسات الاجتماعية، بل دخل في لغة الاستخدام اليومي. وفي إطار يوم أيار/مايو الأوروبي تتشكل مجموعات تناقش نشوء البريكاريا. كما تتشكل لجان عمل خاصة بمواضيع الحماية من التسريح من العمل وعملية المرونة. في عام 2005 عرض نشطاء من ميلانو في مسيرتهم أبطالاً أسطوريين من الورق المقوّى، ومن بينهم كائن أُطلِق عليه اسم سوبر فليكس، كردٍّ على وطأة وضغط المرونة المطلوبة في سوق العمل. كما نودي في إيطاليا بشفيع جديد هو سان بريكاريو الجدير بأن يصلى له.
الطبقات الوسطى – البريكاريا الجديدة
![]() |
يافطة يوم أيار/مايو الأوروبي |
الحديث عن ظاهرة البريكاريا ليس جديداً بأي حال من الأحوال. ظهر هذا المفهوم أوائل عام 1980 في علم الاجتماع الفرنسي للإشارة إلى الأعمال الموسمية أو المؤقتة. وجدت ظروف العمل السيئة دائماً، وهذه الظروف كانت وما تزال شائعة بالمقاييس العالمية حتى يومنا هذا. ولكن لم تشتد حمى انتشار البريكاريا إلا بعد أن قام كل من أنّي و ماريني رامباخ في عام 2001 بنشر كتابهما المثير للجدل تحت عنوان "المثقفون المستغلّون/ Les intellos précaires". قدّم هذا الكتاب صورة لطبقة مثقفة يجب عليها العيش في تناقض بين انتمائها إلى موقع اجتماعي رفيع نسبياً من جهة، ومعاناتها من ظروف عمل سيئة من جهة أخرى. الجديد في الأمر ليس الأوضاع السيئة الناشئة، وإنما اتساع نطاقها ليشمل الطبقات الوسطى في المدن.
من سخرية الأقدار إن الطريق الطويل الذي توجب على طبقة البروليتاريا قطعه مذ كانت على هامش المجتمع وحتى انتشارها تعود إلى قصة نجاح الدولة الاجتماعية في أوروبا. بداية كانت أماكن عمل الآخرين مهددة على مدى عقود. أما انشغال الطبقة الوسطى بانتشار ظروف العمل السيئة والخوف من توفير متطلبات الحياة أو الانتقال إلى حالة الفقر بشكل بطيء فلم يبدأ حتى ظهور الأزمة المالية للدولة. حوّل ما يسمى جيل المتدربين أو العاملين تحت التدريب النظرة على التحوّل المتزايد الذي أصاب وظائف مضمونة إلى نظرة على وظائف مدفوعة الأجر بشكل سيء- تطور أصاب مجموعات أصحاب العمل الحر والعاملين في المجال الثقافي. إن الترقي الوظيفي لهؤلاء ليس صاعداً إلا ما ندر. ولما كان الكثيرون منهم ما يزالون مقتنعين بأن هذه الحالة مؤقتة، فإن ردود أفعالهم تتراوح بين بذل المزيد من الجهد الشخصي، وبين النظرة السلبية للنفس كمثقف في أسفل السلّم.
"المشردون الحضر"
![]() |
برلين 2006 |
المبدع ككائن يقع بين العامل ورب العمل
تحدث عالم الاجتماع الإيطالي سيرغيو بولونا Sergio Bologna عن القضاء على الطبقات الوسطى من خلال نظرياته التي نشرت مؤخراً عن العمل الحر الجديد. بولونا يعتبر مقدمي الخدمة الجدد كائنات تقع بين رب العمل وطالب العمل. إلى جانب ارتباطهم بالعمل يقومون في نفس الوقت بوظيفة مستثمرين يدخلون رأس المال الثقافي إلى فروع المؤسسات الحديثة التي تقوم بدورها بنقل مخاطر الاستثمار إلى الخارج. ولكن وبما أن دوائر الإنتاج تضيق يوماً بعد يوم، والتغيرات في سوق العمل تزداد سرعة لأن مجموعات الأشخاص التي تقوم بالإبداع تمثل في الوقت نفسه منافساً حقيقاً في هذه السوق، إضافة إلى إن أسطورة الإبداع تحل التناقضات الناشئة بشكل مؤقت، فإن الفرد يعاني في حياته اليومية غالباً من الوحدة القاتلة.تعد هذه تجربة مرة بالنسبة لأصحاب المهن الحرة من الشباب في المدن. تُرى ألم تكن الطبقات الوسطى من طوّر المجتمع من خلال بدائل عملية. تعد الحياة في المدينة الكبيرة دوماً بفرص أفضل مما يمكن إيجاده في ألف من غرف الجلوس الرطبة. من يجد نفسه هذه الأيام بلا عمل بعد إنهاء المدرسة، سيتولد لديه الانطباع بأن جيل احتجاجات عام 1968 كرّس مفهومه للعمل بتصورات خيالية. حتى موسيقى البوب التي كانت في الماضي تضج باللذة، أصبح فيها الآن مسحة حزن. هل هذه بوهيمية أم طبقة دنيا؟ تسال فرقة برلين "بريتا Britta".
مطلوب مفهوم جديد للعمل
![]() |
يوم أيار/مايو الأوروبي |
توماس غروس
نشرت هذه المقالة بلا اختصار في جريدة دي تسايت/ DIE ZEIT بتاريخ 27 أبريل/ نيسان 2006
نشرت هذه المقالة بلا اختصار في جريدة دي تسايت/ DIE ZEIT بتاريخ 27 أبريل/ نيسان 2006
حقوق الطبع: دي تسايت/ DIE ZEIT
إذا كانت لديك أسئلة على هذه المقالة فلا تتردد بالكتابة إلينا على العنوان التالي:
أيلول/ سبتمبر 2006
ترجمة: د. ابراهيم محمد
















