البيئة العرفان للقائمين على جمع القمامة بالقاهرة

منطقة منشية ناصر
منطقة منشية ناصر | Goethe-Institut Kairo/Sofian Naceur

تنطوي العاصمة المصرية، القاهرة، على آلية فريدة من نوعها لتصريف القمامة، قادرة على إعادة تدوير نحو ٨٥ بالمائة من المخلفات المجمعة. إنها نسبة فريدة من نوعها، لا تحققها البلدان الأوروبية ولو جزئيًا.

منطقة منشية ناصر هي إحدى أكبر الأحياء غير الرسمية بالقاهرة، وتعد مركزًا فريدًا من نوعه لإدارة النفايات. وإن من يطلق عليهم في العربية "الزبالين" يقومون في الوقت الحالي بتخليص المدينة من نصف النفايات المتولدة يوميًا. يُجَمع يوميًا أكثر من ٦٠٠٠ طنًا من القمامة وتنقل بعد ذلك إلى إحدى الأحياء الستة، حيث تُمَزَّق وتُضغَط ثم تُباع كمواد خام مرة أخرى. وفي إطار هذه العملية تُفرَز جميع أنواء النفايات يدويًا، بدءًا من القمامة الخاصة بالمنازل ووصولًا إلى نفايات المستشفيات. فالفضل في قدرة القاهرة على تحقيق نسبة إعادة تدوير تبلغ ٨٥ بالمائة يعود إلى الزبالين. في الوقت الذي تنخفض فيه معدلات إعادة التدوير في أوروبا إلى درجة تبعث على السخرية.

أرسى الزبالين نظامًا فريدًا من نوعه ونجحوا في تنظيم عملية تصريف النفايات في جميع أنحاء المدينة دون تدخل من قبل الدولة. إلا أنهم تحولوا على الرغم من ذلك إلى فئة منبوذة على مدى عقود. يتجه القائمون على جمع القمامة في القاهرة في الوقت الحالي إلى اتخاذ خطوات هامة في سبيل الاعتراف بهم من قبل الدولة. يقول عزت نعيم جندي، مؤسس جمعية "روح الشباب" القائمة بالمساعدات الذاتية في منشية ناصر: "أسسنا ٧٥ شركة موزعة على الأحياء الستة المعنية بجمع القمامة، من بينها ٢٥ شركة تعمل الآن رسميًا مع السلطات المحلية في الجيزة. علاوة على ذلك، تلعب د. ليلى إسكندر، الوزيرة الحالية للتطوير الحضاري والعشوائيات، الدور الرئيسي في إضفاء الصبغة الرسمية على الشركات المؤسسة من قبل من يطلق عليهم إسم الزبالين. ويؤكد عزت جندي أنها جعلت عملية إصلاح إدارة النفايات في القاهرة من الأولويات، وذلك بعد تعيينها وزيرة للبيئة في عام ٢٠١٣. ويشير إلى أنه بضغط من د. ليلى إسكندر كلَّف محافظ الجيزة الزبالين رسميًا بإزالة النفايات في ثلاثة أحياء بالجيزة. ما من شك أن مثل تلك الإصلاحات لا يمكن تطبيقها بين عشية وضحاها. إلا أن عزت جندي يرى أنهم قد اتخذوا خطوة كبيرة للأمام. فتنظيم عملية تصريف النفايات في القاهرة لم يكن رسميًا حتى ذلك الوقت.

إدارة النفايات الإقطاعية

تصل نسبة المسيحيين الأقباط إلى ٩٠ بالمائة من سكان الأحياء الستة المعنية بجمع القمامة في القاهرة الكبرى. ففي الخمسينيات من القرن الماضي انتقلت آلاف الأسر القبطية من صعيد مصر إلى القاهرة. واستقر العديد منهم في حي الشرابية بشمال القاهرة متمسكين بتربية الخنازير، وعملوا في جمع القمامة لدى من يطلق عليهم إسم "الواحيين"، ممن انتقلوا من غرب مصر إلى العاصمة إبان العشرينيات وأصبحوا منذ ذلك الوقت هم المسئولون عن إزالة النفايات. فقد دفع الواحييون لملاك المنازل مبلغًا في مقابل الحصول على حق السماح لهم بجمع النفايات من المباني، واتجهوا من جهة أخرى إلى جمع رسوم من السكان مقابل تصريف النفايات. وقد باع الواحييون تلك النفايات بوصفها وقودًا إلى الحمامات الشعبية والأفران بهدف إشعال المواقد، مع العلم أنها لم تكن سوى نفايات عضوية في ذلك الوقت. ولكنهم أصبحوا بحاجة إلى العثور على مشترين جدد حين اتجه القائمين على الأفران والحمامات الشعبية إلى إشعال المواقد بزيت الوقود. وقد عثروا بالفعل على ضالتهم حين مرروا حق السماح بجمع النفايات إلى الزبالين مقابل أجر. واعتمد الزبالين على تلك القمامة في تغذية خنازيرهم. ومنذ أن تولى مجتمع الزبالين الجانب التنفيذي في عملية تصريف النفايات، أصبح الواحييون بمثابة مقاولين فرعيين يحصِّلون رسومًا مضاعفة، مرة من الأسر وأخرى من الزبالين. وقد ظلت تلك الإقطاعية الجديدة، التي اتخذت طابعًا غير رسمي، مستمرة جزئيًا حتى يومنا هذا. ولازال الواحييون يتحكمون حتى الآن في التواصل مع الأسر، واستطاعوا بذلك أن يحافظوا على دورهم كوسطاء.

تربية الخنازير في مصر

منذ أن استقروا في القاهرة دُمِرَت مستوطنات القائمين على جمع القمامة عدة مرات. كما تم إجلائهم من حي الشرابية وكذا من حي إمبابة. وفي السبعينيات أسس الزبالين حي المعتمدية، وهو الحي الوحيد بالجيزة القائم على جمع القائمة في الوقت الحالي. إلا أن الجزء الأكبر منهم استقر منذ ذلك الحين على مشارف منشية ناصر. حيث تطورت عملية إزالة النفايات لفترة من الوقت دون تدخل من قبل الدولة - ولكن من دون دعم أيضًا. واستمر هذا الحال حتى عام ٢٠٠٩. فمع بداية هيستريا أنفلونزا الخنازير، أمرت وزارة الزراعة المصرية بإعدام جميع الخنازير. وقد وصل عدد الخنازير المعدمة رسميًا إلى ٣٠٠٠٠٠ خنزير، إلا أن جندي يرى أنهم كانوا ضعف هذا العدد. كما أكد جندي أن الحكومية رضخت آنذاك للإسلاميين واستغلت الوضع للتخلص من تربية الأقباط للخنازير، تلك المسألة المبغوضة من قبل العديد من الناس. وفقد مجتمع الزبالين بذلك ثلثي دخلهم بين عشية وضحاها، فبيع الخنازير كان يدر عليهم قدرًا أكبر بكثير من الإيرادات مقارنة بالمواد القابلة لإعادة التدوير. وعادت في الوقت الحالي تربية الخنازير مرة أخرى، إلا أن ذبحها لا يتم إلا في شركات صغرى فحسب. ليتضاعف بذلك نسبة العائد على كل كيلو تقريبًا. وعلى الرغم من عدم وصولهم إلى مستوى دخلهم قبل عام ٢٠٠٩ مرة أخرى، إلا أن المؤشرات تسجل تقدمًا.

ولكن ظروف المعيشة في أحياء جمع النفايات لا تزال كارثية. فنظرًا لكون تأسيسها غير رسمي، فإنها تفتقر إلى شبكات المياه والكهرباء الصالحة. كما تعاني من ارتفاع معدل وفيات الرضع ونقص المستشفيات والمدارس. يزاول مجتمع الزبالين عمله في معظم الأوقات من دون ملابس واقية، مما أدى إلى الانتشار السريع لبعض الأمراض مثل الالتهاب الكبدي الوبائي "سي". ينشط عمل العديد من المنظمات غير الحكومية في الأحياء المعنية بجمع النفايات بالقاهرة. إذ تسعى من خلال مشروعات المعونة إلى تحسين ظروف المعيشة في مجالي الصحة والتعليم.

فشل القطاع الخاص

حاولت الحكومة بكل جهدها ألا تنخرط في تعاون مع مجتمع الزبالين. ففي عام ٢٠٠٣ كلفت أربعة شركات أوروبية لتصريف القمامة بإدارة النفايات في القاهرة الكبرى، إلا أن المشروع باء بالفشل. فقد عجز مقدمو الخدمة في كثير من الأحيان عن المرور في الأزقة بشاحناتهم الكبيرة، واتجهوا بدلًا من ذلك إلى وضع حاويات القمامة في الأحياء، أملًا في أن يلتزم الناس بتفريغ نفاياتهم بداخلها. ولكنها ظلت غير مستخدمة، لأن الزبالين اعتادوا على جمع النفايات من أمام أبواب الشقق على مدى عقود. إضافة إلى ذلك، عجزت شركات تصريف النفايات عن تحقيق نسبة إعادة التدوير المنصوص عليها تعاقديًا والتي بلغت ٢٠ بالمائة. ولا تزال شركة واحدة من الشركات الأربعة تعمل في القاهرة حتى الآن. أما محافظة الجيزة، فهي لم تجدد العقود المنتهية الصلاحية وتسعى الآن إلى التعاون مع مجتمع الزبالين. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: إلى متى ستظل هناك شخصية موالية لهم في الحكومة. ففي صيف ٢٠١٤ عينت د. ليلى إسكندر وزيرة للتخطيط الحضاري بعد أن كانت وزيرة للبيئة. إلا أن جندي لا يتوقع بقاء ليلى إسكندر في منصبها مع إقتراب الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في الشتاء. ولكنها ستواصل حتى ذلك الحين جهودها نحو إضفاء الصفة الرسمية على مجتمع الزبالين وكذا في مجال إصلاح إدارة النفايات، فضلًا عن رصدها تمويلًا لتعزيز الدعاية لعملية فصل النفايات، والتي لا تزال فكرة مستحدثة على ضفاف النيل.