حسين المزداوي
من قصعة ماشاكو
عندما يتذكر ( الحاج خليفة محمد طيلمون ) قصعة ماشاكو ، وهو الفلاح الذي تحول إلى سائق أجرة مشهور بقبيلة الحارات وكل منطقة سوق الجمعة بطرابلس ، ويستعيد ذكرياته منذ أن كانت سيارته الأجرة القديمة نوع ( هيلمان ) هي الرابط الوحيد بين سكان المحلة والعالم الخارجي ، لا يسع المرء ألا أن يكتب هذا التاريخ المنسي و ( المهزوء به ) .. والذي لا يتعدى الالتفات إليه كلمات على الهامش في إحدى المرابيع ، رغم لغته النقية الصافية ، ودلالاته العميقة .
اشتيوي ماشاكو ، رجل بسيط من محلة الحارات ، لعل أهم ما يميزه ضيق الحال ، وكثرة العيال ؛ ومع كل هذا الفقر النبيل ، فقد كان كريماً بالموجود ، عزيز النفس ، لا يرضى الإهانة . وكحال الليبيين الذين يعتمدون على الله أولاً ، وعلى المطر في رزقهم ، حيث لا أنهار جارية ، ولا عيون دافقة إلا ما ندر ، ينتظرون بصبر فارغ مواسم جودها ، وحالات سعودها ، وكالعادة يأتي الخريف ، وتأتي معه قطعان السحب تفلى في سماء الله ، فتشرئب الأعناق إليها بين رجاء ورجاء .. تمر السحب فارغة أحياناً ، وأحياناً أخرى ملآى تتهادى لتصب حمولتها في البحر ، غصباً عن الإنسان ، الذي نسي أخاه الفقير فيشتد الحال بالناس ، سيما منهم الفقراء ، ويتضرعون إلى السماء بأكفهم وأصابعهم النحيلة ، وتقام صلوات الاستسقاء ، وتعمل المزارات ، فيجود الأغنياء على الفقراء بالأطعمة والولائم ، التي توزع عند قبر ولي ، تحمل عنده قصاع الأكل ، فيأكل الفقير ويشبع الجائع ، وترضى السماء فترسل السحب أمطارها مدرارة ، وتحن بعد قطيعة .
في مثل هذه الأجواء من أربعينيات القرن العشرين ، كان لابد من عمل شيء في قبيلة الحارات التي أصبحت محلة ، لعل السماء ترضى والسحب ترسل خيرها ، و المطر يحتضن الأرض بعد غيبة ، فنحرت الإبل، وقسمت لحومها أكداساً على ميسوري الحال بها ، مقابل قدر مادي معلوم ، ليقوم هؤلاء الأحسن حالاً منهم بإعداد وإحضار صحون الأكل من مأكولات شعبية معروفة مثل الكسكسي والبازين وغيرهما ، ليتجمع بعدها سكان المحلة في الوسعاية القريبة من زاوية سيدي بن عيسى عند قبر الولي سيدي الوحيشي ، لتتوالى مآدب الأكل على الفقراء طيلة الأسبوع ، والناس بين ذاكر شاكر، وشبعان حامد ، ومبتهج ، تجمعهم صلوات الاستسقاء ، وطلب الرحمة من الذي يحن بلا منٍ .
ما إن سمع اشتيوي ماشاكو بالأمر حتى حضر قابضاً في يده بعض النقود التي ادخرها من قوت عياله ، حتى لا يتهم بالبخل والتردد وعدم المشاركة ، و لكنه فوجئ من قبل المكلفين بتسجيل الأسر القادرة على الدفع بأنه استثني رأفة به ، و تقديراً لحالته المادية المعروفة لدى أهل المحلة جميعاً .
رجع إلى بيته غاضباً ، و لم ينم تلك الليلة ؛ فكيف ينام والموقف الذي شعر كأنه إهانة تلقاها أمام جيرانه وأقاربه وأهل المحلة ما فتئت تلاحقه ، فأكداس اللحم وزعت على الرجال ، واستثني هو المحسوب في عداد العاجزين ، وطافت به إشارات الاستفهام والحيرة تنهشه بلا رحمة وطنينها يملأ أذنيه .. وبحساسيته المفرطة شعر بأنها إهانة كبيرة .. كبيرة ، لا يمسحها إلا فعل كبير ، وعرف أن الرجولة والقدرة المادية في بعض المواقف متساويتان .
جمع اشتيوي مصاغ زوجته من الفضة ، وما استطاع أن يدخره ويجمعه من مال ، وقرر الرد بطريقته الخاصة .. بفعل تتناقله المجامع والمرابيع على مدى الزمان .
تجمع لديه قدر من المال كاف حتى يشارك بطريقته الخاصة ، فجمع أفراد أسرته ، وبصبر وكتمان وتحد ٍ، انهمك أكثر من خمسة عشر فرداً في إعداد ( قصعة بازين ) ، ولكن أي قصعة ؛ لقد أنفقوا في إعدادها أكثر من خمس كيلات من دقيق الشعير اللازم لصنعها ، وهو ما يعادل حوالي 70 كيلو جراما ، وكانت القدور تملأ المكان بفقاقيعها معلنة استواء العيش ونضجه ، و كأنها تغازل السماء ، و تقدم إليها هديتها .
ويرى العم اشتيوي أن الكمية يجب ألا تقسم على القصاع العادية المعروفة الحجم ، بل توضع في قصعة واحدة ، فأحضرت واحدة كبيرة جداً ووضع فيها هذا ( البازين ) .. بازين ضخم ، وزن دقيقه فقط في حدود 70 كجم ، فضلاً عن الطبيخ واللحم وغيرهما ، وعملت فوقه النقرة المعتادة التي ملئت بالكثير من القديد ، وتوجت حوافها بإكليل من بيض الدجاج العربي ، وردم سفحها بقطع اللحم ، وصب فوق كل ذلك الطبيخ الساخن .
القصعة الآن جاهزة ، والأطفال يتقافزون حولها طرباً واستغراباً ، ولكن كيف السبيل إلى نقلها باتجاه مكان المزار في يومه الثاني ، بعد أن تباهى منذ اليوم الأول الأكثر مقدرة بقصاعهم التي أضحت هزيلة ؟
هدى التفكير الحاضرين إلى عمل شبكة كبيرة تحت القصعة ، والتف حولها حوالي خمسين شخصاً لنقلها ، وخلفهم الرجال والنساء والأطفال .. انخرط بعضهم في سيل من الأغاني ، وبعضهم الآخر في تكبير و تهليل ، والنساء بملابسهن الزاهية في الخلف يزغردن ، والأطفال يتصايحون فرحاً وانبهاراً وحبوراً .
تقدم الموكب وواسطة عقده قصعة بازين ، تتهادى كالعروس في زفتها ، بطبيخها ولحمها وقديدها وبيضها العربي الذي زينت به كأنه التاج ، فوصل الموكب وأنزلت القصعة بعناية مفرطة ، وذهل الحاضرون من ميسوري الحال .. اشتيوي ماشاكو ، الرجل الفقير المعدم ، يعمل كل هذا .
تركت الصحون التي انكمشت وتضاءلت أمام قصعة ماشاكو الفقير المعدم ، وأقبل الحاضرون بين مستغرب وغير مصدق ، وكانت ساعة فرجة واستمتاع ، ولم يعرف الكثيرون منهم كيف يتعامل مع الرزق الغريب ، وجبل البازين العظيم هذا، فاكتفى بعضهم بقطعة لحم ، أو بيضة ، وبعضهم الأخر بلقمة ، لأن الجالس في هذه الجهة لا يرى من جلس يأكل قبالته ، حيث توارى خلف جبل البازين الهائل .
انتشى ماشاكو ، فجبل البازين العظيم قد رد إليه بعض اعتباره ، وحمل عنه ما رآه إهانة لو بقيت لكانت أثقل على صدره من جبال الهمالايا .
لم تدخل قصعة ماشاكو قاموس ( غينيس ) للأرقام القياسية ، بل دخلت كحدث أسطوري بمقياس ذلك الزمان إلى كل بيت في سوق الجمعة ، و بالذات في محلة الحارات ، وتناقلته الأجيال ، وأصبحت مضرباً للأمثال حتى اليوم ، فيقال ( زي قصعة ماشاكو ) .
وبعد عقد ونصف العقد على هذا الحدث ، قرر أحفاد اشتيوي ماشاكو تكراره ، فعملوا قصعة أخرى مماثلة في المنطقة نفسها ، وأقيم حفل كبير في وسعاية قريبة من سيدي الوحيشي ، وتليت الأذكار، وضربت النوبة والباز ، و علت الزغاريد ، وأحضرت ( قصعة ماشاكو ) الحفيدة مرة أخرى ، بعد 15 سنة من الغياب ، وجادت السماء بأمطارها أكثر مما جاد البشر وأعم .






