"حرة تي في" كوميديا طفولية في مواجهة عادة فظيعة

المسرح لمواجهة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث
المسرح لمواجهة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث | Elisabeth Lehmann

"حرة تي في" تجوب مصر وتحاول عن طريق المسرح نشر الوعي لمواجهة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث.

يرتدي أحمد فستانًا وردي اللون ويجري بين صفوف الكراسي مصدرًا صوتًا رفيعًا حادًا، ويتبعه سامي مناديًا: "يا قطتي، كيف حالك؟". رجل يلعب دور امرأة، كان ذلك مُسليًا جدًا بالنسبة للجمهور في القاعة الصغيرة. الفتيات بين الجمهور تضحكن حتى البكاء، رغم أن المسرحية تعالج موضوعًا لا يدعو الفتيات للضحك.

توقفت مجموعة "حرة تي في" في محطة في قرية كوم بوها بالقرب من أسيوط في جنوب مصر. يتكون فريق "حرة تي في" من ثلاثة ممثلين والمخرجة ندى ثابت. يجولون معًا عبر البلاد ليعرضوا بطريقة كوميدية طفولية حياة فتاة مصرية، وهي حياة تنطبع من بدايتها بالوصاية والقيود ـ كما ينتمي إليها أيضًا موضوع "تشويه الأعضاء التناسلية".

أكثر من ٩٠% من المصريات تعرضن لعملية ختان

"يجب أن تختني ابنتك، وإلا سيكون مصيرها الانحراف، وستنظر يمينًا وشمالاً." بدّل سامي الدور الذي يلعبه، ويقوم الآن بدور سيدة عجوز؛ يرتدي طرحة زرقاء، ويحاول بحركات مبالغ فيها أن يوضح لابنته أنه يجب عليها أن تستمر في عادة الختان. ولكنها تمانع.

وتقاطع ندى ثابت المشهد وتسأل الفتيات، حوالي ٤٠ فتاة في القاعة، "ماذا رأيتن؟" ـ ترتدي الفتيات أغطية رأس ملونة وتنورات طويلة، وبعضهن تعلقت أنظارهن بهواتفهن المحمولة. تختلف أعمار الفتيات، بعضهن يناهز الثالثة عشر، والأخريات العشرين. ولكن شيء يجمعهن: كلهن تعرضن لعملية ختان. وبالتالي فهن من ضمن ٩٠% من المصريات التي تقول عنهن منظمة اليونيسيف أنه قد تم بتر البظر والشفرين لهن، عندما كن في سن بين ٩ و١٥ عامًا، أحيانًا بواسطة طبيب وأحيانًا كثيرة بواسطة "ختّانة" القرية. وفي البداية لا ترغب أي من الحاضرات في الحديث عن ذلك لشدة خجلهن.

الختان ظاهرة موجودة بين أتباع كل الأديان

تقول ثابت: "لذلك نحن هنا. نريد بتلك الفعاليات أن نتحدث عن موضوع الختان الصعب، وأن نقوم بذلك خارج إطار الدين والطب، بصورة عملية". قامت بتأليف المسرحية وباعتها للأمم المتحدة التي ستمول تقريبًا ١٦٠ عرضًا حتى نهاية العام.

يُعد تشويه الأعضاء التناسلية في مصر عادة تضرب بجذورها لمئات السنين، ولا تتعلق لا بالدين ولا بالثقافة أو المنشأ الاجتماعي. إنها تشبه العادات القبلية التي انتشرت عن طريق النيل الذي يُعد شريانًا تجاريًا. تم تجريم الختان منذ عام ٢٠٠٨، إلا أن التقاليد أقوى من القوانين.

الفتيات الصغيرات يرغبن في القضاء على تلك العادة

وتسأل ندى الفتيات عن أي الأطراف على خشبة المسرح يجدنه أفضل، العجوز أم ابنتها. وببطء يذوب الجليد، ويقولن بأصوات متداخلة إنهن يقفن في جانب الابنة. ثم تستجمع غادة عبد الصبور شجاعتها وتقول: "كلنا هنا مختونات طبعًا". ترتدي الفتاة ابنة الثمانية عشرة ربيعًا ملابس كلها زرقاء، وتلمع عيناها بصورة فوق العادة، وهي مصرية. كما تتمتع بضحكة تتسم بالانفتاح والوعي. وهنا في هذه الغرفة المحمية، بعيدًا عن الرجال والأسرة، تتحدث غادة عما يجول بخاطر كثير من الفتيات وتقول: "بكل تأكيد لن أختن بناتي، كي لا تعانين كما عانيت".

يتفاعل بالدرجة الأولى جيل الشباب بانفتاح كبير مع المسرحية، كما تقول ثابت في أثناء استراحة قصيرة بين عرضين. تجلس الفرقة في مقهى على ضفاف النيل تشرب الشاي وتستجمع الطاقة. تؤدي المجموعة في المتوسط ثلاثة عروض يوميًا، كل مرة في قرية جديدة ومع أشخاص آخرين، وفي كل مرة يكون نفس الموضوع. "من المهم لنا أننا لا نقوم بتعليم الناس. لا نقول لهم الختان جيد أم سيء." تقوم ندى بالتقاط بعض الصور للمجموعة وتنشرها على الفيسبوك. "إننا نستمع لجميع الآراء، ولكن في آخر الأمر يجب عليهم أن يتخذوا قرارهم بأنفسهم. فنحن سنتركهم ونرحل على أية حال."

خصوصًا الكبار يمارسون ضغطًا

إنها عوالم مختلفة تتصادم عندما تصل ندى وزملاءها إلى أي قرية. وفي العرض الثاني اليوم تضج القاعة أيضًا بالضحك عندما يجري أحمد بفستانه الوردي عبر الصفوف ويتبعه سامي وقد وضع على رأسه الطرحة الزرقاء. وفي هذه المرة كان بين الحضور سيدات كبيرات في السن ممن يقلدهن سامي. ورغم أن بطة عبد المنعم قد شاهدت المسرحية، إلا أن رأيها بالتأكيد لن يتغير: "هذا أمر واجب، الختان ضروري"، كما رددت السيدة ذات الخمسين ربيعًا عدة مرات بإصرار. "إنه يساعد الفتيات على أن تبقين عفيفات". ولكنها لم تُجب على السؤال عما تفهمه تحت العفة.

طلبت إحدى الحاضرات الكلمة وقالت أن لها ابنة في الثالثة عشرة وتفكر منذ فترة طويلة إذا كان عليها أن تختنها أم لا. ولكنها بعد أن شاهدت المسرحية أصبحت متأكدة من أنها لن تقوم بذلك. إن تلك النجاحات الصغيرة هي التي تشجع فريق "حرة تي في" على الاستمرار في تكرار عرضه.

"حرة تي في" هو مشروع أطلقته عام ٢٠١١ شركة " نون للإبداع"، التي تُعد ندى ثابت إحدى مؤسساتها، وتقدم ورش عمل وتدريبات في مجال الفنون التمثيلية. ويعتبر أهم ما في الشركة المجموعة المسرحية "فرقة شطة المسرحية"، التي تقوم ندى ثابت كثيرًا بجمع ممثلين مسرحيين عرب تحت اسمها للقيام بمشاريع مختلفة.

تم إطلاق مشروع "حرة تي في" خصيصًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو الذي يقوم بتمويله. ويقوم المشروع على رفع مستوى وعي سكان المناطق الريفية تجاه المواضيع الاجتماعية الحساسة والصعبة من خلال الفن.