حوار مع أحمد العطار „الفن يغير من التفكير على المدى الطويل“

راقصون خلال البروفات في ستوديو عماد الدين
راقصون خلال البروفات في ستوديو عماد الدين | Mostafa Abdel Aty

أسس المخرج والمؤلف المسرحي والمنتج أحمد العطار مؤسسة ستوديو عماد الدين (SEE) في عام ٢٠٠٥. علاوة على ذلك يشغل أحمد العطار منصب المدير الفني لمهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة (دي-كاف) ومدير مسرح الفلكي. ويتحدث في حواره عن أهمية الساحات الفنية الحرة والمسرح المستقل، وعما يتمتع به الرقص المعاصر من جاذبية في مصر.

ما هو السبب وراء إقدامكم على تأسيس ستوديو عماد الدين في عام ٢٠٠٥؟

تسنى لي في عام ٢٠١٤ التعاون مع مهرجان برلينر فيستشبيله (Berliner Festspiele) في إطار إنتاج مشترك. لقد كان مشروعًا كبيرًا. وعلى الرغم من أنني تلقيت كل ما كنت في حاجة إليه من دعم مالي، إلا أن البروفات كانت لا تزال تُجرى في منزلي الخاص. فتساءلت، إن كان هذا هو وضعي، وربما أكون الشخص الوحيد في القاهرة الذي تلقى إنتاجًا مشتركًا من قبل مثل هذا المهرجان المرموق، فما بال الآخرين؟ ما مدى صعوبة الأمر عليهم؟ فاتجهت إلى تأسيس استوديو بنفسي.

ما هي طبيعة العلاقة بين المشهد الثقافي الرسمي المُدعَم من قبل الدولة والمشهد الثقافي المستقل؟

تُدار شؤون الدولة من قبل الحكومة باعتبارها السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد. وهي لا تعترف سوى بالقطاع الخاص، وكأن الجهات الفردية الفاعلة لا وجود لها على الإطلاق. وهذا خطأ كبير من وجهة نظري.

يوفر ستوديو عماد الدين ساحات وكذا ورش عمل، أليس كذلك؟

كلاهما يرتبط معًا ارتباطًا وثيقًا. فأنا أنتمي إلى هذا المجال ولدي رؤية محددة عن احتياجاته وأوجه النقص فيه. وإن تدريب الأفراد وتأهيلهم لا يقل أهمية عن توفير الساحات اللازمة لهم. ولذلك يفتح الاستوديو أبوابه أمام الجميع، فيمكن لأي شخص أن يقصده للعمل على مشروع ما، سواء عرض مسرحي أو أداء راقص أو فيلم ...

ينطوي ستوديو عماد الدين على مفهوم ذو توجه دولي...

هذا صحيح، لأننا شعرنا أن الفنون الأدائية في مصر تتخلف عن الركب بمراحل وذلك مقارنة بالمشهد الدولي. وعلى الرغم من أننا نرغب في توفير تلك الخبرة الدولية والاستعانة بها، إلا أن هذا لا ينفي وجود شخصيات متميزة ومجتهدة في مصر نسعى كذلك للتعاون معها.

ماذا تعنون بـ "تتخلف عن الركب بمراحل"؟

إن المشهد المسرحي في مصر، سواء العام أو الخاص، يبدو قاتمًا للغاية. حيث تنتج دار الأوبرا المصرية والمسارح الحكومية أعمالًا متدنية الجودة، أما المسارح الخاصة فقد اختفت تمامًا من الصورة. وإن هذا التأثير السلبي قد بدأ منذ السبعينات من القرن الماضي: ففي وقت ما توقف الناس عن الذهاب للمسرح نظرًا لتردي جودة الأعمال المنتجة. وهو ما يعني في الوقت نفسه، أن الجمهور سوف يجد طريقه إليه مرة أخرى حين يحرص المسرح بدوره على عرض أعمال عالية الجودة

ولكن يبدو أن الرقص المعاصر يشهد نشاطًا ما، ففي شهر يناير أقيمت الدورة الخامسة من مهرجان "البقية تأتي" الذي يُنتجه ستوديو عماد الدين، علاوة على فعالية "ليلة رقص معاصر" وكذا مهرجان "نسيم الرقص"...

صحيح! تعود بدايات تلك الفعاليات إلى منتصف التسعينات. ومن أبرز الأسماء في هذا الصدد كريمة منصور وكريم التونسي وغيرهم. وسرعان ما اكتسبت زخمًا لأن الشباب قد وجدوا في الرقص المعاصر شكلًا فنيًا حرًا ومتحررًا من التقاليد على عكس المسرح. وهو ما جذب الراقصين والجمهور على حد سواء.

هل أدخلت السنوات الثلاث الأخيرة تغييرًا على الرقص والمسرح في مصر؟

لم تتغير الأوضاع في القطاع المستقل عن سابق عهدها، لأن الدولة لا تولي أهمية للثقافة. وعلى الرغم من أننا اكتسبنا القليل من الحرية مقارنة بالسابق، فما من أحد يهتم حقًا في الوقت الراهن؛ ولكن هذا لا يعني أنه من الضروري أن يستمر الأمر على هذا الحال. لا شك أن الأحداث تجد طريقها إلى الفن ولكنني أراه من السذاجة أن نعتقد أن اندلاع الثورة يعد سببًا كافيًا لتحولها إلى مصدر إلهام للفن في العام التالي مباشرة. وعلى الرغم من أن الجميع يسعى إلى معالجة قضية الثورة، إلا أنني أعتبر هذا فنًا مُسَيَّسًا. فالأمر يتطلب بعض الوقت، لتُدْرَك وتُستَوعَب تلك الأحداث.

ما هو أعظم نجاح في مسيرة ستوديو عماد الدين؟

إن ستوديو عماد الدين هو أكثر من مجرد حيز مادي. فهو ساحة فكرية حرة، يمكن للجميع الاستفادة منها على قدم المساواة، بغض النظر عن هويتهم، فالناس يشعرون بالانتماء والألفة في هذا المكان. وأعتقد أن هذا هو أعظم نجاح بالنسبة للاستوديو. نحن نهدف في المقام الأول إلى بث روح الحماس في الناس. وأنا أعلم أن مهرجان دي-كاف وكذا مسرح الفلكي يبثون روح الحماس والإلهام في الجمهور. وهذا يرجع إلى التزامهم ببرنامج يبدأ في وقت محدد ويسير على نحو سلس. وتلك تجربة رائعة للجمهور.

يزخر المشهد الثقافي بالأحداث حتى من قبل اندلاع الثورة. لقد شهدت العقول تغيرًا حقيقيًا. فالفن يغير من التفكير على المدى الطويل، لأنه يؤثر فيها بأسلوب أكثر براعة مقارنة بالسياسة على سبيل المثال. بمجرد أن يفتح الشخص الباب، وإن كان لبرهة قصيرة، يتسلل الضوء داخل المكان، فيغير من كل شيء... لاسيما في المجتمعات المغلقة. الأمر أشبه بحبس فئران داخل صندوق، ثم يُفتَح الصندوق للحظة وجيزة ليتسلل الضوء إلى الداخل. فحتى وإن أُغلق الصندوق مرة أخرى، سيظل ذلك الضوء محفورًا في ذاكرة الفئران. ونحن نشبه الفئران في بعض النواحي.