سوق الكتاب إعادة ابتكار متاجر الكتب

مكتبة الأصلوت في برلين
مكتبة الأصلوت في برلين | تصوير: © إيفز سوكسدورف

لقد شهدت المبيعات المحلية للكتب بالمدن الكبرى صحوة جديدة وذلك بعد أن ساد الاعتقاد أنها تحتضر في ظل ازدهار التجارة الإلكترونية. زيارة إلى اثنين من "متاجر الكتب الناشئة" في برلين.

تخيلوا أنكم ممن لديهم استعداد لخوض المغامرات وموهبة في إدارة الأعمال، وترغبون في كسب المال من خلال تأسيس شركة ناشئة في برلين. أنتم تعلمون أن أعداد المشترين عبر شبكة الإنترنت في تزايد، وتراقبون عن كثب ما تشهده المتاجر الإلكترونية مثل أمازون من نجاح هائل. وبالرغم من كل هذا، تحلمون بافتتاح متجر. ما المنتج الذي سيقع اختياركم عليه؟

والآن لتتخيلوا الآتي: أنتم تجلسون في متجر ب"شارع برونِّن" في وسط برلين على منضدة خشبية سوداء كبيرة الحجم. أمامكم فنجان من الكاپوتشينو وعلى يمينكم كومة من المجلات. إضاءة المكان تشعُّ دفئًا وتسوده أجواء مريحة، ربما تحاكي أجواء حانات الفنادق الفخمة إلى حد ما. تخيلوا إذن أن هذا هو متجركم، وأنه العمل فيه يسير بشكل جيد. وماذا تبيعون في متجركم؟ إنكم تبيعون كتبًا!

على الرغم من أنه قد يبدو دربًا من دروب الخيال: إلا أن هذا المتجر موجود بالفعل على أرض الواقع. إن هذا المتجر الذي يحمل اسم "الأصلوت" ومضى على تأسيسه ١٨ شهرًا، يُدار من قبل رجل أعمال يبلغ من العمر ٣٢ عامًا ويُدعى فريتيوف كلِپّ. وقد أجاب فريتيوف على استفسار الكاتب المتشكك بعض الشيء: "أنا راض تمامًا، فنحن ننمو بقوة ويبدو أن فكرتي تؤتي ثمارها بالفعل."

متاجر الكتب كعلامات تجارية

ولكن، كيف يمكن لفكرة تجارية تعتمد في جوهرها على بيع كتب في متجر أن تنجح في عصرنا هذا؟ فمؤشرات متاجر الكتب صغيرة الحجم آخذة في التراجع، حيث بلغت نسبتها ٥٧،٨ بالمائة من إجمالي حجم المبيعات لعام ٢٠٠١ وانخفضت هذه النسبة في عام ٢٠١٢ لتصل إلى ٤٨،٣، أي بما يزيد عن ١٥ بالمائة. يقول البعض أن احتضار هذه الصناعة قد بدأ للتو، وهو ما صرَّح به كارِل هالفّ، مدير شركة ڤيلتبيلد، لصحيفة زود دويتشه تسايتونج. كما يشير هالفّ إلى أن السوق الإجمالية ستخفِّض مساحة الصناعة بما لا يقل عن ٥٠ بالمائة إضافية، فضلًا عن عدد مماثل من المواقع. في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الأشخاص الذين يشترون الكتب عبر شبكة الإنترنت. فنجد على سبيل المثال أن متجر أمازون للبيع عبر شبكة الإنترنت يسيطر على نحو ٢٠ بالمائة من مساحة سوق الكتاب هنا في ألمانيا، في حين أن النسبة بلغت ٤،٥ بالمائة فقط قبل عشرة أعوام.

لهذا السبب بالتحديد يشدد فريتهوف على أهمية التفكير في مفهوم متجر الكتب من منطلق جديد: "ينبغي على تاجر الكتب أن يوفر في يومنا هذا ما هو أكثر من مجرد محطة للحصول على الكتب الأعلى مبيعًا." على مدى عام كامل عمل كلِپّ بدقة على مخطط مشروعه، ووقع اختياره في نهاية الأمر على مزيج من أربعة مجالات تجارية مختلقة: المقهى والمتجر والفعاليات والمتجر الإلكتروني الخاص. يؤكد كلِپّ على أنهم يتكسَّبون في المقام الأول من خلال بيع الكتب في المتجر. إلا أن أهمية سائر المجالات تتمثل في تحديد ملامح جوهر العلامة التجارية الخاصة بمتجر الكتب.لقد أصبح متجر "الأصلوت" الآن علامة تجارية بالفعل وتحتفى به صفحات الصيحات بكبرى الصحف اليومية باعتباره إحدى السمات المحلية للمدينة كل ما في المكان صُمِمَ بحيث يساهم في خلق تجربة تسوق فائقة، بدءًا من المصابيح التي تعود لأشهر المصممين ومرورًا بالأكياس الورقية الرائجة ووصولًا إلى الأقلام الرصاصية الأنيقة التي تحمل شعار "الأصلوت". ويؤكد كلِپّ أن هذا التطور يسري في جميع القطاعات، وأنه ينبغي الالتفات إلى السياق لاسيما لمن لديه رغبة في بيع المحتويات.

متاجر الكتب كمراكز ثقافية

إن دِتلِف بلوم على أتم الاقتناع أيضًا بأن متاجر الكتب لديها مستقبل مؤكد حتى في ظل عصر المتاجر الإلكترونية من أمثال أمازون. إن بلوم هو رئيس اتحاد بورصة تجارة الكتب الألمانية، ويقيم في ڤيست إند أي في الطرف الآخر من المدينة تقريبًا. إلا أنه يراقب المشروعات الناشئة مثل الأصلوت عن كثب. ويقول في هذا الصدد: "أعتقد أن الأمر المميز في هذا الشأن هو كون تجَّار الكتب من الشباب يتجهون بلا أدنى هوادة إلى تنفيذ تصور بعينه على أرض الواقع. وهذه الرؤية ترتبط بما يتمنوه من وجهة نظرهم في متاجر الكتب، أكثر من ارتباطه بالتصور التقليدي حول كيفية جذب جمهور عريض إلى المتجر."

يشير بلوم إلى أن هذا النمط الجديد من متاجر الكتب يرى نفسه بمثابة نقطة التقاء لذوي الأفكار المتشابهة أو مراكز ثقافية تتواصل شبكيًا بشكل وثيق في إطار الحي المعني. "وهذا المفهوم في اعتقادي يلقى صدى في الوقت الراهن." وأرجع بلوم ذلك أيضًا إلى وضع برلين الخاص في هذا الصدد؛ فبالرغم من تراجع هذا الاتجاه في ألمانيا بشكل عام، إلا أن أعداد متاجر الكتب في هذه المدينة لم تتراجع منذ ثلاثة أعوام.

التشابك الوثيق في إطار الحي

Berliner Buchhandlung Uslar & Rai Berliner Buchhandlung Uslar & Rai | © Markus Schädel
وتلك السمتان، الإصرار فيما يتعلق بتنفيذ المفهوم والتواصل الشبكي الوثيق في إطار الحي، تتبناهما كاتارينا فون أوسلار، مديرة مكتبة أوسلار & راي الناشئة في برلين، إلى حد بعيد. فقبل عام عزمت كاتارينا جنبًا إلى جنب مع الكاتب إدجار راي على تأسيس متجر للكتب في جادة شونهاوزِر. ثمة تشابه في حقيقة الأمر بين دوافع كل كاتارينا وفريتيوف كلِپّ في هذا الشأن، مع الأخذ في الاعتبار أنها تعرفه شخصيًا. وتقول كاتارينا في هذا الصدد: "لقد تعمدنا التأسيس في هذا الوقت بالتحديد لأننا نؤمن بقدرتنا على الوصول بمفهومنا إلى جمهور يتشابه معنا في ذوقه وميوله إلى حد كبير."

ونظرًا لكون كاتارينا فون أوسلار وإدجار راي كثيرًا ما يجدان القراءات مملة. فإنهما يتجهان إلى دعوة مجموعة من الأشخاص، معظمهم من أصدقاء الأصدقاء، لتقديم كتبهم المفضلة. "إنه لأمر مثير للغاية أن يتعرف المرء على ما يفضله مختلف الناس في القراءة وأسباب تفضيلهم لتلك الكتب بالذات." علاوة على ذلك يتم اختيار المعروض وفقًا للذوق الشخصي بشكل متعمد. "على الرغم من أننا لا نستطيع الاستغناء تمامًا عن الكتب الأعلى مبيعًا، إلا أنني أعتقد أن أولئك الذين يشترون الكتب التي نفضلها نحن من وجهة نظرنا الشخصية هم من يحققون لنا المكاسب في المقام الأول."

وتقرُّ فون أوسلار بشكل صريح، أن هذا كله لن ينجح بطبيعة الحال إلا في إطار البيئات المتجانسة في أحياء المدن الكبرى، كما هو الحال في مقاطعة برِنتسلاور بِرج. وهذا يتضح بشكل خاص من خلال القضية التي أُثيرت حول أمازون: "من ناحية، نستفيد بطبيعة الحال من التغطية السلبية الشائعة حاليًا والمتجلِّية في هذا الحي بشكل واضح. ولكن من ناحية أخرى، يعتمد الكثير من عملائنا منذ وقت طويل على الشراء الإلكتروني، ولذا فإنهم يشعرون أن شراء الكتب من متجرنا من آن لآخر يعد بمثابة تجربة جديدة ومثيرة.