أفلام الوثائقية أم غايب

بطلة الفيلم الرئيسية، حنان
بطلة الفيلم الرئيسية، حنان | Sara Yehia

من العادات المتجذرة في صعيد مصر مناداة النساء بأسماء أبنائهن بدلًا من أسمائهن من باب الخجل. فيقال أم فلان. وإذا لم يكن لديهن أبناء، يُنادون باسم أم غايب. وهو ما يعني حرفيًا: أي أم الغائب أو الذي لم يحضر بعد. وهكذا أطلقت نادين صليب على أحدث أفلامها الوثائقية الطويلة.

فقد دفع هذا المصطلح المخرجة الشابة إلى الانطلاق إلى صعيد مصر واقتفاء أثر هؤلاء النساء وطبيعة نظرة المجتمع إليهن والوسائل الشعبية المتبعة لعلاجهن.

في البداية لم تكن نادين على دراية بأن اختيارها سيقع على حنان كبطلة رئيسية للفيلم، تلك السيدة المتزوجة منذ ثلاثة عشر عامًا، ولم يمن الله عليها بالذرية بعد، كما يُقال في مصر. إلا أن الصورة اتضحت أمامها بعد عام من التصوير.

حنان شابة لطيفة ومرحة وحساسة ذات عيون زرقاء. ما من شيء تتمناه أكثر من إنجاب طفل، حتى لا تشعر بعدم الفائدة وبأنها لا تستحق الحياة. يُنظَر إلى "الأمهات العاقرات" في مجتمع الصعيد باعتبارهن فألًا سيئًا. لا يجوز للسيدة الحامل أن تتعامل مع سيدة عاقر قبل الولادة، هذا ما ذكرته إحدى السيدات من صعيد مصر. تتعرض حنان للسخرية والاستهزاء من قبل شقيق زوجها، الذي كان من المفترض أن يتزوجها في الماضي. فيتهمها قائلًا: ولم نطعمكِ ونؤويكِ في مسكن، إن لم تنجبي طفلًا.

تؤكد حنان أن الله يأخذ الكثير من الناس، ولكنه يعوضهم في الوقت نفسه. وإلا لما استطاعوا العيش. يبدو أن مصدر السعادة الوحيد في حياتها هو علاقتها بزوجها الساكن الحزين، ويُدعى عربي.اتفق آبائهما على تزويجهما لبعض منذ نعومة أظافرهما. ولكن عندما نضج عربي وأصبح رجلًا أخذ يتودد إلى امرأة أخرى. وعلى ذلك، وقع شقيق عربي الأصغر في غرام حنان، وأراد أن يتزوجها بعد إنهاء الخدمة العسكرية. إلا أن أخيه اعترض طريقه وتزوج حنان ضد رغبتها.

ترى حنان أنه ربما يكون هذا هو جزائها. لخيانتها العهد. ولكن ماذا كان عساها أن تفعل؟

في الوقت الراهن أصبحت حنان سعيدة بزواجها من عربي، فحين أظهرت التحاليل أنها السبب في تأخر الإنجاب عرضت عليه الانفصال. إلا أنه لم يرد أن يسمع شيئًا عن هذا الأمر وتمسَّك بها. حنان محاطة يوميًا بأطفال جيرانها وأقاربها. العالم يدور من حولها. من عساه يحملنا إلى قبورنا عدا أبنائنا؟ هكذا تساءل حارس المدافن المسن، عم عبده. حمل الكثيرين إلى مثواهم الأخير، إلا أنه لم يحزن سوى على أخيه.

صورت نادين فيلمها على مدى أربع سنوات، واستطاعت خلال تلك الفترة أن تكتسب صداقة أبطالها، بحيث منحوها ثقتهم ولمحة صادقة عن حياتهم. إن ما يزخر به الفيلم من أحاديث انفرادية بسيطة، تتميز بالسهولة والانفتاح، هي أكثر ما يبهر المشاهدين.

وأمام الكاميرا توافق حنان على التدحرج أمام المدافن ذهابًا وإيابًا لإبطال مفعول اللعنة. لم تترك بابًا إلا وطرقته. وقصدت كذلك الأطباء والعيادات والقابلات ذوات القدرات الخارقة. وصل بها الأمر أن أخذت تقفز فوق ثعبان حي، ولكن دون جدوى. في المدافن يشير وجه حنان الذي يتلوى من الآلام إلى عبثية وعرضية أفعال البشر.

والفيلم يتغذى أيضًا على القصص والأساطير الخرافية التي يستند إليها التراث الشعب. مثلما روت أم منصور، القابلة العفية ذات الصوت الجهوري، قصة رهيبة، تجذب المخرجة وكذا المشاهد إليها...

حيث كانت هناك امرأة تلد أجنة ميتة، أو تموت فور ولادتها. أشارت عليها سيدة ذات قدرات خارقة أن تدفن الحبل السري لطفلها بعد الولادة في إناء فخاري أمام مدخل المنزل وذلك لتبقيه على قيد الحياة. وبالفعل عاش الطفل وبدا أن مفعول السحر قد تحقق. ولكن، حين يصبح الطفل في الرابعة من عمره، يتوفى الأب. وفي يوم من الأيام، أثناء سير الأم والطفل في حقل من حقول الخيار، يصرخ الطفل أنه جائع ويريد أن يتناول الكثير من الخيار. فتنظر الأم حولها في أنحاء الحقل بحثًا عن الحارس، وعندما لم تتمكن من العثور عليه، فتسرق خيارة. إلا أن الحارس، الذي كان يراقبها، يمسك بها ويهددها بإبلاغ البوليس إن لم تمارس الجنس معه. يقف الصبي ذو الأربع سنوات شاهدَا على هذا الحادث. وبعدها بأعوام عديدة، ينمو الطفل ويصبح رجلًا بالغًا، فيتزوج من فتاة شابة مدللة كثيرًا من والديها.إلا أن أمه، التي كان الزوجان يعيشان معها في نفس المنزل، كانت توبخها كل يوم. وحين تهددها الأم بأن ابنها سوف يطلقها ويتزوج من أخرى، يشير الزوج على زوجته بتذكير الأم بحادثة الخيار حين يتشاجران في المرة القادمة. وذلك حتى تتركها وشأنها. ولكن، حينما تستمع الأم من زوجة ابنها إلى تلك الفضيحة التي عانت منها منذ سنوات، تصرخ من العار وفي ثورة غضبها تمسك بالإناء الفخاري الذي دفنت فيه الحبل السري وتكسره، فيَبطُل مفعول السحر، وهو ما يتسبب في وفاة الابن في التو واللحظة، فتطرد الأم زوجة ابنها من الدار.

تروي أم منصور تلك القصة بثقة تؤكد أن الحادثة لابد وأن تكون قد وقعت كما روتها. العديد من القصص تتمحور حول التوبة والندم، ودائمًا ما يطرأ فيها عنصر الموت الحاضر في الفيلم. تحب حنان أن تقضي وقتها في المدافن، حيث تتحدث مع الأموات. وفيما بعد تتكشف للقارئ أفكارها الانتحارية. لأنها ترى في الموت منقذًا من ويلات هذا العالم. وخلال أعمال التصوير تتوفى القابلة أم منصور. وتلد جارة حنان جنينًا ميِّتًا.

من جهة أخرى، تعد تلك الصورة الضبابية الساطعة، التي تجسد طفلًا عاريًا يسبح في الماء، من العناصر التي تظهر مرارًا وتكرارًا على مدى أحداث الفيلم. وكأن الأطفال ينبعون من ذلك العالم الغامض المجهول. وقبيل نهاية الفيلم يكتشف المشاهد أن حنان كادت تغرق وهي طفلة، لولًا أن سيدة أنقذتها وغرقت في أثناء ذلك.

يبدو أن عنوان الفيلم، أم غايب، يشير إلى أن الأطفال يولدون من الموت، ذلك العالم الذي يحلِّق فوق رؤوسنا ونعود إليه مرة أخرى. إنها عقيدة راسخة في الإسلام. يقول القرآن في سورة البقرة، آية ۲۸: ...كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ...

ونعرف في نهاية الفيلم أن حنان استطاعت، وبعد ۱۳ عامًا، أن تصبح حاملًا. وأن زوجها يقيم احتفالًا كبيرًا بهذه المناسبة. ولكن في تلك اللقطة التي تجلس فيها حنان على فراشها، تائهة في أفكارها، بلا حجاب، فيرى المشاهد شعرها للمرة الأولى، تقرّ أنها خائفة ولا يمكنها أن تشعر بالفرحة حقًا. الضغط الذي كان يُمَارس عليها كان كبيرًا. فهل ستتوج سعادتها المنشودة طويلًا بإنجاب طفل حقًا؟

حنان تتعرض للإجهاض. هكذا ينتهي الفيلم. العديد من المشاهدين، ممن يتماهون معها في رحلتها المثابرة للبحث عن السعادة وعن معنى الحياة، لن يتوانوا في جميع الأحوال عن التساؤل عن أحقية الإنسان في تقرير وتحديد أسباب سعادته.

حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان أبو ظبي ومن مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية.