ورش الكتابة معامل إبداع أم مصانع لنماذج موحدة

ورش الكتابة "قصص القاهرة القصيرة"
ورش الكتابة "قصص القاهرة القصيرة" | Goethe-Institut Kairo/Arnold Fuad

عباس خضر: "الورش الأدبية تساعد من لديهم الموهبة أو الرغبة في ممارسة الكتابة على إيجاد عناصر القوة والضعف لديهم."

و تقول عمران التي تعيش حاليا في القاهرة، نحن"في الورش الإبداعية أدركت بشكل رئيسي معنى كلمة "وعي"، قبلها كنت أكتب بانطلاق أناني قد يلائم الشعر أو القصة القصيرة.. فتعلمت أن أضع عقلي على الورق، أن أمنحه سلطة التحكم والتقييم، على أفكار اللاوعي المغرية".. هكذا تصف أسماء الشيخ (27 سنة) تجربتها مع ورش الكتابة الإبداعية التي التحقت بها خلال السنوات القليلة الماضية، والتي أصدرت عبر إحداها روايتها الأولى "مقهى سليني".

أسماء الشيخ (ابنة الإسكندرية) تعتبر أن ورش الكتابة منحتها نضجا وإدراكا لطالما أرادته دون أن تجد من يفرض عليها وصاية من أي نوع.

وترى سلمى هشام فتحي (29 سنة) أن مدرب ورشة الكتابة الناجح لا يجب أن يكون ديكتاتورا، وأن المشاركين في هذه الورش أيضا في النهاية ليسوا مُلزمين بمعايير صارمة في عملهم، وتضيف "فالكتابة في النهاية حرية وفن وإبداع".

وشاركت سلمى وأسماء في ورشة للكتابة العام الماضي ضمن مشروع "قصص القاهرة القصيرة"، الذي نظمه معهد جوته –القاهرة بالتعاون مع مؤسسة بنك التعمير الألماني ومؤسسة ليتبروم، وقام بالتدريب فيها الكاتب الألماني (عراقي الأصل) "عباس خضر".

وتكرر في مصر خلال الأعوام الأخيرة تنظيم ورشة الكتابة الإبداعية حتى بلغ عددها العشرات، تم تنظيم أغلبها في القاهرة، ولكن بعضها كذلك عقد خارج العاصمة.

الموهبة والتعليم

يرى عباس خضر أن ورش الكتابة تساعد من لديهم الموهبة أو الرغبة في ممارسة الكتابة في إيجاد عناصر القوة والضعف وبنفس الوقت العمل علي التقنيات الشخصية وتفعيلها.

لكنه يضيف "في تصوري لا يتعلم أي شخص الكتابة في حد ذاتها في ورشة أبدا".

ويوافق الكاتب المصري "محمد عبد النبي" على ما ذهب إليه خضر، ويقول "لا شك في ضرورة الموهبة، ولا شك أن كتب تعليم الفنون لا تصنع فنانًا، لكن دون رغبة في التطور والتعلم وتبادل للخبرات سيبقى كلٌ منا يتحرك في موضعه".

ولكنه يرى أيضا أن تقنيات وأسس الكتابة يمكن تعلمها مثل أي فن آخر.

ودرب عبدالنبي عشرات من الشبان في سلسلة من ورش الكتابة بالقاهرة وخارجها ضمن مشروع أسماه "الحكاية وما فيها"، وأقيمت أحدث ورش الكتابة التي درب فيها بمدينة دمياط (190 كيلو متر شمال القاهرة) خلال النصف الأول من هذا العام.

ويقول عبد النبي عن الورشة الأخيرة "لم أجد فروقًا هائلة بين ورش الكتابة في العاصمة والورشة التي قمت بها مؤخرا في محافظة دمياط"؛ ولكنه يضيف "ما لفت انتباهي أنهم نادرا ما كتبوا، في التمارين أو في مشاريع تخرجهم، عن خصوصية بيئتهم ونمط حياتهم المختلف".

ورشة جوته

„يرى مينا وليم (26 سنة) أن "هدف الورش الأدبية هو أن تعطيك دفعة جديدة، تجعلك تعبر عن ذاتك بأفضل أسلوب ممكن"، ويضيف أن هذا كان هو الوضع في الورشة التي استضافها معهد جوتة في القاهرة.

ويقول مينا وليم (الذي يعيش قرب مدينة المنصورة بشمال الدلتا) "خلال تجربة ورشة القاهرة للقصة القصيرة بمعهد جوتة، لم يكن الوضع مثل محاضرات في تقنيات الكتابة بشكل تقليدي، ولكن كان الجميع يشارك بخياله ورؤاه المختلفة".

وتوافق سلمى هشام فتحي على ذلك، وتقول عن الورشة التي حضرتها في معهد جوتة "جعلتني أعيد النظر في كتاباتي، وأؤمن أن الكتابة تحتاج إلى الجهد والتنظيم، وأنها لا تعتمد فقط على الإلهام".

ويؤكد الكاتب المصري "محمد خير" على ما ذهبت إليه سلمى، ويرى أن ورش الكتابة نشرت انطباعا بأن "عملية الإبداع وإنتاج الثقافة هي عملية (جادة) تحتاج إلى الانتظام والعمل الجماعي بالقدر الذي تحتاج فيه إلى الفردانية والموهبة الخاصة ولحظات (الوحي)". ودرب خير في ورشة كتابة واحدة بالتعاون مع "الكتب خان" بالمعادي، كما شارك في تحكيم منافسة في القصة القصيرة، وسبق أن فاز بجائزة محلية في مجال القصة.

مشكلات ومخاوف

يوافق الكاتب المصري "أحمد شوقي علي" (27 عاما) على أن بعض ورش الكتابة تجبر الكاتب -سواء كان موهوبا أم لا- على العمل المنتظم، وإنتاج صفحات أسبوعية من مشروعه الأدبي.

و يرى أحمد شوقي علي أن ورش الكتابة لها مشاكلها كذلك، فهي تحد من قدرة مشروع الكاتب الشاب على التجريب، وتضع أمامه خطة عليه أن يتبعها، وهو ما يقتل إمكانية تفرده.

وأحمد شوقي علي الذي صدرت له مجموعة قصصية "القطط أيضا ترسم الصور" (2010) ورواية "حكايات الحسن والحزن" (2015) يعتز أنه اختار أسلوب كتابته ورسم طريقه بنفسه دون أن يحضر أي ورشة للكتابة الإبداعية.

ولكن سلمى هشام فتحي لا توافق على أن ورش الكتابة تقوم بتنميط الكتاب الشباب، وتقول إنها تحفز قدراتهم.

وتقول أسماء الشيخ من جانبها " أكره من يدعي سلطة على الإبداع، من يمنح كتالوجات للكتابة، ويتوقع من الآخرين اتباعها. لكنني لحظي الطيب لم أصادف هؤلاء كثيرا".

ويضيف مينا وليم "عندما يكون القائم على الورشة أديبا متمرسا؛ يستطيع أن يشرك الأعضاء معه على الرغم من اختلاف أساليبهم ومدارسهم في السرد القصصي، ويتقبل الجميع الاختلاف".

وبعيدا عن تقييم كل ورشة كتابة على حدة يقول "محمد خير" عن التجربة إجمالا "اعتقد أن تأثير الورشة لا يتعلق بالضبط بطبيعة النصوص الناتجة عنها قدر ما يتعلق بانعكاس التجربة نفسها - العمل الجماعي ومشاركة الأفكار والدأب المنتظم - على المشاركين فيها وتطوير طريقة تفكيرهم".

وعلى نفس المنوال تتحدث سلمى هشام فتحي وتقول " أرى أن من أفضل مميزات الورش التفاعل الإنساني ومنح الكاتب الثقة اللازمة لقراءة نصوصه أمام الآخرين والاستفادة من ملاحظاتهم".

وتقول أسماء الشيخ إنها ترى أن الصداقات التي كونتها عبر ورش الكتابة من أهم ما خرجت به "إنسانيا" من الورش الأدبية.

أخيرا.. فإن جوهر الورشة الأدبية كما يراه عباس خضر هو "غرس فيروس حب الكتابة في قلوب الأدباء الجدد وتفعيل هذا الحب كفعل حياة ومغامرة أكثر منه فعل هواية".