الأدب في المغرب "الشعر يأتي في البداية ومن بعده الصحافة"

تحدَّث الكاتب المغربي ياسين عدنان مع رئيس معهد جوته، كلاوس ديتر ليمانّ، والناشرة دوناتا كينتسيلباخ حول تداعيات الاضطرابات السياسية على الكتابة في المغرب. وأوضح في حواره مع كيرستين كنيب كيف انعكس التحول الاجتماعي في المغرب على أعماله وكيف استغلت منظمة الدولة الإسلامية الإسلام كذريعة لجرائمها والسبب وراء أهمية الشعر والأدب في هذه المرحلة بالتحديد.

السيد عدنان، تحوَّلت أنظار الألمان في الأسابيع الماضية إلى اللاجئين القادمين من المغرب إلى ألمانيا. وقد تم إعلان المملكة المغربية موطنًا آمنًا جنبًا إلى جنب مع الجزائر وتونس. ما هو شعوركم حيال محاولات الشباب المغاربة للوصول إلى أوروبا؟

لا تزال المغرب، على حد علمي، بلدًا آمنًا، رغم ما تواجهه من مشكلات اقتصادية. فما من حرب في البلاد، والمواطنون لا يواجهون تمييزًا عرقيًا أو أيديولوجيًا أو دينيًا. حين يتوجه بعض المغاربة الشباب إلى ألمانيا طالبين اللجوء، فإنهم يسعون بذلك إلى الانتفاع في المقام الأول من تدفق المهاجرين السوريين على ألمانيا، يرون الأمر بمثابة فرصة ذهبية لتحقيق حلمهم في العيش في "إل دورادو" المتمثِّلة في أوروبا.

لم تشهد المغرب على مر السنوات الماضية العديد من الاضطرابات السياسية على عكس بلدان أخرى عديدة. إلام يعود ذلك؟
 
لقد خرج المغاربة إلى الشوارع أيضًا في ربيع عام ۲۰۱۱. إلا أنهم لم يطالبوا بسقوط النظام؛ لأن المغرب كانت قد حققت تطورات ديمقراطية في إطار حرية التعبير عن الرأي وحرية التظاهر والاحتجاج وذلك قبل سنوات من الربيع العربي. وأطلقت الحكومة المغربية مبادرات تنموية شاملة في مجالي الاقتصاد والسياسة قبل عشر سنوات من اندلاع الثورات العربية. حيث عملت على تحسين دخول أكثر من تسعة ملايين فرد لاسيما من الجماعات المهمَّشة. وكرَّست جهودها نحو تأمين الغذاء لمواطنيها وكذلك أماكن العمل في المناطق الريفية. إضافة إلى الاستثمار في مجال السياحة وتطوير البنية التحتية. علاوة على ذلك، أقرَّت المغرب دستورًا جديدًا في عام ۲۰۱۱. وتعد واحدة من أكثر دول العالم العربي تقدمًا. إلا أنه يؤلمني ما تتعرض له المنتجات الزراعية المغربية في السوق الأوروبية من تضرر جراء المصالح التجارية لجماعات الضغط الزراعية في أوروبا.

لقد أصبح لمنظمة "الدولة الإسلامية" الإرهابية (IS) وجود في المغرب العربي، لاسيما في ليبيا. ما سبب انجذاب بعض العرب للإسلام المتطرف إلى هذا الحد؟
 
الإسلام هو أكبر ضحايا الدولة الإسلامية. هذا هو السبب الوحيد؛ لأنه يُستَخدَم كذريعة لكافة الجرائم التي ترتكبها منظمة الدولة الإسلامية والقاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية. وكل هذا لا يمت للدين أو التديُّن بأية صلة. إنه تعبير عن الكساد التاريخي الذي واجهه العالم العربي منذ بداية الاستعمار ومنذ تشريد الفلسطينيين. وكثيرٌ من العرب يرى حرب الخليج وتفكيك العراق بمثابة دلائل على سياسة الغرب المزدوجة ووضعه مصالحه الخاصة فوق كل اعتبار. وهذا الغرب قدَّم دعمه أيضًا لأنظمة الفساد التي تسببت في إفقار المناطق وفي نمو الجهل وعزَّز بدوره من غياب التعليم والثقافة. وكل هذا يرتد مرة أخرى إلى نحر الغرب.

يعيش أبناء وأحفاد المهاجرين في أوروبا بهوية منفصمة. ليسوا على دراية بأسس الدين الإسلامي أو حتى بالقواعد اللغوية العربية. إلا أنهم يرون فيها تبريرًا لكرههم للمجتمعات الغربية وعنفهم تجاهها - تلك المجتمعات التي لم تر ضرورة لدمج هؤلاء الشباب.

أنا لا أسعى بذلك إلى تبرير الإرهاب، بل إلى شرح أسبابه. ينبغي أن نكرِّس جهودنا في المغرب وغيرها من الدول العربية نحو مناهضة الظلامية والعدمية، ومكافحة الفقر والتهميش، وكذا نحو تفسير القرآن تفسيرًا علميًا يتصدى للتفسيرات الخاطئة والمتطرِّفة.

"الشعر يأتي في البداية ومن بعده الصحافة" - هكذا وصفتم عملكم. ما الذي يثير حماسكم كشاعر؟

Shoshana Liessmann, Klaus-Dieter Lehmann, Donata Kinzelbach und Yassin Adnan auf der Leipziger Buchmesse
شوشانا ليسمانّ وكلاوس ديتر ليمانّ ودوناتا كينتسيلباخ وياسين عدنان في معرض لايبتسيج للكتاب | تصوير: أندرياس فونشيرس
 
الشعر والأدب يمنحان المرء صوتًا، ويصيغان حيرته وشكوكه وارتيابه. وبالتالي يقف الشعر في مواجهة التطرف، الذي يعكس اليقين الذاتي المطلق. كما يعد الشعر ثقلًا موازنًا لوسائل الإعلام وما تستند إليه من تعميمات وقوالب مصبوبة وصور نمطية. كلنا يخوض معركة مزدوجة، كل من يشتغل بالشعر والأدب في العالم العربي. فنحن نناضل من ناحية من أجل الفرد وهشاشته، وكذا في سبيل حقه في الحرية وحقه في الحلم وحتى في ارتكاب الخطأ. ونسعى من خلال كتبنا، حين تُتَرجَم إلى لغات أجنبية، إلى وضع حد لمحاولات وسائل الإعلام الدولية المتواصلة نحو اختزال إنسانية الشعوب العربية وهوياتهم الوطنية في الإرهاب.

تحدثتم في عملكم الذي حمل عنوان "دفتر العابر"عن "شاعر جوَّال". مم استوحيتم تلك الصورة المجازية؟

أعشق السفر. وفي كتاب "دفتر العابر"، وهو قصيدة طويلة تمتد لأكثر من ۲۰۰ صفحة، وصفت حركة جسدي وروحي الحرة ما بين عواصم العالم والمطارات ومحطات القطار والمقاهي والبارات في أسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا والنمسا والدول الاسكندينافية وأمريكا. فتلك القصيدة بمثابة جولة لا تعترضها أية عوائق، أو حوار قد لا ينتهي. امتد وصفي لألمانيا في هذه القصيدة لأكثر من ۳۰ صفحة: في برلين وبافاريا وفرانكفورت. وفي هذه الأثناء كنت أقرب إلى هولدرلين من أي شاعر عربي.

ها قد صدرت أولى رواياتكم بعنوان "هوت ماروك" (المغرب الساخن). عم تدور الرواية؟

تتمحور الرواية حول المغرب وما شهده من تغيرات، حول التغيرات التي طرأت على مدينة مراكش، كقرار التضحية بالأشجار والنباتات في سبيل التجديد الحضري، وحول الجامعة والحركية الطلابية. تدور حول انهيار ثقافة المناظرات على شبكة الإنترنت، وقطع الصلات الرقمية. بطل الرواية هو رحال العوينة، شابٌ خجول إلى حد الجبن، يهاجم الآخرين محتميًا بهويته المجهولة على الإنترنت.

ولقد منحت شخصيات الرواية ملامح حيوانية، فكل بطل من أبطال الرواية اكتسب صفات تُعزى عادة إلى إحدى الحيوانات. تعد الرواية من ناحية "كوميديا حيوانية" أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر حقيقية، ومن ناحية أخرى "كوميديا إلكترونية"، لأن جزءًا من مغامراتها وأحداثها يدور بين خيوط شبكة الإنترنت العالمية، لاسيما على الفايسبوك.

رواية "هوت ماروك" هي رواية معاصرة ترصد البيئة الاجتماعية أيضًا وتتصدى لمشكلاتها من منظور فني. وهي رواية حضرية عن مدينة مراكش، تمتزج في إطارها التقاليد المحلية والعالمية، حيث تعكس المدينة من منظور أبناء الطبقة الوسطى ذوي الصلة بالمدينة القديمة والمركز السياحي؛ وكذا من منظور الأحياء الفقيرة التي يتسع نطاقها يومًا بعد يوم. تتمحور تلك الرواية حول مدينة يتدفق إليها أشخاص جدد عامًا بعد عام، وتزداد صعوبة الحياة فيها يومًا بعد يوم.