إمساك ما هو زائل

„Gardenia“, les ballets C de la B / Frank Van Laecke / Alain Platel |

ياله من نمط فني مثير للاهتمام، فهو حُر مثله مثل الفن التشكيلي، متحرر من الإطار الضيق للمسرح وبعيد تماماً عن قواعد السينما. إنه الفيلم الراقص الذي يمثل ركناً ينطلق منه المرء دائماً منذ فريد أستير.


يجيب الفنان جيري كيليان - وهو فنان سيريالي بين مصممي الأداء الحركي الراقص - على السؤال الذي يُطرح عن السبب في لجوئه للكاميرا قائلاً "دائماً ما يبتهج الناس عندما يعايشون لحظة لا يمكن استرجاعها. عندما يرقص طفلك، تقوم بتصويره لأنك تعرف أن طفلك لن يرقص بنفس الكيفية مرة أخرى أبداً. كذلك الأمر لدى الكبار، فأجسادهم تتغير في سنواتهم المتأخرة بسرعة تماثل سرعة تغير أجسام الأطفال في سنواتهم الأولى". لا يحب كيليان الكاميرا لعرض هؤلاء الراقصين والراقصات الذين يمكنهم تكرار رقصاتهم، بل يحب الكاميرا لأنها تعرض الشئ العابر الفاني والذي لن يتكرر، مثلما فعل في عمله المستوحى في شبابه من صامويل بيكيت والذي حمل عنوان "East Shadow" (عام 2013)، فيرى المشاهد راقصيه إيجون مادسين و سابينا كوبفربرج في الفيلم كلوحة مبهرة تخلدهما، على الرغم من "فنائهما" من على المسرح بعد أن أصابهما الكبر. 


„East Shadow“ von Jirí Kylián, Monaco Dance Forum (Youtube)

يمكن تشبيه هذا الأمر بعَرَض جانبي عتيق قائم في كل فيلم حتى في عمل آلاين بلاتل "جاردينيا" الذي ظهر في السينما في عام 2014. في هذا الفيلم قام صانع الفيلم توماس فالنر بمراقبة وطرح الأسئلة على ستة من العارضين الساخرين الذين شارفوا السبعين من عمرهم حول عرض راقص قديم بعنوان "Diva Vanessa van Durme" وذلك على هامش العرض الراقص الذي يحمل نفس إسم العمل الحالي (جاردينيا). إن شباب العارضين المسنين الست لم يدم، كما أن أحلامهم وهمومهم وأنماط حياتهم ستكون بعد عشر سنوات مختلفة. وعليه يقوم الفيلم بتثبيت الذكرى عند بزوغهم في الماضي، بينما يحترق رقصهم مثله مثل ألعاب نارية تتبدد في سحب سوداء. 



„Gardenia“, les ballets C de la B / Frank Van Laecke / Alain Platel © Kamiel De Meester (Youtube)

 

لوبي صانعي الأفلام الراقصة

 

يحب المرء الجانب العابر الفاني في الرقص. فالرقص، على ما يبدو، لا يحتاج إلى سيناريو أو جمل موسيقية ويعتبر أقل بقاء من الموسيقى والكلمات. لذلك هل ينضوي الفيلم الراقص تحت نمط فني خاص به؟ نادراً ما يدور الحديث عما يسمى بالأفلام المسرحية أو الأوبرالية، بل في أفضل الأحوال يتم الحديث عن "تحويل عمل لفيلم". كما أن عمل المركز الدولي للموسيقى والوسائط ومقره في فيينا لم يغير من هذا الأمر شئ، حيث يناصر المركز منذ عام 1961 وهو بدايات التلفزيون التعليمي الأفلام الأوبيرالية بشكل خاص، ويشجع - كونه اتحاد لجماعة التأثير في هذا المجال - إنتاج الأفلام على اسطوانات DVD والعروض الحية في صالات العرض السينمائية.

كما أن المركز الدولي للموسيقى والوسائط هو مؤسس مهرجان "Dance-Screen" السنوي، وحل مؤخراً كضيف على مهرجان سان فرانسيسكو للأفلام الراقصة حيث لم يتم تقديم مجرد حدث مسرحي محافظ ضخم، بل سينما كبرى تحاكي غيرها من الكثير من مهرجانات الأفلام الراقصة مثل مهرجان "Pool" في برلين والذي تم تأسيسه عام 2007.

 

هل يمكن تخيل بوليوود بدون رقص؟

 

يتبع النمط الفني للأفلام الراقصة منذ الثلاثينات ومنذ أفلام فريد استير وجينجر روجر الرائعة، يتبع فن كتابة مسرحي خاص يتألف من الفكاهة والبراعة والمفاجأة المؤثرة. في نفس الوقت تقريباً، أي في الأربعينات ومنذ أعمال المخرجة السينمائية والراقصة والمُنظرة السينمائية الأمريكية مايا ديرين يرى النمط الفني للأفلام الراقصة نفسه كذلك كفيلم تجريبي. ويبدو الرقص كسينما كبرى واعدة على عكس المسرحيات والمسرح الغنائي.

لايمكن تخيل بوليوود بدون رقص مثلما لا يمكن تخيل فيلم "البجعة السوداء" (2010) لدارين أرونوفسكي أو "بيلي إليوت" (2000) لشتيفين دالدري بدون باليه. دائماً ما يوجد، خاصة في هوليوود، حالة استثنائية يقوم الرقص بتجسيدها على شكل حركة لا تخضع في ظاهرها لقانون أو لوضع طبيعي. ويضمن الأداء الحركي الراقص لذلك إضافة تكاد تكون لا نهائية للحركة. ويعد الفيديو الموسيقي بعنوان " " لفريق " " الأمريكي مما يحبس الأنفاس، حيث ينتقل في مشهد واحد غير منقطع من عرض راقص يبدأ بأربعة مؤديين إلى جيش من الراقصين يتطلب استخدام طائرة مسيرة تطير على ارتفاع مئة متر في الهواء حتى تتمكن من التقاط كل هذا العدد داخل المشهد. يجذب هذا الجمال الطاغي المشاهدين ويتسبب في زيادة الإيرادات.

 


OK Go: „I Won't Let You Down“, Official Video (Youtube)

 

الفيلم كحيز حُرّ

تحتفي كذلك كل أفلام اليافعين الشهيرة مثل "Dirty Dancing" (1987) بالرقص وثقافة الأندية الليلية كمكان يشهد بداية انتقال اليافعين لحياة الشباب. وعلى أثر موسيقى الهيب هوب وقبلها الفلامنكو ودي سالسا، يتم هنا صياغة الرقص بكل أشكاله في هيئة نزال كبير فيما بين المجموعات المتنافسة. إلا أنه في مثل هذه الأفلام وما بها من الكثير من الدراما والمؤثرات فإننا نتحدث، شئنا أم أبينا، عن أفلام راقصة، حيث أن وصفتها تبدو أكثر قرباً من حيث الاستعراض والموسيقى إلى الرقص المعاصر لها.

منذ الثمانينات تظهر المشاهد في نصف الأفلام الراقصة كبيوت متداعية أو أنفاق غير مأهولة أو أجنحة جذابة. يحتفي الرقص المعاصر في هذه اللعبة بما هو فان بدافع الفقدان الذي تمت صياغته في عصر الرومانتيكية مثله مثل فقدان الحس بالأمان. فالفيلم الراقص يمارس تأثيره بمنطقه الخاص، فيحتفي في أفضل الأحوال بالتسلسل المنطقي للأحداث والناتج عن السبب والتأثير ولكن في حالات أخرى أقل مناسبة يستخدم الفيلم الراقص كل ما في جعبة التلاعب الرقمي بالصور ويسقطه على ضحيته، أي على جسد الراقص.

فيما بين كل ذلك يوجد المجال الحر، كما نراه في "Replaced Vision" (2014) وهو فيلم راقص للأسبانية لارا رودريجيز كروز والذي يدور على حدود ما هو معتاد، فهو يتفكر بقوة في وسائله الخاصة، حيث نرى به عنوان جانبي بإسم "إننا كائنات بصرية" يظهر أثناء قيام اثنين من الراقصين بممارسة الرقص. ويقول الفيلم أن "كل واحد يستجيب للصور" ويموضع راقصيه بإتقان داخل إطار الصورة ويكرر نفس الأداء الحركي على أصعدة بصرية دائمة التجدد بشكل يصل إلى الإسراف. ويتوقف المقال بنتيجة "ضد الشمولية البصرية". يختفي الراقصون وتبقى شاشة بيضاء واحدة. وفي النهاية تطالب كروز بالتخلي أخيراً عن فكرة الفناء بالغة القدم وتعرض بشكل مُلح أن التكرار يعد إجباراً، وهو (التكرار) الشقيقة الصغرى للفناء.