"الديمقراطية هي الحل"
يقدم الروائي والمؤلف المصري الناجح علاء الأسواني مختارات حديثة من مقالاته المناهضة للنظام باعتباره مناضل يتفانى من أجل الديمقراطية.
كثيراً ما نسمع أن "الربيع العربي" جاء فجأة ودون سابق إنذار. تلك الأحداث التي غيرت المشهد السياسي في تونس ثم في مصر وأخيراً في ليبيا مع بدايات العام الماضي، والتي نستطيع أن نطلق عليها "ثورة" دون مبالغة؛ لم يستطع حتى أشهر الخبراء أن يتنبئوا بها. قيل أن الحكام المستبدين قد قبعوا في مراكزهم وأنهم قد ضمنوا استمرارهم في السلطة أكثر من اللازم وأن الأوضاع قد استقرت بفضل أساليب القمع المتقنة عبر السنين.
يحمل هذا التقدير قدراً لا بأس به من ضيق الأفق من قبل المراقبين للأوضاع في الشرق الأوسط الذين كان ينبغي لهم أن يعرفوا أفضل من ذلك. من جهة أخرى توقع الكاتب المصري علاء الأسواني، المولود في عام ١٩٥٧، سقوط النظام وذلك قبل عامين فقط من اندلاع المظاهرات الحاشدة في ميدان التحرير.

لم تكن تنبؤات استثنائية
يستنتج علاء الأسواني من ذلك أنه سيفشل نظام مبارك إن عاجلاً أم آجلاً وينهار من تلقاء نفسه: وأنه سيتم تحطيم قبضة النظام الحديدية وسوف ينالون جزائهم الذي استحقوه عن جدارة. وهو يعتقد أن هذا اليوم ليس ببعيد عن مصر.
هذه المجموعة المختارة من مقالات الأسواني الصادرة بين ٢٠٠٥ و٢٠١٠ والمتاحة الآن باللغة الألمانية أيضاً، تظهر أن تلك التصريحات كالتي تم الاستشهاد بها، لم تكن تنبؤات استثنائية. فقبل ربيع عام ٢٠١١ بفترة طويلة استطاعت المعارضة المتنامية المناهضة لمبارك أن تجهر صوتها.
فلقد بدأت منذ عام ٢٠٠٤ حركة "كفاية" في ممارسة نشاطها، والتي شارك فيها أيضاً علاء الأسواني. كما تشكلت في عام ٢٠٠٨ حركة ٦ أبريل. ولقد كتب علاء الأسواني في نوفمبر من عام ٢٠٠٩ ما يفيد بأن جميع المصريين يعلمون أن الوضع الراهن لا يمكن الإبقاء عليه أو تقبله بعد الآن وأن التغيير لا مفر منه.
فمنذ فترة بدأ المثقفون والأدباء بالفعل في انتقاد الأوضاع بأسلوب لا يفتقر إلى الوضوح. إن رواية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني التي صدرت في الأساس عام ٢٠٠٢ وسرعان ما أصبحت أعلى الروايات مبيعاً على الصعيد العالمي، كانت بمثابة نافذة على الواقع، حيث تناولت الموضوعات بشكل صريح ومنفتح ومن أمثلة تلك الموضوعات: الهياكل الاختلاسية الفاسدة والتعذيب على أيدي السلطات الأمنية ومهزلة الانتخابات والفقر المدقع الذي يعاني منه المواطنون والمحسوبية المتفشية.
تصفية الحسابات مع سياسة مبارك
وعندما كان من المفترض أن يتم تكريم صنع الله إبراهيم، أحد أشهر المؤلفين المصريين على الصعيد العالمي، بأعلى الجوائز الأدبية المصرية، تحول الأمر إلى فضيحة. ففي نهاية الكلمة التي ألقاها خلال الاحتفالية التي عقدت من أجل منحه الجائزة بدار الأوبرا المصرية وفي حضور كبار مسئولي الحكومة تمادى الكاتب في موجة عارمة من الانتقادات للسياسة المصرية ورفض في النهاية قبول الجائزة من أيدي الحكومة. حيث جاء على لسانه قبل أن يغادر القاعة وسط التصفيق الحاد، أن الكاتب الذي يتحمل مسئوليته بجدية لا يستطيع أن يغمض عينيه أمام تلك الأوضاع الكارثية التي تسود البلاد.
ولعل المثال الثالث الذي يجدر الإشارة إليه هو كتاب "تاكسي" لخالد الخميسي، فعلى الرغم من صدوره في مصر عام ٢٠٠٦، تم تجاهله على الصعيد الدولي إلى أن أصبح "أفضل الكتب التي تنبأت بالثورة المصرية" بعد أحداث الربيع العربي، هذا وفقاً لصحيفة زود دويتشه تسايتونج.
إن تعليقات الأسواني السياسية واعتراضاته فيما قبل الثورة والتي لم تظهر إلا بعد الثورة تعد دليل على اهتمام الغرب المتأخر بـ "الربيع العربي"، وربما يكون إشارة إلى الشعور بالذنب للإخفاق في رؤية كل هذه الدلائل طوال هذه الفترة. إن عجز انتباه الرأي العام تزامن مع الموقف الجيوسياسي للغرب، الذي راهن على استقرار الأوضاع في المنطقة باستمرار وتمسك بمبارك حتى النهاية وهو أمر سيتطرق إليه الأسواني لاحقاً.
انتقاد نفاق الغرب
وبالتالي فإن مطالبة الغرب بالديمقراطية لم تكن سوى نوع من النفاق بالنسبة له. ويروي الأسواني أنه في عام ٢٠٠٩ عندما كان مبارك في زيارة لواشنطون حصل الرئيس أوباما على وعد من صديقه الرئيس مبارك ينص على أن عملية التحول الديمقراطي لا تراجع فيها على الرغم من طول فترتها ومدى تعقيدها. ويشير الأسواني بأسلوبه الذي لا يخلو من السخرية إلى أن أوباما أشاد مرة أخرى بحكمة واعتدال وشجاعة الرئيس مبارك.

ينحدر مستوى الكتاب بشكل ملحوظ في بعض المواضع ويخاطر بالضياع وسط موجة من نظريات المؤامرة الرخيصة كتلك التي يتوقع المرء أن يسمعها في إحدى المقاهي الشعبية. إن انتقادات الأسواني التي تتسم بالهجومية والجدالية وتأتي أحياناً في هيئة نشرات، تنصب في المقام الأول على شخصية مبارك والنظام القمعي الذي يرتبط بها.
وذكر الأسواني أن البلاد قد وصلت في الوقت الراهن إلى هذا الحد من التداعي، بحيث أصبح أعداد المواطنين الذين لقوا حتفهم جراء غرق عبارات أو احتراق قطارات أو انهيار عقارات، تفوق بمراحل أعداد هؤلاء الذين استشهدوا في الحروب التي خاضتها مصر. ويرى الأسواني في شخصية محمد البرادعي أنه المنقذ أو أشبه بالمخلص، وقام بتمجيدها بأسلوب شبه تقديسي في بعض المواضع المثيرة للتساؤل.
في الطريق نحو "إمارة طالبان"؟
ويرى الأسواني أن تأثير الإسلام الوهابي الذي تدعو إليه السعودية أدى إلى انتشار نوع من التدين في مصر في الوقت الراهن يتسم بالسطحية ويفتقر إلى جوهر الدين. ويستطرد موضحاً أن غزو الأفكار الوهابية الرجعية والمتخلفة يعمل حالياً على تحويل مصر إلى إحدى إمارات طالبان، كما جاء على لسانه. فينبغي التصدي لهذا الخطر بتسامح "الإسلام الحقيقي" الذي مجده الأسواني باعتباره حارس حقوق المرأة ومن أوائل ضامني روح الديمقراطية. "الإسلام الحقيقي هو الديمقراطية."
كما تلقى الغرب نقداً لاذعاً أيضاً: يرى الأسواني أن اللهجة المعادية للإسلام والعرب التي سادت في بعض الصحف الغربية منذ عقدين تعتبر رجعية وعنصرية إلى درجة لا تطاق بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني والسياسة الأمريكية التي تحمي مبارك والسياسة الغربية بشكل عام التي تصطبغ بالنفاق والمعايير المزدوجة.
إن نقد علاء الأسواني للنظام المصري والنفاق الديني والمعايير الغربية المزدوجة نابع من وعي وطني. ويكرر الأسواني أن مصر لديها الإمكانيات لتأسيس دولة عظيمة وأنها أعظم مصدر للمواهب في الوطن العربي، مثلما يفعل مع شعار "الديمقراطية هي الحل" الذي يكرره كاللازمة في جميع النصوص.
ويرى أن النظرية المنتشرة على نطاق واسع بأن المصريين ليسوا مؤهلين للديمقراطية بمثابة إهانة من جهة وجهل مخزي بالتاريخ المصري من جهة أخرى. يساهم علاء الأسواني بأسلوب مقنع من خلال نصوصه المتفانية في دحض هذه النظرية المهينة والمخزية.
© قنطرة
يناير ٢٠١٢
الترجمة: هبة شلبي



تكبير







