الوصول السريع:
(Alt 1) إذهب مباشرة إلى المحتوى(Alt 3) إذهب مباشرة إلى مستوى التصفح الثانوي(Alt 2) إذهب مباشرة إلى مستوى التصفح الأساسي

مقال لـ ميشائيل زيتشي ويوناس لوشر عن وفاة أجنِس هِلِّر
كانت سفيرة مثالية لنخبة ثقافية

في الـ ١٩ من شهر يوليو ٢٠١٩ تُوفيَت الفيلسوفة وعالمة الاجتماع المجرية وشريكتنا في هذا الحوار متعدد الجنسيات عن عمر ٩٠ عامًا. وقد أعد المشرفان، يوناس لوشِر وميشائيل زيتشي، هذا المقال كتكريم لهذا الصوت الرزين الذي يُحتَذى به ولهذه المدافعة الجريئة عن حرية الرأي والضمير.   

"لا وجود للديمقراطية من دون نخبة ثقافية تختلف اختلافًا جوهريًا عن النخب السياسية والاقتصادية. وأعني بذلك تلك الشخصيات الجديرة بالاحترام التي يُحتَذى بها كقدوة لما لها من إنجازات على المستوى الفكري ولمسؤوليتها الاجتماعية. [...] فالمرء لا يصير جزءًا من النخبة الثقافية بعدد شهاداته الجامعية أو إصداراته الجماهيرية، بل بمستواه الفكريّ ونضاله من أجل كرامة الإنسان وتحقيق التفاهم.". هذا ما كتبته أجنِس هِلِّر قبل أسابيع قليلة في مقال شاركت به في حوارنا متعدد الجنسيات حول انتعاش الشعبوية حول العالم. ولكنّ تواضعها لم يسمح لها بأن تنسب هذه الصفات إلى نفسها كما ينبغي. وبات واضحًا بعد أن رحلت عن عالمنا أنها كانت في حياتها وتفكيرها مثالًا بليغًا لما ينبغي أن يكون عليه أبناء هذه النخبة الثقافية والتي اعتبرتها شرطًا جوهريًا لقيام واستمرار المجتمعات الديمقراطية.     

كانت تشارك بدأب في الخطاب السياسية

على مدى الأيام القليلة الماضية سلَّط الكثيرون الضوء على مستوى أجنِس هِلِّر الفكري، والذي لا خلاف عليه بطبيعة الحال، وكذلك على قصة حياتها المؤثرة التي لم تضعها فقط في مصاف الفلاسفة العظام بل وجعلتها في الوقت نفسه شاهدة عيان على أهوال وتقلبات القرن العشرين. أما من خلال تعاملنا المباشر معها، فلطالما أذهلتنا باستعدادها وحرصها المتواصل، حتى مع تقدمها في العمر، على المشاركة الدؤوبة في الخطاب السياسي وتلبية الدعوات لحضور المؤتمرات وحلقات النقاش، بل وحتى للتدخُّل السياسي، بهمة ونشاط.       

وعندما كنَّا نبحث في الصيف الماضي عن شخصيات بارزة لتأييد مبادرتنا التي دعت للتظاهر في جميع أنحاء أوروبا ضد النزعة القومية ومن أجل الوحدة الأوروبي، كانت هي من أوائل الموقعين عليها. والملفت للنظر أنها لم تكتفِ بالتوقيع على المبادرة فقط بل وساهمت شخصيًا في تنظيم مظاهرة في بودابست. وحينما طلبنا منها المشاركة في الحوار السابق ذكره حول انتعاش الشعبوية قبلت بلا تردد وراحت تكتب أولى مقالاتها بحماس أشبه بحماس الشباب. وكانت دائمًا ما تشعر بالفضول للتعرُّف على شركاء الحوار الآخرين وعلى حججهم وتجاربهم. وإن أكثر ما كان يؤثر فينا خلال اجتماعاتنا ومناقشاتنا معها هو مدى تفانيها من أجل حقوق الإنسان ونضالها المستمر من أجل حرية الفرد وحريات الآخرين في المقام الأول، إلى جانب حرصها الشديد على الفهم وأخذها آراء وتجارب الآخرين على محمل الجد وتحليلها تحليلًا موضوعيًا ونزيهًا.       

سنفتقد أجنِس هِلِّر كإنسانة ومفكرة وشريكة في الحوار ومناضلة في سبيل الحقوق السياسية وكسفيرة مثالية لنخبة ثقافية يهدد غيابها وجود الديمقراطية، كما جاء على لسان هِلِّر نفسها: "إن استقرار الديمقراطية يحتاج إلى نخبة ثقافية أكثر من حاجته إلى مؤسسة سياسية، لأن المؤسسة السياسية كثيرًا ما تميل إلى تقديم معيار الكم على الكيف. ولكنّ المُثُل العليا والقدوات لو قيسَت بمعيار الكمّ فقط، فإن حال المجتمع يتدهور ويتولى الطغاة والمحرضون مقاليد السلطة."