تحول إلى طبقة دنيا جديدة

من البوهيمية إلى الفئات الدنيا

يوم أيار/مايو الأوروبي
لم تعد الوظيفة ولا المال ولا الحياة آمنة. طبقة جديدة من المُستَغَلين تتمرد: إنها طبقة يطلق عليها اسم البريكاريا على غرار البروليتاريا. ظهرت هذه الحركة أولاً في ميلانو ثم في باريس وجنيف وهلسنكي قبل أن تنتقل إلى عشرات المدن الأوروبية الأخرى. وفي عام 2005 وصلت إلى هامبورغ.

حقوق الطبع: يوم أيار/مايو الأوروبي في هامبورغ
يوم أيار/مايو الأوروبي في هامبورغ
ليس لهذه الظاهرة شكل محدد، يشيع اسم "يوم أيار/مايو الأوروبي Euro Mayday" كيوم يحفل بالمظاهرات التي تنافس المسيرات النقابية التقليدية التي تنطلق في الأول من أيار/مايو بمناسبة عيد العمال العالمي. وعليه ليس صدفة إن هذا الاسم يرن في الأذن كإشارة الاستغاثة التقليدية.

لم يعد لدينا مقدرة على التحمّل، هذه هي رسالة الاحتجاجات العمالية الجديدة على الظروف الاجتماعية غير الآمنة نتيجة الوظائف المؤقتة والصغيرة وأعمال التدريب الدائمة وأساليب العمل بالمُياومة. ظروف العمل السيئة هذه تجعل ظروف الحياة سيئة بدورها. بطريقة مشابهة لكلمة بروليتاريا تم اقتراح مصطلح "بريكاريا" للتعبير عن الشكل الجديد لطبقة مستَغَلَّة. في هذه الأثناء لم يعد استخدام مصطلح تحويل العمال إلى عمال بريكاريين محصوراً بأدبيات التيارات اليسارية والدراسات الاجتماعية، بل دخل في لغة الاستخدام اليومي. وفي إطار يوم أيار/مايو الأوروبي تتشكل مجموعات تناقش نشوء البريكاريا. كما تتشكل لجان عمل خاصة بمواضيع الحماية من التسريح من العمل وعملية المرونة. في عام 2005 عرض نشطاء من ميلانو في مسيرتهم أبطالاً أسطوريين من الورق المقوّى، ومن بينهم كائن أُطلِق عليه اسم سوبر فليكس، كردٍّ على وطأة وضغط المرونة المطلوبة في سوق العمل. كما نودي في إيطاليا بشفيع جديد هو سان بريكاريو الجدير بأن يصلى له.

الطبقات الوسطى – البريكاريا الجديدة

يافطة يوم أيار/مايو الأوروبي
سان بريكاريو قديس نادر وفريد من نوعه، وهو عزاء لكثير من حالات الحياة. يكتشف المرء مدى مسؤوليته عن هذه الحالة أو تلك من خلال أسئلة يوجهها المرء لنفسه: من أين أحصل على مالي غداًً ؟ ما مدى ضمان وظيفتي؟ ماذا سيحصل إذا مرضت؟ كيف أدفع تكاليف دراستي، وماذا سأعمل بعدها؟ لماذا أفكر دائماً بالعمل؟ كيف سأعيش؟ من يشعر بأن أحد هذه الأسئلة أو عدداً منها يلاحقه، يحق له التخوف من ظروف عمل سيئة. ولكن نظرة ثاقبة تبين بأن اهتمامات الساخطين ليست موحدة كما يبدو من النظرة الأولى.

الحديث عن ظاهرة البريكاريا ليس جديداً بأي حال من الأحوال. ظهر هذا المفهوم أوائل عام 1980 في علم الاجتماع الفرنسي للإشارة إلى الأعمال الموسمية أو المؤقتة. وجدت ظروف العمل السيئة دائماً، وهذه الظروف كانت وما تزال شائعة بالمقاييس العالمية حتى يومنا هذا. ولكن لم تشتد حمى انتشار البريكاريا إلا بعد أن قام كل من أنّي و ماريني رامباخ في عام 2001 بنشر كتابهما المثير للجدل تحت عنوان "المثقفون المستغلّون/ Les intellos précaires". قدّم هذا الكتاب صورة لطبقة مثقفة يجب عليها العيش في تناقض بين انتمائها إلى موقع اجتماعي رفيع نسبياً من جهة، ومعاناتها من ظروف عمل سيئة من جهة أخرى. الجديد في الأمر ليس الأوضاع السيئة الناشئة، وإنما اتساع نطاقها ليشمل الطبقات الوسطى في المدن.

من سخرية الأقدار إن الطريق الطويل الذي توجب على طبقة البروليتاريا قطعه مذ كانت على هامش المجتمع وحتى انتشارها تعود إلى قصة نجاح الدولة الاجتماعية في أوروبا. بداية كانت أماكن عمل الآخرين مهددة على مدى عقود. أما انشغال الطبقة الوسطى بانتشار ظروف العمل السيئة والخوف من توفير متطلبات الحياة أو الانتقال إلى حالة الفقر بشكل بطيء فلم يبدأ حتى ظهور الأزمة المالية للدولة. حوّل ما يسمى جيل المتدربين أو العاملين تحت التدريب النظرة على التحوّل المتزايد الذي أصاب وظائف مضمونة إلى نظرة على وظائف مدفوعة الأجر بشكل سيء- تطور أصاب مجموعات أصحاب العمل الحر والعاملين في المجال الثقافي. إن الترقي الوظيفي لهؤلاء ليس صاعداً إلا ما ندر. ولما كان الكثيرون منهم ما يزالون مقتنعين بأن هذه الحالة مؤقتة، فإن ردود أفعالهم تتراوح بين بذل المزيد من الجهد الشخصي، وبين النظرة السلبية للنفس كمثقف في أسفل السلّم.

"المشردون الحضر"

برلين 2006
إن أسلوب وطريقة التعامل في ألمانيا مع ظروف الحياة التي تزداد سوءاً يتم في أحيان كثيرة ضمن النقاش الدائر حول "مصطلح المواطنة الجديدة". من جهة تبحث طبقة المثقفين المهددة بالتسريح من العمل عن مهرب عبر الظهور بمظهر طبقة فقدت أيام عزها، ومن جهة أخرى تظهر استعدادها لتكون مجموعة مشردة من سكان الحضر. أما المفهوم التمجيدي الذي ابتكرته المجلة البرلينية تسيتي Zitty عن "المشردين الحضر" فيصف الحالة كما يلي: تغير بشكل راديكالي ما هو مطلوب من الصحفيين ومصممي صفحات الشبكة والفنانين. على من يعمل في مجال الثقافة في الوقت الحاضر وبشكل خاص في العاصمة برلين أن يتعلم أن يكون مقدم خدمة لا فاصل لديه بين العمل ووقت الفراغ ، وأن يعمل بشكل متواصل بلا انقطاع. وحتى لو كانت قدراته الأخرى (مجمل إمكاناته على التواصل والتنظيم) تفوق المعدل المتوسط، ليس من الضروري أن يتوقع الحصول على وظيفة ثابتة. لذلك يتسكع بحاسوبه المحمول في المقاهي أو في المكاتب المدفأة بشكل سيئ لتنفيذ مشاريع، بينما لا يزال يحصل على المال اللازم لذلك من خلال دعم والديه.

المبدع ككائن يقع بين العامل ورب العمل

تحدث عالم الاجتماع الإيطالي سيرغيو بولونا Sergio Bologna عن القضاء على الطبقات الوسطى من خلال نظرياته التي نشرت مؤخراً عن العمل الحر الجديد. بولونا يعتبر مقدمي الخدمة الجدد كائنات تقع بين رب العمل وطالب العمل. إلى جانب ارتباطهم بالعمل يقومون في نفس الوقت بوظيفة مستثمرين يدخلون رأس المال الثقافي إلى فروع المؤسسات الحديثة التي تقوم بدورها بنقل مخاطر الاستثمار إلى الخارج. ولكن وبما أن دوائر الإنتاج تضيق يوماً بعد يوم، والتغيرات في سوق العمل تزداد سرعة لأن مجموعات الأشخاص التي تقوم بالإبداع تمثل في الوقت نفسه منافساً حقيقاً في هذه السوق، إضافة إلى إن أسطورة الإبداع تحل التناقضات الناشئة بشكل مؤقت، فإن الفرد يعاني في حياته اليومية غالباً من الوحدة القاتلة.

تعد هذه تجربة مرة بالنسبة لأصحاب المهن الحرة من الشباب في المدن. تُرى ألم تكن الطبقات الوسطى من طوّر المجتمع من خلال بدائل عملية. تعد الحياة في المدينة الكبيرة دوماً بفرص أفضل مما يمكن إيجاده في ألف من غرف الجلوس الرطبة. من يجد نفسه هذه الأيام بلا عمل بعد إنهاء المدرسة، سيتولد لديه الانطباع بأن جيل احتجاجات عام 1968 كرّس مفهومه للعمل بتصورات خيالية. حتى موسيقى البوب التي كانت في الماضي تضج باللذة، أصبح فيها الآن مسحة حزن. هل هذه بوهيمية أم طبقة دنيا؟ تسال فرقة برلين "بريتا Britta".

مطلوب مفهوم جديد للعمل

يوم أيار/مايو الأوروبي

حتى الناشطون في حركة "يوم أيار/مايو الأوروبي" لا يبدون على قناعة. رغم إبراز مجموعات مختلفة لدور المهاجرين كمواطنين لا يتمتعون بإقامات آمنة، وهم الأكثر عرضة للاستغلال، فإنه ليس لدى الأكاديميين الشباب العاطلين عن العمل سوى القليل من القواسم المشتركة مع المواطنين غير المتعلمين أو الشباب العرب المقيمين في الضواحي أو مع بائعات الجنس القادمات من شرق أوروبا. إنها طبقات متوسطة تقود أنشطة يوم أيار/مايو الأوروبي. وعلى ضوء ذلك يبقى الصراع دائراً حول ظاهرة البريكاريا كمفهوم وإستراتيجية. تتعلق وجهة النظر فيما إذا كان الشخص المعني يعتبر وضعه المهني قدراً، أو لا يزال يحلم في السر بالحصول على الوظيفة الحلم، أو يضع نصب عينيه موقعاً في النقابة، أو على العكس تماماً يجد في جعل أوقات الفراغ أكثر مرونة جوانب إيجابية تساعد على التقدم. تشير الدراسات النظرية لحركة يوم أيار/مايو الأوروبي بأن البريكاريا دون تعريف اجتماعي للعمل ستصبح مصطلح دعائي. في الواقع تكمن نقطة الحسم على صعيد العمل فيما إذا كان الذين يتم تحويلهم إلى العمل المؤقت مجرد ضحايا التطور الاجتماعي أم طليعة متورطة في نضالات المستقبل.
توماس غروس
نشرت هذه المقالة بلا اختصار في جريدة دي تسايت/ DIE ZEIT بتاريخ 27 أبريل/ نيسان 2006

حقوق الطبع: دي تسايت/ DIE ZEIT

إذا كانت لديك أسئلة على هذه المقالة فلا تتردد بالكتابة إلينا على العنوان التالي:

أيلول/ سبتمبر 2006

ترجمة: د. ابراهيم محمد

مواقع أخرى

أويرو ماي داي

شبكة تنظم مسيرات الاحتجاج في مدن أوروبية كثيرة لمعالجة عدم ضمان وثبات ظروف العمل والحياة

ب ب للإستشارات

شبكة تجريبية لأصحاب العمل الذين يقومون بالعمل وحدهم