إما الثورة أو الموت

تحكي الكاتبة منصورة عز الدين في روايتها "وراء الفردوس" قصة صديقتين شابتين من مصر في فترة السبعينيات والثمانينات. يدور الحوار حول الكتابة والدور الذي يلعبه الأدب والثورة. يدور الحوار حول الكتابة والدور الذي يلعبه الأدب والثورة.

تغلب على الرواية ملامح من السيرة الذاتية. لقد وصف كيرستن كنيب هذا الكتاب بأنه "نوع من آثار الربيع العربي". قام الناقد والمترجم الأدبي والصحفي كرستن بالتحدث مع الكاتبة حول روايتها خلال معرض الكتاب بفرانكفورت.

روايتكم "وراء الفردوس" تسرد قصة سلمى وجميلة، صديقتان شابتان انفصلتا عن بعضهما البعض دون أن يشعرا. هذا بالإضافة إلى أنكم قمتم بتجسيد الصراعات الداخلية لشخصيات أخرى مثل هيام أخت سلمى. ماذا تمثل لكم هذه الشخصيات؟

منصورة عز الدين - وراء الفردوس © Unionsverlagإن هذه الرواية تصف الحياة اليومية في مصر. وهي مليئة بمختلف الصراعات بما في ذلك داخل الأسرة. هناك اختلاف شديد بين الأختين اللتين أقوم بتجسيد شخصيتهما: إحداهما سلمى وهي ذات توجهات تقدمية. أما شقيقتها هيام فلديها مفاهيم أخلاقية تقليدية وتنتقد نمط الحياة الخاص بسلمى. في مقابل ذلك لا تختلف سلمى كثيراً عن صديقتها جميلة. بل يمكننا القول أنهما يعكسان شخصية بعضهما البعض. إن جميلة فتاة ذات شخصية قوية محبة للحرية وإذا ما أصرت على فعل شيء فإنها تفعله. أما سلمى فعليها التعامل مع العواقب التي نتجت عن تربيتها الصارمة وبالتالي فإنها ترى صورة الماضي مشوهة. الأمر يتعلق بهذا النوع من الصراعات والعلاقات الهشة التي تعنيني أنا.

إنه من الملفت للنظر أنكم تهتمون خاصة بالشخصيات التي عليها أن تكافح من أجل تقدمها – تكافح ضد ظروفها الصعبة وضد نفسها. فالشخصيات النسائية غالباً ما يملؤها الخجل والكبت في أغلب الأحيان. من أين جاء اهتمامكم بآليات التثبيط؟

أردت أن أشير بذلك إلى مدى اختلاف التصورات ومدى تنوع نتائج وعواقب التحليلات المختلفة لنفس الوقائع. وأن الناس الذين يتأملون مشكلات المجتمع الذي يعيشون فيه بدقة يتعين عليهم تناولها والتعامل معها أيضاً. يتواجد العديد من أبطال رواياتي في هذا الوضع. يحاولون إيجاد طريقهم في هذا العالم فتواجههم حواجز داخلية وعقبات تعوقهم عن عيش حياتهم. تحلم سلمى، بطلة القصة، كثيراً بالفردوس. فالجنة بالنسبة إليها هروباً من الحياة. إلا أنها بدأت تستوعب بعد ذلك أنه يمكن للمرء أن يصنع لنفسه فردوساً من خلال تعامله مع البيئة المحيطة به.

هل تلك رسالة تودون توجيهها إلى جمهوركم من المصريين بوجه خاص؟

كان يعنيني في المقام الأول أن أقوم بتشخيص إحدى نقاط الضعف المنتشرة على نطاق واسع في مصر. لأن هناك العديد من الناس ممن يرفضون الاعتراف بهذه الجانب من نقاط الضعف. لا يزال الكثير من الناس يقنعون أنفسهم بأن مجتمعهم في أفضل حال ولا وجود لأية مشكلات. وفي مقابل ذلك أردت أن ألفت الانتباه أننا لدينا بالفعل الكثير من المشكلات. نحن نعاني من بعض الميول الطائفية والتي تغزوها مشاعر شديدة العنصرية في بعض الأحيان. كما أردت الإشارة إلى أن أولى الخطوات نحو حل تلك المشكلات يتمثل في عدم إنكار وجودها من الأساس. تدور القصة في إطار مجتمع مثل المجتمع المصري إلا أنه لم يكن من السهل الاعتراف بذلك لفترة طويلة. أقتصر على وصف ذلك في الرواية بأسلوب غير مباشر، إلا أنه في واقع الأمر يتجه الناس بالفعل إلى الحياة في الأحلام والهواجس لأنهم يعيشون في مجتمع يملؤه الفساد.

وتشمل هذه الهواجس أيضاً تلك ذات الطابع الديني.

نعم. جدة سلمى على سبيل المثال تنظر إلى ابنة العامل المسيحي بنظرة مهينة مليئة بالعنصرية. إلا أنني لا أرى أنه من واجبي الحكم على هذا السلوك. ما يعنيني أكثر هو فهم المنطق الداخلي لهؤلاء الناس. هذا ما فعلته أيضاً فيما يتعلق بالمسلم العجوز الذي يحاول إقناع العامل المسيحي بالإسلام. أردت أن ألفت الانتباه من خلال هذا المثال إلى أنه توجد أيضاً صور بريئة للعنصرية: العنصرية بدافع الجهل. يواجه الإنسان الأمور التي لا يعرفها عادة بتحفظ شديد، حتى لا نقول بمعاداة شديدة.

هل ترون أن روايتكم أسهمت إلى حد ما في الثورة؟

بالطبع. إن مهمة الكاتب لا تتمثل في التعبير عن نفسه أو احتلال مكانة عالمية في المقام الأول. فالكتابة عبارة عن مهنة إلا أنها في الوقت نفسه نوع من الالتزام بتقديم المساعدة. فمن خلال الرواية يمكننا إعطاء صوتاً للذين لا صوت لهم ممن يتعرضون للتهميش. إن الكاتب يمكنه تسليط الضوء على الأمور الخفية التي يتم التغاضي عنها بسهولة. وفي هذا الصدد يعتبر عمله هو أسلوبه الخاص في الكفاح من أجل الحرية.

يبدو بوجه عام أن العديد من القراء لم يتعرفوا سوى الآن، أي في وقت متأخر، على المضمون السياسي الذي تحويه الأعمال الأدبية المصرية الحديثة.

هذا صحيح. فهناك العديد من الأعمال التي تركز على قضايا العنف والتعسف والفساد. هذا يشير بوضوح إلى مدى الجمود والاكتئاب الذي عاش فيه المصريون. لقد بات من الواضح أنه على الناس أن يقرروا: إما أن يثوروا أو أن يكون مصيرهم الموت. ولحسن الحظ أنهم قرروا النزول إلى الشوارع.

إنكم تقتربون من القضايا السياسية، حسبما جسدتموها في الرواية، بحذر وبأسلوب غير مباشر. ويتمثل اهتمامكم الرئيسي، على ما يبدو، في سيكولوجية شخصيات روايتكم.

منصورة عز الدين © بريفاتنعم، لأن الرواية تناقش أيضاً وقبل كل شيء قضايا جمالية. عملت قبل الثورة كمحررة أدبية في صحيفة أخبار الأدب. إلا أنني بدأت بعد الثورة في كتابة مقالات سياسية واجتماعية أيضاً. أردت أن أقوم بدوري في الثورة. بعض هذه المقالات لها طابع أدبي خالص إذ أنها تتناول جوانب صغيرة من السهل إغفالها في المجتمع المصري. ولقد لفت انتباهي في هذا الصدد كيفية تغير المجتمع بسرعة. حيث نلاحظ ذلك في الحياة اليومية، وعلى العلاقات بين الأفراد وعلى السلوك المروري. أحاول التمسك بهذه الجوانب في كتاباتي.

لقد ولدتم في عام ١٩٧٦. كيف بدأ اتصالكم بالأدب وماذا كنتم تقرءون أو بالأحرى: ماذا قرأ الجيل الذي نشأتم فيه؟

كنت أقرأ كثيراً منذ الطفولة، فلقد كنت قارئة نهمة. ثم بدأت في سن مبكرة نسبياً بقراءة أعمال نجيب محفوظ وكتاب مصريين آخرين. وانبهرت من جهة أخرى بالأدب الكلاسيكي مثل مجموعة حكايات ألف ليلة وليلة. فمن خلال هذه الحكايات تعلمت شيئاً عن هذا الخيال الذي يلعب أيضاً دوراً بارزاً في الروايات. وكما في حكايات ألف ليلة وليلة اتجهت إلى مزج الخيال بالواقع. لقد تعرفت على قوة الخيال بفضل كتاب أمريكا اللاتينية مثل جورج لويس بورجس أو جابرييل جارسيا ماركيز. كما كان الكاتب المصري طه حسين مصدر إلهام كبير بالنسبة لي، وهذا يرجع إلى لغته في المقام الأول. تعلمت منه أنه بإمكاني الكتابة باللغة العربية الفصحى مع الاحتفاظ بالحيوية الشبابية في نفس الوقت – هذا النمط الذي يتوافق مع عصره. هذا ما أحرص عليه في كتاباتي.

نشرت ترجمة رواية وراء الفردوس في عام ٢٠١١ عن دار يونيون للنشر (ترجمة هارتموت فانريش).
 كيرستن كنيب
 صحفي ثقافي حر وناقد أدبي ومذيع ومترجم. وهو يعيش ويعمل في مدينة كولونيا.

 © litprom – جمعية للنهوض بالأدب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ج.م.
 يناير ٢٠١٢

  الترجمة: هبة شلبي

    كتبنا

    إن دورية كتبنا الموجة للناشرين بالعالم العربي تعرض إصدارات حديثة باللغة الألمانية، وهي بمثابة مقترحات للترجمة باللغة العربية.

    جائزة المترجمين من الألمانية للعربية

    جائزة المترجمين من الألمانية للعربية في مجال الأدب ٢٠١١/٢٠١٢
    تم اختيار الفائزين بجائزة المترجمين من الألمانية للعربية لعام ٢٠١١/٢٠١٢.

    أحصل دائماً أحدث المعلومات

    موضوعات المجلة لمعهد جوته مصر