"الجاثوم" تجربة سينمائية غريبة في فينالي

مشهد من الفيلم "الجاثوم"  /  The Nightmare by John Henry Fuseli
مشهد من الفيلم "الجاثوم" / The Nightmare by John Henry Fuseli | AKIZ / via flickr.com, CC BY-SA 2.0

أغرب استهلال ممكن لفيلم هو أن يبدأ بلوحة تحمل تحذيراً من المخرج أن العمل قد يسبب مضاعفات للمصابين بالصرع، والسبب هو استخدام ذبذبات مزعجة وموسيقى مرتفعة بطول شريط الصوت. "لكن على أي حال.. هذا فيلم يجب أن يعرض بصخب"، هكذا ينتهي التحذير لندرك أنها مجرد مزحة افتتاحية تمهد للتجربة الغريبة في الفيلم الألماني Der Nachtmahr من إخراج النحات والفنان البصري أكيز، والذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان فيينا السينمائي "فينالي" في دورته الأخيرة.

عنوان الفيلم ـ الذي يصمم المخرج أن يظل بالألمانية دون ترجمته إلى عنوان بالإنجليزية ـ قد يُترجَم إلى "الكابوس"، أو لمصطلح أكثر دقة هو "الجاثوم"، الكلمة العربية التي تصف وحشاً أسطورياً يأتي ليلاً ليجثم على صدر النائم مسبباً له الكوابيس. عنوان الفيلم مستوحى من لوحة شهيرة بنفس الاسم للفنان السويسري هنري فوسيلي (١٧٤١ - ١٨٢٥)، تُصوّر هذا الوحش الخيالي فوق صدر امرأة نائمة. اللوحة كانت مصدر إلهام أكيز AKIZ (الاسم المستعار للمخرج أكيم بورنهاك)، الذي بدأ الأمر معه بمحاولة لنحت تمثال للجاثوم، فانتهى به الطريق لصناعة فيلمه الروائي الطويل الأول، الذي يراه بداية لثلاثية حول الجاثوم تناقش (الميلاد ـ الحب ـ الموت) على الترتيب

شاهدنا إذن فصل الميلاد، والمقصود هو مولد هذا المخلوق الكابوسي، ودخوله حياة المراهقة تينا (كارولين كينزكوف)، التي تعيش حياة مراهقة معتادة: سهرات وموسيقى صاخبة، كحول ومخدرات، هلاوس وعلاقات مضطربة بمن حولها. نمط الحياة الذي يعبر عنه أكيز عبر الصخب الذي حذر منه في بداية الفيلم. التتابع الأول في الفيلم، والذي تشاهد فيه تينا المخلوق لأول مرة كصورة التقطتها صديقتها لمنحوتة في معرض فني، قبل أن يتحول لحقيقة تراها تحت تأثير حبوب الهلوسة، هو مزيج من الأصوات والموسيقى والإضاءة الغرائبية للقطات تم القطع بينها بعنف، مع خلط بين الواقع والتخيل، ليضعنا المخرج مبكراً جداً داخل عالم تينا المشوش، والمهيأ تماماً لاستقبال الصديق الجديد.

صداقة غير متوقعة

وصف الجاثوم بالصديق قد يبدو غريباً في ظل شكله المشوه وردود أفعال تينا المذعورة تجاهه في المرات الأولى التي شاهدته فيها. هذه مراهقة تفقد تدريجياً تماسك وعيها بمحيطها، وتبدأ في إزعاج والديها اللذان يصيران مع تكرار الهواجس غير قادرين على تجاوز أفعال ابنتهما، مما يدفعهما لأن يأخذانها لتقابل معالجاً نفسياً، يبدأ عنده التحول غير المتوقع في علاقتها بكائن الكوابيس، بعدما ينصحها المعالج بأن تحاول عندما يظهر لها الكائن مجدداً أن تتحدث معه وتفهم منه سر ظهوره لها.

في حواره مع موقع "ذا موفابل فيست" يقول أكيز أنه لا يملك أي مصدراً علمياً لهذه النصيحة، فهو لم يذهب أبداً لمعالجٍ نفسي ولم يستشر أحداً عن كتابة فيلمه. "في الحقيقة لا أراها نصيحة غبية. كان من المهم ألا يكون هناك شرير للفيلم أو سبب واضح للمشكلة، سواء الأسرة أو الأصدقاء أو المعالج النفسي. لو كنت مكان الطبيب، وهناك فتاة تروي حكاية من الواضح أنها غير حقيقية، لذا فالتفسير هو أن الوحش مصدره عقل الفتاة وليس الواقع، لذا سأقول لها ببساطة ألا تهرب عندما تراه"!

تينا لا تهرب بالفعل، والجاثوم لا يبدو خطيراً على الإطلاق في تصرفه معها، لتنمو بينهما علاقة غريبة، تتطور من كونه كيان تعامله بحذر، إلى حيوان أليف ثم صديق وصولاً إلى حبيب في التتابعات الأخيرة، ليلامس ذلك التحوّر في شكل العلاقة صوراً لما يمكن أن تعانيه مراهقة من افتقاد وهواجس، ويقوم المخرج في كل مرة يتعدل فيها الرابط بين تينا ووحشها، بكسر التوقعات والتفسيرات الرمزية التي قد يحاول المشاهد الوصول لها سريعاً لممارسة ما تحاول أذهاننا عادةً القيام به: وضع الحكايات داخل إطار يفسر الأمور بوضوح قاطع.

ارتباك يليق بالموضوع

الحقيقة أنه لا شيء قاطع داخل عقل مُراهقة، بل لا شيء قاطع في في وعي من حولها بطبيعة ما تمر به من متاعب. ذلك ما ينجح أكيز أن ينقله في فيلمه: التشوش الكامل، وصعوبة الاعتماد على الحواس ـ العقلانية بطبيعتها ـ فحسب في استقبال عالم المراهقين. أمر يبلغ ذروته عندما يتحول جاثوم تينا إلى كائن حقيقي، يراه الآخرون ويتفاعلون معه، بذعر وعنف بالطبع طالما لم يخض أحدهم رحلة مصالحة معه كالتي خاضتها البطلة.

ما سبق تحديداً هو ما يجعل "الجاثوم" واحداً من أذكى أفلام النضج coming of age المعاصرة، أنه لا يحاول إدعاء الحكمة أو القدرة على وضع تفسيرات محكمة لما يصعب قياسه أو تقييمه. عشرات النظريات ومناهج التربية وأنماط الحياة، كلها لا يمكن أن تجزم بشكل متاعب المراهقة التي قد يواجهها أي إنسان. هذا فيلم يدرك صانعه جيداً أن السبب الرئيسي لصعوبة تلك المرحلة هو غرابتها وتقلبها وعصيانها للتوقعات والتفاسير.

لذا فإن انتقال وحش الكوابيس من حيز الخيالات إلى الواقع الفيزيائي، وتغير ما يمثله في حياة تينا تدريجياً بمرور أحداث الفيلم، بل وكون العمل كما أوضحنا مجرد فصل أول من ثلاثية ينوي المخرج إكمالها، كلها أمور تساهم في جعل الارتباك أداة سرد محورية في الفيلم. أداة تليق بصانع أفلام هو في الأصل فنان تشكيلي، يعي بأن تأثير العمل الفني لحظة التعرض له على ذهن المتلقي ومشاعره، هو جزءٌ لا يتجزأ من هوية العمل وقيمته.

حرفة فنان موهوب

إذا كان الفيلم يقدم هذا الارتباك بقصدية ونجاح على المستوى السردي، فإن التجربة لم تكن لتكتمل مالم يصيغها مخرج يجيد توظيف أدواته المتاحة لخلق زخم سمعي وبصري وفكري. ميزانية الفيلم لا تتجاوز ٨٧ ألف يورو، رقم يكفي بالكاد لصناعة عمل متقشف، يصعب تصور أن يكون كافياً لصناعة عمل يحتوي عدد كبير من مشاهده على كائن خيالي مخلق رقمياً. لكن استثمار المبلغ بذكاء من قبل أكيز الذي لعب أدوار المخرج والمؤلف والمنتج والمونتير ومصمم المؤثرات الخاصة، لم يجعل صورة الفيلم فقط أكثر ثراءً من ميزانيته، بل وأصبغ عليها خصوصية تنفق أعمال أخرى ملايين الدولارات بحثاً عنها.

هذه الحرفة يتوجها شريط صوت مبهر، قوامه الموسيقى المرتفعة وصوت الصراخ ـ تذكر التأكيد الافتتاحي أن الفيلم لابد وأن يعرض بصخب ـ مع زمجرة الجاثوم التي يتحول تأثيرها بسلاسة من الخوف إلى القلق حتى تصير في النهاية صوتاً محبباً تتنفس الصعداء عند سماعه في المشهد الختامي. ليكون إحكام شريط الصوت وتكامله مع العناصر البصرية والفكرية وسيلة أكيز في صناعة فيلمه المختلف والممتع.