إنه الأدب وليس الفايسبوك

في حين أصبح عام ٢٠١١ جزءاً من الماضي، نرى أن موجة الغضب التي تجتاح الشارع العربي لاتزال مستمرة دون توقف. ولا تظهر منها وسائل الإعلام سوى قمة جبل الجليد. أما الأكثر إثارة فهو تطور الأوضاع في الدول التي أطاحت بحكامها الديكتاتوريين، وهي الآن في خضم عملية التغيير المليئة بالصعوبات. في مثل هذه الأوضاع الانتقالية وما يصاحبها من تغييرات جذرية يمثل الأدب وحده، هذه الوسيلة الجيدة والمألوفة بالنسبة لنا، الاتجاه الأفضل. في ظل الضجة المثارة حول وسائل الإعلام الجديدة تلاشت حقيقة هامة، ألا وهي أن الأدب لعب ولا يزال يلعب دوراً حاسماً في الأحداث. يبدو أننا في الغرب لم نعد على ثقة من قدرة الأدب على القيام بهذا الدور، سرعان ما نكفر به ونفضل أن نؤمن بالآلهة الجديدة والزائفة التي يطلق عليها فايسبوك وتويتر.
ولكن هناك من يعكف فقط على تصفح التويتات الثورية لمدة شهر، هؤلاء استيعابهم لما يجري حولهم أقل بكثير بالمقارنة بمن يقرأ القصص التي يسردها الكاتب خالد الخميسي في كتابه "تاكسي" (دار لينوس للنشر)؛ أو من يعرف أعمدة الكاتب علاء الأسواني التي يغلب عليها الشعور بالغضب ("في مصر"، دار س.فيشر للنشر)؛ أو حتى التقرير الدموي للسورية سمر يزبك: "صرخة الحرية. تقرير من داخل الثورة السورية" (دار نشر ناجيل أوند كيمشي).
كل من الخميسي والأسواني كانوا بالفعل في مصر ما قبل الثورة حقاً من أصحاب الكتب الأكثر مبيعاً ولم يحتفظوا أبداً بآرائهم لأنفسهم. لقد تحولت رواية الأسواني "عمارة يعقوبيان" (دار لينوس) إلى فيلم سينمائي من بطولة عادل إمام، أشهر ممثل مصري، وفاقت أعداد مشاهديه أعداد مستخدمي الفايسبوك في مصر.
ويمكن لمن راوده الفضول أن يذهب إلى أبعد من ذلك: لاسيما الشعراء العرب فإنهم دائماً ما ساعدوا على توهج شرارات الثورة. تمنحنا مختارات "لون البعد" (دار نشر تسي.ها.بيك) نظرة شاملة ومثالية؛ أو يمكن قراءة "تحولات العاشق" (دار س.فيشر للنشر) التي صاغها أدونيس، أعظم شاعر عربي، والذي حصل أغسطس الماضي في كنيسة سانت بول على جائزة جوته.
وقد أعلن بالفعل في مطلع السبعينيات الآتي: "عائش في الحنين، في النار في الثورة، في سحر سمها الخلاق". لقد تعرض أدونيس لانتقادات شديدة بسبب تصريحاته المتحفظة حول الثورة في سوريا. ولكنه يعد أحد الرواد الأوائل الذين مهدوا فكرياً لقيام الثورات، وخير دليل على ذلك مقالاته التي صدرت في الخريف عن دار س. فيشر للنشر. الذي يريد أن يتعرف على الفلسفة وراء هذه الاضطرابات، فعليه الاطلاع على سلسلة "نقد العقل العربي " لمحمد عابد الجابري (دار نشر برلن فيرلاج، برلين).
من المفارقات أن يعد في أوقات التحولات السريعة بطء الأدب والكتاب ميزة. نتذكر هنا حديث نيتشه عن "التوق إلى المسافة": إنه الفاصل الزمني في المقام الأول الذي يتيح لنا نظرة شاملة. إن جريدة الأمس قديمة، والتويتات التي مضى عليها ساعة أقدم. أما الأدب فيصل بمرور الوقت لمرحلة النضج مثله مثل النبيذ الجيد. أثناء اندلاع حالة من الهرج والمرج في الخارج نأتي به من القبو ونتذوقه وعندها نعرف حقاً، بأسلوب مختلف عن أسلوب فرسان وسائل الإعلام التي تساير روح العصر، ما يجري من أحداث على مستوى العالم.
كاتب ومترجم، صدر له مؤخراً: "ثورة العقل" (دار ديتس للنشر)
© شتيفان فايدنر / boersenblatt.net
يناير ٢٠١٢
الترجمة: هبة شلبي









